أما أولاً: فلأن ما هذا حاله فليس مخالفة؛ لأن المأموم ليس له أن يصلي قاعداً مع قدرته على القيام وإن ترك الجماعة فقد عدل عن الأفضل فلم يبق إلا أن يصلي قائماً لقدرته عليه والإمام معذور في القعود.
وأما ثانياً: فلأن كل مخالفة ليس ممنوعاً منها ولهذا فإن المأموم يخالف الإمام إذا قام إلى الخامسة ويخالفه إذا سَلَّمَ على ركعة واحدة فهكذا هاهنا قيامه والإمام قاعدٌ لا يعد مخالفة تبطل الصلاة.
قالوا: إن ذلك جائز على الإطلاق من غير تفصيل كما زعمتم.
قلنا: إنا لا ننكر جوازه من جهة الاستحسان كما فصلناه، وأما القياس فالأدلة الشرعية مانعة منه لكن الاستحسان أقوى من القياس وأخص فلهذا عوَّلنا عليه.
المسألة الثانية: هل يجوز أن يصلي اللابس خلف العريان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك ممنوع، وهذا هو قول أئمة العترة الهادي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
والحجة على ذلك: هو ما ذكرناه من أن الواجب ألا يخالف الإمام وهذه مخالفة، ومن جهة أن الإمام يكون أفضل من المأموم لكونه صار إماماً له فلهذا قضينا بفساد هذه الصلاة.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن زفر من أصحاب أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره كاللابس بمثله والقائم بمثله ولا شك أن العريان معذور فصلاته صحيحة لنفسه لأجل العذر وإذا صحت له صحت لغيره.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من منع ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن الستر لا يتركه(1)
__________
(1) في الأصل ما لفظه: (أن ترك الستر لا يتركه...) إلخ، وهذا غير متطابق مع المقصود الذي هو (أن الستر لا يتركه) فلزم حذف كلمة (ترك) والله أعلم.

إلا العاجز فلا يجوز الاقتداء بالعاجز كالمتطهر خلف المحدث والسليم عمن به سلس البول، والأفضل إذا عجز الإمام عن القيام وعن الستر أن يستخلف في الصلاة من هو قادر على القيام وقادر على اللباس.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره كاللابس لمثله.
قلنا: العريان معذور في حق نفسه وليس معذوراً في حق غيره، وهذا التقدير والتناهي في التصوير في الصلاة خلف القاعد للقائم وخلف العريان لمن هو لابس إنما يليق على رأي من يوجب صلاة الجماعة إما على الأعيان وإما على الكفاية، فأما من يقول: بأنها سنة فالكلام في هذه المسائل إنما هو على ما تقتضيه فتوى فيمن هذه حاله، والأفضل إذا كان الإمام قاعداً أو عارياً أن يصلي منفرداً أو بجماعة أخرى، وإنما لم يذهب أصحاب أبي حنيفة إلى القول بالاستحسان هاهنا كما ذهبوا إليه في مسألة صلاة القائم خلف القاعد لظهور الحال في مسألة القعود دون مسألة اللُّبس.
المسألة الثالثة: وهل يجوز أن يصلي المتوضي خلف المتيمم أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن ذلك ممتنع، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو قول محمد بن الحسن.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن عبدالله قال: كنا في غزاة فأصابت عمرو بن العاص جنابة فتيمم فقدمنا إلى أبي عبيدة بن الجراح فروى عن رسول الله أنه قال: ((لا يؤم المتيمم المتوضين )).
المذهب الثاني: جواز ذلك على الإطلاق، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن زفر من أصحاب أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روى عمرو بن العاص أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت على نفسي فتيممت وصليت الصبح بأصحابي فذكرت ذلك لرسول الله فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ))(1)؟
__________
(1) تقدم، وهو مروي في سنن البيهقي1/185، والدار قطني1/178، وأبي داود 1/92 في باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟

فقلت: يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد وقد سمعت الله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }[النساء:29].
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن أصحابه صلوا خلفه وهم متوضون وهو متيمم فدل ذلك على صحة ما قلناه.
المذهب الثالث: جواز ذلك من جهة الاستحسان ومنعه من جهة القياس، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن القياس يقتضي أن الطهارة ركن من أركان الصلاة لا تكون الصلاة صحيحة إلا بها فلو جوَّزنا صحة صلاة المتوضي خلف المتيمم لكنا قد سوغنا الصلاة من غير طهارة كما لو صلى خلف المحدث والحائض والنفساء وهو باطل، وإنما قلنا بجوازه من جهة الاستحسان فلأنه أخص من القياس وأدخل في الاعتماد عليه، وهو خبر عمرو فإنه نص صريح في المسألة فلا وجه لمخالفته فترك القياس والاعتماد على الخبر يكون استحساناً لا محالة.
والمختار: هو العمل على الاستحسان.
والحجة على هذا: هو أن الاستحسان عدولٌ عن القياس إلى الخبر، ولا شك أن الخبر أحق من العمل على القياس؛ لأن القياس نظر القيَّاس، والخبر عن صاحب الشريعة فلا يمكن تساويهما، وأيضاً فإن من حق العمل على القياس ألا يعارضه دليل شرعي من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله ، وهذا القياس فقد عارضه فلهذا توجب الاعتماد على الخبر.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: إن ذلك ممنوع على الإطلاق لحديث عمرو بن العاص حيث [روى أبو عبيدة لمن صلى بهم عمرو] ((لا يؤم المتيمم المتوضين )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على متوضي وضوءه صحيح وعلى متيمم بطل تيممه بنقضه بأمر عارض ينقض التيمم.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من حديث عمرو بن العاص فإنه صلى بأصحابه متيمماً وأقرَّه الرسول على ذلك فدل على الجواز.
قالوا: ذلك جائز على الإطلاق لخبر عمرو بن العاص فإنه قال: [إنه] قال له الرسول : ((صليت بأصحابك يا عمرو وأنت جنب)).

قلنا: ليس الأمر كذلك فإنا قلنا: إن القياس يمنع من ذلك من جهة أن الوضوء ركن من أركان الصلاة لا يمكن تأدية الصلاة إلا به والتيمم خالٍ عن الوضوء فلهذا لم يكن مجزياً من جهة القياس، والاستحسان قاضٍ بجوازه لحديث عمرو بن العاص فلأجل هذا عملنا بالدليلين جميعاً وجعلنا الاستحسان هو المُعَوِّل عليه لما يظهر فيه من القوة فإن الاستحسان نوع من القياس حاضر، وهو ينزل من القياس منزلة الدهن من اللبن وهو واحد من أوديته معول عليه في غاية القوة والظهور فلأجل هذا كان القياس تابعاً والاستحسان متبوعاً كما أشرنا إليه.
المسألة الرابعة: هل يصح ائتمام القارئ بالأمي أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ممنوع، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: هو أن القراءة ركن من أركان الصلاة وشرط في صحتها ويؤيد ما قلنا [حديث]الرسول حيث قال: ((يؤمكم أقراؤكم لكتاب الله )). ومعنى الحديث من كان قارئاً فليؤم، فظاهر الشرط في صحة الإمامة كما لو قال: يفتيكم أعلمكم بالشريعة ويحكم بينكم من يحسن الفصل والقضاء، فكما أن تلك شروط فيما ذكرناه فهكذا حال القراءة تكون شرطاً في صحة الإمامة للصلاة.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو قول الشافعي في الجديد؛ ومحكي عن مالك والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره كالقارئ للقارئ.
والمختار: هو المنع من ذلك، وهو قول أبي حنيفة، والصحيح من مذهب الشافعي.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم إذا لحقه في حال الركوع، فإذا كان أمياً لم يتأت منه ذلك ولأن الرسول قال: ((الإمام ضامن)). ومعنى كونه ضامناً تحمله للقراءة عن المأموم، والمأموم لا يصح منه التحمل.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره كالقارئ للقارئ.
قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولاً: فلأنه معذور في حق نفسه حتى يتعلم القراءة وليس معذوراً في حق الغير.
وأما ثانياً: فلأن ما قالوه معارض بما ذكرناه من الخبر، وهو أحق من القياس فلا يمكن معارضة الخبر بالقياس.
المسألة الخامسة: هل يصح ائتمام السليم بمن به سلس البول وسيلان الجرح أم لا؟ فيه مذاهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على هذا: هو أن الطهارة ركن من أركان الصلاة وشرط في صحتها ولهذا قال : ((لا صلاة إلا بطهور)). ومن هذه حاله فلا وضوء له مع جري الحدث من جهته فالائتمام به يكون بمنزلة من ائتم بالجنب والحائض فلهذا كان باطلاً.
المذهب الثاني: الجواز وهذا شيء يحكى عن زفر من أصحاب أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره كالمتوضي للمتوضي.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من المنع من ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله ((الوضوء مما خرج )) وهذا خارج منه فانتقض الوضوء وتبطل الطهارة فالائتمام به غير صحيح.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قوله: كل من صحت صلاته لنفسه فإنها صحيحة لغيره كالسليم للسليم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنها إنما صحت في حق نفسه للعذر ولا تكلف نفس إلا وسعها، وهذا هو الوسع في حقه فلهذا اغتفر فأما غيره فلا يغتفر في حقه، وصلاة المؤتم متعلقة بصلاة الإمام وصلاة الإمام ناقصة بالإضافة إلى صلاة المأموم فلهذا لم يكن إماماً له لأن المقصود هو حصول الفضل بالجماعة ولا فضل مع النقصان.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الأخبار والقياس فإنه لا يعارض الخبر.
المسألة السادسة: وهل يصح أن يؤم الرجل بالنساء وحدهن لا رجل معهن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((خير صفوف الرجال المقدم وشرها المؤخر وخير صفوف النساء المؤخر وشرها المقدم)) (1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه وصف الصف المقدم من النساء بكونه شراً ولا شك أن الشر منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه فاقتضى ظاهر الخبر النهي عن كونهن في الصف الأول فإذا صلى الرجل بالنساء وحدهن كانت صلاتهن في موضع الصف الأول المنهي عنه فلهذا كانت صلاتهن فاسدة.
المذهب الثاني: أن صلاة الرجل وصلاتهن صحيحة وهذا هو رأي الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن النساء صفهن خلف إمامهن على الحد المشروع في الإصطفاف فجازت صلاتهن من غير فساد كما لو كان معهن رجل.
والمختار: ما عليه علماء العترة من المنع من ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أخروهن حيث أخَّرَهُنَّ الله )). ولا شك أنا إذا قدمناهن في الصف الأول فقد خالفنا ظاهر هذا الخبر وإذا بطلت صلاة النساء بطلت صلاة الإمام؛ لأن كل من قال ببطلان صلاة النساء قال ببطلان صلاة الإمام إذ لا قائل بالفرق؛ ولقوله : ((شر صفوف النساء المقدم )). ولا شك أن الإمام مما يلي الصف المقدم والشر منهي عنه فلهذا كان دالاً على الفساد، فحصل من مجموع ما ذكرناه بطلان صلاة الإمام وبطلان صلاة النساء إذا كان لا رجل معهن لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: صفُّ النساء على الحد المشروع فجازت صلاتهن كما لو كان معهن رجل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن صفهن كان على الحد المشروع لأن من جملة المشروع أن يكون معهن رجل.
__________
(1) ورد الحديث في مسانيد أبي عوانة1/378 وأحمد2/336، وابن أبي يعلى2/354.

وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الأخبار لأن القياس لا يعارض الأخبار ولا يكون للقياس حكم مع الخبر، وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه منع من صلاة الرجل بالنساء اللاتي لا رجل معهن ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مساغ للإجتهاد في مثل هذا وإنما مصدره ما كان من جهة الرسول .
نعم، فإذا كان الرجل معهن ونوى الإمام الصلاة بها وبه أو بهن وبه فلا خلاف بين أئمة العترة وبين الفقهاء في صحة الصلاة بالرجل وبهن لأنه قد وافق المشروع في صحة الصلاة بهن وبه.
المسألة السابعة: وإذا تقرر تحريم الصلاة جماعة بالنساء لا رجل معهن، فإذا قامت المرأة إلى جنب الرجل في شيء من الصفوف فهل تفسد صلاة من عن يمينها وشمالها ومن خلفها من الصفوف ولو كانوا عدة من الصفوف الكثيرة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: فساد ما ذكرناه، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أخّروهن حيث أخَّرهن الله )).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الله تعالى أمر بتأخيرهن وفي هذا دلالة على تحريم القيام بجنبهن والأمر للوجوب إلا لدلالة خاصة، وإن كان واجباً كان ترك الواجب معصية مضادة للقربة بالصلاة.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي ومالك.
والحجة على هذا: وهو جواز صلاة الرجال، وصلاة المرأة هو أن هذه صلاة لو وقف الرجل فيها قدَّام النساء لصحت صلاته فهكذا إذا وقف معهن، دليله صلاة الجنازة.
والمختار: ما قاله أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((شر صفوف الرجال المؤخر وشر صفوف النساء المقدم)). وقد وصفه بالشر والشر منهي عنه والنهي دال على الفساد.

والحجة الثانية: قوله : ((ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ))(1).
وإذا صلى إلى جنبها فقد خلى بها وهذا نهي والنهي دال على الفساد في العبادات خاصة.
الحجة الثالثة: ما روي عن الرسول أنه صلى في بيت أم سلمة فأقام أنساً واليتيم معاً ثم أقام أم سليم خلفهما مع نهيه عن صلاة المنفرد خلف الصف وفي هذا دلالة على أنه لم يكن لها المقام في صف الرجال.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: صلاة لو وقف فيها الرجل قدَّام النساء لصحت صلاته فهكذا إذا وقف معهم دليله صلاة الجنازة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم اشتراك المرأة للرجل في صلاة الجنازة؛ لما روي أن الرسول رأى نسوة في جنازة ولده إبراهيم فقال لهن: ((أتحملن فيمن يحمل ))؟ فقلن: لا. فقال: ((أتصلين على الموتى مع من يصلي))؟ فقلن: لا. فقال: ((أتدلين فيمن يدلي))؟ فقلن: لا. فقال: ((يامفتنات الأحياء ومؤذيات الأموات إرجعن مأزورات غير مأجورات)) (2).
فبطل بما ذكرناه بطلان المشاركة للرجال في صلاة الجنازة بما ذكرناه من الخبر فلا يقاس عليه.
وأما ثانياً: فلأن قياسكم هذا لا يعارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها؛ لأن القياس لا يعارض الخبر كما أوضحناه غير مرة.
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه14/399 وهو في (المستدرك) على الصحيحين1/199، وفي مسند البزار9/272، وأبي يعلى1/133، والحميدي1/19.
(2) رواه عبد الرزاق في مصنفه3/456، وأورده في (الجواهر)1/316 نقلاً عن (الشفاء) عن محمد بن الحنفية عن علي .

المسألة الثامنة: وإذا كانت صلاة الرجال لا تبطل بوقوف المرأة. قال السيد أبو طالب: ومرور المرأة فيما بين صفوف الرجال لا يكون مبطلاً لصلاة الرجال وإنما يبطل بالمشاركة لهم في الصلاة وبأي شيء تكون المشاركة. فالإجماع منعقد على أن نية الإمام كونه إماماً لها تكون مشاركة لا محالة وعلى هذا تبطل صلاتها وصلاة الرجال من عن يمينها ويسارها ومن وارئها من الصفوف، فإذا لم ينو الإمام فهل تكون مشاركة له؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها لا تدخل في الصلاة على جهة المشاركة إلا بأن ينوي الإمام الصلاة بها فإن لم ينو لم تكن داخلة في الصلاة، وهذا هو رأي القاسمية ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الإمام قد لحق صلاته نقص وفساد من جهتها إذا قامت إلى جنبه فوجب ألا يكون الأمر كذلك إلا إذا نوى أن يكون إماماً لها كما أن المؤتم لما كان تفسد صلاته بصلاة الإمام لم تنعقد صلاته بصلاة الإمام إلا إذا نوى الإئتمام به.
المذهب الثاني: أنها تكون داخلة في صلاة الإمام نوى أو لم ينو وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن مالك وزفر.
والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) فأوجب على المؤتم أن يعقد صلاته بصلاة الإمام بالنية ولم يوجب ذلك على الإمام وفي هذا دلالة على أن نية الإمام غير واجبة.
والمختار: أن صلاة المرأة لا تكون مفسدة لصلاة الإمام والمأمومين إلا إذا دخلت معهم على نعت المشاركة ولن تكون المشاركة إلا بأن ينوي الإمام أنه إمام لها فعلى هذا يتعقل دخول الفساد والنقص فأما بمجرد الدخول فلا.

وحجتهم أعني القاسمية والحنفية: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الأصل هو صحة صلاة الإمام والمأمومين ولم يعرض إلا مجرد صيرورة المرأة معهم وهو معصية لأجل مخالفة الأمر والنهي بوقوفها والمعصية مختصة بها لمخالفتها للأمر، وبطلان صلاة الإمام والمأموم إنما وقع بالسراية من جهتها ولا تعقل السراية إلا بنيَّة الإمام أن يكون إماماً لها فلهذا بطلت الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). فأوجب على المؤتم النية ولم يوجبها على الإمام وفي هذا دلالة على أن نيته غير واجبة فلا يشترط في فساد صلاة الإمام والمؤتمين كما قلناه.
قلنا: قد قدمنا فيما سبق أن نية الإمام غير واجبة وإنما لم تكن واجبة للأدلة التي ذكرناها من قبل، ومن جهة أنه لا يلحق صلاة الإمام فساد بصلاة الرجال بخلاف المرأة فإنه يلحق صلاة الإمام والمأمومين فساد بصلاتها فلهذا لم يكن بدٌّ من نية الإمام كونه إماماً لها فافترقا.
المسألة التاسعة: وإذا قلنا ببطلان صلاة الإمام والمأمومين بمشاركة المرأة لهم في الصلاة فهل تكون صلاتها باطلة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاتها باطلة وهذا هو رأي القاسمية.
والحجة على هذا: قوله : ((أخِّرُوهن حيث أخَّرَهن الله )). فظاهر الخبر دال على الأمر ومخالفة الأمر معصية فلهذا كانت عاصية بالتقدم.
المذهب الثاني: أن صلاتها مجزية، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على هذا: هو أن عصيانها في الموقف لا يوجب بطلان صلاتها ولهذا فإنها إذا أمت الرجل كانت عاصية ولا تبطل صلاتها.
والمختار: هو بطلان صلاتها كما هو رأي أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((شر صفوف النساء المقدم)). والشر منهي عنه والنهي يقتضي الفساد فلأجل هذا قضينا بفساد صلاتها لأجل تقدمها.
ومن وجه آخر: وهو أنها عاصية في الموقف مع الرجال كما لو كانت متقدمة على الإمام.

209 / 279
ع
En
A+
A-