وأما ثانياً: فلأنا إذا أخذنا سجدة من الركعة الثانية فقد حصل هناك بها فائدة وثمرة بخلاف ما إذا أبطلنا الركعة الأولى فلم تحصل فيها فائدة وقد قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. فلهذا كانت الركعة الأولى أحق بالإتمام لما ذكرناه فإذاً لا وجه لما قاله مالك وأحمد بن حنبل، فإذا عرفت هذا نظرت فإن سجد المصلي السجدة الأولى من الركعة الأولى وترك الجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية وذكر ذلك وهو قائم في الركعة الثانية فإنه يجب أن يقعد ثم يسجد ومن أصحاب الشافعي من قال إنه لا يلزمه القعود لأن القعود بين السجدتين إنما وجب لأجل الفصل بينهما وقد قام القيام مقام القعود في الفصل.
والمختار على المذهب: أنه لا بد من القعود لأن القعود بين السجدتين هو فرض واجب كما مر بيانه فلا يقوم القيام مقامه كما لو قصد القيام بين السجدتين للفصل فإنه لا يعول عليه فهكذا هاهنا، وإن كان قد قعد بعد السجود الأول للفصل ثم قام ولم يسجد السجدة الثانية فإنه يتم الركعة الأولى بسجدة من الركعة الثانية ويلغي الباقي، وإن ترك من الركعة الأولى سجدة ثم صلى الركعة الثانية فسجد لها سجدة فإنه تصح له ركعة واحدة.
ووجهه: ما ذكرناه، وهو أن كل واحدة من الركعتين ناقص عن الكمال الشرعي والنقص إنما يتطرق إلى الثانية لأنها لا تتم إلا بعد كمال الأولى، فلأجل هذا أكملنا الأولى بالسجدة الثانية وكملت الركعة الأولى ويأتي بثلاث ركعات على الكمال والتمام ويلغي ما بقي من أعمال الركعة الثانية.
المسألة الثانية: وإن ترك من أربع ركعات أربع سجدات نقص من كل ركعة سجدة ففي الواجب عليه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه يصح له ركعتان ولا يعتد بما تخلل بين السجدتين من الأفعال، وهذا هو: رأي الهادي، والمؤيد بالله، ومحكي: عن الشافعي.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمساً على جهة السهو فلما تحقق ذلك استقبل القبلة وكبر وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع وقال: ((هما المرغمتان )).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه لم يعتد بالعارض بين الركعة الرابعة وبين التشهد لما كان مفعولاً على طريق السهو.
المذهب الثاني: أنه يأتي بأربع سجدات متواليات وتصح صلاته، وهذا هو رأي: الناصر، ومحكي: عن أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أن السجدات قد مضى محلهن بالنسيان، وإذا كان ماضياً فالواجب الإتيان بهن على جهة التوالي من غير فصل بينهن لما ذكرناه.
المذهب الثالث: أن الصلاة لما كانت ناقصة عن هذه السجدات والصلاة الشرعية لا تكون صلاة إلا بتمامها وكمالها بسجودها وركوعها فلما بطلت هذه السجدات كانت الصلاة باطلة، ويجب عليه الاستئناف خلا أن تكبيرة الافتتاح تكون صحيحة لأنه لم يعرض لها ما يبطلها فلا جرم كانت التحريمة صحية ويصلي أربع ركعات بركوعهن وسجودهن، وهذا هو المحكي عن: الليث، وأحمد بن حنبل.
والمختار: ما عول عليه الهادي، والمؤيد بالله، من أنه تصح له ركعتان لأن الركعة الأولى تتم بالثانية والثالثة تتم بالرابعة فقد صح له ركعتان وبقي عليه ركعتان، فإذا عرفت هذا نظرت، إن كان قد أتى بالقعدة بين السجدتين فقد تمت له الركعتان بكمالهما بسجودهما وحصول القعدة بينهما، وإن كان قد ترك سجدة من كل ركعة ثم ترك القعدة بين السجدتين فإنه يجب عليه الإتيان بهذه القعدة لأنها فرض واجب لتكون السجدة عقيب القعود، وعلى هذا تحصل له ركعة إلا سجدة وعليه سجدة يأتي بها حتى تكمل الركعة الأولى فتحصل له ركعتان وإن كان قد تشهد في الرابعة يظن أنه التشهد الأخير فإنه يعتد به عن التشهد الأول ثم يأتي بركعتين يتشهد في آخرهما ويسلم ويراعى في هذا التقرير أصلان:

الأصل الأول: أن كل ما أخذ منه شيء لإتمام غيره فإنه يلغو ويبطل ولا يكون له حكم، وبيانه أنا إذا أتممنا الركعة الأولى بسجدة من الثانية تعطل الباقي من أعمال الثانية، وإذا أتممنا الثالثة بسجدة من الرابعة بطل ما بقي منها.
الأصل الثاني: أنه لا يخرج من ركن من الصلاة إلا بعد كماله وتمامه لأن الترتيب مستحق في أعمال الصلاة فإذا كانت الركعة الأولى ناقصة والثانية تامة لم يحكم بتمام الثانية إلا بعد كمال الأولى لأن التام لا ينبني على الناقص.
قال السيد أبو طالب: فإن سجد في الركعة الثانية السجدة الثانية التي تركها في الأولى وسجدة معها أخرى فإن سجدها سهواً أجزت صلاته لأنه معذور في فعلها، وإن سجدها عمداً بطلت صلاته لأن زيادة سجدة تكون مخالفة للمشروع في الصلاة فلهذا كانت مبطلة لها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا نسي أربع سجدات من أربع ركعات فإنه يأتي بأربع سجدات متواليات كما هو المحكي عن الناصر وغيره من الفقهاء لأن هذه السجدات قد بطل محلها بالنسيان فلأجل هذا أوجبنا عليه التوالي.
قلنا: الترتيب مستحق في أعمال الصلاة والسجود فعل واجب في الصلاة لا تكون صلاة شرعية واقعة على صفتها إلا بإكماله فلأجل هذا أوجبنا عليه مراعاة الترتيب ولن يكون إلا بما ذكرناه حتى تكون الصلاة واقعة على صفتها المشروعة.
قالوا: إذا نسي هذه السجدات فقد أخل بترتيب الصلاة والإتيان بها على موضوعها الشرعي فيجب القضاء بإبطالها واستئناف الصلاة كما لو أخل فيها بركعة أو سجدة على جهة العمد.
قلنا: إن الله تعالى تهى عن إبطال العمل بقوله: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ }[محمد:33]. وما ذكرتموه فيه إبطال العمل.
ومن وجه آخر: وهو أن الرسول قد زاد في الصلاة على جهة السهو وتداركها بسجود السهو ونقص من الصلاة وتدارك صحتها بإكمالها بما نقص منها، ولم يبطل العمل كما قاله: الليث، وأحمد بن حنبل فبطل ما قالاه.

المسألة الثالثة: في الحكم إذا لم يعلم مواضع ما نسي من السجدات بعد تحقق نسيانها، وفي كيفية الجبران لما تركه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إذا ترك بعضاً من السجدات سهواً ولم يعلم مواضعها فإنه يأتي بها مطلقة من غير التفات إلى أنها من الركعة الأولى أو من الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فإن كان المتروك سجدة واحدة فإنه يأتي بها، وإن كان المتروك سجدتين فإنه يأتي بهما مع ركعتهما وهذا هو الذي اختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، وعلى هذا إذا ترك سجدة من ثماني سجدات صح له أربع ركعات إلا سجدة فيأتي بها، وإن ترك سجدتين صحت له ثلاث ركعات ثم يأتي بركعة بسجدتيها، وإن ترك ثلاث سجدات صحت له ثلاث ركعات إلا سحدة وعليه سجدة واحدة وركعة واحدة بسجدتيها، وإن ترك أربع سجدات صحت له ركعتان وبقي عليه ركعتان، وإن ترك خمس سجدات صحت له ركعتان إلا سجدة وعليه ركعتان وسجدة، وإن ترك ست سجدات صحت له ركعة واحدة وعليه ثلاث ركعات بسجودهن، وإن ترك سبع سجدات صحت له ركعة إلا سجدة وعليه ثلاث ركعات وسجدة، وإن ترك ثماني سجدات وجب عليه الإتيان بأربع ركعات بسجودهن إلا ركوع واحد، فقد صح له فيبني عليه.
والحجة على هذا: هو أن المقصود جبران الفائت من السجدات من غير التفات إلى مواضح الفوائت فإذا أتى على النحو الذي ذكرناه فقد خرج عن جهة الأمر وأتى بما يتوجه عليه. ويؤيد ما قلناه: ما روي عن الرسول أنه سلم في الظهر على ثلاث ركعات على جهة السهو ثم جبر النقصان بزيادة ركعة وسجوداً لسهو. قال المؤيد بالله: من صلى أربعاً من الظهر بخمس سجدات ونسي ثلاث سجدات ولا يعلم مواضعها من كل ركعة نسي سجدة أم كيف نسيها صحت له ثلاث ركعات إلا سجدة وعليه سجدة وركعة بسجدتيها وهكذا إن ترك ستاً صحت له ركعة وعليه ثلاث ركعات بسجودهن.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وأصحابه.

وتقرير ما قالوه: هو أن المصلي إذا صلى أربع ركعات وذكر قبل أن يسلم أنه ترك سجدة منها وليس يعلم من أي موضع تركها فإنه يلزمه أن يأتي بركعة على تمامها لأن أحسن أحواله أن يكون قد تركها من الرابعة فيأتي بسجدة لا غير، وأسوأ أحواله أن يكون قد تركها مما قبلها فيلزمه أن يأخذ بأسوأ أحواله ليسقط الفرض بيقين، وإن ترك سجدتين ولم يعلم موضعيهما لزمه ركعتان لجواز أن يكون قد ترك من الأولى سجدة ومن الثانية سجدة فيتم الأولى من الثانية والثالثة من الرابعة ويلغو ما أخذ منه ويبطل، إلى تفصيلات طويلة تشتمل على شرحه كتبهم.
والمختار: هو ما ذكرناه في الإحتجاج من أن المقصود هو جبران الفائت من غير التفات إلى كون السجدة من الركعة الأولى أو من الثانية لأنا قد فرضنا أن مواضع السجدة غير معلوم فلهذا وجب جبرانها على ما ذكرناه في الاحتجاج.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا ترك سجدة واحدة ولم يعلم مكانها احتمل أن تكون من الركعة الأولى أو من الثانية وما بعدها وإذا كان الأمر كما قلناه أخذ بأسوأ الأحوال فتكون من الأولى ويكملها من الثانية ويلغو ويبطل ما أخذ منه فلهذا أوجبنا ركعة واحدة إذا كان الفائت سجدة واحدة.

قلنا: لما كان موضع السجدة غير معلوم فالواجب هو الإئتيان بها مجردة عن الركعة لأن الركعة قد أتى بها والفوات إنما كان في سجدة واحدة فلهذا أوجبناه من غير زيادة والتفرقة في فوات السجدة الواحدة بين أن يكون مكانها معلوماً أو غير معلوم هو أنه إذا كان مكانها معلوماً أتمت مما يليها، فإذا فات من الركعة الأولى سجدة أتمت من الركعة الثانية لتكون أعمال الصلاة مرتبة بخلاف ما إذا كان فوات السجدة موضعه غير معلوم فإنه يأتي به ويكمل له أربع ركعات إلا سجدة فيأتي بها من غير زيادة لأنها هي الفائتة. والتفرقة بين كلام أصحابنا وكلام الفقهاء هو أن عند أصحابنا إذا كان المتروك سجدة واحدة فإنه يؤتى بها من غير زيادة الركعة، والفقهاء أوجبوا زيادة الركعة إذا كان المتروك سجدة واحدة لأنهم جوزوا تركها من الركعة الأولى أم من الركعة الثانية، وجعلوا ما لم يعلم مكانها بمنزلة ما علم مكانها في أنهم يتمونها مما يليها على جهة التقدير فلهذا أوجبوا ركعة واحدة إذا كان المتروك سجدة واحدة، وللفقهاء تفاصيل فيما إذا كان المتروك مع السجدة القعدة بين السجدتين والتشهد يطول شرحها.

المسألة الرابعة: قال الإمام زيد بن علي: إذا نسي ركوعاً من آخر الظهر وذكره في التشهد عاد إلى الركوع ويركع ويتم ما بعده وإن نسي من الأولى فتذكر في آخره يعيد ركعة مع القراءة والركوع والسجود وهذا جيد فإن الرسول ترك ركعة من آخر الظهر فذكرها ثم أتى بها جبراناً لما نقص من صلاته، وإن كان المتروك من آخر الصلاة قبل التسليم فإن المصلي يأتي بالركوع من غير قراءة لأن القراءة قد تقدمت في أول الصلاة ثم يقعد بعد الركوع ويتشهد ويسلم وإن نسي الركوع الأول ولم يكن قد قرأ في الركعات الأخر فإنه يأتي بركعة مع القراءة فيكون بإتيانه بالركعة مع القراءة قد أتى بالمفروض والمسنون، وإن نسي ركوعين متواليين من أربع وعلم أنه قد أتى فيما صلى من الركوعين الآخرين في كل ركعة بسجدتين صحت له ركعتان بكمالهما ويلزمه الإتيان بركعتين بكمالهما وعليه سجود السهو بعد الإتيان بما ذكرناه لأجل المخالفة.
قال الإمام القاسم: لو نسي المصلي ركعة من صلاته ثم ذكرها قبل التسليم فإنه يقوم ويأتي بركعة تامة ويتشهد ويسلم وعليه سجدتا السهو في ذلك.
قال الإمام المؤيد بالله: ولو انحط المصلي من قيامه إلى السجود ثم ذكر أنه نسي الركوع فالواجب عليه الركوع، فإن استوى قائماً ثم ركع لم يبعد جواز صلاته.
وقال أيضاً: ولو انحط عن ركوعه إلى سجوده قبل الاستواء والإعتدال فإن كان فعله سهواً رجع إلى الاستواء ثم انحط ساجداً، وإن كان فعله عمداً فالأقرب بطلان صلاته، وهذا جيد أيضاً لأن الركوع فرض من فروض الصلاة وركن من أركانها فلا بد من الإتيان به كما قاله القاسم، وهكذا الحال فيما ذكره المؤيد بالله إذا انحط ولم يركع عاد إلى الركوع ليأتي به من غير انتصاب لأنه هو الفائت والقيام فرض قد أدَّاه فإن قام وركع لم يضره لأنه فعل قليل وعليه سجود السهو.

وعن زيد بن علي أنه قال: إذا دخل الرجل في الصلاة فنسي أن يقرأ حتى ركع فليستو قائماً ثم يقرأ ثم يركع ويسجد سجدتي السهو. وهذا جيد كما ذكر لأن القراءة فرض من فروض الصلاة ومحلها القيام فإذا نسيها وجب عليه أن يؤديها في محلها وهو القيام ثم يسجد سجدتي السهو لأجل ما وقع من المخالفة.
قال الإمام أبو طالب: ومن نسي القراءة في صلاته ثم تذكرها قبل التسليم قال: فالأولى على المذهب أن يأتي بركعة واحدة يقرأ فيها فاتحة الكتاب وسورة والأمر كما ذكر من جهة أن القراءة فرض فإذا نسيها وتذكرها وجب عليه الإتيان بركعة للقراءة بفاتحة الكتاب والسورة ويلغو ركعة وتبطل لأنها كلا ركعة لما خلت عن القراءة، وإن نسي المصلي الجهر والمخافتة في الصلاة ثم ذكرها قبل التسليم فالذي يأتي على رأي الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة فالواجب الإتيان بالجهر والمخافتة في ركعة واحدة لأنها فرض ويسجد للسهو. وعلى رأي المؤيد بالله: الجهر والمخافتة هيئتان من هيئات الصلاة فإذا أخل بهما فلا سهو فيهما وهذا هو المختار، وقد ذكرناه من قبل، وإن قعد للتشهد الأخير ثم ذكر أنه لم يعتدل بين السجدتين فالواجب عليه إذا قعد للتشهد أن يعيد السجدة الأخيرة لتكون حاصلة بعد الإعتدال ثم يتشهد بعد السجود ويسلم وذلك لأن الإعتدال بين السجودين فرض لا بد من الإتيان به فلهذا قلنا: بوجوب إعادته وقد تم غرضنا من نقصان فروض الصلاة.
المرتبة الثانية: في بيان نقصان السنن. وهي الأبعاض ونذكر فيه مسائل:
المسألة الأولى: إذا قام من الثانية ناسياً إلى الثالثة وترك التشهد فما الواجب عليه؟ فيه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أنه إن ذكر بعد أن انتصب قائماً لم يعد إليه، وإن ذكر قبل أن ينتصف قائماً عاد إليه، وهذا هو رأي القاسمية، واختاره السيدان الأخوان، وهو محكي عن الشافعي.

والحجة على هذا: ما روى المغير ة بن شعبة عن الرسول أنه قال: ((إذا قام أحدكم إلى الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس فإذا استتم قائماً فلا يجلس))(1).
المذهب الثاني: محكي عن مالك، وعنه روايتان:
الرواية الأولى: وهي المشهورة أنه إن قام أكثر القيام لم يرجع، وإن قام أقل القيام رجع.
الرواية الثانية: عنه حكاها ابن المنذر أنه إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع.
والحجة على هذا: هو أن القعود سنة، والقيام فرض فإذا قام أكثر القيام فهو في حكم القائم بحصول أكثر القيام فلا يعود من مفروض إلى مسنون، وإن قام أقل القيام فهو في حكم من لم يقم فيعود إلى تمام المسنون.
وأما وجه الرواية الثانية: فهو أن القيام من أوله إلى آخره وقليله وكثيره هو فرض فإذا فارقت إليتاه الأرض صار في حكم القائم، فلهذا لم يكن له الرجوع.
المذهب الثالث: محكي عن الأوزاعي، وهو أن له الرجوع ما لم يستفتح القراءة.
والحجة على هذا: هو أن القيام صار محلاً للقراءة، إما فرضاً وإما نفلاً فلا يكون القيام له حكم إلا بما شرع فيه من القراءة فإذا لم يستفتح القراءة كان له الرجوع لما ذكرناه.
المذهب الرابع: أن له الرجوع ما لم يركع، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري.
والحجة على هذا: هو أن القيام محل الرجوع ما لم يستتم القيام فلا يحصل استتمام القيام إلا بالرجوع إلى ركن آخر، وهو الركوع فمهما بقي على حالة القيام فله الرجوع.
المذهب الخامس: محكي عن أحمد بن حنبل: أن الواجب عليه أن يرجع قبل أن يستوي قائماً فإن استوى قائماً فهو بالخيار إن شاء رجع وإن شاء لم يرجع.
__________
(1) أخرجه أبو داود، وهو في سنن الدارقطني1/378، وابن ماجة1/381، ومصنف عبد الرزاق 2/310، ومسند أحمد4/253.

والحجة على هذا: هو أنه قبل أن يستوي قائماً فلم يخرج إلى ركن آخر فلهذا توجه عليه القعود قبل الإستواء لظاهر الخبر الذي رويناه عن المغيرة، فأما إذا استوى قائماً فهو بالخيار لأنه بعد الإستواء هو في مفروض وقد ضيع ما هو مسنون فهو بالخيار إن شاء واضب على السنة ورجع لأداء المسنون، وإن شاء وقف علىالمفروض، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها.
والمختار: ما عول عليه الهادي، واختاره الأخوان للمذهب.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أنه إذا استتم قائماً فقد حصل في فرض فلم يجز أن يرجع منه إلى سنة لأن الفرض بالمواضبة أحق من السنة.
الانتصار: يكون بالجواب عما يخالفه.
قالوا: إن قام أكثر القيام لم يجز له الرجوع، وإن قام أقل القيام جاز له الرجوع كما حكي عن مالك.
قلنا: هذا موافق لما قلناه لأن الغرض بأكثر القيام هو أنه قد استتم القيام، والغرض بأقل القيام هو أنه لم يستتم القيام، فقد حصل المقصود والخلاف مرتفع.
فأما الرواية الثانية عنه: إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع.
فجوابه: هو أنه مهما كان أقرب إلى الدنو إلى الأرض فهو في حكم القاعد فلهذا كان له الرجوع للوفاء بالمسنون، فلا وجه لهذه المقالة.
قالوا: له الرجوع ما لم يستفتح القراءة كما حكي عن الأوزاعي.
قلنا: إنه لا يستفتح القراءة إلا بعد إتمام القيام فلهذا لم يكن له الرجوع بعد استكمال القيام سواء قرأ أو لم يقرأ كما دل عليه ظاهر الحديث.
قالوا: له الرجوع ما لم يركع كما هو محكي عن الحسن البصري.
قلنا: استتمام القيام هو المانع من الرجوع كما دل عليه ظاهر الخبر سواء ركع أو لم يركع إن لم يستو رجع، وإن استوى فهو بالخيار كما هو محكي عن أحمد بن حنبل.

220 / 279
ع
En
A+
A-