فإن قال القائل: إن عدم الجواز في الاستخلاف ما قاله به أحد إلا الشافعي في أحد قوليه وهو القديم والقول القديم مرجوع عنه فكيف يجعلونه مذهباً ويردون عليه مع رجوعه عنه.
قلنا: إن قول المجتهد الثاني يمنزلة قول مجتهد آخر في جواز العمل عليه للعامي ولا ينعقد الإجماع مع القول الثاني ولو كان مرجوعاً عنه وإذا كان الأمر كما قلناه استحق الكلام عليه كما لو ذهب إليه مجتهد آخر.
الحكم الثاني: أن كل واحد من المصلين لو أتم صلاته منفرداً هل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو: رأي المؤيد بالله ومحكي عن الشافعي ورواية عن أبي العباس.
والحجة على هذا: هو أن المأموم خرج عن الائتمام بعد دخوله فجاز له البناء كالمسبوق لا معذور في الخروج لإتمام صلاته فهكذا هاهنا هو معذور عن الخروج لأجل بطلان صلاة الإمام.
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو الراوية الثانية عن أبي العباس وهو الذي حصله على رأي الهادي وهو قول بعض الفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن كل واحد منهم عقد صلاته في الجماعة ونوى الائتمام ثم خرج كل واحد منهم عن الائتمام فكانت صلاته باطلة كما لو دخلوا في صلاة الجماعة ثم خرجوا فالمخالفة مبطلة للصلاة هاهنا فهكذا تكون مبطلة لها هناك والجامع بينهما هو الخروج إلى الانفراد بعد الائتمام.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله من جواز ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الحديث إنما عرض في حق الإمام دون المؤتمين فلا جرم بطلت صلاة الإمام دون صلاة المؤتمين فلما بطل إنعقاد الجماعة للعذر فلا جرم صلوا لأنفسهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: خرج عن صلاة قد عقدها جماعة وانفرد فبطلت كما لو عقدها جماعة ثم انفرد من غير عذر يعذره.
قلنا: المعنى في الأصل كونه خرج من غير عذر فلهذا بطل الخروج بعد عقد الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإنه إنما خرج لعذر فساد الطهارة في حق الإمام فافترقا.
الحكم الثالث: إذا تعمد الإمام الحدث فهل تبطل صلاة المؤتمين به أو لا تبطل إلا صلاته فقط؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاتهم صحيحة سواء سبقه الحدث أو تعمده، وهذا هو: رأي القاسمية ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن صلاة المأمومين معلقة بصلاة الإمام على معنى أنهم يقومون بقيامه ويقعدون بقعوده ويقتدون به في كل أحواله وعلى زيادة الفضل بانعقاد الجماعة فهذا هو المراد بكون صلاة المامومين متعلقة بصلاة الإمام، فأما على معنى أنها إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المؤتمين فلم تدل عليه دلالة فلهذا لم يحكم [بفسادها].
المذهب الثاني: أن الإمام إذا تعمد الحدث بطلت صلاة المؤتمين، وهذا هو: رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن صلاة المؤتمين كما هي متعلقة بصلاة الإمام في صحتها وفضلها فهي متعلقة في بطلانها وفسادها لأن كل ما تعلقت صحته بصحة أمر ففساده متعلق به، ألا ترى أن الصلاة صحتها موقوف على صحة الطهارة فيجب أن يكون فسادها بفساد الطهارة من غير فرق.
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من أن صلاة المؤتمين لا تفسد بفساد صلاة الإمام عند تعمد الحدث.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى البخاري في صحيحه وهو قوله : ((إنكم تصلون بهم فما صلح فلكم ولهم وما فسد فعليكم دونهم)).
ووجه الاستدلال من الخبر: هو أنه جعل الاستقامة في الصلاة(1)
للأئمة والمؤتمين بخلاف الفساد فإنه جعله على الأئمة دون المؤتمين وهذا ظاهر في صحة ما قلناه.
ومن وجه آخر: وهو أنه لو فسدت صلاة المؤتمين بفساد صلاة الإمام للزم عكسه وهو أن تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المؤتمين ولا قائل به، فظهر الفرق بينهما.
__________
(1) أي: الصحة.
ومن وجه ثالث: وهو قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وأراد في الكمال وإحراز الفضل والأجر والثواب والإتيان بالأركان والسنن والهيئات ولم يرد بذلك الفساد وهو أن تفسد صلاة المؤتمين بفساد صلاة الإمام وفي ذلك صحة ما قلناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: صلاة المؤتمين متعلقة بصلاة الإمام في الصحة والفساد من جهة أن كلما علقت صحته بصحة شيء فهو معلق بفساده كالطهارة في حق الصلاة.
قلنا: إن صلاة الإمام لم تشرع لكونها شرطاً في صحة صلاة المؤتمين فيلزم ما ذكرتموه، وإنما شرعت إحرازاً للفضل والأجر فلا يلزم من فسادها فساد صلاتهم.
قالوا: كما أن الصلاة موقوفة على الطهارة في الصحة والفساد فهكذا تكون صلاة المؤتمين موقوفة على صلاة الإمام في الصحة والفساد.
قلنا: إن الطهارة شرط في صحة الصلاة فلهذا صحت الصلاة بصحتها وفسدت بفسادها بخلاف صلاة الإمام فإنها ليست شرطاً في صحة صلاة المؤتمين فلا يلزم من فسادها فساد صلاتهم فافترقا.
الحكم الرابع: وإذا قلنا بصحة الاستخلاف، فهل يفترق الحال في صحته بين أن يكون الحدث عمداً أو سهواً أو لا يفترق الحال؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يفترق الحال في صحة الاستخلاف بين سهو الحدث وعمده، وهذا هو: رأي المؤيد بالله واختاره للمذهب.
والحجة على ذلك: هو أن الأدلة لم تفصل في جواز الاستخلاف وصحته بين أن يكون الحدث سهواً أو عمداً فلهذا قضينا بالتسوية بينهما.
المذهب الثاني: التفرقة بين السهو والعمد في صحة الاستخلاف وهذا هو: رأي السيد أبي طالب، واختياره وذكر فيه احتمالين:
الاحتمال الأول: وهو الأظهر على أصل الهادي أنه إذا تعمد الحدث بطل استخلافه.
والحجة على هذا: هو أن الاستخلاف ولاية جعلت له لأجل عقد الإمامة وقد أبطلها تعمد الحدث فلهذا بطل استخلافه عليهم.
ومن وجه آخر: وهو أن الحدث مبطل لأحكام الصلاة في إبطال ثوابها وسقوط فرضها عن الذمة، فهكذا حال الاستخلاف يكون مبطلاً له أيضاً من غير تفرقة.
الاحتمال الثاني: أنه غير مبطل للاستخلاف.
والحجة على هذا: هو أنه إمام عرض له في صلاته حدث فجاز له الاستخلاف كما لو كان مسبوقاً بحدث.
والمختار: ما ذكره السيد أبو طالب من بطلان ولاية الإمام للإستخلاف بعمده الحدث.
وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أنا وجدنا الشرع والعقل يفرقان بين عمد الأفعال وسهوها فيوجبون للعمد حكماً وللسهو حكماً آخر أقل تأثيراً من العمد وإذا كان الأمر كما قلناه فالمؤاخذة حاصلة بحكم العقل والشرع في العمد دون السهو إلا لدلالة فاصلة، ومن جملة المؤاخذة بطلان هذه الولاية في الاستخلاف لأجل ما تعمده من الحدث ولأن المتعمد للحدث فيه إبطال لحرمة الصلاة وإسقاط لأمرها فلا أقل من حرمانه لهذه الولاية بالاستخلاف عليهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: حدث فجاز فيه الاستخلاف كما لو كان مسهواً عنه.
قلنا: قد قررنا التفرقة بين السهو والعمد في حكم العقل والشرع وقررنا أن أحدهما مخالف للآخر وإن للشرع والعقل مدخلاً في المؤاخذة في العمد دون السهو وفيه بطلان ما ذكرتموه.
الحكم الخامس: وإذا قلنا بجواز الاستخلاف كما مر بيانه، فهل يكون علىالفور أو لا؟
والمختار: أنه يكون على الفور لأن أفعال الصلاة تشترط فيها الموالاة بحيث لا فاصل بين أفعالها ولا تراخي، وإذا قلنا بوجوب الفور فبأي شيء يضبط الفور؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أنه إن خرج الإمام من المسجد قبل الاستخلاف بطلت صلاتهم، وهذا هو الذي حصله أبو العباس لمذهب الهادي، وهو رأي أبي حنيفة، وإن استخلف قبل ذلك فهو جائز ما داموا في الركن ولو أطالوا.
القول الثاني:أنه يكون الاستخلاف في ذلك الركن، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهذا هو المختار، لأنا إذا قلنا: بالفور فلا فور هناك إلا بالاستخلاف في ذلك الركن لأن التأخر عنه لا يكون فوراً، وإذا حدث بالإمام حدث يوجب نقض الطهارة فإنه يتأخر عن مقامه لأن ذلك الموضع للصلاة وقد خرج عن الصلاة بانتقاض طهارته ويمشي القهقرى إلى وراءه لقوله : ((لا صلاة إلى متحدث )). فإن كان الذي يقدمه في الصف الأول فإنه يأخذه بيده ويقدمه للصلاة، وإن كان في الصف الآخر فإنه يتأخر إليه مستأخراً على قفاه حتى يقيمه في مقام الأول وإن استقبلهم لم يضره لأن الحال حال ضرورة، وإذا قام مقام الأول فهل تلزمه نية الإمامة أم لا؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أن نية الإمامة تلزمه، وهذا هو: رأي السيد أبي طالب، واختاره للمذهب.
القول الثاني: أن نية الإمام غير واجبة سواء كان مستخلفاً أو غير مستخلف وهذا هو: رأي المؤيد بالله، وقد قدمنا وجه القولين، وذكرنا المختار والانتصار فأغنى عن الإعادة، فأما نية المؤتمين بالإمام الآخر فإنها واجبة كما وجبت في حق الأول، وإذا كان من قدمه الإمام قد فاتته ركعة فإنه يقعد في آخر صلاة القوم حتى يتشهدوا ويسلموا ويقوم هو فيقضي ما فاته من الصلاة، فإن قام وقاموا معه بطلت صلاتهم لأنها تكون لهم خامسة، وإن لم يسلم القوم حتى يقضي الإمام ما فاته ويسلم ويسلموا بتسليمه من غير مخالفة له جاز ذلك وكان أفضل حتى لا يخالفوه، ولا يجوز أن يقدم من لم يكن دخل معهم في الصلاة قبل الحدث لأنه لما عقد الإمامة عليهم كانت له ولاية فلا جرم كان من تثبت عليه الولاية أحق بالتقديم من الأجنبي، وتقدم من يصلح تقديمه ابتدءاً لأنه إذا جاز أن يكون في الابتداء جاز أن يكون مستخلفاً لاستوائهما في مقصود الصلاحية، وإن قدم من لا يصلح تقديمه ابتدءاً نحو المرأة والصبي والكافر والفاسق بطلت صلاتهم إذا ائتموا به؛ لأن هؤلاء لا تصلح إمامتهم كما قررناه من قبل على الإطلاق وإن كان لحال عارضة نحو أن يكون على غير طهارة أو يكون متطوعاً خلف الإمام والإمام لم يعلم ذلك أو يكون أمياً والقوم قراء فإذا قدم الأمي بطلت صلاة القُرَّاء وصحت صلاة الأميين، وهكذا القول فيما شاكل هذا، فإن الصلاة لمن كان على مثل حاله يصح ولا يصح لمن كان أفضل من حاله وقد أوضحناه من قبل فأغنى عن الإعادة فهذا ما أردنا في ذكر الأحكام التي تتعلق بنقض الطهارة للإمام في الصلاة.
الفرع الثاني عشر: في تصفح باقي الأحداث المبطلة للصلاة غير نقض الطهارة وإيراد ما يتعلق بها من الكلام وجملتها أمور خمسة:
الحدث الأول: اللحن. والإمام إذا لحن في صلاته لحناً يفسدها فإن صلاته تبطل لما قدمناه في باب ما يفسد الصلاة. قال المؤيد بالله: وصلاة المؤتمين. أراد أنها تفسد إذا فسدت صلاة الإمام وكلامه هذا ففيه إحتمالان:
الاحتمال الأول: أن تكون المسألة محمولة على ظاهرها وهو أن صلاة المؤتم كصلاة الإمام لأن صلاة المؤتم تتعلق بصلاة الإمام ولهذا فإن الإمام يتحمل عنه القراءة فإذا لحن الإمام يكون كلحن المؤتم لا محالة فلهذا حكمنا ببطلان صلاته وهذا بخلاف الحدث فإنه يختص في الفساد الإمام لا غير.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد إذا لحن الإمام واستمر على صلاته ولم يخرج منها، وهكذا المؤتمون إذا لم يعزلوا صلاتهم عن صلاة الإمام حين تكلم باللحن فإنه يجب أن لا تفسد صلاة المؤتمين وكلا الاحتمالين لا غبار عليه خلا أن الاحتمال الأول أدق، والإحتمال الثاني أحق.
الحدث الثاني: الاحصار. وهو أن يتعذر على الإمام القراءة فهل يجوز له الاستخلاف أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز الاستخلاف، وهذا هو: رأي القاسمية، ومحكي. عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا هو أنه عرض في صلاته ما يقطعه عن الاستمرار عليها من غير تغير الفرض فجاز له الاستخلاف كالحدث.
وقولنا: من غير تغير الفرض. نحترز به عمن انكشفت عورته في الصلاة فلا يتمكن من سترها فليس له إن يستخلف لأن الفرض قد تغير لأن فرض العاري الصلاة من قعود وفرض اللابس تأديتها من قيام كما سنوضحه.
المذهب الثاني: المنع من الاستخلاف، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف، ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن الولاية عليهم مشروطة بكمال الطهارة والسلامة من جميع ما يعرض في إبطال الصلاة فإذا أحصر بطل شرط صحة الصلاة فلا جرم قضينا ببطلان صحة الولاية في الاستخلاف وإنما أخرجنا بطلان الطهارة وإن صح الاستخلاف معها لأخبار دلت على ذلك فقضينا بها.
والمختار: ما قاله الهادي والقاسم.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الإحصار مانع من المضي في الصلاة من أجل نقصان ركن من أركانها وهي القراءة فلا جرم كان له الاستخلاف كالحدث.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الإحصار يخالف نقض الطهارة، فلا جرم قضينا بصحة الاستخلاف بنقض الطهارة بخلاف الإحصار.
قلنا: إنا لا ننكر مخالفة الاحصار لنقض الطهارة لكنهما يستويان في صحة الاستخلاف والجامع بينهما بطلان الصلاة بكل واحد منهما عند تعذره.
الحدث الثالث: القعود. وإذا أقعد الإمام في الصلاة.
قال المؤيد بالله: وإذا عجز الإمام عن القيام في الصلاة في بعض صلاته فإنه يقدم أحد المؤتمين لأن قعوده كالحدث وأراد أنه كالحدث في حالتين في أنه لا يجوز لهم الاقتداء به وأما في حقه فإنه لا يكون حدثاً لأن الإمام باق على صلاته فلا يلزم الاستئناف لأنه إذا لم يستأنفها فإن جميع صلاته تكون من قعود وإذا بنى عليها فإن بعض صلاته تكون من قعود وبعضها من قيام فيكون أولى.
الحدث الرابع: الموت وإذا أمَّ رجل قوماً ثم مات في أثناء الصلاة فإنهم يقدمون رجلاً ويعتدون بالركعة ويطرحون الميت خلفهم.
والوجه في ذلك: هو أن الموت حدث مانع من إتمام الصلاة فجاز الاستخلاف كما لو انتقضت طهارته. قال القاسم: من اشتغل بطرح الميت وإخراجه من المسجد فإنه يستقبل الصلاة لأنها أفعال كثيرة تفسد الصلاة فلهذا وجب استئنافها، فأما غير من اشتغل بالميت فلا تكون صلاته فاسدة لأنه لم يعرض ما يوجب فسادها إلا الاستخلاف وهو غير مفسد لها كما مر تقريره في سائر الأحداث.
نعم.. لو أغمي على الإمام فهل تبطل صلاة المؤتمين أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تبطل صلاة المؤتمين لأن الإغماء مرض في العقل فأشبه الائتمام بالمجنون، فلهذا قضينا ببطلان صلاتهم.
وثانيهما: أنها لا تبطل صلاتهم لأنه مرض مبطل للحركة فأشبه القعود للإمام، وقعوده لا يبطل صلاتهم.
والمختار: أن الإغماء إنما يبطل صلاة الإمام دون صلاة المؤتمين لأنه لم يعرض في حقهم ما يبطل صلاتهم كما عرض في حقه ما يبطل صلاته فلهذا جاز لهم الاستخلاف كما جاز في سائر الأحداث.
الحدث الخامس: انكشاف العورة. وإذا عرض على الإمام انكشاف عورته في حال الصلاة فإنه يتمها من قعود لأن القعود فرض العريان، والعري كالحدث في حق المؤتمين على معنى أن صلاتهم صحيحة ولا يجوز لهم الاقتداء به، وأما في حقه فلا يكون حدثاً لأن الإمام باقٍ على صلاته ولا يلزمه الاستئناف لأنه لو استأنفها فإن جميع صلاته تكون من قعود، وإذا بنى عليها كان بعضها من قيام وبعضها من قعود، وهل يجوز لهم الاستخلاف أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع من الاستخلاف من جهة أن الفرض قد تغير في حقه لأن فرضه قد صار إتمام صلاته من قعود وفرض المؤتمين من قيام فلهذا كان ممنوعاً من الاستخلاف.
وثانيهما:جواز الاستخلاف.
ووجهه:هو أنه قد عرض في حقه ما يمنع من إتمام الصلاة فصار كالحدث وقعوده لا يمنع من الاستخلاف كما لو قعد بالعجز والمرض.
وبتمامه يتم الكلام فيما أردنا ذكره من صلاة الجماعة. وبالله التوفيق.
---
الباب الثامن في سجود السهو
قال الإمامان القاسم، والهادي: سجدتا السهو واجبتان على المصلي في الأذكار والأفعال والزيادة والنقصان، وتجبان على كل من قام في موضع جلوس، أو جلس في موضع قيام، أو ركع في موضع سجود، أو سجد في موضع ركوع، أو قرأ في موضع تسبيح، أو سبح في موضع قراءة، ولا تختصان الفرض دون النفل.
فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم النقصان في الصلاة، ثم نذكر حكم الزيادة فيها، ثم نردفه بذكر الشك في الصلاة، ونذكر على إثره أقسام السجدات وأحكامها وصفاتها، فهذه فصول أربعة نذكر ما يتوجه في كل واحد منها من التفريعات والمسائل بمعونة الله تعالى.