قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لو كان موقفاً لما غيَّره الرسول وأن الواجب خلافه في الشخص الواحد.
وأما ثانياً: فلأن ابن عباس وجابراً إنما وقفا عن اليسار برأيهما لا بأمرٍ من جهة الرسول وفي هذا دلالة على أن يسار الإمام ليس موقفاً للواحد ولهذا فإن النبي لم يتمالك في تأخيرهما إلى جهة اليمين على السرعة.
قالوا: موقف الواحد خلف الإمام كما هو موقف الإثنين والجماعة فإن جاء واحد وقف معه وإن لم يجيء آخر وركع الإمام تقدم إلى جنبه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا بحديث ابن عباس وجابر أن موقف الواحد عن يمين الإمام.
وأما ثانياً: فلأنه إذا وجب تقدمه عند ركوع الإمام فيجب تقدمه من أول صلاته أولى وأحق حتى لا تنعقد صلاته من أولها على انفراده فلهذا وجب ما ذكرناه.
الفرع الثاني: وإن حضر رجلان مع الإمام فما هو الواجب في ذلك؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الواجب وقوفهما خلف الإمام، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعمر وابن عمر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روى جابر عن رسول الله أنه قال: صليت مع رسول الله فقمت عن يساره فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر(1)
فقام عن يساره فدفعنا جميعاً إلى خلفه فقمنا بعده.
__________
(1) أبو عبد الله جبار بن صخر بن أمية بن خنسا الأنصاري ثم السلمي، روى صاحب (الإصابة) أنه كان في أهل العقبة وأهل بدر، وكان يبعثه رسول الله فيخرص على أهل خيبر بدلاً عن عبد الله بن رواحة بعد استشهاده بمؤته، وكان مع رسول الله في يوم بدر فقال رسول الله : ((من يتقدمنا فيمدر لنا الحوض ويشرب ويسقينا))؟ فقام جبار بن صخر وقال: أنا يا رسول الله... الحديث، وروي عنه قوله: سمعت النبي يقول: ((إنا نُهينا أن نرى عوراتنا)) مات جبار سنة 30هـ وهو ابن 62 سنة.

المذهب الثاني: أنهما إذا كانا اثنين مع الإمام فإن أحدهما يقف عن يمينه والآخر يقف عن يساره فإذا كانوا ثلاثة وقفوا خلفه، وهذا شيء يحكى عن ابن مسعود وروي عنه أنه صلى بعلقمة والأسود فجعل أحدهما عن يمينه وجعل الآخر عن يساره.
والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله إذا كان معه رجلان وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال: أمَّنا رسول الله أنا ورجلاً من الأنصار فتقدَّمنا وخلَّفنا خلفه ثم قال: ((إذا كان اثنان فليقم أحدهما عن يمين الآخر.)).
الحجة الثانية: ما روى سمرة بن جندب أنه قال: أمرنا رسول الله إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا. فهذه الأخبار كلها دالة على ما قلناه من تقدم الإمام على الأثنين.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روى ابن مسعود عن رسول الله : ((أنهم إذا كانوا ثلاثة وقف الإمام وسطهم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الإجماع منعقد بعد ابن مسعود على ما قلناه من جهة الصحابة والتابعين وفي هذا دلالة على نسخه؛لأنهم لا يجمعون إلا عن حجة ودلالة من جهة الرسول وإجماعهم حجة وفيها بطلان مقالته.

وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار وهي راحجة على ما روى من جهة كثرتها وثقة الرواة لها فلا وجه لما ذكره إلا النسخ، فإن كانوا ثلاثة غير الإمام اصطفوا وراءه، وهذا هو رأي أئمة العترة والفقهاء ولا خلاف فيه. ويستحب تعديل الصفوف لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا قمتم إلى الصلاة فأقيموا صفوفكم والزموا عواتقكم ولا تدعوا خللاً للشيطان كما يتخلل أولاد الحذف)) (1).
يعني صغار المعز، وأراد بتقويمها عن الإعوجاج وبالتقدم والتأخر، وأراد [بسد] الخلل التقارب والملاصقة وأراد بإلزام العواتق إلصاق بعضها ببعض، وتستحب المجاورة بين المناكب لما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((أقيموا الصفوف وجاوروا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا خرجات الشيطان))(2).
والخرجات جمع خرجة وهي الفرجة بين الشيئين. وفي حديث آخر: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ))؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: ((يسدون الخلل ويقيمون الصفوف ويلصقون الكعاب بالكعاب))(3).
__________
(1) هذا الحديث ورد من عدة طرق عن أنس بن مالك، وعن النعمان بن بشير،و عن أبي أمامة وغيرهم، وورد في صحيحي ابن خزيمة3/22 في باب الأمر بالمحاذاة بين المناكب والأعناق، وابن حبان5/539، وفي مصنف عبدالرزاق2/46، ومسند أحمد3/260، والحذف بالتحريك: ضأن سود جرد صغار تكون باليمن، وقيل: هي غنم سود صغار تكون بالحجاز، واحدتها: حَذَفة، وقيل: الحذف: أولاد الغنم عامة، اهـ. (لسان العرب)9/40.
(2) أورده البيهقي في (السنن)3/101، وأبو داود1/148، وأحمد2/97.
(3) رواه عن جابر بن سمرة، مسلم 1/322، وابن حبان5/527، والنسائي (المجتبى)2/92، وابن ماجة 1/314.

الفرع الثالث: ويستحب للإمام ومن معه أن يقوموا إذا قال المؤذن: حي على الصلاة. فإذا قال: قد قامت الصلاة. كبر، وهو رأي الهادي في الأحكام ومحكي عن أبي يوسف ومحمد؛ لما(1)
روى عبدالله بن أبي أوفى قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة كبر الرسول ولم ينتظر شيئاً، ومن جهة أن قول المؤذن: قد قامت الصلاة. إخبار عن قيامها فيستحب أن يفعل الإمام ما يكون خبره مطابقاً لمخبره وقد تقدمت المسألة وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة. ويستحب التقدم إلى الصف الأول لقوله : ((لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاستهموا عليه )) (2).
وروى البراء بن عازب عن رسول الله أنه قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ))(3).
وأراد أهل الصف الأول. والصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة الدعاء، ويستحب أن يعتمد عن يمين الإمام لما روي البراء بن عازب قال: كان يعجبنا عن يمين رسول الله لأنه كان يبدأ بمن عن يمينه فيسلم عليه. ويستحب إذا وجد في الصف الأول فرجة أن يسدها لما روي عن الرسول أنه قال: ((أتموا الصف الأول ))(4)
__________
(1) في هامش الأصل: في الشرح أن أبا يوسف يقول: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وروى نحوه عن محمد.
(2) جاء في صحيح ابن خزيمة3/25، وفي (المغني)10/299و(نيل الأوطار)5/378، وهو مروي عن أبي هريرة بلفظ: ((لو تعلمون -أو- يعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة)).
(3) أخرجه أبو داود عن عائشة، ورواه ابن حبان في صحيحه5/531، والبيهقي في (السنن)3/103، وابن ماجة 1/318.
(4) أخرجه أبو داود عن أنس، ورواه ابن خزيمة3/22، والبيهقي3/102،و النسائي2/93.

فإن كان نقص ففي المؤخر. ويستحب إذا كان النقص في الصف الأول أن يتمه؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((من وصله وصله الله ومن قطعه قطعه الله )) (1).
فإن لم يجد في الصف الأول مدخلاً فهل له أن يجذب رجلاً من الصف يصلي معه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب له أن يجذب ويستحب للمجذوب أن ينجذب فإنه أفضل له، وهذا هو رأي الهادي واختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، ومحكي عن الشافعي والمحاملي من أصحابه وقول محمد بن الحسن.
والحجة على هذا:ما روى وابصة بن معبد(2)
عن رسول الله أنه صلى رجل خلفه فقام وحده في الصف فلما قضى رسول الله صلاته نظر فقال: ((يا مُصَلٍّ وحده هلاَّ كنت دخلت في الصف فإن لم تجد سعة أخذت بيد رجل فأخرجته إليك))(3).
المذهب الثاني: أنه يكره له الجذب، وهذا هو رأي أبي حنيفة ومالك والمنصوص في البويطي.
والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك عن رسول الله أنه قال: ((أتموا الصف الأول فإن كان نقص ففي المؤخر )).
والمختار هاهنا: كراهة الجذب لأمرين:
أما أولاً: فلأنه يؤدي إلى نقصان الصف الأول وخرمه، وهو منهي عنه كما ورد في حديث أنس.
__________
(1) هذا جزء من حديث رواه ابن عمر قال: قال رسول الله : ((أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله)) أخرجه أبو داود 1/148، والبيهقي في (السنن)3/101، والنسائي2/93.
(2) هو وابصة بن معبد بن الحارث الأسدي الرقي، سكن الكوفة ثم تحول إلى الرقة، ومات بها، له أحاديث عن النبي منها: أن رسول الله أمر رجلاً رآه يصلي خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة. اهـ. من (الاستيعاب) 4/1563.
(3) رواه البيهقي في سننه3/105، قال: وهو ضعيف، ورواه أبو داود في المراسيل، وهو في معجم الطبراني الكبير22/145، والأوسط 8/208.

وأما ثانياً: فلما فيه من حرمان المجذوب لفضل الصف الأول، وقد ورد فيه من الفضل ما ذكرناه من قبل فلا وجه له.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: حديث وابصة دال على استحباب الجذب فلهذا كان هو الأفضل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنه محمول على أن المجذوب لم يكن قد دخل في الصف وإنما أراد الدخول فجذبه يصلي معه.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما رويناه من النهي عن خرم الصف الأول ونقصه، وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الأحاديث الواردة في فضل الأول أظهر وأشهر فلهذا كان التعويل عليها.
الفرع الرابع: فإن صلى خلف الصف منفرداً فهل تكون صلاته مجزية أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه إذا صلى منفرداً خلف الصف من عذر بطلت صلاته، وهذا هو الذي نصه الهادي في (الأحكام) واختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو رأي الناصر ومحكي عن الثوري وحمَّاد وإبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل وابن أبي ليلى.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن الرسول رأى رجلاً صلى خلف الصف فلما انصرف قال له رسول الله : ((هكذا صليت وحدك ليس معك أحد " ))؟ قال: نعم. فقال له: ((قم فأعد الصلاتك))(1).
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة لمن يصلي خلف الصف وحده ))(2).
المذهب الثاني: أنها تكره وتكون مجزية،وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومروي عن عطاء.
والحجة على هذا: ما روي أن أبا بكر جاء ورسول الله راكع فركع وراء الصف ثم مشى إلى الصف فقال له الرسول : ((زادك الله حرصاً ولا تعد ))(3)
__________
(1) رواه ابن حبان5/580 وأبو يعلى في مسنده3/162.
(2) رواه في شرح معاني الآثار1/394.
(3) أخرجه البخاري1/271، وابن حبان5/568، وأبو داود1/182، والنسائي2/118.

وقد كان افتتح الصلاة خلف الصف وحده من غير عذر ولم يأمره الرسول بالإعادة فدل ذلك على الإجزاء مع الكراهة حيث قال: ((لا تعد)).
المذهب الثالث: جواز الصلاة خلف الصف من غير عذر، وهذا هو قول مالك.
والحجة على هذا: هو أنه موقف للمصلي بدليل حديث ابن عباس حيث أداره من خلفه وحديث أبي بكر حيث افتتح الصلاة وحده وصوَّبه الرسول على فعله، ومن جهة أن وراء الصف موقف لمن صلى فجازت صلاته كما لو كان معه غيره.
والمختار: ما قاله أبو العباس من جواز الصلاة مع الكراهة.
والحجة على هذا: ما ذكرناه نُصْرةً لكلام أبي العباس ونزيد هاهنا وهو أن وراء الصف موقف مشروع؛ لما رويناه من حديث أمير المؤمنين كرم الله وجهه هو والرجل الأنصاري حين أدارهما الرسول إلى ورآئه ولما كان من حديث ابن عباس حين أدآره من ورآئه؛ ولما روي من حديث أبي بكر حين كبر منفرداً عن الصف ثم مشى إلى الصف، فهذه الأخبار كلها دالة على أن [وقوفه]وراء الصف منفرداً موضع مشروع للصلاة، وإذا كان الأمر كما قلناه كان ذلك على الإجزاء لما كان موقفاً مشروعاً، وإنما قلنا بكونه مكروهاً لما روي من حديث أبي بكر حيث قال له : ((زادك الله حرصاً ولا تعد)) فلما لم يأمره دل على الجواز، ولما قال له: ((لا تعد)) دل على الكراهة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن الرسول قال لمن صلى خلف الصف: ((هكذا صليت قم فأعد صلاتك )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنه محمول على أنه أفسد صلاته من غير انفراده في الصف فلهذا أمره بالإعادة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبا رالتي رويناها فإنها دالة على أن الموقف بعد الصف مشروع فلهذا قضينا بكونه جائزاً.
قالوا: ما دل على جواز الصلاة خلف الصف من غير عذر مع الكراهة فهو بعينه دال على جوازه من غير كراهة.

قلنا: لولا ما ورد في حديث أبي بكر من قوله : ((زادك الله حرصاً ولا تعد)). لما قضينا بالكراهة لكن قوله هذا دال على الكراهة فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنه تجوز الصلاة خلف الصف منفرداً من أجل العذر وما هذا حاله فلا خلاف فيه، والعذر إما ألا يجد موضعاً في الصف، وإما بأن لا ينجذب أحد معه فيصلي معه. وإن صلى من غير عذر فعلى رأي الهادي والسيدين صلاته باطلة، وعلى رأي السيد أبي العباس تكره وتجزئ، وهو المختار كما قررناه، وإما أن تكون مجزية من غير كراهة وهو رأي مالك، وقد ذكرنا هذه المذاهب بأدلتها فأغنى عن تكريرها.
الفرع الخامس: وإن حضر مع الإمام صبي مراهق يعقل الصلاة كان موقفه عن يمين الإمام لما رويناه من حديث ابن عباس فإنه أداره من عن يساره فدل ذلك على أن موقفه وحده عن يمين الإمام كالرجل البالغ، وإن حضر مع الإمام رجل وصبي مراهق ففيه؟ ففيه قولان:
القول الأول: أنهما يقفان خلف الإمام جميعاً ويصح اصطفافهما خلفه كالبالغين، وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو العباس والمؤيد بالله، وهو رأي أكثر الفقهاء لأن أبا العباس ذكر أن حكم الصبيان حكم الرجال في الموقف وعلى هذا يكون موقف الصبي وحده مع الإمام عن يمينه والصبيين خلف الإمام كالرجال البالغين؛ وهذا هو الذي ذكره الإمام المؤيد بالله في (الإفادة) فإنه قال: ومن وقف معه صبي مراهق خلف الصف صح اصطفافهما وإن لم يكن معهما غيرهما؛ لأن صلاة الصبي صحيحة وإن كانت تطوعاً.
القول الثاني: يحكى عن المؤيد بالله أنه لا يكون صبي وبالغ صفا، وهو الأقرب عندي لأن صلاة الصبي ليست صحيحة ولا هي صلاة في الحقيقة وإنما يؤمر بها للتمرين والتعويد على الصحيح من مذهبه فإذا لم تكن صلاة فإنه لا يصح اصطفافهما فصار كمن وقف وراء الصف وحده من غير عذر.
والمختار: ما ذكره في الإفادة وارتضاه أبو العباس للمذهب.

والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك أنه قال صليت أنا ويتيم لنا خلف رسول الله وأم سليم خلفنا.
الحجة الثانية: حديث ابن عباس رضي الله عنه فإن الرسول أداره إلى يمينه، فإذا كان موقف الصبي وحده مع الإمام عن يمينه كالبالغ كان موقفه مع البالغ صفا وراء الإمام كالبالغين إذا كانا اثنين من غير فرق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره في غير (الإفادة) وهو رأيه الأخير، وهو أن صلاة الصبي ليست بصلاة صحيحة وإنما هي فعل نؤمر بها على جهة التعويد والتمرين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الرسول قد جعل ابن عباس مصلياً وإن كان صغيراً وأداره إلى يمينه كما فعل مع الرجال البالغين.
وأما ثانياً: فلما روى أنس بن مالك من أن أنساً صار مع اليتيم صفاً خلف الرسول فهذان الخبران دالان على ما قلناه من صحة كون الصبي مع غيره صفاً بعد الإمام. قوله: إن صلاة الصبي ليست صلاة صحيحة.
قلنا: قد جعلها الرسول صلاة وجعل له حكم الموقف كالرجال سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة ولهذا نزله منزلة البالغين في أحكام الموقف.
ومن وجه آخر: وهو أن هذا مبني على صحة إسلام الصبي وهذا لا مانع منه فإنه لا يمتنع أن يكمل الله عقله قبل انفصال النطفة منه وينظر في حدوث وثبوت الصانع ويكون مؤاخذاً بالإحكام العقلية كلها دون الأحكام الشرعية فقد جعل الشرع لها حداً بإحدى العلامات الدالة على بلوغه ومع هذا التجويز تكون صلاته صحيحة مكلفاً بها عند الله تعالى. وإن حضر صبيان مع الإمام كان موقفهما بعده صفا كالرجلين البالغين وإن حضر مع الإمام رجل وامرأة وقف الرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفهما وإن حضرت امرأة وحدها مع الإمام فلا صلاة لها مع الإمام وحدها كما مر بيانه. والذي يدل على صحة المسألة الأولى حديث أنس فإنه وقف عن يمين الرسول والمرأة خلفه والذي يدل على بطلان الثانية قوله : ((ألا لا يخلون أحدكم بامرأة فإن ثالثهما الشيطان )).

الفرع السادس: وإن حضر مع الإمام خنثى لبسة وحدها لم تصل مع الرجل لجواز أن تكون امرأة ولا يجوز وقوفها عن يمينه لتجويز كونها رجلاً؛ لأن مخالفة الإمرأة للموقف أشد من مخالفة الرجل؛ لأن المرأة إذا وقفت على يمين الإمام كانت معصية وإذا منعنا الرجل من صلاة الجماعة لم تكن معصية فافترقا. وإن حضر مع الإمام رجل وصبي معاً وخنثى فالرجل والصبي يكونان خلف الإمام والخنثى بعدهما لجواز كونها امرأة وإن حضر صبي وحده وخنثى كان الصبي عن يمين الإمام والخنثى وراءه لتجويز كونها امرأة، وإن حضر مع الإمام امرأة وخنثى لم تجز الصلاة عندنا لجواز كون الخنثى امرأة فلا تجوز الصلاة بنساء لا رجل معهن، وعلى رأي الشافعي تكون المرأة وراء الإمام والمرأة خلف الخنثى؛ لأنه تجوز صلاة الإمام بنساء لا رجل معهن كما مر بيانه. وإن حضر رجال وصبيان يقدم الرجال في الصف الأول ثم الصبيان بعدهم في صف آخر، وإن حضر مع الإمام رجال وصبيان وحناثا ونساء يقدم الإمام على الرجال ثم الرجال على الصبيان ثم الصبيان على الخناثا ثم الخناثا على النساء لجواز كون الخناثا ذكوراً وإنما قدمنا الرجال على الصبيان لقوله : ((ليلني منكم أوْلو الأحلام والنُّهى)) (1).
__________
(1) رواه أبو مسعود الأنصاري بلفظ: كان النبي يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة، ومثله عن ابن مسعود: ((ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) ثلاثاً. ((وإياكم وهيشات الأسواق)) رواه أحمد ومسلم والترمذي وأبو داود.
…قال في (فتح الغفار)1/319: قوله: هيشات -بفتح الهاء وإسكان الياء المثناة من تحت وبالشين المعجمة- أي: اختلاطها والمنازعة والخصومة، وارتفاع الأصوات.

212 / 279
ع
En
A+
A-