أولها: أن يرفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يركع المأموم ثم يركع المأموم بعد رفعه ويدركه قائماً مطمئناً في القيام فما هذا حاله يكون مدركاً الركعة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تبادرنني في ركوع ولا سجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت)) (1).
فسماه مدركاً بالرفع إلى القيام وفي هذا دلالة على ما قلناه من إدراك الركعة بإدراك القيام مع الإمام.
وثانيها: أن الإمام إذا تحرك للرفع من الركوع وهوى المأموم إلى الركوع فإن بلغ المأموم في ركوعه موضع الإجزاء في الركوع وهو يقدر على أن يقبض على ركبتيه واطمأن قبل أن يخرج الإمام عن حد الإجزاء في الركوع فإن المأموم يعتد بهذه الركعة لأنه قد أدرك معه الركوع، وإن لم يبلغ المأموم أول حد الإحزاء حتى خرج الإمام عن حد الركوع فإن المأموم لا يعتد بهذه الركعة كما لو أدركه بعد الرفع من الركوع.
وثالثها: أن يرفع الإمام رأسه من الركوع ثم يهوي المأموم للركوع ولا يدركه قائماً ولا يطمئن معه في القيام فإنه لا يكون مدركاً للركعة لخروج المأموم عن مشاركة الإمام في الركوع أو في القيام كما قررناه فإدراك المأموم الإمام يكون على هذه الأوجه التي أشرنا إليها وبالله التوفيق، وإن أدركه راكعاً فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح ليكون داخلاً بها وتكبيرة أخرى؛ لأنها مشروعة في حقه كما لو أدركه قائماً.
الفرع الرابع: يشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: إذا أدرك المأموم الإمام راكعاً فهل يكبر تكبيرة أو تكبيرتين فيه مذهبان:
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه1/168: ((لا تبادرتي بركوع ولا سجود، فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت إني قد بدنت)) جاء في (الجواهر) حاشية البحر1/320 يقال: بدن الرجل بتشديد الدال وفتحها إذا أسَنَّ، وبتخفيفها وضمها إذا سمن، والمراد هاهنا المعنى الأول. اهـ، وأخرج الحديث ابن ماجة1/309 وغيره.
المذهب الأول: أنه يكبر تكبيرتين إحداهما تكبيرة الافتتاح وهي الفرض، والأخرى للركوع وعلى هذا يكون مدركاً لتلك الركعة كما مر بيانه، وهذا هو رأي الهادي، والقاسم، والناصر، ومحكي عن جميع الفقهاء.
والحجة على هذا: هو ما ظهر من فعل الصحابة والتابعين أنهم كانوا إذا أدركوا الإمام كبروا بتكبيرتين تكون إحداهما فرضاً، والأخرى سنة.
المذهب الثاني: أنه لا يكبر إلا تكبيرة واحدة وهي الفرض ويركع بها من غير زيادة، وهذا هو المحكي عن زيد بن علي .
والحجة: هو أن هذه التكبيرة الثانية إنما تكون مشروعة إذا كان مدركاً للإمام في حال قيامه فأما إذا أدركه راكعاً فالمفروضة كافية.
والمختار: أنه لا بد من التكبيرتين وإحداهما لا تقوم مقام الأخرى من جهة أن إحداهما يفتتح بها الصلاة، والأخرى مسنونة من تكبيرات النقل فلا تسقط المسنونة بفعل المفروضة، كما لو أدركه المأموم في حال قيامه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أورده.
قوله: إن التكبيرة إنما تكون مشروعة إذا كان مدركاً للإمام في حال قيامه فأما إذا أدركه راكعاً فالمفروضة كافية.
قلنا: الإجماع منعقد من جهة الصحابة والتابعين على أنها لا تسقط بالمفروضة وأنها غير كافية.
المسألة الثانية: وإذا ركع الإمام فنسي تسبيح الركوع فرفع رأسه ثم رجع إلى الركوع ليكمل التسبيح فهل تبطل صلاته أو لا تبطل؟ فيه تردد.
والمختار: أنها لا تبطل؛ لأنه جاهل بالتحريم فأشبه ما لو فعلها ساهياً. وإذا قلنا بأن صلاته لا تبطل فإذا أدركه المأموم في هذا الركوع الثاني فهل يحتسب بهذه الركعة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يكون لاحقاً بها ولا يعتد بهذه الركعة؛ لأن هذه الركعة إنما فعلت على جهة الجهل بالتحريم فلا يكون داخلاً بها لأن هذا الركوع لا يحتسب للإمام فلا يكون داخلاً معه به.
المسألة الثالثة: إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة غلطاً فهل يصح أن يدخل المأموم معه في هذه الركعة؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يكون المأموم داخلاً بهذه الركعة؛ لأنها لا تحتسب للإمام فلا يكون للمأموم دخول بها غير معدودة في الصلاة.
الفرع الخامس: إذا أدركه ساجداً، ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: إذا أدركه في السجود فإنه يَخِرُّ لله تعالى ساجداً لقوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها )) (1).
وهل يكبر تكبيرة الافتتاح قبل أن يَخِرَّ ساجداً على جهة الاستحباب ويكون داخلاً في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يَخِرَّ ساجداً على جهة الاستحباب ثم يقوم فيستأنف تكبيرة الافتتاح ويدخل معه في الصلاة ولا يعتد بالسجود الأول، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ثلاث لا يدعهن إلا عاجز عن اكتساب الأجر والثواب: رجل سمع مؤذناً فلا يقول مثل ما يقول، ورجل حضر إلى جنازة فلا يصلي عليها ولا يشيعها ولا يسلم على أهلها، ورجل لحق الإمام في السجود فترك مشاركته ومتابعته فيه))(2)
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم أن النبي قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة كلها)).
…وعن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل: ((إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام)).
…قال الرباعي في (فتح الغفار)1/303: رواه الترمذي بإسناد ضعيف، وقد أعل لانقطاع لكن يشهد له حديث معاذ عند أبي داود وأحمد... إلخ.
(2) رواه الإمام زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي".
…قال السياغي في (الروض النضير)1/549: أخرجه بهذا السياق والسند محمد بن منصور في (الأمالي) ولكل من الثلاث شواهد، الخصلة الأولى: قوله: ((رجل سمع مؤذناً ولا يقول كما يقول)) أخرج نحوه عبدالله بن أحمد بن حنبل في (زيادات المسند) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان علي بن أبي طالب إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول: الحديث، ذكره في (مجمع الزوائد) قال: وأخرجه الطبراني في (الكبير) عن ابن مسعود، وفي (التلخيص) عن أبي سعيد مرفوعاً، ورواه آخرون.
…قال السياغي: وقوله: ((ورجل لقي جنازة...إلخ)) سيأتي الكلام عليه في كتاب الجنائز، وكذا قوله: ((ورجل أدرك الإمام وهو ساجد)) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب: الرجل يدرك مع الإمام بعض الصلاة. اهـ.
.
وإنما قلنا أنه لا يعتد بهذه السجدة ولا يكون داخلاً في الصلاة فلما روي عن الرسول أنه كان في صلاته في سجوده فسمع خفق نعل فلما فرغ من صلاته فقال: ((من ذا الذي سمعت خفق نعله ))؟. فقام رجل من أهل المدينة فقال: كنت أنا يا رسول الله فقال: ((كيف وجدتنا))؟ قال سجوداً قال: ((هكذا فاصنعوا ولا تعتدوا بها))(1).
فهذا الخبر دال على أنه يلزمه استئناف تكبيرة الافتتاح إذا قام، ولهذا قال: ((ولا تعتدوا بها)). فلو كانت تكبيرة الافتتاح مجزية له لم يقل: ((لا تعتدوا بها)).
المذهب الثاني: أنه تلزمه تكبيرة الافتتاح ثم يسجد ثم يقوم لاتمام صلاته، ولا تلزمه إعادة تكبيرة الافتتاح، وهذا هو رأي الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((يجعل ما لحق مع الإمام أول صلاته )). وفي هذا دلالة على أنه يكون لاحقاً بالمشاركة له في السجود ولا يلزمه استئناف تكبيرة الافتتاح.
والمختار: ما قاله أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أنه لو كانت تكبيرة الافتتاح معتداً بها لكانت الركعة كلها محسوبة له، فلما وقع الإجماع على أنه لا يعتد بالركعة دل ذلك على أنه لا يعتد بتكبيرة الافتتاح عكسه المدرك في الركوع فإنه لما كان مدركاً للركعة كان مدركاً لتكبيرة الافتتاح.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((يجعل ما لحق الإمام فيه أول صلاته)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد أن يجعل أول صلاته ما كان مدركاً بإدراكه الركعة، ومن أدرك السجود فليس مدركاً للركعة فافترقا.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الخبر، وخبرنا أحق بالقبول لأنه أدل على المراد وأصرح بالمقصود من خبرهم، فلهذا كان أحق بالقبول.
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 1/227.
المسألة الثانية: وإذا قلنا: بأنه لا تلزمه تكبيرة الافتتاح ولا يكون داخلاً في الصلاة بلحوق التشهد فهل تلزمه التكبيرة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه غير لازم لأجل سجوده؛ لأن السجود غير معتد وإنما فعله امتثالاً لأمر اللّه، وتواضعاً لعظمته، ولقوله : ((من أدركني فليكن على الحال التي أنا عليها )). وإذا لحقه في السجدة الثانية فهل تلزمه إعادة السجدة الأولى أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أن إعادتها غير لازمة؛ لأنه لا ثمرة في إعادتها، ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى إعادتها وليس بشيء، ومن أدرك الإمام قاعداً للتشهد فإنه يَخِرُّ للجلوس من غير تكبير؛ لأن القعود عن القيام في الصلاة غير مشروع بحال فلهذا لا معنى للتكبير فيه بحال ويخالف الركوع والسجود فإنهما مشروعان عن القيام في الصلاة فلا ينحط المصلي عن القيام إلا إلى ركوع أو سجود فلهذا كان التكبير مشروعاً فيهما فافترقا.
المسألة الثالثة: قال المؤيد بالله: ومن أدرك الإمام وهو في التشهد الأوسط كبر قائماً ينتظر قيام الإمام وهو قائم ثم يقرأ بعد قيامه ويمضي في صلاته، وإن قعد معه جاز لقوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها)). وهل يتشهد إذا قعد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستحب له التشهد كما يستحب له القعود، وإن لم يكن له موضعاً للقعود.
وثانيهما: أنه لا يستحب له التشهد لأنه ليس موضعاً له في التشهد، وإذا قلنا: بأنه يستحب له التشهد. فإذا قام استحب له التكبير عند قيامه وعند قعوده. قال المؤيد بالله: ومن جلس مع الإمام في غير موضع جلوسه اتباعاً كبر إذا جلس، وإذا قام فيكبر إذا قعد اتباعاً لإمامه، ويكبر إذا قام لأنه يقوم إلى ركعة يؤديها فيستحب له التكبير كما لو كان منفرداً. وقال أيضاً: ولا يقوم لاتمام ما بقي من صلاته إلا إذا سلم الإمام التسليمتين جميعاً، فإن قام قبل فراغ الإمام من التشهد فالأقرب عندي بطلان صلاته.
والوجه في ذلك: هو أنه منهي عن مخالفة الإمام فإذا خالفه فقد دخل في النهي والنهي دال على الفساد، ومن أدرك الإمام في التشهد الأخير فإن أدركه ساجداً سجد معه استحباباً، وقام فأتم صلاته لنفسه.
وإن أدركه قاعداً فلا وجه لاستحباب تشهده معه ولا لقعوده؛ لأنه لا ينتظر قيامه لأن الصلاة قد فاتت، وإذا قام من التشهد الأوسط فإنه يبتدئ التكبير والقراءة، ويستحب له دعاء الاستفتاح لأنه لم يفت محله فيلزمه الإتيان به لأن محله بعد التكبير كما مر بيانه. قال المؤيد بالله: ومن قام بعد تسليم الإمام لإتمام صلاته فهل يكبر أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا تكبير عليه، وهو محكي: عن المؤيد بالله، والشافعي؛ لأنه قد كبر عند قعوده مع الإمام فلا يلزمه تكبيرٌ آخر.
وثانيهما: أنه يستحب له التكبير؛ لأن تكبير القعود إنما كان من أجل متابعة إمامه والتكبيرة عند القيام مشروعة كما لو كان منفرداً.
الفرع السادس: وإذا نوى المأموم مفارقة الإمام وأتم الصلاة لنفسه نظرت فإن كانت المفارقة لعذر جاز ذلك، والأعذار تكون على أوجه خمسة:
أولها: أن يخشى أن ترحل القافلة فيناله ضرر تخلفه عن القافلة في نفسه أو ماله فيقطع صلاة الجماعة ويسير معها.
وثانيها: إتيان القافلة وهو في إنتظار مرورها فجاءت وهو في الصلاة ويخشى من تخلفه عنها مضرة وانقطاعاً.
وثالثها: حضور حريق في مكانه وهو في الصلاة فيخشى إن أتم الصلاة وقوع الحريق في نفسه وماله فيجوز له قطع الائتمام.
ورابعها: أن يكون هناك قريب له منزول به الموت فيخشى إن أتم الصلاة أن يكون على غير تثبت عند الموت فيجوز له قطع الصلاة في الجماعة لأجل تثبيته وتحسين حاله عند الموت.
وخامسها: أن يكون هناك منكر يخشى فواته إن اشتغل بتمام الصلاة فيكون عذراً في قطعها وإتمامها لنفسه وإزالته، وإن كان من غير عذر فهل تبطل صلاته إذا خرج منها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها باطلة. وهذا هو: رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا وإذا ركع فاركعوا)). فأمر بمتابعة الإمام فمن خالفه فقد خالف الأمر، ومخالفة الأمر معصية، والمعصية تنافي الطاعة والقربة، والصلاة من شرطها القربة والطاعة.
المذهب الثاني: أن صلاته صحيحة، وهذا هو الأصح من قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر أن معاذاً كان يصلي العشاء مع الرسول ثم يصلي بقومه في بني سلمة فصلى بهم ليلة فأطال الصلاة فقرأ سورة البقرة فخرج رجل من الصلاة لطولها وجاء إلى الرسول يسأله عن ذلك فأنكر على معاذ فعله وقال له الرسول : ((أفتان أنت يا معاذ )). ولم يأمر الرجل بالإعادة فدل ذلك على الجواز.
والمختار: ما عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول : ((أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب أو رأس حمار أو رأس عنز)). فلو كان هذا جائزاً لما توعده عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أورده.
قالوا: روى جابر أن معاذاً طول القراءة فخرج الرجل ولم يؤمر بالإعادة فدل ذلك على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل لا ندري كيف وقعت، وما هذا حاله فهو مجمل يحتاج إلى البيان.
وأما ثانياً: فلأنه يحتمل أن الرجل لم يأت يستفتي إلا بعد أن قضى الصلاة لما كانت باطلة كما أشرنا إليه.
الفرع السابع: في القراءة بعد الإمام في صلاة الجماعة. قد ذكرنا فيما يتعلق بأحكامها ما يتعلق بالقراءة خلف الإمام في صلاة الجماعة، ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: هل تجب القراءة خلف الإمام أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن القراءة واجبة على المأموم إذا كانت القراءة سراً ولا تجب عليه إذا كانت القراءة جهراً، وهذا هو: رأي الإمامين القاسم، والهادي، ومحكي: عن زيد بن علي وعبدالله بن الحسن وأحمد بن عيسى، وهو اختيار المؤيد بالله، فإنه قال: والإستماع عند جهر الإمام والقراءة عند عدم السماع تقوى عندي وعليه أعمل. وقال: والاختيار عندي أن يقرأ المأموم الفاتحة وسورة معها فيما يخافت به الإمام. وهذا هو قول الزهري، وأحمد وإسحاق بن راهويه وأحد قولي الشافعي.
ودليلنا على أنه لا يقرأ إذا سمع الإمام: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا }[الأعراف:204]. وروي عن أبي هريرة، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري وإبراهيم والزهري ومحمد بن كعب(1):
أنها نزلت في شأن الصلاة.
ودليلنا على وجوب القراءة للمأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام: قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]. وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). وقوله : ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)). وهذا العموم يقتضي وجوب قراءتها على الإمام والمأموم والمنفرد إلا ما قامت على خلافه دلالة قضينا بها.
__________
(1) محمد بن كعب بن سليم، وقيل: ابن كعب بن حيان، وصفه في (سير أعلام النبلاء)5/65 بالإمام العلامة الصادق، أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله القرضي المدني، من حلفاء الأوس، سكن الكوفة ثم المدينة، قيل: ولد في حياة النبي ولم يصح ذلك، قال: وكان لمحمد جلساء من أعلم الناس بالتفسير، وكانوا مجتمعين في مسجد الربذة فأصابتهم زلزلة فسقط عليهم المسجد فماتوا جميعاً تحته، واختلف في تأريخ وفاته بين سبع عشرة وتسع عشرة وعشرين[كذا] وهو ابن سبع وثمانين سنة، روى عن أبي ذر وأبي الدرداء، وعلي والعباس وغيرهم، اهـ. وفي (تهذيب التهذيب)9/374. قال ابن حبان: كان-يعني محمد بن كعب- من أفاضل أهل المدينة علماً وفقهاً. اهـ.
المذهب الثاني: وجوب قراءة فاتحة الكتاب على الإمام والمأموم على كل حال، وهذا هو رأي الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: ما روى عبادة بن الصامت عن الرسول ، قال: صلى بنا صلاة الفجر فلما سلم قال: ((أتقرأون خلفي))؟. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ((فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها)) (1).
المذهب الثالث: أن القراءة غير واجبة خلف الإمام سواء كانت القراءة سراً أو جهراً، وهذا هو: رأي أبي حنيفة وأصحابه، والثوري.
والحجة على هذا: ما روى سالم عن ابن عمر، أن الرسول قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ))(2).
وبما روى عمران بن حصين، عن النبي أنه نهى عن القراءة خلف الإمام، وبما روى عبدالله بن شداد(3)
أنه قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )).
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء من وجوب القراءة خلف الإمام في الصلاة إذا كانت سراً، وامتناعها خلف الإمام في الصلاة إذا كانت جهراً.
__________
(1) جاء الخبر في (صحيح ابن حبان)5/95، وفي (المستدرك)1/364، وفي (سنن أبي داود)1/217.
(2) رواه البيهقي في (الكبرى) 2/159، والدارقطني في السنن1/323، وابن ماجة1/277.
(3) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي أبو الوليد المدني، وأمه: سلمى بنت عميس اخت أسماء.
…قال في (تهذيب التهذيب)5/222 وفي (التأريخ الكبير)5/115: أنه سمع عمر وطلحة ومعاذ والعباس وابن مسعود. وروى عنه: سعد بن إبراهيم الشيباني، ومعبد بن خالد، والحكم بن عتيبة وغيرهم، قال: وقال الواقدي: خرج مع القراء أيام ابن الأشعث على الحجاج فقتل يوم دجيل، وكان ثقة فقيهاً كثير الحديث متشيعاً، وكان مقتله سنة 81هـ وقيل82هـ ليلة دجيل.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: كانوا يقراؤن خلف الرسول فقال لهم: ((خلطتم عليَّ فلا تفعلوا ))(1).
ولما روى أبو هريرة أن الرسول انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ((هل قرأ منكم أحدٌ معي )). فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله : ((أنا أقول: مالي أنازع القرآن )) (2).
قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه الرسول بالقراءة من الصلاة ما إن سمعوا ذلك منه ، وروي: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقراؤن فيما جهر به وهذا نص صريح فيما نذهب إليه. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فانصتوا)). ولأنه لو وجبت على المأموم القراءة خلف الإمام فيما يجهر به لوجب عليه أن يجهر كالإمام فلما لم يجهر دل على أن القراءة غير واجبة عليه مع جهر الإمام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى جابر بن عبدالله أن الرسول قال: ((من صلى ولم يقرأ بفاتحة الكتاب فهي خداج )). وهذا يحتج به الشافعي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الغرض إذا كان المصلي وحده أو كان مأموماً في صلاة الإسرار، وكلامنا إنما هو في الصلاة المجهورة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها فإنها دالة على ترك القراءة في الصلاة المجهورة خلف الإمام ولا شك أن أخبارنا أشهر وأكثر وأظهر فيجب التعويل عليها.
قالوا: روى سالم، عن ابن عمر أن الرسول قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )). ولم يفصل بين المجهورة وصلاة الإسرار، وهذا هو احتجاج أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أخرجه في (مجمع الزوائد)2/110، وفي سنن الدارقطني1/340، وفي مصنف ابن أبي شيبة1/330.
(2) رواه أبو هريرة، أخرجه الموطأ1/86، وأبو داود والترمذي والنسائي.