اعلم أن المشروع في التسليم هو البداية باليمين قبل الشمال لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن خالف الترتيب فسلم على شماله قبل يمينه فهل تبطل صلاته بمخالفة الترتيب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الترتيب بينهما واجب وهذا هو الذي حصله المؤيد بالله لمذهب الهادي، فإذا خالف بطلت صلاته لتركه فرضاً من فروض الصلاة وواجباتها.
قال القاضي زيد: ولا يبعد إذا قلنا بوجوب الترتيب بينهما وسلم على شماله قبل يمينه ثم يسلم على يساره أن تصح صلاته لأنه قد ذكر أن تسليمة واحدة لا تبطل الصلاة فإذا سلم على شماله بعد ذلك فقد وفَّى بالترتيب فلهذا لم تبطل صلاته وعليه سجود السهو لما وقع من التكرار بالتسليم.
المذهب الثاني: أن الترتيب بينهما غير واجب، وهذا هو رأي القاسم، والحقيني، فإذا أخل به لم تبطل صلاته ولا يلزمه سجود السهو وإنما لم تبطل صلاته لأنه أتى بالتسليم المفروض فلم تبطل صلاته وإنما يلزمه سجود السهو لأنه تغيير هيئة، والهيئات أمور إضافية لا يحصل بها نقص في الصلاة وأفعال تابعة.
والمختار: ما أشار إليه القاسم لأنه قد أتى بالفرض من التسليم عن اليمين والشمال وهذا هو المشروع ولم يتأخر عنه إلا هيئة الترتيب بينهما وهو أمر إضافي تابع للتسليم فنزل منزلة الجهر والإسرار في الصلاة ومنزلة وضع اليد حذاء المنكب والخد فإن هذه الأمور لا يحصل بها نقص في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: التسليم فرض من فروض الصلاة كما قررناه من قبل على هيئته المشروعة، فإذا أخل به بطلت صلاته.
قلنا: إن المصلي قد أتى به لا محالة ولم يتأخر إلا صفته وهو الترتيب والترتيب أمر إضافي لا يخل بأصل الفرض المؤدى كما لا يخل التجافي بمطلق السجود إذا تأخر عنه لأن المقصود شيء والأمر الإضافي شيء آخر، فإذا أخل بالأمر الإضافي لم يلزم منه الإخلال بالمقصود.
المسألة الخامسة: قال أحمد بن يحيى في (المفرد)(1):
لو أن رجلاً صلى ركعتين فلما كان في الثالثة نسي القراءة وسبح ثم ذكر قبل أن يركع فإنه يقرأ، وإن كان بعد الركوع لم يقرأ وهذا يريد به في صلاة الوتر لأن التسبيح في الركعتين الأخيرتين من الرباعية والثالثة من المغرب هو الأفضل على رأي الهادي وأولاده فلهذا قلنا إنه أراد الوتر لأنه لا ثلاثية من النوافل إلا الوتر، وما ذكره فيه مبني على أصلين:
الأصل الأول: أن هذا على أن مذهبه أن الأفضل في الثالثة من الوتر هو القراءة كما دل عليه كلام القاسم بخلاف الفرائض فإذا ركع من غير قراءة فقد فاته موضع القراءة فلهذا جبره بسجود السهو لأنه زاد في صلاته ذكراً لا يبطلها فلهذا تعلق به سجود السهو.
الأصل الثاني: أن النوافل كالفرائض في تعلق سجود السهو إذا زاد فيها أو نقص كما سنقرره على أثر هذا بمعونة الله، وإذا سهى في صلاة النفل فهل يسجد للسهو أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يسجد في الزيادة والنقصان في النوافل المنفصلة كالوتر وركعتى الظهر والمغرب والفجر، وهذا هو رأي أئمة العترة.
قال: لا يختصان الفرض دون النفل. وهو قول الشافعي في الجديد، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله : ((لكل سهو سجدتان " )). ولم يفصل بين الفرض والنفل، وقوله : ((من شك في صلاته " فليسجد سجدتين بعدما يسلم)).
المذهب الثاني: أنه لا يسجد في صلاة النفل وهو قول الشافعي القديم، ومحكي عن ابن سيرين.
__________
(1) لعل المقصود هو الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، المتوفى سنة 325هـ، فإن له كتاباً يحمل هذا الاسم.
والحجة على هذا: هو أن الفروض الشرعية الغرض بتأديتها الخروج عن عهدة الأمر والإلزام وليس يمكن ذلك إلا بتأديتها على أكمل الوجوه وأتمها ليخرج المكلف بها عن عهدة اللزوم، فإذا عرض في بعضها عارض من زيادة أو نقصان وجب جبرانها بسجود السهو بخلاف النوافل فإن المقصود منها هو القربة إلى الله تعالى وإحراز الثواب، والأجر حاصل سواء كانت ناقصة أو كاملة فلهذا لم يتوجه فيها سجود السهو للجبران.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة، وهو رأي الأكثر من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنها عبادة يدخل الجبران في فرضها فدخل في نفلها كالحج.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الفروض الغرض بها الخروج عن عهدة الأمر فلا بد من إكمالها وتمامها بسجود السهو بخلاف النوافل.
قلنا: قد حصل الأمر بالواجبات وحملناه على الوجوب وورد الأمر بالنوافل وحملناه على الندب والغرض الخروج عن عهدة الأمرين جميعاً، تارة بالوجوب، وتارة الددب، فإذا عرض النقص في النوافل توجه إكمالها بسجود السهو كالفرائض.
المسألة السادسة: وإن كرر قراءة الفاتحة مرتين وهكذا السورة والتشهد إذا كررهما لزمه سجود السهو لمخالفته للمشروع كما لو زاد أو نقص من المسنونات، وإن قرأ السورة قبل الفاتحة فهل يلزمه سجود السهو أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن السجود لازم له لأنه خالف المشروع في ترتيب الفاتحة على السورة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وهذا هو رأي أبي حنيفة.
وثانيهما: أنه لا سجود في تغيير الترتيب لأنه تغيير هيئة فلا يتوجه فيه سجود السهو كالسجود على الجبهة والأنف فإنه لا ترتيب فيهما وهذا هو المختار. لأن المقصود هو حصول القراءة في السورتين والترتيب بينهما أمر إضافي لا عبرة به.
وحكي عن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: أنه إذا قرأ الفاتحة في الركعتين الأوليين مرتين فعليه سجود السهو فإن قرأها في الآخريين مرتين فلا سهو عليه والفرق بينهما أن القراءة بالفاتحة في الأخيرتين بمنزلة الدعاء دون القراءة بدليل أنه لو سبح جاز وهذه التفرقة جيدة فإن الله تعالى جعل سورة الفاتحة بين العبد وبين ربه نصفين فالنصف الأول ثناء والنصف الآخر دعاء فإذا كررت في موضع الدعاء اغتفر التكرير، ولم يلزم فيه سجود السهو، وإن خالف المصلي وجعل تسبيح الركوع في السجود، وتسبيح السجود في الركوع، لزمه سجود السهو؛ لأنه خالف المشروع في المسنون.
المرتبة الثالثة: في بيان حكم الزيادة التي ليست من جنس المفروض ولا من جنس المسنون.
واعلم أن ما كان على هذه الصفة من الأفعال فلا يخلو حاله، إما أن يكون قليلاً أو كثيراً، فإن كان قليلاً كالحركة اليسيرة ودرء المار وتسوية الرداء فإن الصلاة لا تبطل بفعله سواء كان عمداً أو سهواً لأن فعلها عمداً قد اغتفر الشرع وعفى عنه، وإذا كان عمده لا يبطل الصلاة فسهوه أولى بذلك وأحق، وإن كان كثيراً فعمده وسهوه يبطلان كالأكل والشرب وما شاكلهما.
قاعدة: تجمع ما يتعلق بسجود السهو في الزيادة والنقصان على جهة الإجمال وجملة ذلك أن السهو تارة يقع بالزيادة، وتارة يقع بالنقصان فهذان قسمان نفصلهما بمعونة الله تعالى.
القسم الأول: ما يتعلق بالزيادة، وتارة يتعلق بالأفعال، ومرة بالأقوال فهذان ضربان:
الضرب الأول: ما يتعلق بالأفعال فهو كل فعل إذا أتى به عمداً في الصلاة أبطلها فإذا أتى به على جهة السهو تعلق به سجود السهو، وقد يكون من جنس أفعال الصلاة، وقد يكون من غير جنسها، فأما ما يكون من غير جنس أفعال الصلاة فإنه لا يتعلق به سجود السهو فإن كان قليلاً فإنه لا يبطل الصلاة وهذا نحو درء المار، وتسوية الرداء، ونحو الحركة اليسيرة، وإن كان كثيراً فإنه يكون مبطلاً للصلاة وهذا نحو الأكل والشرب كما مر بيانه، وأما ما يكون من جنس أفعال الصلاة فالعمد منه يفسد والسهو لا يفسد وهذا نحو أن يزيد ركعة كما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه[صلى الله عليه وآله وسلم] صلى الظهر خمساً فقيل له في ذلك فسجد سجدتين للسهو بعد التسليم، وهكذا إذا ركع في موضع السجود أو سجد في موضع الركوع سهواً فإنه يسجد للسهو.
الضرب الثاني: ما يتعلق بالأقوال، وهذا نحو أن يسلم تسليمة واحدة أو يسلم تسليمتين على جهة السهو فإنه يسجد لسهوه وإن قرأ في موضع الركوع والسجود ساهياً سجد لسهوه وإن سبح تسبيح الركوع في السجود أو سبح تسبيح السجود في الركوع سجد لسهوه لمخالفته للمشروع كما قررناه من قبل.
القسم الثاني: ما يتعلق بالنقصان. وجملة الأمر فيه أنه إن ترك ركناً من أركان الصلاة فإنه لا يحكم بصحة صلاته حتى يأتي به ولا ينجبر بسجود السهو، وإن ترك سنة من سنن الصلاة نظرت في حالها، فإن كانت سنة مستقلة وجب فيها سجود السهو، وهذا نحو ترك التشهد الأول، ونحو ترك القنوت، ونحو أن يترك تسبيح الركوع، أو تسبيح السجود، أو يترك أول التشهد الأخير أو آخره، فإن ما هذا حاله يجبر بسجود السهو، وإن كان المتروك هيئة، وهذا نحو ترك التجافي، ونحو ترك الجهر والإسرار على رأي من يجعلهما هيئة، ونحو أن يجعل الكفين حذاء الخدين أو المنكبين إلى غير ذلك من الهيئات التي ليس لها حظ الإستقلال في كونها سنة ولكنها تابعة لغيرها فإن ما هذا حاله لا يتعلق به سجود السهو وهذا كله قد أوردناه من قبل وأوضحنا مسائله التي يتعلق بها، ولكنا أوردناها هاهنا على جهة الإجمال لتكون من الناظر على خاطر وبال.
---
الفصل الثالث في حكم الشك في الصلاة
اعلم أن الشك حظور أمر بالبال مع خلوه عن الاعتقاد والظن والعلم، فإذا شك المصلي هل صلى ثلاثاً أو أربعاً فلا يخرج عن حالة الشك إلا بأحد أمور ثلاثة: إما بالعلم بأحد الإحتمالات، وإما بالظن لأحدها، وإما بالاعتقاد، فمتى حصل أحد هذه الأمور الثلاثة زال الشك بكل حال، وحاصل الأمر فيه أن يتعارض تجويزان على التناقض لأسباب عارضة توجب التناقض، وقد ذكر الشيخ أبو حامد الغزالي في كتابه (الوسيط): أن يتعارض اعتقادان على التناقض. وهذا فاسد فإن الشك لا يصاحبه الاعتقاد ولا الظن ولا العلم كما أشرنا إليه ولكنه تصور للحقيقة مجردة عن الاعتقادات والظنون والعلوم ونجردها لعدم القرائن الموجبة للترجيح، فإذا حصل الرجحان زال الشك وهو مخالف للظن في ماهيته، فإن الظن تغليب بالقلب على أحد الإحتمالين، والشك لا تغليب فيه، والتصور هو الشك خلا أن التصور يصاحب هذه الأمور الثلاثة، والشك لا يصاحبها.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اعلم أن الشك لا يكون مستنداً لشيء من الأحكام العقلية ولهذا فإنه لو أخبره مخبر بأن في هذا الطريق سبعاً وشك في صدقه وكذبه ولم يحصل له غلبة ظن على الصدق فإنه لا يقدم على المضي في تلك الطريق بناء على الأصل لا عملاً على الشك ولا يكون طريقاً إلى تقرير الأحكام الدينية فإنه لو شك في كفر شخص أو فسقه فإنه يواليه عملاً على الأصل في أن من وجد في دار الإسلام فهو مسلم لا من جهة العمل على الشك، ولا يكون أصلاً في شيء من الأحكام الشرعية العملية ولهذا فإنه لو شك في كون هذا الماء طاهراً أو نجساً فإنه يعمل على الطهارة عملاً على الأصل لا عملاً على الشك فإذن لا عمل على الشك في جميع هذه الأحوال والذي يقع التعويل عليه في العمل بأحكام الشريعة طريقان:
الطريق الأول: العلم. كما نقوله في الشهادات فإنه لا مستند للشهادة سوى العلم ولا تجوز الشهادة على غلبة الظن إلا في صورة نقررها في باب الشهادة لضرورة الحال كالشهادة فيما يشهد فيه الإشتهار كالنكاح، والنسب، وكالشهادة على الإفلاس، وعلى العدالة، وعلى أروش الجنايات، وقيم المتلفات.
الطريق الثاني: غلبات الظنون في باب العبادات والعادات والمعاوضات وأنواع المعاملات في أبواب الشريعة، فإنه أعظمها جرياناً وأوسعها خطوا وأكثرها مضطرباً، فإذا عرفت هذا فطروء الشك لا يخلو إما أن يكون واقعاً في حال الصلاة أو بعد الفراغ منها، فإن وقع في حال الصلاة فسيأتي تقرير الحكم فيه، وإن وقع بعد الفراغ من الصلاة ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن ذلك محطوط عنه ولا تجب عليه الإعادة، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان، وهو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الشك يكبر بعد الفراغ من الصلاة فلا سبيل إلى تتبعه والعمل عليه.
القول الثاني: أنه يكون كالشك في أثناء الصلاة فإن الأصل فيه أنه لم يفعل فإن قرب الزمان قام إلى التدارك وسجد للسهو لأنه سلم في غير محله، وإن طال الزمان فلا وجه إلا القضاء والإستئناف، وهذا قول ثان محكي عن الشافعي.
القول الثالث: أنه إذا شك بعد تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن قرب الزمان اعتبر به، وهو محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
والمختار: ما قاله الأخوان.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المصلي إذا فرغ من الصلاة فالظاهر هو العمل على صحتها فذكر الشك بعد التسليم لا يطرق خللاً فيما قد تقرر من صحتها.
ومن وجه آخر: وهو أن الأخبار دالة على الرجوع إلى الأقل عند الشك، أو على تغليب الظن على الصحة وهذا إنما يكون في حال اشتغاله بالصلاة وتلبسه بها فأما بعد الخروج منها فلا وقع له.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه بعد الفراغ يكون كالشك في إثباتها في تغليب الظن والبناء على الأقل.
قلنا: إنه في أثناء الصلاة أعمالها متصلة بخلاف ما إذا كان قد فرغ عنها فلا وجه لإعمال النظر ولا فائدة فيه.
قالوا: إن شك بعد تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن كان الزمان قريباً اعتبر به.
قلنا: إن قرب الزمان وبعده سيان في أنه لا اعتبار به بعد تقضي الصلاة وفراغه منها فإذن التعويل إنما هو على كون المصلي مشتغلاً بالصلاة ومتلبساً بها.
الفرع الثاني: في حكم الشك إذا عرض في حال الصلاة.
فإذا عرض له الشك في ركعة بكمالها فيحصل المقصود منه بأن نرسم فيه مسائل:
المسألة الأولى: إذا شك المصلي فلم يدر هل صلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً ففيما يجب عليه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أنه إذا شك فلم يدر عدد الركعات، وكان الشك أول ما عرض له، والغالب من حاله السلامة والشك نادر، فإنه يستأنف الصلاة، هذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب وارتضاه.
والحجة على هذا: هو أن المقصود من العبادات أداؤها على اليقين إذا كان متمكناً أو على غالب الظن إن لم يتمكن من العلم ليكون بذلك خارجاً عن عهدة الأمر ويسقط لزومها للذمة وذلك يوجب أنه إذا كان الشك أول عرض له أن يستأنفها لما روي عن الرسول أنه قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). وهو إذا استأنفها فقد عدل عما يريبه من اللزوم إلى ما لا يريبه من اللزوم.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي: أنه يأخذ بالأقل ويبني على صلاته ويسجد سجدتي السهو. وهذا هو قول مالك، وربيعة من فقهاء التابعين، ومحكي عن أمير المؤمنين وأبي بكر وعمر وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته " فليلق الشك وليبن على اليقين فإذا استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان للجبران، وإن كانت صلاته ناقصة كانت الركعة تماماً للصلاة والسجدتان ترغمان أنف الشيطان))(1).
__________
(1) تقدم قريباً عن ابن مسعود من رواية مسلم.
المذهب الثالث: محكي عن الحسن البصري: أنه يذهب على وهمه ويسجد للسهو. وهو محكي عن أبي هريرة، وأنس بن مالك من الصحابة رضي الله عنهم.
والحجة على هذا: هو أن الإستئناف إبطال للعمل وقد قال تعال: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وإن كان الأمر هكذا وجب الذهاب على الوهم ومعناه أن يبني على الأقل ولا يلتفت إلى عارض شكه، ويكون الشك كأن لم يكن، ولأنه إذا ذهب على وهمه كان أقرب إلى انسداد أبواب الشك وإبطال التوهمات والشكوك العارضة، والتفرقة بين هذا المذهب وبين مذهب الشافعي هو أن الشافعي يبني على الأقل عند عروض الشك لأنه هو المستيقن. والحسن البصري ومن قال بقوله يقولون: يذهب على وهمه. أي أنه يبني على ما يذكر من حاله فيبني عليه ولا يلتفت إلى الأقل المستيقن فهذه هي التفرقة بين المذهبين.
المذهب الرابع: محكي عن أبي حنيفة وهو أن المصلي له ثلاثة أحوال، فإن كان ذلك الشك أول مرة استأنف الصلاة، وإن كان الشك غالباً عليه تحرى أكثر رأيه فيبني عليه وسجد للسهو، وإن لم يكن يدري لغلبة الشك عليه بنى على اليقين في الأقل.
والحجة على هذا: هو أنه في الحالة الأولى الغالب من حاله السلامة فإذا عرض له الشك فإنه يؤثر اليقين على الشك ويستأنف الصلاة ليكون الفرض ساقطاً عن ذمته بيقين وتحقق، وفي الحالة الثانية أو أكثر غلبة الشك تحرى أكثر رأيه فبنى عليه لأنه روي عن النبي أنه قال: ((إذا شك أحدكم ولم يدر أثلاثاً صلى أو أربعاً " فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب)). وفي الحالة الثالثة إذا لم يكن له رأي ولا تحرى لغلبة الشك عليه فإنه يبني على اليقين ويرجع إلى الأقل لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أم أربعاً " فليبن على اليقين وليدع الشك)). وليس يكون البناء على اليقين إلا بالرجوع إلى الأقل فهذا تقرير المذاهب بأدلتها على ما ذكرناه.