---
الفصل الأول في بيان حكم النقصان في الصلاة
اعلم أن سجدتي السهو مشروعتان لما روى ثوبان عن رسول الله أنه قال: ((لكل سهو سجدتان " )). ولا خلاف فيه، وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنهما واجبتان لأجل السهو. وهذا هو: رأي الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله، وحكى الكرخي: أنه لا نص لأبي حنيفة في وجوب سجدتي السهو، لكن الذي يأتي على مذهبه: أنهما واجبتان.
والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن جعفر، عن رسول الله أنه قال: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم )). فهذا أمر شرعي وظاهر الأمر للوجوب إلا أن تقوم دلالة على خلافه.
المذهب الثاني: أنهما مستحبتان. وهذا هو: رأي الناصر، والشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((سجدتا السهو جبر للنقصان وترغيم للشيطان ))(1).
وروي عن الرسول أنه قال: ((هما المرغمتان " )) (2).
وما هذا حاله فليس يوصف بالوجوب لأن إرغام الشيطان من جملة المستحبات والنوافل.
المذهب الثالث: أنهما إن كانتا لنقصان فهما واجبتان، وإن كانتا لزيادة فهما مستحبتان.
والحجة على هذا: هو أن إتمام الصلاة واجب على كل مكلف فإذا نقص شيء منها فالواجب جبرانه بسجود السهو فلهذا كانتا واجبتين، وإن كان للزيادة فلا نقصان هناك في الصلاة فلهذا كانتا مستحبتين لأجل المخالفة بالزيادة.
والمختار: ما قاله الناصر، والشافعي: من أنهما غير واجبتين.
__________
(1) روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله : ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فليطَّرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته،و إن كان صلى تماماً لأبع كانتا ترغيماً للشيطان)) رواه أحمد ومسلم1/400، وفي رواية لأبي داود بدون قوله: ((..قبل أن يسلم)) وأخرجه ابن حبان6/390 وفي سنن الدارقطني1/371، وسنن النسائي3/27.
(2) أخرجه الطبراني في (لأوسط)4/350.
وحجتهما: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثاً أو أربعاً فليبن على اليقين وليلق الشك وليسجد سجدتين))(1)
فإن كانت صلاته ناقصة فقد أتى بها وكانت السجدتين مرغمتين للشيطان، وإن كانت صلاته تامة كان ما زاد نافلة والسجدتان له نافلة وترغمان أنف الشيطان، وما كان نافلة ويرغم أنف الشيطان فليس واجباً.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه أتاه رجل يسأله عن فرض الله عليه فقال: ((خمس صلوات في اليوم والليلة إلا أن تطوع ))(2).
ولم يذكر وجوب السجدتين فلو كانتا واجبتين لذكرهما لأنه في موضع تعليم الشرع.
الحجة الثالثة: هو أن سجود السهو سجود لا تبطل الصلاة بتركه فلا يكون واجباً دليله سجود التلاوة، فهذه الأدلة دالة على أنه ليس واجباً كما قلنا.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روى عبدالله بن جعفر عن الرسول أنه قال: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم )). وهذا أمر والأمر الشرعي يقتضي الوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الأمر يقتضي الوجوب، وإنما يقتضي الطلب، فأما استحقاق الذم على ترك المطلوب فلا بد فيه من دلالة خارجة تدل على ذلك.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على كونه نافلة فإنها صريحة في دلالتها على المقصود وما أوردتموه ليس صريحاً فيما يدل عليه، فلهذا كان ما قلناه أحق بالقبول.
قالوا: روى ثوبان عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهره الجبر وليس فيه دلالة على الوجوب وهو صالح للوجوب والنفل لأن الأخبار عنهما على سواء فإن الواجب له سجدتان والنافلة لها سجدتان.
__________
(1) تقدم قريباً.
(2) أخرجه البخاري1/25، ومسلم 1/40، وابن خزيمة1/158، في صحاحهم، وقد تقدم.
وأما ثانياً: فلأن الوجوب إنما يكون بصيغة مخصوصة دالة على الحتم والإلزام والوعيد على الترك فأما مجرد الخبر فلا تكون فيه دلالة على الوجوب على حال.
قالوا: روى عبدالله بن مسعود عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر ثم يسجد سجدتي السهو ))(1).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس في هذا إلا مجرد الإخبار عن كونه يسجد سجدتي السهو وليس فيه دلالة على الوجوب على حال.
وأما ثانياً: فلأنا نحمله على الإستحباب لأنه هو المتحقق لأن الوجوب يحتاج إلى دلالة منفصلة تدل على حظر الترك أو على إستحقاق الذم والعقوبة على الترك لأن هذه هي فائدة الوجوب وثمرته.
قالوا: ولأن الصلاة عبادة يدخلها الجبران فجاز أن يكون الجبران واجباً دليله جبران الحج.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا قياس، ولا مجرى للأقيسة في العبادات؛ لأنها أمور لا تفهم معانيها، فلهذا انسدت الأقيسة فيها.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل كونه جبراناً بالمال بخلاف ما نحن فيه، فلا يدخله جبران المال بحال فافترقا.
قالوا:ولأن هذا سجود أمر المأموم بمتابعة الإمام فيه، فلهذا كان واجباً كسجود الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: المعنى في الأصل كون السجود ركناً من أركان الصلاة بخلاف سجود السهو فافترقا.
وأما ثانياً: فإنا نقلب عليهم هذا القياس ونقول سجود أمر المأموم بمتابعة الإمام فلا يكون واجباً كسجود التلاوة.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: نذكر فيه مسائل:
المسألة الأولى: في بيان متعلق السهو. وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن متعلقه هو الفرائض والسنن، وهذا هو: رأي القاسمية.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان )). ولم يفصل في ذلك بين الفرائض والسنن.
__________
(1) رواه الطبراني في (الكبير)9/241.
ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بالسهو إنما هو جبران ما نقص في الصلاة وكما يقع النقص في الفرض فقد يكون واقعاً في النفل فلهذا كان متعلقاً بهما.
المذهب الثاني: أن متعلقه إنما هو السنن دون الفرائض فلا تعلق له بها سواء كانت السنن قولاً أو فعلاً، وهذا المحكي: عن الناصر.
والحجة على هذا: هو أن السهو إنما وضع من أجل الجبران لما نقص وهذا إنما يتصور في السنن قولاً كالتشهد والقنوت، وفعلاً كالقعدة الوسطى، فأما الفرائض فلا وجه لجبرانها بل لا بد من الإتيان بها ولا يقوم مقامها شيء من لجبرانات.
المذهب الثالث: أن متعلقه الأفعال ولا يتعلق بالقول إلا بالقنوت، والتشهد الأول قال الشافعي: ولا سجود إلا في عمل البدن. يعني في الأفعال دون ما استثناه.
والحجة على هذا: هو أن هذه الأفعال المشروعة في الصلاة سوءا كانت مفروضة كالركوع والسجود أو كانت نافلة كالقعدة في التشهد الأوسط فإنها كلها مستقلة بنفسها ليست هيئة ولا تابعة لغيرها فلأجل هذا تعلق بها سجود السهو بخلاف الأذكار فإنها تابعة لغيرها وهيئات، فلهذا لم يتعلق بها سجود السهو ولا يستثنى من هذه الأذكار إلا القنوت والتشهد الأوسط فإنما هما مستقلان بأنفسهما لا يتبعان غيرهما ولا هما هيئتان فلهذا يتعلق بهما سجود السهو لاستقلالهما بأنفسهما،وأما غيرهما من الأذكار فإنها هيئات تابعة لغيرها فلهذا لم يتعلق بها سجود، وهذا نحو دعاء الاستفتاح فإنه تابع للصلاة لا تستفتح إلا لأجلها، ونحو قراءة السورة بعد الفاتحة فإنها تابعة لها ونحو التكبير للركوع والسجود فإنه هيئة للرفع والخفض، ونحو التسبيح فإنه هيئة للركوع والسجود فلما كانت هيئات لم يتعلق بها سجود السهو هذا قوله الحديد، وحكى الشيخ أبو إسحاق من أصحابه: أن السهو يتعلق بترك كل مسنون في الصلاة سواء كان ذكراً أو فعلاً، وهذا هو الأصح من مذهبه أنه لا يفصل في تعلق السهو بين الأذكار والأفعال.
المذهب الرابع: أن السهو يتعلق بأمور أربعة. وهذا هو المحكي: عن أبي حنيفة:
أولها: زيادة فعل من جنسها، وهذا كما لو ركع مرتين أو سجد ثلاث سجدات ناسياً.
وثانيها: نقصان فعل ينقص فيه الذكر في موضعه وهذا كالقعدة الأولى فإنه إذا تركها نسياناً نقص الذكر عن موضعه وهو التشهد.
وثالثها: ترك ذكر مقصود طويل وهذا نحو القنوت وتكبيرات العيدين والتشهد.
ورابعها: هيئة الركن وهذا نحو الجهر والمخافتة فهذه الأمور كلها يتوجه سجود السهو لأجلها لا غير ولا يتعلق إلا بها، ولا يجوز سجود السهو في تسبيح الركوع والسجود، ولا في التكبير لها لأنها غير مقصودة وإنما هي تابعة لغيرها ولا هي طويلة كالقنوت، فهذه هي المذاهب في متعلق السهو في الصلاة.
والمختار: ما عول عليه القاسمية من كون السهو متعلقه الفرض والنفل.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو قوله : ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثاً أو أربعاً فليبن على اليقين وليلق الشك وليسجد سجدتين)). ولم يفصل بين فرض ونفل، وفي هذا دلالة على كونه متعلقاً بهما.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: متعلقه السنن دون الفرائض، كما هو محكي: عن الناصر، لأن السهو موضوع للجبران والجبران إنما يعقل في السنن دون الفرائض.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المقصود جبران المفروض إذا غير عن حاله ثم أدي على الكمال والتمام، وهذا نحو أن ينسى سجدة أو ركعة ثم يأتي بها فقد تعلق السهو بالمفروض كما أوضحناه، ولا بد من تأديته والسهو جبران لما حصل من النقص بنسيانه وأدائه.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على تعلق السهو بالمفروض والمسنون وما ذكرتموه فهو قياس والقياس لا يعارض الأخبار لأن الشرط في العمل على القياس أن لا يكون معارضاً بخبر.
قالوا: متعلقه الأفعال ولا يتعلق بالأذكار إلا في القنوت والتشهد كما هو محكي: عن الشافعي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد حكينا من مذهبه أن الأصح تعلق السهو بالأقوال والأفعال فلا وجه لتخصيص الأفعال دون الأذكار.
وأما ثانياً: فلأن السهو كما يجري في الأفعال فهو جارٍ في الأقوال والأذكار من الصلاة فلا وجه لتخصيص أحدهما عن الآخر.
قالوا: هو جارٍ في الأمور الأربعة التي ذكرناها كما هو محكي: عن أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قصر السهو على هذه الأمور الأربعة تحكم لا مستند له ولا دلالة تدل عليه.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه غير حاصر لما يقع فيه السهو، وهذا نحو القراءة في موضع التسبيح والتسبيح في موضع القراءة وغير ذلك من الصور التي يتعلق بها السهو غير ما ذكروه فلا وجه لقصره على هذه الأمور الأربعة.
المسألة الثانية: نقصان الصلاة بترك السنن المتصلة بها هل يكون مبطلاً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يكون مبطلاً للصلاة، وهذا هو: رأي أئمة القاسمية، واختيار السيدين الأخوين، ومحكي: عن زيد بن علي، وهو: قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن التفرقة بين الفرض والسنة هو أن الفرض لا يجوز تركه ويستحق تاركه الذم والعقاب على تركه سواء كان الفرض عقلاً أو شرعاً فإن هذه هي أحكام الفرض بخلاف النفل والسنة فإن تاركها لا يستحق عقاباً ولا ذماً، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه لبطلان الصلاة بتركه السنة عمداً، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أنه لو بطلت الصلاة بترك السنة لكان لا يفترق الحال بين الفرض والسنة.
المذهب الثاني: بطلان الصلاة بترك السنة على جهة العمد، وهذا هو: رأي الناصر.
والحجة على هذا: هو أن ترك السنة على جهة يكون فيه تهاون بأمر الرسول واستخفاف بحقه، وما هذا حاله فإنه يكون مبطلاً للصلاة لأن التارك لها على جهة العمد مستخف لا محالة.
والمختار: ما عليه أئمة القاسمية، والفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الصلاة إذا أديت بكمالها بفروضها وشروطها فإنا نحكم عليها بالصحة، والإخلال بسنة من سننها لا يوجب بطلانها.
ومن وجه آخر: وهو أن الهيئات من السنن لما كان تركها على جهة العمد لا يوجب بطلانها كوضع الكفين حذاء الخدين، وتفريق الأصابع وضمها فهكذا في السنن المستقلة نحو القنوت والتشهد الأوسط والتسبيحات في الركوع والسجود، تركها على جهة العمد لا يكون مبطلاً للصلاة والجامع بينهما كونهما سنتين.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ترك السنة المستقلة عمداً يكن استخفافاً بالرسول وإهانة، وما هذا حاله يبطل الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن كل من ترك السنة فإنه مستخف بالرسول فإن ما هذا حاله يكون كفراً ورِدَّة وليس من ترك فعل السنن يقال: إنه قد كفر وارتد وخرج عن الدين فما هذا حاله فلا وجه له.
وأما ثانياً: فلأنه قد يتركها لأغراض أُخر غير الاستخفاف من اشتغال بغيرها وتكاسل عن أدائها، وإذا كان هذا محتملاً بطل أن يقال: إن ترك السنة متعمداً يكن استخفافاً بالرسول وإهانة.
قالوا: إنا لم نقل: إنه استخفاف بالرسول وإنما قلنا: إن ترك السنة على جهة الاعتماد ينزل منزلة الاستخفاف بحال الرسول والإعراض عنه.
قلنا: إن كل ما كان استخفافاً أو نازلاً منزلة الاستخفاف فلا بد فيه من القصد والنية، والتارك للسنة على جهة العمد لم يقصد الاستخفاف ولا خطر له على بالٍ وإنما آثر الترك لأمور عارضة لا يكون استخفافاً على كل حال.
المسألة الثالثة: جبران النقصان في الصلاة بسجدتي السهو هل يكون لعين السهو أو يكون لأجل النقصان؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إنما وجب لعين السهو فلا يجب في العمد، وهذا هو: رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو قوله : ((لكل سهو سجدتان )).
وقوله : ((إذا سها أحدكم في صلاته فليبن على الأقل ثم يسجد سجدتين )).
ووجه الدلالة من هذين الخبرين: هو أنه علق وجوب السجود بعين السهو فلا حاجة إلى تغيير هذا الظاهر من غير دلالة.
المذهب الثاني: أن وجوب السجدتين إنما يتعلق بالنقصان ولهذا فإنه يجب على العامد كما يجب على الساهي، وهذا هو: رأي السيد أبي طالب.
والحجة على هذا: هو أن المقصود من خطاب الله تعالى، وخطاب رسوله إنما هو التعويل على المعاني دون الألفاظ ولهذا ورد التعبد بالقياس بخلاف خطاب الخلق فإن وقع اضطراب إلى قصودهم بخطابهم عول عليه، وإن لم يكن هناك اضطرار إلى قصودهم وجب التعويل على ما تدل عليه الألفاظ، ولا شك أن السابق إلى الفهم من قوله : ((لكل سهو سجدتان " )). إنما وجبا من أجل ما وقع في الصلاة من النقص بتغيير أحوالها عما شرعت عليه ولأجل هذا كان التعويل على جبران ما نقص، وسواء كان النقص واقعاً على جهة العمد أو على جهة السهو بل نقول: إن جبران ما وقع على جهة العمد أحق بالجبران لمن كان العمد به، وأن المؤاخذة بالعمد أكثر من المواخذة بالسهو فلهذا وجب التعويل على مجرد النقصان لما ذكرناه.
والمختار: ما ذهب إليه السيد أبو طالب.
ووجهه: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن المقصود إنما هو جبران ما نقص من الصلاة والنقص كما يحصل لسهو فهو حاصل بالعمد بل هو أدخل في الجبران من السهو. ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً }[النساء:10].فالوعيد إنما توجه ليس على من أكل بل على من أتلف بالإغراق والإحراق فالسابق إلى الفهم إنما هو الإتلاف، وقوله : ((لا يقض القاضي وهو غضبان " ))(1).
__________
(1) الحديث جاء هنا كما هو واضح في غير موضع الاستدلال في بابه وإنما أورده المؤلف على سبيل المقارنة والتمثيل، وسيأتي إن شاء الله في موضعه، وقد أخرجه الترمذي في سننه3/620، وهو في (المحلى) لابن حزم9/365، و(الأحكام) للآمدي3/285.
فليس المقصود هو عين الغضب وإنما القصد هو ما يلحق بالدهشة، وهذا حاصل بالجوع والعطش والألم، وحقن البول ومدافعة الغائط، وهكذا القول في جميع الخطابات من جهة اللّه، ومن جهة رسوله، فإن التعويل فيها على المعاني السابقة إلى الأفهام فهكذا ما نحن فيه يجب التعويل على ما ينقض الصلاة عمداً كان أو سهواً.
الانتصار: يكون بالجواب عما يخالفه.
قالوا: الأحاديث كلها دالة على تعليق الجبران بالسجود إنما هو يعين السهو فلا يدخل فيه العمد.
قلنا: نحن لا ننكر تعليقه بالسهو لكنا نقول: كما يتعلق بالسهو فهو متعلق بالعمد بجامع نقصان الصلاة وجبرانها، وهكذا فإنا لا نخرج الغضب في قضاء القاضي، ولا نخرج الأكل في مال الأيتام بل نقول: كما يتعلق بها فهو يتعلق بغيرها بجامع أعم منها فجامع السهو النقصان، وجامع الغضب الدهشة التي تنقض اجتهاد القاضي، وجامع الأكل إتلاف الأموال التي للأيتام فقد صارت هذه المعاني مقصودة لصاحب الشريعة من خطابه فلهذا وجب التعويل عليها.
الفرع الثاني: في بيان حكم المتروك في الصلاة.
اعلم أن الصلاة لها أركان وأبعاض وهيئات، والنقصان والترك متعلق بكل واحد من هذه الأنواع ونحن نذكر ما يتعلق بها ونجعله على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: في نقصان الأركان وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إذا قام المصلي من الركعة الأولى إلى الركعة الثانية ثم تيقن أنه ترك سجدة من الأولى ففيما يفعل مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يحتسب بما فعل من الركعة الثانية حتى يتم الأولى، وهذا هو: رأي القاسمية، ومحكي: عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن ما فعله من الأولى فهو صحيح فلا تبطل بترك ما بعده وعلى هذا تصح له ركعة واحدة بكمالها وتبطل أعمال الركعة الثانية بعد أخذ السجدة منها.
والمذهب الثاني: أنه إذا قام إلى الثانية ثم ذكر أنه ترك سجدة من الأولى فإن ذكر ذلك بعد أن اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد فيها فإنه لا يعود إلى إتمام الأولى بكل تكون الأولى باطلة وتكون الثانية صحيحة وهذا هو المحكي: عن مالك.
والحجة على هذا: هو أنه اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد لها فإنها تكون أحق بالإتمام، والأولى تكون ناقصة فلا عبرة باعمالها.
المذهب الثالث: أنه إن ذكر بعد القراءة حصلت له الثانية وكانت الأولى باطلة، وإن كان ذكره قبل القراءة في الثانية سجد لتمام الأولى، وهذا هو المحكي: عن أحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان مشتغلاً بالقراءة وأتمها كانت الركعة الثانية أحق بالإتمام؛ لأن القراءة ركن من أركان الصلاة فإذا ذكرها بعد فراغه من القراءة كانت الثانية أحق بالإتمام بخلاف ما إذا كان ذكره لها قبل القراءة كانت الأولى أحق بالإتمام ويبطل ما عمل في الثانية من الأعمال.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إن اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد لها كانت الثانية أحق ولا يعود إلى إتمام الأولى.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن إتمام الركعة الأولى أحق لما ذكرناه لأن الركعة الثانية لا تكون تامة إلا بتمام الركعة الأولى ولأنه لا يمكن بناء الصحيح على الفاسد.