وثانيهما: أنه مانع لأن هذا الحائط إنما بني من أجل الفصل بين المسجد وغيره فأشبه حائط غير المسجد.
والمختار: هو الأول لأن حائط المسجد من جملة المسجد فإذا صلى الصف وراء الحائط جازت الصلاة إذا كانوا ملاصقين للجدار وكان بينهم وبين الجدار قدر القامة فما دونها، وإن كان أكبر من القامة لم تجز الصلاة؛ لما قررناه من قبل ولأن الجدار متصل بالمسجد كاتصال رحبة المسجد فلما جازت الصلاة في الرحبة جازت الصلاة في الجهة التي وراء الحائط، وإن كان بين الإمام والمأمومين حائل يمنع الدخول ولا يمنع من مشاهدة الإمام كالجدار الذي فيه الشباك فهل يكون مانعاً للائتمام أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مانع للدخول فهو كالحائط.
وثانيهما: أنه غير مانع لأنه لا يمنع المشاهدة.
والمختار: أنه غير مانع لما ذكرناه في الجدار فإنه إذا كان غير مانع مع أنه لا مشاهدة فيه فهكذا حال الجدار الذي لا يمنع المشاهدة بل هو أحق لعدم المنع لأجل المشاهدة. وإذا كان لرجل دار بجنب المسجد وحائط المسجد هو حائط الدار جاز لصاحب الدار أن يصلي مع غيره في بيته بصلاة الإمام في المسجد إذا علم بصلاة الإمام. هذا كله إذا كان الإمام حاصلاً في المسجد يكون الكلام في الائتمام على ما قررناه.
الفرع الرابع عشر: في حكم الإمام إذا كان مصلياً في الصحراء فإن الإمام للصف الأول كالمسجد للصف الأول خارج المسجد إذا كان الإمام يصلي في المسجد فإن وقفوا من الإمام على مقدار القامة فما دونها فصلاتهم مجزية، وهكذا لو وقف بعدهم صف بينهم وبين الصف الأول قدر القامة جاز ذلك، وهكذا الكلام في الثالث والرابع يكون الكلام فيه ما ذكرناه من قدر المسافة بين الصفين.
قال أحمد بن يحيى في المفرد: وإذا كان الإمام من أهل الدين واصطف ورآءه قوم مخالفون ثم اصطف بعدهم أهل الدين لم تفسد صلاتهم وأراد بقوله: قوم مخالفون. يعني من أهل الجبر والتشبيه ممن يكون كفره من جهة التأويل كالذين ذكرناهم أو من يكون فاسقاً من جهة التأويل كالخوارج وغيرهم فإنه ليس هاهنا إلا أنهم تخللوا فيما بين الصفين أو فيما بين الإمام والمأموم وذلك مما لا يطرق خللاً ولا نقصاً في صلاة من خلفهم، ولا يمكن أن يقال: إنهم غير مصلين وأن صلاتهم كلا صلاة فإن صلاة هؤلاء مسقطةٌ لفرضهم عن ذممهم ولهذا فإنهم لو تابوا عن هذه الاعتقادات لم يتوجه عليهم قضاء الصلاة وأخبارهم مقبولة وشهاداتهم. فقول من قال من محصلي مذهبنا: أنهم غير مصلين. لا وجه له لما ذكرناه ولكن يقال: إنهم مصلون معتقدون بهذه الاعتقادات التي توجب إكفارهم على رأي من أكفرهم بها فلا يضر من صلى خلفهم في صلاتهم ولا ينزلون منزلة البهائم فإنهم من جملة المعتقدين للشريعة العالمين بها المكلفين بأحكامها فكيف يقال: بأنهم بمنزلة البهائم. وإن اصطف رجلان خلف الإمام وأحدهما محدث صحت صلاة المتوضي؛ لأن حدثه ليس بأبلغ من أن لا يكون مصلياً والصلاة منعقدة، وإن لم يكن مصلياً إذا كبر قبل تكبيره فهكذا هاهنا تنعقد الصلاة به وإن كان محدثاً.
الفرع الخامس عشر: وإذا صلى الإمام في سفينة والمأمومون في سفينة أخرى نظرت فإن كان بينهما حائل يمنع من المشاهدة لأحوال الإمام بطل الاقتداء كالجدار الحائل في الصحراء، وإن لم يكن بينهما حائل نظرت فإن كانت سفينة المؤتمين متقدمة على سفينة الإمام بطل الإقتداء بالتقدم كما مر بيانه، وإن لم تكن متقدمة نظرت، فإن كانتا متصلتين صحت الصلاة؛ لأنه لا حائل بينهما، وإن كانتا منفصلتين نظرت فإن كان الفصل مقدار القامة أو أقل صحت الصلاة؛ لأن ما هذا حاله مغتفر في البعد كما قررناه من قبل، وإن كان أكثر من ذلك بطل الاقتداء وسواء كانت الريح زعزعاً أو رخاء(1)
في صحة الائتمام على الوجه الذي ذكرناه، وحكي عن أبي حنيفة وأبي سعيد الأصطخري من أصحاب الشافعي: أن الماء يمنع الاقتداء وهذا لا وجه له فإن الماء لا يراد للحيلولة وإنما يراد للمنفعة فهو كجدار المسجد.
قال محمد بن يحيى: والنهر يكون مانعاً من صحة الإئتمام وإنما يكون مانعاً بشرطين:
__________
(1) ريح زعزع وزعزاع وزعزوع: شديدة، الأخيرة عن ابن جني، ا هـ، لسان8/142ـ والرياح الرخاء: رياح لينة طيبة لا تزعزع، اهـ كشاف 3/375، في تفسير قوله تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب)) 36ص.
الشرط الأول: أن يكون النهر واسعاً بحيث تجري فيه السفن وهذا نحو دجلة والفرات وسيحون وجيحون(1)
فإن هذه الأنهار يعبر فيها بالسفن الصغار والقناطر، وعلى هذا إذا كانت حائلة بين الإمام والمؤتمين فإنها تكون مانعة من الائتمام، فإن صلى المؤتمون والحال هذه بطلت صلاتهم وصحت صلاة الإمام فأما إذا كان النهر ضيقاً بحيث يكون سمكه مقدار القامة أو دونها فإنه لا يكون مانعاً عن صحة الائتمام ولو كان الماء جارياً فيه بحيث يكون حائلاً بين الإمام والمؤتمين.
الشرط الثاني: أن النهر إنما يكون مانعاً إذا لم تكن الصفوف متصلة.
واعلم أن اتصال الصفوف يطلق في لسان الفقهاء وله معنيان:
المعنى الأول: وهو الأكثر في الإطلاق أن يكون في الطريق والشارع والنهر ناس يصلون فإذا كان الأمر هكذا فإن هذه الأمور غير مانعة من صحة الإئتمام لأجل اتصال الصفوف؛ لأنه لا حيلولة بالبعد مع اتصالها فلهذا كانت جائزة.
المعنى الثاني: أن يطلق ويراد به أن يكون بين المصلي والإمام مسافة قريبة مثل قامة المصلي فما دونها فهذان المعنيان يكون البعد مانعاً من الائتمام باعتبارهما.
__________
(1) نهر دجلة ينبع من المرتفعات الواقعة في جنوب شرق تركيا وتمده عدة روافد ويدخل الحدود العراقية بالقرب من قرية فيشخابور، والفرات أحد النهرين اللذين يرويان أرض العراق (الآخر دجلة) ويستمد الفرات مائة من منابع عديدة شرق تركيا، وسيحون نهر طوله حوالي2900كيلو متر، يتكون بوادي فرغانة بجمهورية أوزبك بالتقائه مع نهري كرين وكره داريا وينتهي إلى بحر آرال، وجيحون نهر طوله 2523 كيلو متر بوسط آسيا اسمه القديم: أو جزوس و هو بالعربية جيحون ويصب كسابقة في بحر أرال، ويلتقي نهرا دجلة والفرات في منطقة البصرة بالعراق ليشكلا شط العرب الذي يصيب في الخليج العربي، راجع (الموسوعة العربية الميسرة) صفحات (228،785،977،1278).
الفرع السادس عشر: في الطريق هل تكون مانعة من صحة الائتمام أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها مانعة من صحة الائتمام، وهذا هو رأي القاسم نص عليه في مسائل عبدالله بن الحسن وارتضاه السيدان الأخوان للمذهب، وإنما تكون مانعة من صحة الائتمام بشرط أن تكون واسعة بحيث تكون مساحتها أكثر من قدر القامة فإن كانت مساحتها دون القامة أو قدر القامة فإنها لا تكون مانعة سواء كانت مسلوكة أو غير مسلوكة؛ لأن الاعتبار إنما هو بالبعد دون السلوك والإستطراق فإنهما لا يعتمدان بحال.
والحجة على هذا: قوله : ((لا جمعة لمن يصلي في الرحبة ))(1).
ووجه الاستدلال بالخبر: هو أنه لا خلاف أن الرحبة إذا كانت من جملة المسجد أو لم يفصل بينها وبين الإمام طريق أو يكون بينها وبين الإمام أقل من قدر القامة فإن الصلاة فيها مجزية، فإذاً المراد إذا كان بينه وبينها طريق سائلة واسعة.
المذهب الثاني: أن الطريق غير مانعة سواء كانت واسعة أو ضيقة أو كانت الصفوف متصلة أو غير متصلة، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا)). ولم يفصل بين أن تكون الطريق فاصلة أو غير فاصلة ولأنه من الإمام على مسافة يسيرة لا حائل بينهما فأشبه ما إذا لم يكن بينهما طريق.
والمختار: تفصيل نشير إليه وهو أن الطريق ليست مانعة لكونها طريقاً ولهذا يستوي الحال فيها سواء سقط المرور عنها أو لم يسقط، وإنما الاعتبار بكونها مسافة بعيدة عن الإمام ولهذا فإنها لو كانت قريبة لم تكن مانعة كما قررناه من قبل وكل على أصله، فعندنا أنها إذا كانت قامة أودونها لم تكن مانعة وإن كانت أكثر من ذلك كانت مانعة، والشافعي المسافة القصيرة عنده ثلاثمائة ذراع والمانعة ما فوق ذلك.
الانتصار: يكون بالجواب على أوردوه.
__________
(1) حكاه في (الجواهر)1/324 و(الشفاء). قال: الرحبة: بسكون الحاء، ساحة خارج المسجد.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا)).
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر هذا الخبر متروك لأنه قد خرج عنه المزبلة والمجزرة وغيرهما فإذا خرجت هذه بدلالة أخرجنا الطريق الواسعة بدلالة التي تكون حائلة بين الإمام والمأموم.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الخبر وإذا تعارضا فلابد من ترجيح أحدهما ولا شك أن خبرنا أرجح لأنه حاظر وخبركم مبيح وإذا تعارض الحظر والإباحة كان ما دل على الحظر أولى بالعمل لأنه أحوط للدين.
قالوا: ولأن المأموم على مسافة يسيرة لا حائل بينهما فأشبه ما إذا لم تكن بينهما طريق.
قلنا: نحن نقول بموجب هذا القياس فإنا نسلم أن المسافة بين الإمام والمأموم إذا كانت يسيرة جازت الصلاة ولكنا لانسلم ما ذكرتموه من المسافة فإن المسافة القصيرة القامة فما دونها وعندكم أن المسافة القصيرة ثلاثمائة ذراع، فإذاً الخلاف راجع بيننا إلى مقدار المسافة وقد قررنا فيما سبق أنه لا يغتفر البعد بين الصفين في غير المساجد ولا بين الإمام والمأموم إلا مقدار القامة فما دونها فأغنى عن الإعادة.
الفرع السابع عشر:في حكم الإمام إذا صلى في موضع مرتفع أو منخفض. وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: محكي عن الهادي وعنه روايتان:
الرواية الأولى: ذكرها في (المنتخب) وهي أن صلاته تبطل إذا كان الإمام في موضع مرتفع وهم في موضع منخفض أو كانوا في موضع مرتفع والإمام في موضع منخفض فإنه قال: فإن صلى بقوم هم في الأرض وهو فوق سطح أو كان في الأرض وهم على سطح أعادوا دونه؛ لأنه تحتهم أو فوقهم لا أمامهم وهم وراءه.
والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وفائدة هذا الخبر: المتابعة للإمام في أقواله وأفعاله ولن يكون هكذا إلا وهو متقدم عليهم وهم خلفه حتى تعقل المتابعة؛ فإذا كان مرتفعاً أو منخفضاً لم تعقل المتابعة فلهذا بطلت صلاتهم لأجل بطلان الاقتداء.
المذهب الثاني: أن الإمام إذا كان أسفل كره وإن كان في موضع مرتفع فإن كان ارتفاعه فوق القامة بطل الاقتداء وبطلت صلاتهم، وإن كان [مقدار] القامة فما دونها جازت الصلاة، وهذا هو الذي حصله السيدان الأخوان للمذهب.
والحجة على هذا: هي أن الإمام إذا كان أسفل فهم تابعون له ومتوجهون إليه فلهذا لم تكن صلاتهم باطلة، فأما إذا كان الإمام في مكان مرتفع فوق القامة فإنه يبطل التوجه إليه لارتفاعه فلهذا بطلت صلاتهم، وإن كان دون ذلك جازت صلاتهم وهذا كله أعني ارتفاع الإمام وانخفاضه إذا كانت المسافة بينهم قريبة فأما إذا كانت بعيدة على ما ذكرناه في حد البعيدة والقريبة فإن الصلاة تبطل مع البعد في المسافة كما حققناه.
المذهب الثالث: التفرقة بين المسجد وغيره، وهذا هو رأي الشافعي فإنه قال: إذا صلى الرجل في علو الدار بصلاة الإمام في المسجد فإنه لا تجزيه بحال، وإن كانوا يرون من في الصحن لأن الدار نائية من المسجد وليس بينهما قرار يمكن اتصال الصفوف به؛ لأن الصف لا يتصل إلى فوق وإنما يتصل بالقرار هذا نص الشافعي.
وقال صاحب (الإيضاح): ومن كان على الصفا والمروة وعلى جبل أبي قبيس(1)
__________
(1) الجبل المعروف بمكة المطل على البيت الحرام، وقد أصبح اليوم مغطى بالمباني حتى لا يكاد يرى.
يصلي بصلاة الإمام في المسجد فإن صلاته صحيحة وإن كان أعلى منه؛ لأن ذلك متصل بالقرار، وقد يكون القرار مستعلياً ومستقلاً ومستوياً وليس كذلك سطح الدار فإنه ليس من القرار والصف غير متصل، فإن صلى رجل على سطح الدار بصلاة الإمام في الدار في صحنها لم تصح صلاته؛ لأن بينهما حائلاً يمنع المشاهدة والاستطراق. والتفرقة بينه وبين المسجد أن المسجد يبنى كله للصلاة وسطحه منه وليس كذلك الدار؛ لأن سطحها بني للحائل ولم يبن للصلاة فحاصل كلام الشافعي أن الإمام إذا كان أسفل، فإن كان المأموم بحيث تتصل الصفوف صحت الصلاة كالأمكنة المستوية، وإن كان المأموم في سطح الدار والإمام في المسجد أو في قرار الدار بطلت الصلاة لأنه لا يمكن إتصال الصفوف إلى أعلى. ولم أقف على مذهبه إذا كان الإمام في موضع عال والمأموم أسفل منه خلا أنه قال: أختار للإمام أن يعلم من خلفه الصلاة أو يصلي في موضع مرتفع ليراه من وراءه، فكلامه هذا دال على أن ارتفاع الإمام يخالف انخفاضه وأن ارتفاعه مستحب ولم يذكر ما ذكره السيدان من اعتبار القامة أو فوقها في الصحة والفساد.
المذهب الرابع: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه يكره ارتفاع الإمام وانخفاضه ولا تبطل صلاة المؤتمين في الحالين.
والحجة على هذا: هو أن المأخوذ على المأمومين المتابعة للإمام سواء كان مرتفعاً أو منخفضاً في الإجزاء لكن الإستحباب أن يكون مقامهم واحداً فإذا اختلف الحال كره لهم ذلك.
والمختار: ما قاله السيدان الأخوان وحصَّلاه للمذهب وهو أعدل المذاهب وهو الكراهة إذا كان الإمام أسفل لأن التوجه باق إليه بكل حال، وهذا بشرط أن تكون المسافة قريبة فأما إذا كانت بعيدة مع الإنخفاض بطلت الصلاة، فأما إذا كان الإمام في موضع مرتفع فإن كان قدر القامة أو ما دونها صح الائتمام لأجل ثبوت المواجهة، وإن كان فوق القامة بطلت الصلاة لبطلان المواجهة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: نص الهادي في المنتخب على بطلان الصلاة في الحالين جميعاً للمؤتمين دون إمامهم.
قلنا: هذا محمول على ما إذا كانت المسافة بين الإمام والمؤتمين بعيدة فلهذا بطل الائتمام سواء كان الإمام مرتفعاً أو منخفضاً.
قالوا: حكي عن الشافعي التفرقة بين المسجد وغيره فإذا كان الإمام في المسجد والمؤتمون أعلى منه صح الإئتمام إذا كان على حالة تتصل به الصفوف فأما إذا كان لا تتصل به الصفوف بطلت الصلاة.
قلنا: قد أوضحنا أنه لا فرق بين ارتفاع الإمام وانخفاضه إذا كانت المسافة قريبة بينه وبين المؤتمين وسوءا كان في مسجد أو في غيره فلا وجه للتفرقة بين المسجد وغيره مع كون الحال ما ذكرناه من قرب المسافة. والشافعي يذهب إلى أن الإمام إذا كان في مسجد وبينه وبين المؤتمين ثلاثمائة ذراع صحت الصلاة ونحن لا نقول بهذه المقالة لأنها مسافة بعيدة والبعد يقطع الصلاة والائتمام بالإمام.
قالوا: حكي عن أبي حنيفة أنه يقول بصحة الصلاة في ارتفاع الإمام وانخفاضه لكنه يكره لأجل المخالفة بينه وبين المؤتمين.
قلنا: هذا مسلم مع اعتبار قرب المسافة في الانخفاض للإمام فأما مع ارتفاع الإمام وعلوه فلا نسلم الكراهة [إلا] إذا كان ارتفاعه فوق قدر القامة [فإنه] يكون مبطلاً للإمام لبطلان المواجهة فأما الانخفاض فلا كراهة فيه مع قرب المسافة لأن المواجهة حاصلة بين الإمام والمؤتمين.
الفرع الثامن عشر: وإذا كان بين الإمام والمؤتمين شارع أو سكة فهل تجوز الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الشارع والسكة مانعان من الإقتداء إلا أن تتصل الصفوف، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة ورأي المسعودي من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما ذكرناه من قوله : ((لا جمعة لمن يصلي في الرحبة)) (1).
__________
(1) تقدم.
ولا وجه لذلك إلا البعد، وقلنا: إلا أن تتصل الصفوف فإن اتصلت الصفوف جاز ذلك والمراد أن يكون عرض الشارع أو السكة قدر ما بين الصفوف أو تكون أكثر من ذلك ولكن يكون بعض الصفوف واقفاً على الطريق والشارع أو السكة، فعلى هذا إن قلنا أن من وقف على السكة أو الشارع فصلاته باطلة فإنه يمنع من بطلان صلاة من ورآءه من الصفوف، وأما إذا كانت المسافة بعيدة وهي أن تكون فوق المعتاد بين الصفين من قدر القامة فإنه يوجب البطلان لأجل البعد سواء كان الناس يسلكونه أو لايسلكونه بل قد سقط عنه المرور.
المذهب الثاني: جواز الصلاة خلف الشارع والسكة وهذا هو نقل أهل بغداد عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن بين الإمام والمأموم مسافة يسيرة لا حائل بينهما فأشبه ما إذا لم يكن هناك شارع ولا سكة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الشارع والسكة إنما تكون مانعة عن الائتمام بشرطين:
أحدهما: أن يكون عرض الشارع كبيراً يزيد على قدر القامة فإن كان دون ذلك لم يكن حائلاً بين الإمام والمأموم.
وثانيهما: أنه إذا كان زائداً على قدر القامة وكان فيه من يصلي لم يكن مانعاً فإن ما زاد على قدر ما يكون بين الصفوف بطل الإئتمام وكان قاطعاً لما ذكرناه من البعد.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: المأموم من الإمام على مسافة قريبة فلا يكون مانعاً من الإئتمام.
قلنا: إن كانت المسافة مقدار القامة فهذا غير مانع، وإن كانت المسافة على ما يراه الشافعي، وهي مقدار ثلاثمائة ذراع فما هذا حاله يكون مسافة بعيدة فيكون مانعاً عن الائتمام كما أوضحناه من قبل.