الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: عصيانها في الموقف لا يوجب بطلان صلاتها كما لو أمَّت الرجال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نُسَلِّمُ الأصل المقيس عليه فإن عندنا أن صلاتها باطلة إذا أمَّت الرجل لأنها عاصية في الموقف فلهذا قضينا بالبطلان لصلاتها.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا صحة صلاتها إذا أمّت الرجل فقد تركت هاهنا فرضاً من فروض الصلاة وهو التأخر عن الرجال فإنها مأمورة بذلك وما هذا حاله مفسد للصلاة.
قالوا: المأموم إذا ترك موقفاً مسنوناً له إلى موقف آخر يكون مسنوناً له لم تبطل صلاته كالرجل إذا ترك الصف المقدم ووقف في الصف المؤخر.
قلنا: هذا فاسد فإن هذا ليس مماثلاً لمن نحن فيه فإن الرجل إذا تأخر إلى الصف الأخير فليس منهياً عنه فهلذا لم تكن صلاته فاسدة بخلاف المرأة فإنها إذا تقدمت إلى الصف الأول فهي منهية عنه، فلا جرم قضينا بفساد صلاتها فافترقا، فبطل ما قالوه.
المسألة العاشرة: ويجوز أن يأتم المقيم بالمسافر عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعلم فيه خلاف لما روي عن الرسول أنه أقام بمكة ثماني عشرة ليلة يصلي ركعتين ثم يقول: ((يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين فإنا قوم سفر )) (1).
فالخبر دال على جواز القصر وعلى جواز صلاة المقيم خلف المسافر، وروي عن ابن عمر ذلك ولأنه غير مخالف لإمامه فيما يجب عليه اتباعة فيه فأشبه اللاحق للإمام في صلاته، وهل يجوز أن يأتم المسافر بالمقيم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك إلا فيما يتفق فرضاهما فيه وهو المغرب والفجر وهذا هو الذي نصه الهادي في الأحكام، وهو رأي القاسم ومحكي عن طاووس والشعبي وداود من أهل الظاهر وبه قالت الإمامية.
__________
(1) رواه البيهقي في (السنن الكبرى)3/153، وأحمد في مسنده4/430، والطبراني في (الكبير)18/208 بروايات في بعضها زيادة: ((...ركعتين أخريين-و- أخراوين)).
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وهذا يقتضي وجوب متابعته له في جميع أقواله وأفعاله والمسافر إذا ائتم بالمقيم فلا يكون تابعاً له في أقواله وأفعاله لأن قعوده في الثانية يكون فرضاً عليه وهو للإمام نفل فيؤدي ذلك إلى أن يسلم قبل تسلميه فيكون مخالفاً له وقد قال : ((لا تختلفوا على إمامكم)).
الحجة الثانية: قياسية. وهو أن فرض أحدهما مخالف لفرض الآخر فإن فرض المسافر ركعتان وفرض المقيم أربع فقد خالفه في النية وفي عدد الركعات فلا تكون مجزية مع هذا الاختلاف لما ذكرناه من ظاهر الخبر.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى ومحكي عن المؤيد بالله والفريقين الحنفية والشافعية وهو المحكي للهادي في كتابه (المنتخب).
والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية الدالة على فضل صلاة الجماعة لم تفصل بين أن يكون الإمام مسافراً أو مقيماً فلهذا قضينا بصحة صلاة المسافر خلف المقيم.
والمختار: ما ذهب إليه زيد بن علي ومن قال بمقالته.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن إسم الإئتمام لاحق بالمسافر خلف المقيم فلهذا جاز له الائتمام به ولأنه لم ينقص عليه إلا خروجه من الصلاة قبل الإمام في الركعتين الأوليين ومثل هذا غير ضار في صلاته لأجل العذر ولأن الخروج عن الإمام في إمامة الصلاة جائز لأجل الأعذار.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن رسول الله أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) وهذا يقتضي وجوب المتابعة ولا شك أن المسافر يخالف إمامه المقيم فلهذا لم تصح صلاته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نقول بموجب الخبر فإن المسافر قد تابع إمامه في أقواله وأفعاله ولكن عرضت المخالفة في أمر هو معذور فيه فلم يكن ذلك موجباً لفساد صلاته.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على المواضبة على صلاة الجماعة فإنها لم تفصل بين المسافر والمقيم.
قالوا: فرض المقيم يخالف فرض المسافر لأن فرض المقيم أربع وفرض المسافر ركعتان فإذا صلى المسافر خلف المقيم كان قد خالفه وهو منهي عن المخالفة.
قلنا: المخالفة مغتفرة إذا كانت لعذر ولا تغتفر من غير عذر، ولهذا فإن المأموم يخالف الإمام إذا سلم على ركعة واحدة ويخالفه إذا قام إلى الخامسة فمطلق المخالفة لا يفسد الصلاة وهاهنا المخالفة لعذر فلهذا لم تكن مفسدة للصلاة.
المسألة الحادية عشرة: وإذا قلنا بصحة صلاة المسافر خلف المقيم فإذا دخل معه في الصلاة فأي شيء يتوجه عليه؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه إذا أدرك معه الصلاة لزمه الإتمام أربعاً وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى والفريقين الحنفية والشافعية.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا إذا صلى خلف إمامه ركعتين فقد خالفه في عدد الركعات فلهذا قلنا بوجوب الإتمام عليه ليخلص عن المخالفة.
المذهب الثاني: أنه إن أدرك مع الإمام ركعة بكمالها لزمه إتمام الركعات وإن أدرك بعض الركعة لزمه صلاة المسافر وسلم وخرج، وهذا هو رأي مالك.
والحجة على هذا: هو أنه إذا أدرك الركعة بكمالها فهو مدرك للصلاة؛ لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها)) وسماه مدركاً بإدراك الركعة بكمالها فهكذا هاهنا يعمل على صلاة المقيم بإدراك الركعة بكمالها وإذا أدرك بعض الركعة عمل على صلاة المسافر وسلم على ركعتين.
المذهب الثالث: أنه يعمل على صلاة المسافر ولا يلزمه الإتمام وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أن السفر عزيمة ودخول المسافر في صلاة المقيم لا تغير فرضه مع قيام السبب في القصر وهو السفر فلهذا لم يكن فرض المقيم لازماً له وإذا قلنا بأن فرضه لا يتغير فما المتوجه عليه؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه إذا دخل معه من أول الصلاة فهو مخير إن شاء خرج في الركعتين الأوليين لأنه معذور في الخروج لأنهما فرضه، وإن شاء قعد في الركعتين الأخريين حتى يسلم الإمام من الأربع ثم يسلم معه؛ لأنه معذور في هذه المخالفة ثم هو أيضاً مخير في جعل أي الركعتين فرضه إما الأوليان وإما الأخريان، وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أن فرضه في القصر عير متعذر لأنه عزيمة في حقه فلا تبطل بالدخول ثم إنه مخير فيما ذكرناه من هذه الصورة.
القول الثاني:أنه إن دخل مع الإمام المقيم من أول صلاته فإنه يجعل الركعتين الأوليين نافلة له ويجعل الأخريين فرضه، وهذا هو رأي الهادي في (المنتخب).
والحجة على هذا: هو أنه إذا فعل ما ذكرناه كان سالماً عن مخالفة الإمام في فرضه لأنه يسلم بتسليمه.
والمختار: أن القصر رخصة والاتمام أفضل كما سنوضح القول فيه وإذا كان رخصة ودخل مع الإمام المقيم في الصلاة فإن الأفضل له الإتمام؛ لأن الإمام حاكم عليه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). وعلى هذا يكون، وإذا كان متماً للصلاة فأتموا لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا يقتضي ما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوروده.
قالوا: الواجب عليه صلاة السفر؛ لأنه عزيمة فبدخوله مع الإمام لا يخرجه عن عزيمة السفر، فالواجب عليه ركعتان.
قلنا: سنوضح أن القصر رخصة وإذا قام البرهان الشرعي على كونه رخصة فالإتمام مع الإمام أفضل ولا حاجة إلى مخالفة الإمام لما فيه من فساد الصلاة.
قالوا: إذا أدرك ركعة بكمالها وجب عليه الإتمام وإن أدرك دون الركعة فهو باقٍ على صلاة السفر.
قلنا: القصر رخصة فلا فرق بين أن يدرك مع الإمام ركعة كاملة أو بعض ركعة في أنه يلزمه الإتمام لأجل التزامه بالدخول في صلاة المقيم، فهذا ما أردنا ذكره في صلاة الأكمل خلف الأنقص ونرجع إلى التفريع.
الفرع الثاني عشر: وهل يجوز للمفترض أن يأتم بالمفترض في صلاة أخرى مخالفة كمن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر أم لا؟ فيه مذاهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك والزهري وربيعة ويحيى الأنصاري(1).
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذه مخالفة فيجب ألا تجوز.
الحجة الثانية قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). وفي هذا دلالة على أن مخالفته لا تجوز وأن متابعته واجبة.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي وهو محكي عن عطاء وطاووس والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
__________
(1) يحيى الأنصاري السلمي، من ولد كعب بن مالك، روى حديثه الليث بن سعد عن عبد الله بن يحيى عن أبيه عن جده أن جدته خيره امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله بحلي لها... الحديث.
والحجة على هذا: ما روي أن معاذاً كان يصلي مع رسول الله العشاء ثم يرجع إلى قومه من بني سلمة فيصلي بهم العشاء هي له تطوع لأنه قد قضى فرضه مع الرسول فأخر رسول الله ليلة صلاة العشاء ثم رجع معاذ إلى قومه فصلى بهم واستفتح بسورة البقرة فتنحى عنهم رجل وصلى، فقال له قومه: نافقت، فأتى النبي فقال: يارسول الله إن معاذاً يصلي معك العشاء ثم يرجع إلينا فيصلي بنا فأخَّرْت العشاء فرجع إلينا فصلى بنا واستفتح بسورة البقرة فتنحيت وصليت وحدي، وإنَّا أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فقال الرسول : ((أفتان أنت يا معاذ)). وأمره أن يقرأ سورة كذا وكذا، وفي رواية أخرى وأمره أن يقرأ سورة والسماء والطارق وسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى(1).
ووجه الدلالة من الخبر: أن الرسول صوبه على صلاته بقومه بعد صلاته مع الرسول وهذا هو موضع الخلاف؛ ولأن الإقتداء يقع في الأفعال الظاهرة وذلك ممكن مع اختلاف النية.
والمختار: المنع من ذلك كما هو رأي أئمة العترة.
وحجتهم: ما حكيناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن هذه إن لم تكن مخالفة للإمام فلا معنى للمخالفة؛ ولأن نية الإمام مخالفة لنية المأموم فوجب أن لا تصح إمامته به كما لو صلى الجمعة بمن يأتم بالظهر.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي أن معاذاً كان يصلي مع الرسول الفريضة أو العشاء أظنه(2)
ثم يصلي بقومه وهذا هو موضع الخلاف فيجب القضاء بجوازه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فيحتمل أن معاذاً كان يصلي مع الرسول نافلة ويصلي بأصحابه الفريضة فلا حجة فيما قلتموه(3).
__________
(1) يبدو أن الاستدلال هنا في غير موضعه؛ لأن موضعه اختلاف الفرضين وليس المفترض خلف المتنفل، ومكانه الفرع الثالث عشر كما سيأتي، والله أعلم.
(2) كلمة (أظنه) يبدو أنها من الراوي، والثابت الشائع أنها العشاء.
(3) في هامش الأصل: ولهذا قال له الرسول : ((إما أن تخفف بهم وإما أن تجعل صلاتك معنا)) يعني الفرض. ا هـ.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرتموه معارض بما رويناه من الأخبار وإذا تعارضا فلابد من الترجيح لكن أخبارنا أرجح؛ لأنها دالة على الحظر وأخباركم دالة على الإباحة وما دل على الحظر أولى مما دل على الإباحة لما في الحظر من الإحتياط للدين فلهذا كانت بالقبول أحق.
قالوا: الإقتداء يقع في الأفعال الظاهرة وذلك ممكن مع اختلاف النية.
قلنا: الخبر دال على المنع من المخالفة في الأفعال الظاهرة كما دل على امتناع الإختلاف في النية.
الفرع الثالث عشر: يجوز للمتنفل أن يأتم بمن يصلي الفرض كمن يصلي أربع ركعات نافلة عقيب من يصلي الظهر أو العصر أداء، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الفقهاء ولا خلاف فيه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر فرأى رجلين لم يدخلا معه في الصلاة فلما فرغ منها قال: ((عليَّ بهما)) فجاءا ترعد فرائصهما. فقال: ((أمسلمان أنتما))؟ فقالا: نعم يارسول اللّه. فقال: ((ما منعكما أن تصليا معنا ))؟ فقالا: يارسول الله كنا قد صلينا في منازلنا. فقال لهما: ((إذا صليتما في منازلكما ثم وجدتما ناساً يصلون فصليا معهم فتكون هذه نافلة وتلك فريضة)). وهل يجوز الائتمام للمفترض بمن يصلي نافلة كمن يصلي الظهر أو العصر خلف من يصلي أربع ركعات نافلة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولم يفصل في ذلك. ومن صلى الفرض خلف من يصلي النافلة مقتدياً به فقد خالفه لا محالة.
الحجة الثانية: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به والمراد من الخبر هو المتابعة في كل أقواله وأفعاله ومن صلى الفرض خلف من صلى النافلة فلم يتابعه فدل ذلك على صحة ما يقوله.
المذهب الثاني: الجواز وهذا شيء يحكى عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي أن الرسول صلى ببطن النخل صلاة الخوف فصلى بطائفة ركعتين ثم صلى بطائفة ركعتين وسلم ولابد من أن يكون في إحدى الصلاتين متنفلاً لأنه في السفر ففرضه ركعتان(1).
والمختار: ما عليه علماء العترة من المنع من ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن نية المأموم الفرض ونية الإمام النفل ولا شك أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام فلا يصح أداء الفرض بنية النفل ولأن هذه مخالفة للإمام في مقصود النية فلا تصح الصلاة لقوله: ((لا تختلفوا على إمامكم)). والنهي يقتضي الفساد.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: صلى الرسول ببطن النخل ركعتين بطائفة وركعتين بطائفة أخرى ولابد من أن تكون إحداهما نفلاً وفي هذا دلالة على ما قلناه.
قلنا: عن هذاجوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما فعل ذلك لأنه كان يجوز أداء الفرض مرتين ثم نسخ ذلك بقوله: ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم )).
وأما ثانياً: فلأن القصر رخصة فلعله كان متماً فصلى بطائفة ركعتين وبطائفة أخرى ركعتين لأجل العذر بالخوف والتزام صلاة الجماعة.
قالوا: روي أن معاذاً بن جبل كان يصلي مع الرسول صلاة العشا ثم يعدو إلى أصحابه فيصلي بهم هذه الصلاة فيكون له فرضاً ولهم تطوعاً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل مجملة لا ندري كيف وقعت فلا يجوز الاحتجاج بها لإجمالها.
وأما ثانياً: فلعله كان يصلي مع الرسول نافلة وبقومه الفرض كما قدمنا فلا يكون فيه دلالة على ما قالوه.
الفرع الرابع عشر: وهل يجوز أن يأتم القاضي بالمؤدي فيقضي صلاة العصر خلف من يؤدي العصر أو المؤدي بالقاضي فيؤدي الظهر خلف من يقضي الظهر أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)3/259، والشافعي في مسنده1/57.
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي الهادي والقاسم والناصر ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه(1).
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وما هذا حاله فهو اختلاف من جهة أن القضاء يخالف الأداء.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله قديماً، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: خبر معاذ فإنه إذا جاز أن يصلي المُفْتَرِضُ خلف المتنفل جاز أن يصلي المؤدي خلف القاضي لاشتراك الصلاتين في كونهما واجبتين.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله والشافعي.
وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المؤداة والمقضية قد اشتركتا في الوجوب وفي الجنسية ولم تختلفاً إلا في نية القضاء والأداء ومثل هذا لا يطرق خللاً في الإقتداء فإن اتفقا في الوجوب واختلفا في الجنسية نحو أن يؤدي الظهر خلف من يقضي العصر أو يقضي العصر خلف من يؤدي الظهر فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالذي يأتي على رأي العترة أنه غير جائز والذي يأتي على كلام الشافعي أنه جائز.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه في الصلاتين إذا اشتركتا في الوجوب وفي الجنسية وهو الذي اخترناه.
قالوا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا هو اختلاف لا محالة.
قلنا: الاقتداء يقع في الأفعال الظاهرة وذلك ممكن مع اختلاف النية في القضاء والأداء فإن ذلك مغتفر كما أشرنا إليه، والله أعلم. وهل يجوز أن يصلي الفرض خلف من يصلي على الجنازة أو خلف من يصلي صلاة الكسوف؟ فالذي يأتي على رأي أئمة العترة أن ذلك غير صحيح.
__________
(1) في هامش الأصل: أن هذا القول رجع إليه المؤيد بالله أخيراً.
والحجة على هذا: هو أنه لا يمكنه الاقتداء مع اختلاف الأحوال، وهذا هو نقل أهل بغداد من أصحاب الشافعي، فأما أهل خراسان فقد جوّزوا ذلك على رأي الشافعي بتلفيق ذكروه مع اختلاف حال الصلاتين، وهل يصح أن يقتدي من يصلي المغرب بمن يصلي العشاء؟ فعلى رأي أئمة العترة لا يجوز ذلك لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولأنه يؤدي إلى أن يخرج من الصلاة قبل خروج الإمام، وحكى المسعودي من أصحاب الشافعي جواز ذلك ويكون معذوراً في الخروج.
الفرع الخامس عشر: قال المؤيد بالله: ولا يجوز الائتمام بمن يصر على معصية لا يرتكبها غالباً إلا من كان فاسقاً وإن لم يمكن القطع على كونه فاسقاً بها، وهذا جيد لأن ارتكابه لها وفعله إياها يدل على ركَّة في الدين وجرأة على اللّه، وإن لم تكن فسقاً بنفسها فلا تجوز إمامته لقوله : ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه)). ومثاله: من يكون مولعاً ببيع الخمر وشرائها فإن هذا وإن لم يكن فسقاً فإنه دال على جرأة على الله في إرتكاب المحظور لأن الغالب أن من كان مولعاً ببيعها وشرائها فإنه يشربها لا محالة. ومثال آخر: من كان مولعاً بالدخول على الشربة وقضاء حوائجهم ومنادمتهم فإن هذا وإن لم يكن فسقاً فهو جرأة لأن الغالب فيمن يباشر أحوالهم وينادمهم أنه يشرب معهم لا محالة.
ومثال آخر: من كان مولعاً بالدخول على الزواني والمباشرة لهن فإن هذا وإن لم يكن فسقاً فإنه لا يفعله إلا من كان زانياً فاجراً فلهذا منعنا من إمامته للصلاة وإن لم يكن فاسقاً لما ذكرناه من التهاون في الدين. وقال أيضاً(1)
__________
(1) يقصد المؤيد بالله.