المذهب الأول: أن ذلك ممنوع، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تؤم امرأة رجلاً ولا فاجر مؤمناً ))(1).
المذهب الثاني: جواز ائتمام الرجل بها، وهذا شيء يحكى عن أبي ثور والمزني من أصحاب الشافعي وابن جرير الطبري فإنهم جوَّزوا إمامتها في صلاة التراويح إذا كان لا يحفظ القرآن سواها وتكون متأخرة عن الرجال.
والحجة على هذا: قولهم نرى الشرع قد تسامح في هذه النوافل وجعلها متسعة المسالك سهلة المأخذ في مجاريها فلما كان الأمر فيها كما ذكرناه جاز تولي النساء لها مواضبة على هذه النافلة وهي التراويح فلهذا اغتفر إمامة النساء في حقها لما قلناه.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من المنع من إمامة النساء للرجال.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أخِّروهن حيث أخرهن اللّه))(2).
ومن قدمها للإمامة بالرجال فقد خالف ظاهر هذا الخبر فلا جرم كان باطلاً.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: النوافل قد اتسع مسلكها وخفف الشرع أمرها فلهذا جازت إمامة النساء فيها محافظة على أدائها واهتماماً بأمرها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن النوافل كالفرائض في جريها على قانون الصلاة فكما لم تجز إمامة النساء في الفرائض فهكذا لا تجوز في النوافل.
__________
(1) رواه في (سنن البيهقي)3/171، وابن ماجة1/343،و المعجم الأوسط2/64.
(2) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه3/99، وعبد الرزاق في مصنفه3/149، والطبراني في الكبير9/295، وهو في شرح سنن ابن ماجة1/70.
وأما ثانياً: فلأن صلاة التراويح لم تبلغ في التأكيد مبلغاً بحيث تخالف مقصود الشرع فيها في إمامة النساء، فلو قلنا بها لكانت أحق النوافل. ومن العجب أنهم قالوا: إذا أمَّت الرجال في صلاة التراويح فإنها تقعد خلفهم ويأتمون بها لما كانت تحسن قراءة القرآن غيباً، وهذه بدعة لا قائل بها وكيف يقال بإمامتها وهي خلفهم!! فهذا مخالفة لأمر الشرع وحكمه وقد قال : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به )). فإذا كان الإمام خلفهم فكيف يمكن الإئتمام به والتقيد بأقواله وأفعاله فهذا خطأ ومخالفة لمقصود الشرع وأمره وحكمه، ويجوز أن تأتم المرأة بالخنثى المشكل؛ لأنه لابد من أن يكون رجلاً أو امرأة فلا ينفك عنهما وصلاة المرأة خلفهما صحيحة فلهذا جازت، ولا يجوز أن يكون الخنثى إماماً للرجل ولا للخنثى لجواز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلاً فإن صلى الخنثى خلف امرأة فإنا نأمره بالإعادة لاحتمال أن يكون الخنثى رجلاً، فإن لم يعد حتى بان أنه امرأة، فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ وهكذا إذا صلى الرجل خلف الخنثى أمر الرجل بالإعادة لاحتمال أن يكون الخنثى امرأة، فإن لم يعد حتى بان أن الخنثى رجلاً فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ وهكذا إذا صلى الخنثى خلف الحنثى فإنا نأمره بالإعادة، فلو لم يعد حتى بان أنه امرأة أو بان أن الإمام رجل أو بانا امرأتين فهل تلزم الإعادة في هذه المسائل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الإعادة لازمة؛ لأنهم استفتحوا الصلاة وهم شاكون في صحتها فلم تصح بالتبين كما لو دخل في الصلاة وهو شاك في دخول الوقت وبان أن الوقت قد دخل.
وثانيهما: أن الإعادة غير لازمة؛ لأنهم صلوا خلف من تصح صلاتهم خلفه بالإنكشاف والتَّبين.
والمختار: هو الثاني لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا فجران في يوم )). وهذه لها نظائر منها: أنه لو باع مال أبيه وهو يظن أنه حي فبان أنه كان ميتاً فهل يصح البيع أم لا؟ ومنها أنه إذا اشترى وكيله شيئاً ثم باعه على تَوَهُّمٍ أنه لم يكن قد اشتراه وكيله ثم بان أنه قد اشتراه فهل يصح؟ فيه الوجهان اللذان ذكرناهما.
الفرع التاسع: ولا تصح الصلاة خلف المحدث ولا خلف الجنب لأنهما ليسا من أهل الصلاة لأجل حدثهما ولأن الطهارة من شرط صحة الصلاة فإن صلى أحد خلفهما ولم يعلم بحالهما ثم علم بعد ذلك فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الإعادة غير لازمة للمؤتم وهذا محكي عن طائفتين:
الطائفة الأولى: من الصحابة رضي الله عنهم علي وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس.
الطائفة الثانية: التابعون الحسن البصري والنخعي وابن جبير، ومن الفقهاء الشافعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور.
والحجة على هذا: ما روى أبو بكرة(1)
عن الرسول أنه دخل في صلاة الفجر ثم أحرم الناس خلفه فذكر أنه جنب فأومأ إليهم أن مكانكم ثم خرج واغتسل وجاء ورأسه يقطر ماءً وأحرم بالصلاة ولم يأمرهم بالإعادة وإنما لم يأمرهم وأومأ إليهم لأن الكلام إلى المصلي يكره.
المذهب الثاني: أن الإعادة واجبة على المؤتم، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن طائفتين:
الطائفة الأولى: التابعون وهو محكي عن الشعبي وابن سيرين وحماد.
الطائفة الثانية: الفقهاء وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) اسمه: نُفيع بن متروح بن كلدة، ويقال: نُفع بن الحارث، قال في (الاستيعاب): ذكره أحمد بن زهير في موالي النبي سكن البصرة ومات بها سنة 51هـ، وكان ممن اعتزل يوم الجمال، وكان ممن شهد على المغيرة، فلم تتم تلك الشهادة فجلده عمر ثم سأله الإنصراف عن ذلك فلم يفعل وأبى فلم يقبل له عمر شهادة. اهـ.4/1530.
والحجة على هذا: هو أن المؤتمين صلوا من غير إمام فصار كما لو صلوا خلف الإمرأة والكافر ولأنهم صلوا خلف من لا تصح منه الصلاة وهو على حالته تلك من الجنابة والحدث فصار كما لو صلوا خلف النفساء والحائض.
المذهب الثالث: أن الإمام إن كان عالماً بجنابته وحدثه لم تصح صلاة المؤتمين به، وإن كان غير عالم صحت صلاتهم وهذا هو المحكي عن مالك، وقول آخر للشافعي وليس مشهوراً عنه.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان عالماً بجنابته وحدثه فهو غير معذور في صلاته فلهذا بطلت صلاتهم، وإن كان غير عالم بما ذكرناه من الحدث فهو معذور فلهذا حكمنا بصحة صلاتهم.
المذهب الرابع: أن حدث الإمام إن كان جنابة وجبت عليهم الإعادة وإن كان حدثه عير جنابة لم تجب عليه الإعادة.
والحجة على هذا: هو أن حدث الجنابة أغلظ من نقض الوضوء فلهذا كان تأثيرها في فساد صلاة المؤتمين بخلاف ما إذا كان الحدث نقض الوضوء فإنه إنما يؤثر في بطلان صلاة الإمام دون المؤتمين.
والمختار: بطلان صلاة الإمام لأجل حدثه دون صلاة المؤتمين كما رأى أمير المؤمنين وغيره من جلة الصحابة والتابعين.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا سهى الإمام فصلى بقوم وهو جنب فقد مضت صلاتهم ثم يغتسل هو ويعيد وإن كان على غير وضوء فمثل ذلك)) (1).
الحجة الثانية: ما روي عن أبي بكر وعمر أنهما فعلا ذلك ولأنه ليس على حدثه من الجنابة أمارة تدل عليه فلهذا كانوا معذورين فلا تجب عليهم الإعادة.
الحجة الثالثة: ما روى البخاري في صحيحه عن الرسول أنه قال: ((إنكم تصلون بهم فما صلح فلكم ولهم وما فسد فعليكم دونهم))(2).
__________
(1) رواه الدارقطني في السنن1/364، وهو في (فيض القدير)3/136، وفي تخريج أحاديث الهداية1/174.
(2) روى الحديث عن أبي هريرة ابن حبان في صحيحه5/607، وجاء في سنن البيهقي2/396، والدارقطني2/55، ومصنف عبدالرزاق2/379، ومسند أحمد2/355.
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أوجب الفساد على الأئمة دون المؤتمين، وفي هذا دلالة على ما قلناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن المؤتمين صلوا خلف من لا صلاة له كالحائض والنفساء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الحائض والنفساء لا تجوز الصلاة خلفهما للرجال سواء كانتا طاهرتين أو في حال الحيض فافترقا(1).
وأما ثانياً: فلأن هذا القياس لا وجه له ولا عمل عليه مع ما رويناه من تلك الأخبار فإن من شرط العمل على القياس ألا يعارض شيئاً من الأدلة الكتاب والسنة والإجماع.
ومن وجه آخر: وهو أن صلاة المؤتمين ظاهرها الصحة فلا يقدم على فسادها إلا بدلالة ولا دلالة تقتضي فساد صلاتهم.
قالوا: إن كان حدث الإمام جنابة بطلت صلاة المؤتمين، وإن كان حدث الإمام نقض الوضوء لا غير لم تبطل صلاة المؤتمين؛ لأن حدث الجنابة أغلظ ولهذا أثر في وجوب الغسل بخلاف نقض الوضوء فإنه إنما يؤثر في تطهير الأعضاء لا غير فلهذا أثرت الجنابة في وجوب الإعادة على المؤتمين ولا يؤثر نقض الوضوء في حقهم.
قلنا: نحن لا ننكر أن الجنابة أغلظ حكماً من نقض الوضوء لكنا نقول أن الأخبار التي رويناها لم تفصل بين نقض الوضوء وبين الجنابة وأن الإمام معذور بالنسيان فلهذا لم تجب عليهم الإعادة.
قالوا: إن كان الإمام عالماً بالجنابة وبالحدث وجبت على المؤتمين الإعادة، وإن كان غير عالم لم تجب عليهم الإعادة.
قلنا: ليست المسألة مفروضة إلا مع النسيان وعدم العلم فأما إذا كان الإمام عالماً بحدثه وبجنابته بطلت عليهم وعليه؛ لأنهم صلوا من غير إمام فلهذا كانت باطلة في حقه وحقهم.
الفرع العاشر: في من نقص عقله بالصغر أو بالجنون أو بالسكر هل تصح إمامتهم في الصلاة أم لا؟ فيه أحكام ثلاثة نفصلها بمعونة الله:
__________
(1) الغرض القول: فلأن المرأة لا تجوز الصلاة خلفها للرجال، سواء كانت طاهرة أو في حال الحيض والنفاس.
الحكم الأول: في الصبي. والصبي إذا كان ابن سبع سنين أو ثماني سنين وهو مميز من أهل الصلاة هل تصح إمامته للبالغين في الفرض والنفل أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن إمامته غير صحيحة للبالغين، وهذا هو رأي الهادي والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم والمجنون)) (1).
ولأنه غير كامل العقل فلا يصح أن يكون إماماً كالمجنون ولأنه غير مخاطب بأحكام الشريعة فلا تكون واجبة عليه فيصير المؤتم كأنه ائتم بغير إمام.
المذهب الثاني: أنه إمامته مجزية للبالغين، وهذا هو ظاهر مذهب القاسم وهو محكي عن الشافعي وله في الجمعة قولان. قال القاسم وتجوز إمامة الصبي إذا راهق وإن لم يحتلم مهما كان محكماً لحدود الصلاة عارفاً بها.
والحجة على هذا: ما روي عن عمرو بن سلمة أنه قال: كنت غلاماً قد حفظت قرآناً كثيراً فانطلق بي أبي وافداً على رسول الله في نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال: ((يؤمكم أقرؤكم لكتاب اللّه )). فكنت أصلي بهم وعلى جنائزهم وأنا ابن سبع سنين أو ثماني سنين(2).
ووجه الحجة من هذا الخبر: هو أن القوم إنما قدموا به على الرسول ليعرفوه أنه أقرأوهم فلما عرف ذلك قال: ((يؤمكم أقرأوكم لكتاب اللّه)). ولا أقرأ هنالك غيره فكأنه قال: يؤمكم هذا.
المذهب الثالث: أنه يجوز أن يكون إماماً في النفل دون الفرض، وهي الرواية الثانية عن أبي حنيفة فإنه قال: إن صلاة الصبي غير صحيحة وإنما يؤمر بها على جهة التعويد والتمرين[وهو قول مالك] وعلى هذا لا تصح إمامته. وروي عنه أنه قال: صلاة الصبي صحيحة. وعلى هذا تصح إمامته.
__________
(1) تقدم في المجلد الأول ص (806 و910).
(2) أخرجه أبو داود1/195 في باب من أحق بالإمامة، وفي مختصر المختصر1/79 في إمامة الصبي.
والحجة على ما قاله مالك: فإن المروي [عنه] أن صلاته صحيحة في النفل دون الفرض هو أنه غير مكلف فلا تكون الصلاة واجبة عليه؛ لأنه غير مخاطب بأحكام الشرع فلا يتعقل منه الفرض فلهذا كانت صلاته نافلة.
والمختار: ما قاله القاسم من جواز إمامة الصبي في الصلاة، وهو مبني على صحة إسلام الصبي، وقد قررنا فيما سبق أنه لا يمتنع في حق بعض الصبيان كمال عقله وإيمانه بالله ويكون مكلفاً عند الله لكنا لا نحمله على أداء هذه التكاليف الشرعية إلا بإحدى العلامات الدَّالة على بلوغه من الإنبات والاحتلام وبلوغ خمس عشرة سنة، فإذا كان هذا ممكناً أعني صحة إسلامه دل الخبر على جواز الصلاة خلفه لما كان إسلامه صحيحاً كما قررناه، فأما ما قاله أبو العباس من حمل كلام القاسم على بلوغ الصبي فظاهر كلامه يخالفه ولا حاجة إلى تأويله بما لا يدل عليه ظاهر كلامه فإن العمل على ظاهر كلام المجتهد أحق من حمله على ما لم تدل عليه دلالة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول : ((رفع القلم عن ثلاثة )). ومن جملتهم الصبي.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على الصبي الذي لا كياسة له ولا تمييز ومن هذه حاله فلا تجوز له إمامة الصلاة.
وأما ثانياً: فلأن الخبر معارض بما رويناه عن عمرو بن سلمة وخبر عمرو أصرح بالمراد وأدل على المقصود من خبركم فلهذا كان التعويل عليه أحق؛ لأنه خاص في جواز الصلاة وفي بيان السِّن فلهذا كان أرجح.
قالوا: تجوز إمامته في النفل دون الفرض.
قلنا: هذا مبني على إن إسلامه غير صحيح فإذا صح إسلامه كان إماماً في الفرض والنفل، وروي عن عائشة أنها قالت كنا نأخذ الصبيان من المكاتب ليصلوا بنا قيام رمضان. فإن كان غرضها الفرائض في رمضان فمذهبها جواز إمامته في الفرائض والنوافل، وإن كان غرضها التراويح لم يكن إماماً في الفرائض فكلامها محتمل، وهي لا تقول بهذا إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله من العبادات فلا مدخل له في الاجتهاد.
الحكم الثاني: في المجنون. والمجنون ينظر في حاله فإن كان فساد عقله مُطْبِقاً في كل أحواله بحيث لا يُفيق فإنه لا تصح الصلاة خلفه لأنه ليس من أهل الصلاة ولا يخاطب بها، وإن كان يُفيق في حالة دون حالة فهو الذي يقال له الصرع فإن صلى في حال الإفاقة جازت صلاته لأنه كالصحيح، وإن كان له حالة إفاقة وحالة جنون فصلى رجل خلفه ولم يدر في أي حاليه صلى فهل تجب عليه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الإعادة واجبة عليه؛ لأن الجنون بعد طريانه صار أصلاً فالظاهر هو الجنون.
وثانيهما: أن الإعادة غير واجبة؛ لأن الأصل هو العقل والجنون طارئ فلهذا كان التعويل عليه، والأمران مُحْتَمَلان كما ترى.
الحكم الثالث: السكران. ولا يجوز أن يكون إماماً للصلاة سواء كان سكره مبطلاً لعقله أو غير مبطل لقوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى }[النساء:43]. ولأنه متغير العقل فلا تصح إمامته كالمجنون.
الفرع الحادي عشر: في صلاة الأنقص حاله بمن كمل حاله ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في صلاة القائم خلف القاعد، حكي عن إسحاق وأحمد بن حنبل أن القائم يقعد بقعود الإمام.
وحجته على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). ولأن المأموم تابع للإمام فلا يخالفه، وعند أئمة العترة وسائر الفقهاء أن المأموم لا يقعد بقعوده إذا كان قادراً على القيام وهذا هو المختار؛ لأن المأموم قادر على القيام وهو فرض من فروض الصلاة؛ لقوله[ ] لعمران بن حصين: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)). وهذا قادر على القيام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: قال رسول الله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)).
قلنا: إنما أراد بكلامه هذا وجوب المتابعة كما قال : ((لا تختلفوا على إمامكم )). ولم يرد أن الإمام إذا قعد لعذر توجه على المأموم القعود مع القدرة على القيام، فإذا كان المأموم لا يقعد بقعود الإمام فهل يجوز له الاقتداء مع قعوده؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يجوز له الاقتداء به، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن مالك ومحمد بن الحسن.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا نهي والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ومن صلى قائماً خلف قاعدا فقد خالفه.
المذهب الثاني: جواز ذلك على الإطلاق، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن زفر من أصحاب أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي أن رسول الله صلى قاعداً في مرضه وصلى المسلمون خلفه قياماً وقال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً)). وروي عنه أنه سقط من فرس فصلى قاعداً وصلى المسلمون خلفه قياماً(1)
__________
(1) روُي الحديث عن أنس قال: سقط رسول الله عن فرس فجحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعداً فصلينا وراءه قعوداً... الحديث، أخرجه الستة، واللفظ للصحيحين، وفيه رواية عن جابر قال: ركب رسول الله فرساً بالمدينة فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه...الحديث، رواه أبو داود، وفيه روايات أخر.
فهذان الخبران دالان على ما قلناه من اختلاف حال الإمام والمأموم في القيام والقعود.
المذهب الثالث: منع ذلك من جهة القياس وجوازه من جهة الاستحسان، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، والاستحسان هو: أخص من القياس وأدخل في الإعجاب وهو ترك وجه من وجوه القياس لوجه أقوى منه. وقد أنكر الشافعي الاستحسان وقال: من استحسن فقد شرَّع. وعول عليه أبو حنيفة وأصحابه في كثير من المسائل الفقهية.
وحجتهم على ما قالوه: هو أن القياس يقتضي منعه من جهة مخالفة المأموم لإمامه في كون الإمام قاعداً والمأموم قائماً، وهذه مخالفة قد كرهها الشرع وأباها فلهذا منعوه من جهة القياس والاستحسان فإنه يقتضي جوازه من جهة ما كان من جهة الرسول من قعوده والناس قيام خلفه في مرضه، ومن جهة أمور قياسية أوجبت الجواز فهذا تقرير وجه الاستحسان عندهم.
والمختار: ما قاله أصحاب أبي حنيفة من أن القياس يقتضي المنع من جهة أن الإمام ينبغي أن يكون أكمل حالاً من المأموم أو مساوياً له لما روي عن الرسول أنه قال: ((الإمام وافد فقدموا أفضلكم)). ولا فضل مع نقصان حاله عن حال المأموم بكونه قائماً والإمام قاعد فلهذا كان ممنوعاً من جهة القياس، وأما من جهة الاستحسان فهو جائز وبيانه بما ورد عن الرسول أنه صلى قاعداً والمسلمون خلفه قيام وقال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعداً قصلوا قعوداً)). لكنه معذور في القعود وهم غير معذورين فلهذا ساغ قيامهم وهو قاعد، ويؤيد ما ذكرناه على العمل على الإستحسان في الجواز هو أن القيام ليس شرطاً في صحة الصلاة ولهذا فإنه لو أدركه راكعاً أجزأه وكان داخلاً في الصلاة فلأجل هذا عوَّلنا على الاستحسان لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا نهي والنهي يقتضي الفساد.
قلنا: عن هذا جوابان: