أما أولاً: فلأن الله تعالى نهى عن إبطال العمل بقوله: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وإذا قلنا: بفساد الصلاة فقد أبطلناها.
وأما ثانياً:فلأنها تقررت الصلاة من أول وهلة على الصحة بالتظنن، وحصول العلم بعد هذا لا يبطل ما قد تقرر من صحتها فلهذا كان الحكم بصحتها هو الأولى.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن المصلي قد تحقق في آخر الأمر أنها زائدة فأشبه ما لو تحقق زيادتها من أول الأمر فلهذا كانت مبطلة للصلاة.
قلنا: قد تعارض هاهنا أمران:
أحدهما: التظنن من أول الأمر.
الثاني: التحقق في آخر الأمر لكن التظنن أغلب لأنه هو السابق، وقد تقرر أن الصلاة صحيحة فلا يبطلها ما عرض من العلم بالزيادة لأن العلم طارئ بعد التظنن الموجب للإقدام على الزيادة للركعة.
المسألة الثانية: وإن قام المصلي من الركعة الرابعة إلى الركعة الخامسة ساهياً ثم تذكر في حال القيام أو في حال القراءة [أو] في الركوع فإنه يلزمه العَوْد إلى الجلوس ويُتِمَّ الصلاة ويلزمه سجود السهو.
قال المؤيد بالله: ومن صلى الظهر أربعاً فقام بعد الرابعة غلطاً فلما ركع ذكر أنها الخامسة فرجع إلى الجلوس وتشهد وسلم صحت صلاته وعليه سجدتا السهو. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، والشافعي، ولا خلاف فيه.
والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الظهر خمساً ولم يعد وسجد سجدتي السهو، وإن قيد هذه الركعة بسجدة أو تشهد للركعة الخامسة، فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن صلاته صحيحة، وإن قيدها بسجدة وسواء تشهد في الركعة الرابعة أو لم يتشهد، وهذا هو الذي حصله السيدان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو محكي عن الشافعي.

والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود رضي اله عنه أن الرسول صلى الظهر خمساً فلما انصرف توسوس الناس فقال: ((مالكم))؟. قالوا: صليت خمساً. فسجد سجدتين. وقال: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون " ))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أتم صلاته ولم يفسدها ولم يفصل الخبر بين أن يكون قد قيد الركعة بسجدة أو لم يقيدها.
المذهب الثاني: محكي عن أبي العباس وهو أنه إذا قيد الركعة الخامسة بسجدة فسدت صلاته.
والحجة على هذا: هو أنه إذا لم يقيد الخامسة بسجدة فإنها في حكم القليل بخلاف ما إذا أتى بالسجود فقد أتى في صلاته بالعمل الكثير والعمل القليل مغتفر في الصلاة بخلاف العمل الكثير فإنه غير مغتفر فلهذا قضينا بالفساد.
المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة وهو: أنه إذا كان قد تشهد في الركعة الرابعة فإنه يضيف إلى الركعة الخامسة ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، وإن لم يكن قد قعد للتشهد في الرابعة فإنه ينظر فإن كان قد قيدها بسجدة بطلت الصلاة، وإن لم يكن قد قيدها بسجدة فإنه يعود ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو.
__________
(1) رواه الجماعة إلاَّ الترمذي بلفظ: صلى رسول الله فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك))؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجله و استقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: ((إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليبن عليه ثم ليسجد سجدتين)) وفي رواية لمسلم: صلى بنا رسول الله خمساً.....، وبزيادة: ((...أذكر كما تذكرون...)) و((....فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب...)).

والحجة على هذا: هو أنه إذا تشهد في الرابعة قد تمت صلاته بالقعود لقوله : ((إذا قعدت فقد تمت صلاتك " )). فإذا قام إلى الخامسة فقد صارت له نافلة؛ لأنها حصلت بعد تمام الصلاة، ولقوله : ((إذا شك أحدكم في صلاته " فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليضف إليها ركعة أخرى فإن كانت قد تمت صلاته فالسجدتان والركعة نافلة)). فسمى الخامسة نافلة ولو كانت ملغاة لم تكن نافلة وإذا صح كونها نافلة فلن تكون نافلة على انفرادها لأن الركعة الواجبة لا تكون صلاة مشروعة فلهذا قلنا: بأنه يضيف إليها ركعة لتكون صلاة، وإن لم يكن قد تشهد في الرابعة فإنه ينظر فإن قيد الخامسة بسجود بطلت صلاته لأنها تكون أعمالاً كثيرة والأعمال الكثيرة مبطلة للصلاة، وإن لم يقيدها بسجدة صحت الصلاة لأنها عمل قليل والعمل القليل غير مبطل للصلاة فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها.
والمختار: ما قاله السيدان من صحة الصلاة سواء قيدت الركعة بسجدة أو لم تقيد.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روى زيد بن علي عن الرسول أنه صلى بهم الظهر خمساً فقام ذو الشمالين فقال: يا رسول الله هل زيد في الصلاة أم نسيت؟ فقال: ((وما ذاك))؟. قال: صليت بنا خمساً فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع وقال: ((هما المرغمتان)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه لما قام إلى الخامسة لم يعتد بالعارض بين الركعة والتشهد ولأنه عمل زائد في الصلاة من جنسها سهواً فوجب أن تكون لغواً غير مفسد للصلاة كما لو لم يعقد الركعة بسجدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا قيدها بسجدة فهي أعمال كثيرة والأعمال الكثيرة مبطلة للصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الإعتبار في إفساد الصلاة بالأعمال الكثيرة إنما يكون في الأفعال الخارجة في الصلاة التي لا تعد من مفروض الصلاة ومسنونها، فأما ما يكون من جنس أعمال الصلاة فلا يقال فيه كثرة ولا قلة.

وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على صحة الصلاة، وما ذكرتموه من القياس فلا يكون معارضاً للإخبار لأن الأقيسة تكون باطلة بمعارضة الأخبار فإذن لا وجه لما قاله أبو العباس.
قالوا: إذا أتم التشهد في الركعة الرابعة فإنه يضيف إلى الخامسة ركعة وتكون نافلة كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن إثبات الركعة نافلة تحكم لا مستند له وتقرير عبادة من غير برهان ولا دلالة.
وأما ثانياً: فلأن هذه النافلة لم يؤمر بها وقد قال : ((كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " )). فإذن لا وجه لإثباتها عبادة من غير دلالة شرعية.
قالوا: وإن كان لم يتشهد في الركعة الرابعة وقيدها بسجدة بطلت صلاته لأن هذه أفعال كثيرة تبطل معها الصلاة.
قلنا: قد قررنا فيما سبق أن هذه الأفعال لا يكون فيها إبطال الصلاة وكيف لا والرسول قام إلى الخامسة وأكملها ورجع إلى التشهد ولم يعد الصلاة، وما زاد على سجدتين للسهو سجدهما، وفي هذا أكمل دلالة على بطلان ما قالوه من فساد الصلاة مع السجدة.
المسألة الثالثة: وإذا صلى المغرب فزاد فيها ركعة ساهياً؟ ففيما يتوجه عليه مذهبان:
المذهب الأول: أنه تجزيه سجدتا السهو، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمساً فلما قيل له إنك زدت في الصلاة سجد لسهوه ولم يضف إليها أخرى ليكون شفعاً.
المذهب الثاني: أنه يضيف إليها ركعة أخرى ويسجد لسهوه، وهذا هو المحكي عن قتادة، والأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أنه إذا لم يضف إليها ركعة أخرى صارت شفعاً وهي وتر.
والمختار: ما عليه علماء العترة، وفقهاء الأمة.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان " تجبان لكل زيادة ونقصان))(1).
فهذا نص صريح فيما ذهبنا إليه من أن هذه الزيادة مجبورة بالسهو من غير حاجة إلى زيادة ركعة.
ومن وجه آخر: وهو أن هذه الزيادة في الركعة لم يؤمر بها فلا وجه لزيادتها.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: لو لم يزد الركعة لأدَّى إلى كونها شفعاً وهو خلاف موضعها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنه لما صلى الظهر خمساً لم يزد على سجدتي السهو من غير زيادة، ولو زاد ركعة لكانت شفعاً مثل موضوعها.
وأما ثانياً: فلأن هذه الركعة لا دلالة عليها ولا ورد أمر بفعلها فلهذا قضينا ببطلانها.
المسألة الرابعة: في التسليم.
وإذا سلم المصلي تسليمة واحدة في غير محلها سهواً بنى على صلاته ولم تكن مفسدة لها لا خلاف فيه، ولما روي عن الرسول أنه قال: تحليلها. والغرض بالتحليل ما كان على الصفة المشروعة في التسليم وهو تسليمتان، فأما الواحدة فلا تحليل فيها لمخالفتها المشروع ولأنها زيادة غيرة مفسدة فوجب أن يتعلق بها سجود السهو كما لو زاد سجدة على جهة السهو، وإن سلم تسليمتين سهواً فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه إذا سلم تسليمتين في غير موضعهما ساهياً بنى على صلاته ولم تبطل، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن مالك، والشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمساً ولم يزد على أنه سجد لسهوه فهكذا في زيادة التسليم في غير موضعه لاشتراكهما جميعاً في كونهما فرضين من فروض الصلاة.
المذهب الثاني:أنها مبطلان للصلاة، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب وحصله للمذهب.
__________
(1) أورده في (جواهر الأخبار)1/332 بلفظ: عن ثوبان أن رسول الله قال: ((لكل سهو سجدتان بعد السلام)) أخرجه أبو داود والنسائي.

والحجة على هذا: قوله : ((تحليلها التسليم " )). والتحليل هو الخروج من الصلاة فإذا فعل ما هو تحليل لها فهو خروج عنها لأن الرسول لم يفصل بين أن يكون التحليل على جهة السهو أن وعلى جهة العمد.
ومن وجه آخر: وهو أن هذا مما يقع به الخروج من الصلاة فيجب أن لا يختلف الحال في كونه مفسداً بين العمد والسهو كالأكل والشرب.
المذهب الثالث: أنه إن قصد بالتسليم الخروج من الصلاة كان مبطلاً لها وإن لم يقصد لم يكن مبطلاًلها، وهذا هو رأي زيد بن علي، والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله : ((تحليلها التسليم " )). والمعلوم أن التحليل لا يكون تحليلاً إلا بنية الخروج من الصلاة فلهذا وجب اعتبار هذه النية في كون التسليمتين أصلاً في فساد الصلاة.
والمختار: ما ذهب إليه الناصر ومن تابعه على ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما قدمنا من أن كلام الساهي لا يبطل الصلاة،فإذا كان كلام الساهي لا يبطل الصلاة فهكذا تسليم الساهي لايكون مبطلاً لها لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((تحليلها التسليم " )). وإذا كان التسليم تحليلاً لم يكن له البناء بعد ذلك لما كان مفسداً للصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بكون التسليم تحليلاً للصلاة إذا كان واقعاً في محله ولهذا فإنه لو سلم تسليمة واحدة لم يكن مبطلاً للصلاة لما لم يكن واقعاً على صفته المشروعة.
وأما ثانياً: فلأنه قال: ((تحريمها التكبير " )). والإجماع منقعد على أنه لا يكون محرماً إلا إذا كان واقعاً على صفته المشروعة، ولهذا فإنه لو كبر في موضع السجود والركوع لم يكن تحريماً لما لم يكن واقعاً على الوجه الذي شرع من أجله.
قالوا: إن صاحبته نية الخروج من الصلاة كان مبطلاً، وإن لم تصاحبه لم يكن مبطلاً كما هو محكي عن زيد بن علي، والمؤيد بالله، والحنفية.

قلنا: قد أوضحنا فيما سبق أن نية الخروج من الصلاة لا تكون شرطاً في التسليمتين إذا وقعا في محلهما فهكذا تكون النية في الخروج لا تكون شرطاً في الفساد للصلاة إذا وقعا في غير محلهما وذكرنا في باب ما يفسد الصلاة حكم الأفعال بالإضافة إلى النية فيما يفسد بانضمامها وما لا يفسد فلا وجه لتكريره.
المسألة الخامسة: ومن زاد في التكبيرات عند إفتتاح الصلاة وكررها مراراً لم يلزمه سجود السهو وسوءا كان التكرير عمداً أو سهواً لأنها إن كانت من الصلاة كما هو رأي الهادي، والشافعي.
والمختار عندنا: فلا سجود لأن السهو والنقصان إنما يكونان بعد انعقاد الصلاة والدخول فيها وليس داخلاً في الصلاة إلا بعد انعقاد التكبير وتمامه، وإن كانت ليست من الصلاة كما هو رأي المؤيد بالله فأبعد لأن ما لا يكون من الصلاة فلا وجه لجبران السهو فيه، والنقصان كما لو سهى في الأذان والإقامة، وإن كرر التشهد لزمه سجود السهو سواء كان التكرير عمداً أو سهواً لأنه قد خالف المشروع فيه وهكذا لو كرر التشهد مراراً فإنه يلزمه سجود السهو بالعمد والسهو لأجل النقصان بمخالفته المشروع فيه ولا يكون مبطلاً للصلاة ولو كانت فروضاً لأنها مجبورة بالسجود.
المرتبة الثانية: في حكم الزيادة من جنس المسنون. وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ومن زاد في صلاته من جنس مسنونها فإما أن يكون مقصوداً مبتدأ أو مبتدأ غير مقصود، ونعني بالمقصود ما كان معموداً إليه غير مسهو عنه، ونعني بالمبتدأ ما كان في غير محله مع العلم بكونه في غير محله.
قال السيد أبي طالب: وذلك يكون على أوجه ثلاثة:
أولها:أن يفعل زيادة من جنس المسنون مقصودة مبتدأة وهذا نحو أن يفعل في صلاته تكبيرات متعمدة في حال القراءة أو في حال تسبيح الركوع والسجود أو في حال التشهد.

وثانيها: أن يفعل زيادة من جنس المسنون مقصودة غير مبتدأة كان يزيد في صلاته تكبيرات عند الركوع والسجود ظناً منه أنه لم يفعلها ثم تيقن أنه فعلها، لا يقال: إن هذه مقصودة مبتدأة لأنها في غير محلها لأن الركوع ليس بمحل للتكبير. لأنا نقول: بل هو محل له لمن لم يكن قد كبر حال الإهواء إليه وهذا ظن أنه لم يكبر فجاء بالتكبير حال الركوع لظنه أنه تركه حال الإهواء.
وثالثها: أن يفعل هذه الزيادة غير مقصودة ولا مبتدأة نحو أن يريد أن يسبح فيكبر أو يريد أن يكبر فيسبح قال: وهذه الوجوه كلها لا تكون مفسدة للصلاة ويتعلق بها سجود السهو إلا في الوجه الأول فإنه إذا انتهى إلى أن يكون ذلك فعلاً كثيراً أفسدها، وإن لم ينته إلى ذلك تعلق به سجود السهو، والأصل في ذلك قوله : ((لكل سهو سجدتان " بعدما يسلم)). وهو في الوجه الثاني والثالث قد سها في صلاته فوجب أن يتعلق به سجود السهو، وإذا ثبت فيهما قِسنا عليهما الوجه الأول فإنه زاد في صلاته من جنس المسنون ما لا يفسدها فوجب أن يتعلق به سجود السهو كما لو زادها سهواً، هذه ألفاظه وهو كلام جيد لا غبار عليه خلا أن فيه نظراً من وجهين:
أحدهما: أنه أسقط منها رابعاً مما تحتمله القسمة وهو ما كان مبتدأ غير مقصود فلم يذكره من جملة الأقسام، ومثاله: أن يقرأ في موضع التسبيح أو يسبح في موضع القراءة على جهة السهو دون العمد.
وجوابه: أن هذا القسم غير مقصود لما قدمنا أن للمبتدأ شرطين أن يكون مقصوداً، وأن يكون في غير محله، فإذا كان كذلك لم يتصور مبتدأ غير مقصود لأنه لا يكون متبدأ إلا وهو مقصود.
وثانيهما: أنه أوجب السهو في هذه الأمور وقاس الوجه الأول على الثاني والثالث، ولا معنى للقياس على رأيه ومذهبه لأنها كلها مسنونة في كونها إما مقصودة، وإما غير مقصودة، وإما مبتدأة، وإما غير مبتدأة، والسهو واجب لا لأجل كونه سهواً كما قررناه من قبل واخترناه فإذن لا وجه لقياس أحدهما على الآخر.

المسألة الثانية: قال المؤيد بالله: وإن أتم التشهد الأول سهواً فالأقرب عندي أن عليه سجود السهو.
واعلم أن إتمام التشهد الأول خلاف المشروع في الصلاة والسنة فيه الوقوف على الشهادتين لا غير فإذا خالف المشروع فيه بالإتمام نظرت فإن كان على جهة السهو وجب عليه سجود السهو لأجل المخالفة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني اصلي)). والسنة فيه ترك الإئتمام له وإن زاد فيه بإتمامه على جهة العمد فهل يجب عليه سجود السهو أم لا؟ فيه تردد بين السيدين الأخوين.
فالذي اختاره المؤيد بالله:أنه لا يلزمه سجود السهو إذ ليس سهواً لأن الجبران معلق بإسم السهو.
وعلى ما ذكره السيد أبو طالب: أنه يلزمه سجود السهو لأن الجبران معلق بمعنى السهو وهو النقصان، وهذا نقصان بمخالفته المشروع فلهذا وجب فيه سجود السهو.
قال القاسم: من قرض أظفاره أو لحيته ناسياً أو ذاكراً في صلاته أنه يسجد سجدتي السهو ولا تفسد صلاته. وهذا جيد وإنما لم يكن مفسداً للصلاة لأنه عمل قليل والأعمال القليلة قد اغتفرها الشرع في الصلاة، وإذا لم يكن مفسداً للصلاة فسواء كان مفعولاً على جهة السهو أو العمد فليس فيه إلا سجود السهو لأجل الجبران لما عرض في الصلاة من الأعمال المباحة التي تخالف موضوعها.
وقال أيضاً: من قرأ في صلاته ولم يعلم السورة التي قرأها فلا سهو عليه. ومراده بما ذكره السورة غير فاتحة الكتاب فإنها متعينة في الصلاة كما مر بيانه، وإنما أراد غيرها من سائر سور القرآن، فإن القرآن كله كالسورة الواحدة فإذا كان عالماً أنه قد قرأ سورة مع الفاتحة ولم يعلمها بعينها أجزآه ذلك ولا سهو عليه إذ لا نقص يلحقه في صلاته.

المسألة الثالثة: قال محمد بن يحيى: من قرأ في تشهده لم يضره وعليه سجدتا السهو. وأراد بما ذكره التشهد الأوسط فإذا قرأ فيه فنهاية الأمر أنه كأنه لم يأت به وليس في تركه إلا سجود السهو فهكذا إذا خالف المشروع فيه بالقراءة ليس فيه إلا سجود السهو لأجل الجبران. وأما التشهد الأخير فإن قرأ فيه فإن أتى به بعد القراءة ففيه سجود السهو لأجل الزيادة، وإن لم يأت به حتى سلم بطلت صلاته لأنه ركن من أركان الصلاة فإذا لم يأت به بطلت صلاته كما لو ترك ركوعاً أو سجوداً، وإن سبق الإمام المأموم ببعض الركعات قام المأموم فأتم ما نقص عليه ولم يلزمه سجود السهو لأنه لم يكن من جهته تقصير في سهو ولا عمد فلهذا لم يلزمه السجود والتقصير، وإن حصل منه بتأخره حتى فاته الإمام بأول الصلاة فالتقصير إنما كان من أجل إدراك فضل الجماعة لا من جهة نقص في الصلاة نفسها. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: أدركوا حَدَّ الصلاة. أراد تكبيرة الافتتاح مع الإمام، وإن سبقه الإمام بركعة فلما كان في آخر التشهد قام المأموم لقضاء ما فاته نظرت فإن قام عمداً بطلت صلاته لمخالفته الإمام في قيامه، وإن قام سهواً لم تبطل صلاته وعليه سجدتا السهو، فإن قعد المأموم قبل تسليم الإمام لم يعتد بتلك الركعة التي أتى بها لأنه جاء بها في غير موضعها فيقوم فيأتي بها بعد تسليم الإمام وإن سلم الإمام في حال قيامه فهل يجب أن يعود إلى القيام(1)
أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يجب عليه القعود، ولا يجوز له العود إليه لأن الواجب عليه القيام وقد صار قائماً فلا معنى لعوده إلى القعود بعد تسليم الإمام.
المسألة الرابعة: قال القاسم%: إن سهى فسلم على شماله قبل يمينه فلا سهو عليه.
__________
(1) في الهامش: إلى القعود ا هـ. وهو أولى باعتباره قائماً، فكتب يعود إلى القيام، وكما هو واضح من السياق، والله أعلم.

222 / 279
ع
En
A+
A-