أما أولاً: فلأن هذا محمول على صلاة الجهر ولا شك أن صلاة الجهر لا يقرأ فيها المأموم، وأما إذا كانت الصلاة إسراراً وجبت عليه القراءة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما أوردناه دلالة على وجوب القراءة إذا كانت الصلاة إسراراً.
المسألة الثانية: وإذا لم يسمع قراءة الإمام لصمم أو بُعْدٍ فالواجب عليه القراءة؛ لأنه مؤتم بغيره فإذا لم يسمع قراءة الإمام لزمه أن يقرأ كما لو كانت الصلاة عَجْماء، وهل تلزم الإعادة للمأموم إذا قرأ فيما يسمع مع قراءة الإمام أو لم يقرأ فيما لم يسمع أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها تلزمه الإعادة فيما ذكرناه، وهذا هو: رأي القاسمية.
والحجة على هذا: خبر عمران بن حصين وهو أن الرسول نهى عن القراءة خلف الإمام. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه شرعاً، وإنما قلنا: إنه إذا لم يقرأ في صلاة الإسرار بطلت صلاته لقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)).
المذهب الثاني: أن المأموم إذا قرأ فيما يجهر به من القراءة لم تبطل صلاته، وهذا هو: رأي المؤيد بالله، وإن جهر في موضع الإسرار كره له ولم تبطل صلاته؛ لأن الجهر والإسرار هيئتان للقراءة فإذا خالفهما لم تبطل الصلاة بالمخالفة كما يقول في سائر الهيئات كوضع اليد حذاء الخد أو حذو المنكب أو غير ذلك، وقد قدمنا المختار والانتصار له فلا وجه للإعادة.
المسألة الثالثة: قال السيد أبو طالب: وإن جهر الإمام في ركعة واحدة أجزت الصلاة؛ لأن الحمد عندنا بمنزلة القراءة والقراءة عندنا إنما تجب في ركعة واحدة فهكذا حال الجهر. قال محمد بن يحيى: وإن ترك المخافتة فيما يخافت به بطلت صلاته لأن الجهر والمخافتة عند الهادي وأولاده كأصل القراءة، وإذا أتى بالمخافتة في ركعة واحدة لم تبطل صلاته كالجهر، فأما على رأي المؤيد بالله فالجهر والمخافتة هيئتان من سنن الهيئات لا تبطل الصلاة لكل منها بتركهما كما مر بيانه.

الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: وإذا وافق المؤتم الإمام في ابتداء التكبير والركوع وغيره فالأقرب عندي أن لا تبطل صلاته؛ لأن الائتمام أن يفعل مثل ما فعله تبعاً له، وليس من شرطه أن يفعل بعد فعل الإمام. فأراد بما قاله: أن المشاركة في الأفعال من جهة المأموم لإمامه لا تبطل الاقتداء؛ لأنه متابع له وإن شاركه في الأفعال.
واعلم أن الإمام إذا سبق المأموم بالإسم والصفة في قولنا: الله أكبر. جازت الصلاة لأجل المتابعة لقوله : ((فإذا كبر فكبروا)). وهذا فلا خلاف فيه، وإن سبق المأموم إمامه في الإسم والصفة بطلت الصلاة لفساد الاقتداء بالتقدم على الإمام وإن شارك المأموم إمامه في الإسم والصفة جازت الصلاة كما حكيناه عن المؤيد بالله، وإن سبق المأموم بالإسم وسبقه الإمام بالصفة جازت الصلاة مع الكراهة؛ لأن المأخوذ على المأموم المتابعة أو المشاركة دون السبق فلما سبق بالإسم كان مكروهاً، وإن سبق الإمام بالإسم وسبقه المأموم بالصفة لم تكن الصلاة جائزة لأجل سبقه لإمامه، وإن اشتركا في الصفة نظرت فإن سبق الإمام بالإسم كان جائزاً من غير كراهة، وإن سبق المأموم بالإسم كان جائزاً مع الكراهة، وإن اشتركا جميعاً في الاسم نظرت فإن سبق المأموم بالصفة لم يكون جائزاً، وإن سبق الإمام كان جائزاً، وهكذا يكون حال التسليم فإن اشترك الإمام والمأموم في التسليم كانت الصلاة جائزة لأن المشاركة بمنزلة المتابعة، وإن تابعه فسلم بعد تسليمه كانت الصلاة مجزية؛ لأن المتابعة هي المأخوذة على المأموم كما قررناه، وإن سلم المأموم قبل تسليم الإمام بطلت صلاته؛ لأنه سبقه بركنين من أركان الصلاة فيجري الحكم فيهما مثل ما ذكرناه في التكبير من غير مخالفة لأنهما سيان أعني التكبير والتسليم في كونهما ركنين من أركان الصلاة وإن اختلفا في كون أحدهما لتحريم الصلاة، والآخر لتحليلها وقد قررناه.

الفرع التاسع: قال المؤيد بالله: ومن لحق الإمام في بعض صلاته فلما جلس الإمام في آخر تشهده قام المؤتم لإتمام صلاته قبل فراغ الإمام من التشهد فالأقرب عندي أنه أفسد صلاته، وهذا جيد لا غبار عليه.
والوجه في ذلك: قول : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا نهي، والنهي يقتضي الفساد خاصة في العبادات، ولأنه ترك متابعة الإمام من غير عذر كما لو تقدم عليه، والواجب على المأموم متابعة الإمام في مفروض الصلاة ومسنونها من غير مخالفة له في ذلك لقول : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وقوله: ((لا تختلفوا على إمامكم)). فإن خالف المأموم فيما ليس مشروعاً في الصلاة جاز ذلك كما لو قام إلى الخامسة من الظهر والعصر، أو الثالثة من الفجر، أو الرابعة من المغرب، وهكذا لو قعد للتسليم على الثالثة من الظهر والعصر، أو على الركعتين من المغرب، فإن ما هذا حاله لا يجوز متابعة الإمام بل يعزل المصلي صلاته عن صلاة الإمام إذا تعذر تنبيهه عن غلطه وسهوه.
قال المؤيد بالله: وإذا قام الإمام غلطاً جلس المؤتم ولا يتابعه وليسلم لنفسه إذا تعذر تنبيه الإمام؛ لأن ما هذا حاله إنما فعله الإمام غلطاً وسهواً فلا تجوز متابعته على الغلط والسهو، وإذا سجد الإمام سجدة ونسي الثانية وقام لم يتابعه المؤتم وسجد لنفسه الثانية، فإن تنبه الإمام لما أخل به وعاد لأداء هذه السجدة لم يلزم المأموم متابعته لأنه قد سجدها فلا وجه لإعادتها، وإن لم ينتبه الإمام لهذه السجدة فهي باقية عليه يسجدها قبل فراغه من الصلاة، فإن تعذر تنبيهه لإدائها عزل المؤتم صلاته لأنه قد أخل بفرض من فروضها كما لو سلم على ثلاث من الرباعيات.

الفرع العاشر: في حكم المخالفة للإمام. وإذا خالف المأموم إمامه نظرت فإن كانت المخالفة فيما ليس مشروعاً في الصلاة وفيما لا يجب على المأموم موافقة الإمام فيه لم تلزمه المتابعة، وقد قررناه من قبل فأغنى عن تكريره، وإن كان فيما تجب عليه فيه المتابعة فهو مشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في حكم المخالفة بالتقدم، وإذا سبق المأموم إمامه بتقدمه عليه نظرت فإن كان سبقه له بجزء من ركن لم يقدح ذلك في صحة الصلاة، فإذا قال المأموم: الله. قبل قول الإمام: الله أكبر. ثم يتم الإمام التكبير قبله لم تفسد صلاته؛ لأن ما هذا حاله تعظم به البلوى ويعظم الحرج فيه فلهذا رفع الشرع حكمه ولأنهم لما بادروه بالركوع والسجود نهاهم عن ذلك بقوله: ((لا تبادرونني بركوع ولا سجود )). ولم يأمرهم بالإعادة، وإن كان سبقه بركن واحد نظرت فإن كان ذلك الركن هو تكبيرة الافتتاح بطلت صلاة المؤتم لأنها أول الصلاة وبها يكون الافتتاح للتحريم فلا بد فيها من المتابعة، فإذا سبقه المؤتم بها لم يكن تابعاً له وبطل الائتمام، وإن كان غيرها من الركوع والسجود وسائر الأركان في الصلاة نظرت فإن كان ذلك على سبيل السهو لم تفسد الصلاة؛ لما روي أن الرسو صلى الظهر ثلاثاً على جهة السهو وتنبه بعد ذلك فزاد إليها واحدة وسجد للسهو ولم تبطل الصلاة؛ ولأن صلى الظهر خمساً على جهة السهو فلما نبهه ذو اليدين سجد لسهوه ولم تفسد الصلاة، وفي هذا دلالة على أن ما فعله على جهة السهو فإنه غير مفسد للصلاة، وإن كان على جهة العمل فهل تفسد به الصلام أم لا؟ فيه أقوال ثلاثة محكية عن المؤيد بالله:

فالقول الأول: ذكره في (الإفادة) فإنه قال: إذا رفع المؤتم رأسه قبل رفع الإمام فسدت صلاته إذا تعمد ذلك، وإن رفع ناسياً انتظر الإمام ويستوي جالساً أو قائماً فإن عاد إلى سجوده ثانياً بطلت صلاته لأنه فعل سجوداً زائداً وذلك يوجب بطلان الصلاة عندنا؛ لأن الأدلة ما فصلت في زيادة السجود الزائد على المشروع في إفساد الصلاة بين أن يكون سهواً أو عمداً.
القول الثاني: ذكره في (الزيادات) أنه لا يوجب بطلان الصلاة وإن فعل على جهة العمد وهذا هو الصحيح المرجوع إليه من قوليه وأشار إليه السيد أبو طالب، لقوله : ((لا تبادرونني بركوع ولا سجود )). وظاهر الحديث أنهم قد سبقوه بالركوع والسجود على جهة العمد ولم يأمرهم بالإعادة، وفيه دلالة على أنه غير مفسد.
القول الثالث: ذكره في موضع من (الإفادة) أنه فصل بين الرفع والخفض، فقال في الرفع: تبطل الصلاة به إذا كان عمداً؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((ألا يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو رأس كلب)). ولم يذكر في الخفض ذلك فدل على التفرقة بينهما.
والمختار: أن سبق المأموم بركن واحد غير مفسد للصلاة سواءً كان ذلك على جهة العمد أو على جهة السهو؛ لأنه ربما يقع كثيراً وتعظم فيه المشقة بالاحتراز فلا جرم خفف الشرع حكمه، ولا يخالف السهو العمد في أنه غير مفسد، وإنما يأثم بالعمد دون الإفساد للصلاة، وإن سلَّم المؤتم تسليمة واحدة قبل الإمام لم تفسد صلاته لأنه ركن واحد.
المسألة الثانية: في حكمه إذا خالفه بركنين، ومتى كان الأمر كما قلناه نظرت فإن كان ذلك لعذر لم تبطل الصلاة وهذا يكون في صورتين:
الصورة الأولى: في صلاة الخوف وهو أن الطائفة الأولى يسلمون قبل تسليم الإمام، ويخرجون من الصلاة إلى لقاء العدو، وتجيء الطائفة الثانية فيصلون الركعة الثانية كما سنوضح الكلام فيها بمعونة الله.

الصورة الثانية: في الرجل يتشهد التشهد الأخير فيخاف أن يحدث قبل تسليم الإمام فهل له أن يسلم وقد تمت صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن له ذلك وأن صلاته صحيحة وهذا هو المروي عن أمير المؤمنين.
والحجة على هذا: قوله : ((إذا قعدت فقد تمت صلاتك )). فهذا الخبر دال على صحة ما قلناه لأنه حكم بصحة الصلاة بعد القعود.
المذهب الثاني: أن صلاته تبطل إذا فعل ذلك، وهذا هو الذي يأتي على أصل القاسمية.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). والنهي دال على الفساد لأن هذا قد خالف الإمام من غير عذر يدل عليه دليل شرعي.
والمختار: جواز ذلك لما روينا من الخبر؛ ولأن أمير المؤمنين قد ذهب إليه وإذا صدر من جهة الصحابي شيء فإنما يكون من جهة التوقيف من الرسول لأنه لا مجال للإجتهاد في العبادات فيجب القضاء بصحته.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذه مخالفة تقتضي الوقوع في النهي وفي هذا دلالة على الفساد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على المخالفة التي تكون قبل تمام الصلاة، فأما هذه المخالفة فإنها مخالفة واقعة بعد تمام الصلاة وإكمالها.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الخبر وإذا تعارضا وجب الترجيح، وخبرنا لا محالة أرجح لأنه دال على المقصود وأصرح بالمراد من الخبر الذي رويتموه، وأيضاً فإن خبرنا ظاهر في الدلالة على ما تدل عليه، وخبركم أقرب إلى الإجمال فلهذا كان خبرنا أقرب إلى القبول.

المسألة الثالثة: في حكم تخلف المأموم عن الإمام بعد دخوله معه في الصلاة لشيء تركه الإمام، فإن كان التخلف عن الإمام لشيء تركه نظرت في حاله فإما أن يكون مفروضاً أو مسنوناً، فإن كان من الفروض الواجبة في الصلاة وهذا نحو أن يترك ركعة أو سجدة فإن ما هذا حاله لا تلزمه متابعة الإمام؛ لأنه إنما يتابعه فيما كان مشروعاً في الصلاة، فأما إذا لم يكن مشروعاً في الصلاة لم تلزمه المتابعة، ويجب عليه أن يعزل صلاته عن صلاة الإمام إذا تعذر تنبيهه عن القيام بما تركه وأخل به. وإن كان المتروك من السنن المستحبة ففيه صورتان:
الصورة الأولى: أن يترك الإمام التشهد الأوسط ثم يجلس المأموم للتشهد ولا يتابع الإمام، فهذا التأخر عن متابعة الإمام يوجب بطلان الصلاة؛ لأنه عدل من مفروض إلى مسنون لأن متابعة الإمام واجبة، والتشهد من جملة المسنونات، فلهذا قلنا: ببطلانها لما ذكرناه.

الصورة الثانية: قال المؤيد بالله: والمؤتم إذا بقي عليه من آخر التشهد الآخر ما ليس واجباً وقد سلم الإمام فإنه يتم ما بقي من التشهد إذا لم يزد علىالمعتاد من الدعاء المسنون في آخر التشهد، والمعنى أن مشاركة الإمام في التسليم من الصلاة هو الأولى والأحق لأجل وجوب المتابعة إذا لم يكن هناك غرض أفضل منه، وإن كان هناك عرض أفضل منه جاز تركه وتقديمه عليه، والغرض الأفضل هو ما أشار إليه من إكمال الدعاء المسنون في التشهد المأثور عن الرسول وهو قوله: ((اللهم إنا نعوذ بك من عذاب النار ومن عذاب القبر ومن عذاب الفقر وأهوال يوم القيامة وسوء الحساب وسوء المنقلب وسوء المنظر في النفس والأهل والمال والولد)). والتفرقة بين هذه الصورة والصورة التي قبلها هو أن المصلي في الصورة الأولى قد بقي عليه من أعمال الصلاة ما يجب عليه متابعة الإمام فيه بخلاف المسألة الثانية فإنه لم يبق عليه من الصلاة ما يلزمه فيه المتابعة فافترقا، وإن زاد المأموم في الدعاء من غير المشروع من حوائج الدنيا والآخرة جاز ذلك ولا حرج عليه لأن الصلاة موضوعة للدعاء لما روي عن الرسو أنه كان لا يحزنه شيء مما يكرهه إلا ذكره في الصلاة.
المسألة الرابعة: في حكم التخلف عن الإمام لسبق الإمام له وإذا تخلف المأموم عن الإمام لسبقه له نظرت فإن كان سبقه له بجزء من ركن أو بركن كامل جاز ذلك؛ لأن مثل هذا لا يطرق خللاً في صحة الصلاة؛ ولأن الاحتراز عنه ربما يشق، فلهذا رفع الشرع [الحرج عنه]وإن سبقه الإمام بركنين فسدت الصلاة لأجل كثرة المخالفة وهي موجبة للفساد لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). إلا في صورتين قام الدليل الشرعي على أنهما لا يوجبان فساداً.

الصورة الأولى: أن يشتغل المؤتم بالتوجه فيكبر الإمام ويقرأ ويركع ثم يكبر المؤتم ويدرك الإمام راكعاً فقد سبقه بالتكبيرة والقراءة وهما ركنان ومع ذلك فقد قضينا بصحة صلاته لما أدرك الركوع وإنما كان الأمر كما قلناه لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). فسماه مدركاً لما أدرك الركوع وإنما كان الأمر كما قلناه لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها )) (1)
. فسماه مدركاً بإدراك الركوع.
الصورة الثانية: أن يسبقه الإمام بالتسليمتين فقد سبقه الإمام بركنين ولكنه غير مفسد للصلاة لأن السلام تخليل للصلاة وخروج عنها،فتخلف المأموم عن التسليم لا يطرق عليه خللاً في صلاته لأنه لم يبق بعدهما ما يوجب المتابعة فسبقه له غير مخل لما ذكرناه، والله أعلم.
الفرع الحادي عشر: في حكم الإمام إذا حدث به حادث وهو في الصلاة.
اعلم أن الإمام إذا حدث به حادث مما يبطل صلاته فالأفضل أن يستخلف من يصلي بمن كان خلفه لأن الرسو مرض مرضه الذي توفي فيه فاستخلف أبا بكر فصلى بالناس سبعة عشر يوماً وكان الرسول قد يخرج في بعض الأوقات ويصلي بهم قاعداً وإنما فعل ذلك ليبين لهم الجواز وأكثر أمره على الاستخلاف، وفي هذا دلالة على الأفضلية في الاستخلاف وهذا الفرع قد اشتمل على بيان أحكام:
الحكم الأول: أن الإمام إذا عرض له حادث في الصلاة فهل يجوز له الاستخلاف أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز له الاستخلاف وهو الأفضل في حقه وحقهم، وهذا هو: رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي: عن أبي حنيفة وأصحابه، وقول الشافعي في الجديد، وهو رأي الأكثر من أصحابه.
__________
(1) يبدو الاستدلال في غير موضعه؛ لأن الموضوع هنا هو في صحة ائتمام من أدرك الإمام في ركوعه، فإنه يعتد بهذه الركعة، بينما الحديث الشريف يتعلق بإدراك الصلاة بإدراك الركعة منها قبل خروج وقتها، والله أعلم.

والحجة على هذا: ما رويناه عن الرسول في مرضه أنه استخلف أبا بكر يصلي بالناس فوجد خِفَّه فخرج المسجد يتهادى بين اثنين فأمَّهم في بعض صلاتهم وخرج أبو بكر من الإمامة والمأمومون من الائتمام،وفي هذا دلالة على جواز الصلاة بإمامين من أجل العذر لأن بعض صلاتهم كانت خلف أبي بكر وبعضها كانت خلف الرسول وفي هذا دلالة على جواز لإستخلاف.
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو قول الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه افتتح بالناس في صلاة الفجر ثم ذكر أنه جنب فانصرف واغتسل ولم يستخلف وفي هذا دلالة على أنه لا معنى للاستخلاف.
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من جواز الاستخلاف.
وحجتهم: ما ذكرناه عنهم؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فانتظروه للصلاة فأبطأ فقدموا أبا بكر ثم جاء الرسول فوقف في الصف فتأخر أبو بكر وتقدم الرسول فصلى بالقوم بقية الصلاة، ولأن صلاة الجماعة لا تنعقد إلا بالإمام والمأموم جميعاً ثم إنه لا يتغير حكمها يتغير المأموم وهو أن يخرج مأموم ويدخل مأموم آخر فهكذا يجب ألا يتغير حكمها بتغير الإمام فإذا أحدث الإمام جاز دخول إمام آخر وهذا هو فائدة الاستخلاف.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه افتتح الصلاة بالناس في صلاة الفجر ثم ذكر أنه جنب فقال: ((على رسلكم)). ثم انصرف واغتسل ولم يستخلف وفي هذا دلالة على عدم الجواز في الاستخلاف.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكرتموه إنما يدل على عدم الوجوب لأنه لو كان واجباً لم يتركه ولكنه غير دال على عدم الجواز؛ لأن الجائز يجوز فعله ويجوز أن لا يفعل وإنما تركه ليعلم الناس أنه غير واجب.
وأما ثانياً: فلأن الرسول إنما ذكر كونه جنباً قبل دخوله في الصلاة وقبل دخول المسلمين فيها.

217 / 279
ع
En
A+
A-