وعن أنس بن مالك أن الرسول كان يحب أن يليه المهاجرون والأنصار، وإنما قدمنا الصبيان على الخناثا لإحتمال أن يكون الخناثا نساء وإنما قدمنا الخناثا على النساء لاحتمال أن يكون الخناثا رجالاً.
والصف الأول أفضل وميامنه أفضل لما قدمنا من حديث البراء بن عازب وعن الرسول أنه قال: ((الصف الأول في صلاة الجماعة أفضل والصف الأخير في صلاة الجنازة أفضل)). وإنما كان أفضل في صلاة الجماعة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة إلى ميت ولا صلاة إلى متحدث ولا صلاة إلى حائض ولا صلاة إلى قبر)). فكل هذه الأمور استقبالها مكروه.
وإن حضر مع الإمام رجل فصلى عن يمينه ثم جاء رجل آخر نظرت فإن كان قدَّام الإمام واسعاً وورآءه ضيق تقدم الإمام، وإن كان قدَّام الإمام ضيقاً تأخَّراً خلفه لأن المكان إذا كان واسعاً كان الإمام أحق بالتقدم لأنه متبوع وإذا كان قدَّام الإمام ضيقاً كان أحق بالتأخر لأنهما تابعان.
الفرع السابع: والإعتبار في معرفة حكم الخنثى بالمبال لما روى ابن عباس عن الرسول أنه سئل عن مولود له قبل وذكر من أين يورث؟ فقال: ((من حيث يخرج البول ))(1)
فإن خرج البول من الذكر فهو رجل وحكمه حكم الرجال وإن خرج من الفرج فهو امرأة وحكمه حكم النساء وإن خرج منهما جميعاً فهو خنثى لُبسة فيكون له حكم الرجال والنساء.
قال السيد أبو طالب: حكمه في باب العورات حكم النساء احتياطاً للصلاة ويعطى من الميراث نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى كما سنوضحه في الفرائض بمعونة الله واعتبار حكمه بالمثال هو رأي أئمة العترة، ومروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. وإن خرج البول منهما جميعاً فهل يعتبر الأكثر أم لا؟ فيه قولان:
__________
(1) رواه البيهقي في سننه الكبرى6/261، وهو في (الكامل في ضعفاء الرجال)3/249.
فالقول الأول: أنه لا عبرة بالكثرة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي؛ لأن الخبر لم يفصل بين الأقل والأكثر فلهذا لم يكن عليه تعويل.
القول الثاني: أنه يعتبر الأكثر، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف ومحمد، من جهة أن للكثرة غلبة في مجاري العادات فلا يمكن دفعه. وهل يعتبر السبق في التمييز أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه لا عبرة بالسبق.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس فإنه لم يفصل بين أن كون سابقاً أو غير سابق إذا كان خارجاً منهما جميعاً وهذا هو الظاهر من مذهب الأئمة والفقهاء.
القول الثاني: أن الإعتبار بالسبق فإذا سبق من أحدهما عمل عليه، وهذا هو المحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه رواه عنه جعفر بن محمد.
والمختار والانتصار له نذكره إذا ذكرنا ما يستحق من الميراث بمعونة الله، وهذا القدر يكفي في هذا المحل.
الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: وإن اصطف رجلان خلف الإمام وأحدهما قاعداً وفاسق صحت صلاتهما؛ لأن القاعد مصلٍّ وهو معذور والفاسق فهو من أهل الصلاة وفسقه لا يخرجه عن أن يكون من أهل الجماعات فلهذا صح اصطفافهما خلفه، وأما المُجبر ففيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الجبر كفر، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة والأكثر من المعتزلة الشيخين أبي علي وأبي هاشم وقاضي القضاة وغيرهم، والكافر ليس من أهل الصلاة فلا يصح الاصطفاف معه.
المذهب الثاني: أن الجبر ليس كفراً، وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن الشيخ أبي الحسين محمد بن علي البصري من المعتزلة، وإذا لم يكن كفراً صح اصطفافه كغيره من المسلمين. وأقول قولاً كلياً: أن الجبر سواء كان كفراً أو غير كفر فإنه يصح اصطفافه ويكون اصطفافه صحيحاً؛ لأنه إذا كان ليس كفراً فظاهر فإنه من جملة من يحكم بإسلامه مع الجبر ما لم يرتكب كبيرة توجب فسقه وخروجه عن الإسلام، وأما إذا كان كفراً على رأي من يكفر بالجبر فإنما هو كفر من جهة التأويل والمعنى أن المُجبر مصدق بالله وبرسوله وباليوم الآخر مُصَلٍّ إلى القبلة مقر بصدق القرآن وناكح على الشريعة وملتزم لأحكام الدين من الصلاة والزكاة وسائر الأمور الشرعية والمعارف الدينية لكنه اعتقد اعتقاداً خطأ فأوجب إكفاره وهو منزه عن سائر الكبائر الفسقية فلا جرم قضينا بصحة شهادته وقبول خبره وإن حكمه يخالف أحكام الكفار المصرحين بالكفر كاليهود والنصارى والملاحدة فهذا هو المتوجه على رأي من يقول بإكفار المجبرة. فأما نحن فلا نقول بإكفارهم ولا بفسقهم إلا أن يرتكبوا كبيرة توجب تفسيقهم فأما مجرد الجبر فلا يوجب كفراً ولا فسقاً اللهم إلا أن يجوز كفراً لا دليل عليه ولا قائل به أو فسقاً لا دليل عليه كما هو رأي المعتزلة لكن الكفر والفسق اللذين لا دليل عليهما لا ثمرة لهما فلا حاجة إلى القول بهما ولا نكلف بما كان عندالله تعالى.
الفرع السابع: والمتابعة واجبة على المأموم لإمامه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). فإن تقدم المؤتم على الإمام وصلى قدَّامه فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته باطلة بالتقدم عليه وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة وقول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: هو أن المأخوذ على المأموم أن يكون وراء الإمام أو مساوياً له، فأما أن يكون متقدما ًعليه فلا وإنما أوجبنا أن يكون وراءه فلما روى جابر أنه قال جئت والرسول يصلي فقمت عن يساره فأدارني إلى يمينه فجاء جبار بن صخر فدفعنا حتى أقامنا خلفه. وإنما أوجبنا أن يكون مساوياً فلما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا كان اثنان فليقم أحدهما عن يمين الإمام )) (1).
ولم يفصل بين أن يكون متأخراً عنه أو مساوياً له.
المذهب الثاني: أن صلاته جائزة مع التقدم، وهذا هو قول الشافعي في القديم، ومحكي عن مالك وإسحاق وأبي ثور.
والحجة على هذا: هو أنه خالف سنة الموقف مع الإمام فوجب أن لا تمتنع الصلاة كما لو وقف عن يسار الإمام وحده.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من بطلان الصلاة بالتقدم.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنه وقف في موضع ليس موقفاً لمؤتم على حال فأشبه ما إذا وقف في موضع نجس.
فقولنا: بحال. نحترز به عمن يقف عن يسار الإمام وحده فإنه موقف على حال ولهذا لم يكن مفسداً للصلاة كما قررناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه خالف سنة الموقف مع الإمام فوجب القضاء بصحة صلاته كما لو صلى عن يسار الإمام وحده.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل المقيس عليه كونه مساوياً للإمام في الموقف من غير تقدم عليه فلهذا جاز بخلاف ما نحن فيه فإنه قد تقدم عليه فلهذا بطلت صلاته.
وأما ثانياً: فلأن التقدم على الإمام يبطل الإقتداء كما لو كان في موضع نجس فافترقا.
__________
(1) رواه الإمام علي وأورده في(الجواهر)1/320 عن (الشفاء).
الفرع العاشر: وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي الكعبة فاستدار المؤتمون حوالي الكعبة، فإن من كان منهم في جهة الإمام وكان متقدماً عليه وأقرب إلى الكعبة من إمامه فإن صلاته تبطل كما قدمناه في المسألة الأولى، وأما صلاة من كان أقرب إلى الكعبة من إمامه في غير جهة الإمام فهل تكون صحيحة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها تكون غير صحيحة كالمسألة الأولى إذا كان المأموم متقدماً على الإمام في غير المسجد الحرام، وهذا هو الذي اختاره الهادي، وهو أحد قولي الشافعي، وبالغ الهادي في المنع من ذلك وقال: لو أمكنني الله من الحرم لمنعت الناس من ذلك لما فيه من التقدم على الإمام في غير جهته والقرب من الكعبة.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله تقدم على الإمام في غير جهته فلم تكن الصلاة مجزية كما لو كان التقدم عليه في جهته.
المذهب الثاني: جواز الصلاة إذا كان التقدم في غير جهة الإمام بالقرب من الكعبة وهذا هو المحكي عن القاسم واختاره السيد أبو العباس ورأي أبي حنيفة والمنصوص للشافعي وارتضاه أصحابه لمذهبه.
والحجة على هذا: هو أن تقدم المأموم في غير جهة الإمام بحيث يكون بالقرب من الكعبة، لا يكاد يضبط وتشق مراعاته فلهذا كان مغتفراً في صحة الصلاة مع تقدم المأموم بخلاف ما إذا كان القرب من جهة الإمام فافترقا.
والمختار: ما قاله القاسم وارتضاه الناصر وأبو العباس من جواز الصلاة في البيت المحرم إذا كان التقدم في غير جهة الإمام.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الصلاة في حوالي الكعبة مخالفة لسائر الأماكن؛ لأنهم محدقون حوالي الكعبة مستقبلون لها فالقرب إليها لا يكون تقدماً على الإمام لما كان التقدم في خلاف جهته.
الحجة الثانية: هي أن المأموم إذا كان في غير جهة الإمام فليس يكون بين يديه فلهذا جازت الصلاة، وإن كان أقرب منه إلى الكعبة وإذا كان المأموم في جهة الإمام كان بين يديه فلهذا بطلت صلاته فافترقا.
الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله في البيت الحرام قد سكت عليه العلماء من جهة الأقاليم والأقطار ورأوه وفعلوه من غير نكير منهم، وفي هنا دلالة على تجويزه وأنه شائع لأجل سكوتهم وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عندالله حسن )).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: المأموم متقدم على الإمام في غير جهته فلم تكن الصلاة مجزية كما لو كان متقدماً عليه في جهته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالموجب لفساد الصلاة في جهة الإمام لما كان المأموم بين يديه بخلاف ما لو كان في غير جهة الإمام فليس كائناً بين يديه فافترقا.
وأما ثانياً: فلما ذكرناه من مخالفة البيت الحرام لسائر الأماكن من الإحداق بالبيت فلهذا لم يكن المأموم بين يدي الإمام.
الفرع الحادي عشر: وإذا صلى المأموم بصلاة الإمام وهما جميعاً في المسجد فإنه يعتبر في صحة صلاة المأموم علمه بصلاة الإمام إما بأن يشاهده أو يكون بحيث يسمع تكبيره أو من يكون مبلغاً عنه، وسواء كان بين الإمام والمأموم قرب أو بعد أو حائل من جدرات المسجد أو غير حائل فإن الإجماع منعقد على صحة هذه الصلاة؛ لأن المسجد كله موضع للجماعة الواحدة، ولا يشترط في صحة هذه الصلاة مشاهدة الإمام في المسجد؛ لأن ذلك غير ممكن في أكثر الأحوال لكثرة الناس خاصة في جوامع المدن والأمصار وهكذا يكون الحكم إذا صلى في رحبة المسجد؛ لأنها من جملة المسجد وإن صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في قعر المسجد جاز ذلك لما روي أن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في قراره ولأن سطح المسجد كقراراه في الحرمة ولهذا فإن الجنب لا يجوز له القعود فيه واللبث كما لا يجوز ذلك في قراره ولأن أكثر ما يقال فيه الحيلولة بينه وبين الإمام بالسقف ومثل هذا غير مانع فإن الحيلولة في المسجد غير مانعة بالجدرات في قرار المسجد، فإذا صحت الصلاة في السطح كما أشرنا إليه فينبغي أن يكون موقف المأموم وراء الإمام كما لو كان مصلياً في قراره فإن وقف المأموم بحذاء رأس الإمام كره ذلك وأجزأه؛ لأن أكثر ما فيه المساواة وهي مغتفرة كما لو كان عن يمينه وإن وقف قدام الإمام بحيث يكون سابقاً له لم تصح صلاته لأنه يكون غير مقتدٍ به فلهذا كانت الصلاة باطلة كما لو تقدمه في قرار المسجد وإن كان سطح المسجد مملوكاً بأن يكون قرار المسجد وجدراته وأساطينه مسبَّلة وجاء رجل آخر فَسَقَفَهُ ولم يسبل سقفه فصلى عليه مصل مؤتماً بالإمام في قراره لم تصح صلاته لأنه إذا كان مملوكاً فليس من جملة المسجد.
الفرع الثاني عشر: وإذا صلى المؤتم بصلاة الإمام خارج المسجد ولم يكن بين الإمام والمأموم حائل يمنع من الرؤية والمشاهدة فإن لم يكن للمسجد حائط أو كان له حائط قصير أو وقف المأموم بحذاء الباب والباب مفتوح جازت الصلاة لأنه لا مسافة بين الإمام والمأموم تكون قاطعة للائتمام فلهذا جازت الصلاة كما لو كان المؤتم داخل المسجد، وإن كان بين المؤتم وبين الإمام الذي يكون داخل المسجد مسافة قريبة صحت الصلاة؛ لأن القريبة لا تكون مانعة من الائتمام، وإن كانت بعيدة منعت الائتمام؛ لأن البعد يقطع الإئتمام وإن كانت المسافة البعيدة مانعة والقريبة غير مانعة فلابد من التفرقة بين المسافتين، والتفرقة بين المسافتين فيها مذهبان:
المذهب الأول: أن مقدار المسافة القريبة قدر القامة وهو مقدار ما بين الصفوف والمسافة البعيدة ما فوق ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة وعليه الاعتماد لظاهر المذهب.
والحجة على هذا: قوله : ((ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى )). وأراد في القرب والدنو منه في حال الصلاة ولن يكون إلا بما ذكرناه من القرب في المسافة، فأما ما زاد على ذلك فهي مسافة بعيدة لا تغتفر في الإئتمام للصلاة، ويؤيد ما ذكرناه أن كل أمر فله طرفان ووسط:
فالطرف الأول: أن يكون الإمام والمأموم في غاية البعد بحيث لا يرى أحدهما صاحبه، وهذا لا قائل به ولا يعقل معه الائتمام.
والطرف الثاني: في غاية القرب والملاصقة بحيث لا حائل بينهما، وهذا غير معتبر بالاتفاق وهذان الطرفان لا يعتبر بهما.
والوسط بينهما: هو المعتمد والمعول عليه وهو ما ذكرناه من تقدير القامة، وهو أقرب ما يكون وأخصر ولكونه مختصاً بالصلاة فلهذا كان الاعتماد عليه في مقدار المسافة القريبة والبعيدة كما ترى.
المذهب الثاني: أن مقدار المسافة القريبة المغتفرة بين الإمام والمأموم تكون ثلاثمائة ذراع والمسافة البعيدة ما زاد على ذلك، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما نذكره عنه واختلف أصحابه في مأخذه في التفرقة بين المسافة القريبة والبعيدة وذكروا له مأخذين:
المأخذ الأول: ذكره ابن سريج وأنه أخذه من صلاة الخوف، وهو أن الرسول أحرم بطائفة فصلى بهم ركعة وفي رواية ابن عمر أن هذه الطائفة مضت إلى وجه العدوِّ وهي في الصلاة وكان بين الرسول وبينها مقدار ثلاثمائة ذراع ولأنهم إنما يحرسون المسلمين من وقع السهام لأنها أبعد وقعاً من جميع الأسلحة وأكثر ما يبلغ السهم ثلاثمائة ذراع.
المأخذ الثاني: ذكره ابن الوكيل(1)
وهو أن الشافعي إنما أخذه من عرف الناس وعادتهم وهذا هو منصوص الشافعي واختيار ابن الصباغ صاحب (الشامل)، وهل يكون هذا التقدير تحديداً أو تقريباً؟ فإن قلنا: يكون تحديداً لم يزد فيه ولا ينقص فتكون المسافة القريبة ثلاثمائة ذراع من غير زيادة ولا نقصان والمسافة البعيدة ما زاد على ذلك، وإن قلنا: أنه تقريب فإن زاد [بعيده]على ذلك قليلاً لم يضر في المسافة القريبة وإن زاد زيادة كبيرة فهي مسافة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من تقدير المسافة القريبة بقدر القامة والمسافة البعيدة بما زاد على ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ونزيد هاهنا وهو أن الأصل في كل بعد عن الإمام أن يكون مانعاً عن الائتمام لأجل الإنفصال والمباينة ولم يدل الشرع إلا على ما قلناه فلهذا وجب التعويل عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: أخذناه إما من صلاة الخوف وإما من العرف والعادة وكلاهما صحيح يعول عليه في قرب المسافة وبعدها.
__________
(1) أبو حفص عمر بن عبد الله المعروف بابن الوكيل، فقيه جليل الرتبة تكلم في المسائل فأحسن ما شاء فيها، وهو من كبار المحدثين والرواة وأعيان النقلة، توفي سنة310هـ ويعرف بالباب شامي نسبة إلى باب الشامي، إحدى المحال المشهورة بغربي بغداد، راجع (طبقات الفقهاء) للشيرازي ص90 و(تهذيب الأسماء واللغات)2/215، و(طبقات الفقهاء) للعبادي ص43.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الطائفة الأولى مضت بعد صلاتها ركعة مع الرسول وهي مصلية أصلاً وإنما مضت في مقابلة العدوِّ بعد إتمامها ركعة لنفسها وركعة مع الرسول .
وأما ثانياً: فلأن العرف والعادة معيار مضطرب تختلف فيه الأحوال وما هذا حاله فلا يجعل معياراً في المسافة البعيدة والقريبة في الإئتمام للصلاة فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من اعتبار أمرين في صحة صلاة المأموم:
أحدهما: المسافة القريبة.
وثانيهما: أن يكون المأموم عالماً بالإمام وأن يكون مشاهداً له، والإجماع منعقد على ذلك من جهة العلماء أئمة العترة وأكثر الفقهاء.
وأما ما يحكى عن عطاء فإنه قال: إذا كان المأموم عالماً بالإمام صحت الصلاة وإن كان على مسافة بعيدة فهذا لا وجه له لأمرين:
أما أولاً: فلما ذكرناه من الإجماع فلا حاجة إلى مخالفته.
وأما ثانياً: فلأن المسافة البعيدة تقطع الإئتمام كما شرحناه.
الفرع الثالث عشر: وتعتبر المسافة من حائط المسجد، وعلى هذا لو وقف الإمام في محراب المسجد ومساحته تكون ألف ذراع أو أكثر من هذا ثم وقف صف خارج المسجد بينه وبين حائط المسجد مقدار القامة فما دونها وهم عالمون بصلاة الإمام صحت صلاتهم، وإن كان أكثر من ذلك بطلت صلاتهم؛ لأن ما دون القامة مسافة قريبة فلهذا صحت صلاتهم وما فوق ذلك مسافة بعيدة فلهذا بطلت الصلاة ويأتي على ما قاله الشافعي إن كان بينهم وبين حائط المسجد ثلاثمائة ذراع صحت صلاتهم، وإن كان أكثر من ذلك بطلت الصلاة.
ومساحة المسجد فلا عبرة بها في البعد، وإن كانت كثيرة؛ لأن المسجد كله موضع للجماعة فهو كالبقعة الواحدة القريبة. وإن كان بين الإمام والمأموم حائط المسجد فهل تكون الصلاة مجزية أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الحائط غير مانع لصحة الائتمام في داخل المسجد فلهذا لم يكن مانعاً صحة الائتمام لمن هو خارج المسجد.