ومن وجه ثالث: وهو أن ذلك ربما وقع على وجه التقية لأن الخبيث كان شديد الجرأة عظيم السطوة على أهل الدين وما كان واقعاً على هذه الصفة فلا حجة فيه، وقد اجترأ على سعيد بن جبير بالقتل لما عرَّفه قدره وفسقه ولم تأخذه في الله لومة لائم، ولله در علماء الدين وأهل الصلابة في ذات الله تعالى ما أنفذ عزائمهم وأشد شكائمهم على أعداء الله والمخالفين لأمره، ومما يحكى من وقاحته وعظم جرأته على الله تعالى وعلى تغيير كتابه الكريم أن لسانه سبق في مقطع سورة العاديات إلى فتحه إن من قوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ }[العاديات:11]. فأسقط اللام في قوله: {لَخَبِيرٌ}. فأما الجعفران من الفئة العدلية المعتزلة فقد قالا: بأنه لا يصح إقامة الجمعة والعيدين وسائر الصلوات خلف الفسَّاق كما رأى أهل البيت، ومحكي عن مالك خلافاً لما قاله أصحابهما من المعتزلة، ويؤيد ما قلناه قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ }[هود:113]. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولأن الفاسق صار من أهل العداوة لله تعالى ومن أهل الوعيد والفجور فلا تجوز الصلاة خلفه كالكافر.
الفرع الرابع: في فسق التأويل. ونعني بالفاسق المتأوَّل من يكون مجانباً للكبائر لكنه اعتقد اعتقاداً خطأ يوجب فسقه، وهذا نحو الخارجي والناصبي فإن الخروج على إمام الحق ومنعه عن التصرف فيما له الولاية عليه فسق بالإجماع لكنه اعتقد حلَّه بشبهة طرت عليه فاعتقد حلَّه وجوازه، فمن هذه حاله فإنه لا تجوز الصلاة خلفه لجرأته على الدين ونبذ بيعة الإمام العادل ومنعه عن التصرف، وجهله بفسقه لا يجوز عذراً في جواز الصلاة خلفه. قال الإمام زيد بن علي: لا تصلي خلف الحرورية ولا المرجئة ولا القدرية ولا من نصب حرباً لآل محمد. وأراد بالحرورية فرقة من الخوارج وحرورا قرية من قراهم، وأما المرجئة فهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل وهم فرق كثيرة، وأما القدرية فهم المجبرة، وأما النواصب فهم الذي نصبوا العداوة لآل محمد وأخافوهم وشردوهم إلى أقاصي البلاد وأقطارها، وهؤلاء هم بنو أمية وبنو العباس فإنهم اعتمدوا على عداوة الفاطمية لما قاموا عليهم وأرادوا فطامهم عن ظلمهم وفسقهم فنصبوا العداوات لهم وفعلوا بهم الأفاعيل المنكرة من قتل وطرد وحبس، فمن هذه حاله فأقل أحواله أن لا تجوز الصلاة خلفه لما هم عليه من الظلم والفسق وعداوة أولياء الله وأهل خاصته من العترة الطاهرة فإنهم أقاموا السنن وأماتوا البدع وجاهدوا في الله حق جهاده حتى لقوا الله وقد رضي عنهم وروضوا عنه: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السجدة:17]. ويلحق بفساق التأويل الذين قالوا بفسق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم واعتقدوا إكفارهم فإنهم اعتقدوا كفرهم وفسقهم بشبهة طرت عليهم واعتمدوا عليها في مخالفتهم لأمير المؤمنين كرم الله وجهه في الإمامة والتقدم واعتقدوا أن تقدمهم عليه يكون كفراً وفسقاً فعولوا على ذلك، وما هذا حاله فهو خطأ وضلالة فإن الخطأ فيما هذا حاله لا يكون كفراً ولا فسقاً
فإقدامهم على هذه المعصية يكون فسق تأويل لما ذكرناه من هذه الشبهة وكيف لا وإسلامهم وإيمانهم مقطوع به، فلا يخرجون عن ذلك إلا بدلالة واضحة وأمر بيِّنٍ وما ذكروه لم تدل عليه دلالة شرعية في كونه كبيرة ومطلق الخطأ لا يوجب قطع الولاية ولا تنقطع الولاية إلا بالإقدام على كبيرة قد دل الشرع على كبرها، فمن هذه حاله في سبهم واعتقاد إكفارهم وفسقهم لا تجوز الصلاة خلفه لجرأته على الله تعالى في الإقدام على الكفر والفسق على من ظهر إسلامه وإيمانه فضلاً عمن له هذه الدرجة عند الله بالصحبة للرسول والجهاد بين يديه وعنايته في ظهور الإسلام والجهاد لأعداء الله وإبانة السنن ومحو البدع فالخطيئة في حقهم تعظم لا محالة، وقد قال : ((لا يؤمكم ذو جرأة في الدين)). وأي جرأة أعظم من اعتقاد هلاك من له الفضل والسبق إلى الإسلام والهجرة وإحراز الفضائل والمراتب العالية والانفاق في الجهاد وبذل النفوس والأموال لله تعالى ولرسوله وقد قال : ((لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهباً ما بلغ مُذّ أحدهم ولا نصيفه ))(1).
فنعوذ بالله من الجهل والخذلان.
الفرع الخامس: في حكم الصلاة خلف أهل البدع والضلالات.
اعلم أن المخالفين لنا من أهل القبلة فرق كثيرة فيما يتعلق بمسائل الديانة، وجملة ما نذكره من ذلك فرق ست:
الفرقة الأولى: من خالفنا في الصفات وقال بقدم القدرة والعلم والحياة والإرادة، وهؤلاء هم الأشعرية ومن وافقهم من طبقات المجبرة.
الفرقة الثانية: الذين خالفونا في الرؤية، وهم الفقهاء من الشافعية وحكوها عن الشافعي وحكاها البويطي عنه.
الفرقة الثالثة: القائلون بقدم القرآن، وحكي عن الشافعي أنه قال: من قال أن القرآن مخلوق فقد كفر.
الفرقة الرابعة: القائلون بأن أفعال العباد متعلقة بقدرة الله تعالى، وأن الله هو المتولي لإيجادها وفعلها.
__________
(1) أخرجه البخاري3/1343، والبيهقي في السنن10/209، وأبو داود4/214.
الفرقة الخامسة: الذين قالوا بأن الاستطاعة مع الفعل وأن القدرة موجبة
الفرقة السادسة: الذين قالوا إن الله تعالى مريد للواقع من أفعال العباد كلها حسنها وقبيحها. وهذه المقالات كلها محكية عن الأشعرية وطبقات المجبرة ثم إن للناس في مقالاتهم هذه مذهبين:
المذهب الأول: إكفارهم بهذه المسائل، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة وشيوخ المعتزلة الأكثر منهم.
المذهب الثاني: أنهم لا يكفرون بهذه المسائل لظهور الاحتمال فيها، وهذا هو رأي المؤيد بالله وأبي الحسين البصري من المعتزلة. فإذا تمهدت هذه القاعدة فمن كفرهم فإنما يكون إكفارهم من جهة التأويل ومن لم يكفرهم فهم باقون على الإسلام والدين.
والمختار: أن الصلاة خلف هؤلاء جائزة إذا سلموا عن ملابسة الكبائر وظهور الخلل في العدالة مع كونها مكروهة(1)
فأما الإجزاء فهي مجزية؛ لأن كل من قال بإكفارهم فإنما يكفرهم بالتأويل مع كونهم من أهل القبلة محرزون للعدالة، ومن هذه حاله فالصلاة جائزة خلفه كالذين سلموا عن الاعتقاد لهذه الجهالات ومن قال بأنهم سالمون عن الإكفار فلا كلام فإنهم من جملة المسلمين، فحصل من مجموع ما ذكرناه جواز الصلاة خلفهم على كل قول كما جازت روايتهم للأخبار وكما جازت شهاداتهم، بل نقول إن الصلاة أخف حكماً من الشهادة وقبول الخبر فإذا جاز فيهما جاز في حق الصلاة أولى وأحق، ويؤيد ما ذكرناه أنا لو مُنِعْنَا من الصلاة خلفهم لأدَّى إلى انقطاع الولاية بين المسلمين، والمعلوم من دين الرسول خلافه.
__________
(1) أي الصلاة خلفهم.
ومن وجه آخر: وهو أنهم قد نظروا في هذه الأدلة وأدَّاهم نظرهم إلى هذه الاعتقادات الرديَّة فقد نظروا ولكنهم قصروا في النظر وأخطأوا في الإصابة فخطأهم بعد الاجتهاد يعذرهم عن الكفر ولا يطرق خللاً في أصل العدالة لا يقال فإذا كان نظرهم وخطأهم في النظر يعذرهم عن الإكفار فقولوا بأن الملاحدة والفلاسفة والمعطلة والدهرية نعذرهم عن الإكفار فقد نظروا مثل نظر هؤلاء؛ لأنا نقول ولا سواء فإن هؤلاء من أهل القبلة ومقرون بالشرائع وبما جاءت به الرسل صلوات الله عليهم فلهذا كان خطأهم يعذرهم عن الإكفار مع بقائهم لاعتقاد الشريعة والنبوة والقرآن بخلاف غيرهم من الفرق الكفرية فإنهم ليسوا من أهل القبلة ولا داينون بالشريعة ولا مقرون بما جاءت به الرسل صلوات الله عليهم بل لهم اعتقادات في حدوث العالم وفي إثبات الصانع وصفاته وفي النبوات يخالف ما عليه أهل الإسلام فلهذا لم يكونوا معذورين عن الإكفار.
الفرع السادس: في حكم الخلاف في المسائل الاجتهادية.
اعلم أن الذي عليه أهل القبلة من أئمة العترة وجماهير المعتزلة وطبقات الفقهاء الحنفية والشافعية والمالكية وغيرهم من الفرق هو تصويب الآراء في المسائل الخلافية والمضطربات الفقهية في المسائل الإجتهادية ونريد بالحكم الإجتهادي هو الذي ليس عليه دلالة قاطعة وهذه المسألة قد أوردناها في الكتب الأصولية وأنهينا القول فيها نهايته، ونزيد هاهنا وهو أن الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم ما زالت مجالس الاشتوار تجمعهم وتفرقهم في مسائل التحليل والتحريم ومسائل الفرائض وكل واحد منهم يفتي بفتوى تخالف مذهب صاحبه من غير نكير من أحد منهم على الآخر بل ربما يصرح ويقول: تقول برأيك وأقول برأيي، كما كان في مسألة الحدود ومسألة الحرام وغيرهما من المسائل الخلافية، وفي هذا دلالة على القول بالتصويب فإذا تمهدت هذه القاعدة وكان التصويب شاملاً في مسائل الاجتهاد فهل يصح الإقتداء في مسائل الطهارة ومسائل الصلاة أم لا؟ فيه أقول ثلاثة:
القول الأول: أنه يجوز إلا أن يعلم أن الإمام ترك شيئاً من فروض الصلاة أو أخل بشرط من شروط الطهارة فإنه لا يجوز الائتمام، وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي فإنه قال: إذا كان هاهنا رجلان أحدهما يرى أن هذا الماء نجس أو مستعمل والآخر يرى أنه طاهر مطهر جاز لمن يرى أنه طاهر غير مطهر أو نجس أن يصلي خلف صاحبه ما لم يعلم أنه طهر بذلك الماء، وهكذا القول فيما أشبهه من الاختلاف في العبادات.
القول الثاني: أنه لا يجوز الإئتمام بمن ذكرناه وإن أتوا بجميع الواجبات في الطهارة والصلاة؛ لأنهم ولو أتوا به فإنهم يعتقدون أنه نافلة ولا يعتقدون وجوبه فلهذا لم يصح الإئتمام بهم.
القول الثالث: أنه يصح الإئتمام بهم وإن لم يأتوا بشيء من الواجبات عند من خالفهم لأنه محكوم بصحة صلاتهم في الشرع ولهذا فإنهم لا يفسقون بترك الصلاة ولا يؤمرون بقضائها فدل ذلك على وقوع الإجزاء في حقهم وفي حق غيرهم ممن اقتدى بهم، وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب والإمام المنصور بالله وقاضي القضاة عبدالجبار بن أحمد والغزالي، وهذه الأقوال الثلاثة محكية عن بعض أصحاب الشافعي.
ولنضرب في ذلك أمثلة ليتضح الأمر فيما نريده:
المثال الأول: إذا كان القاسم يرى أن الماء القليل لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة وهو دون القلتين ثم توضأ بما خالطته النجاسة من غير تغير فهل يجوز الاقتداء به في الصلاة أم لا؟
المثال الثاني: إذا توضأ الناصري والشافعي بما هو قلتان وقد وقعت فيه نجاسة لم تغيره فهل يجوز لمن يرى ذلك نجساً في حقه أن يأتم بهما أم لا؟
المثال الثالث: إذا احتجم الناصري والشافعي بعد الوضوء ثم تقدما للصلاة اعتماداً على أن الحجامة غير ناقضة للوضوء فهل يجوز لمن لا يرى ذلك أن يأتم بهما أم لا؟.
المثال الرابع: إذا ترك الحنفي النية في الوضوء أو أخل بترتيب أعضاء الطهارة أو ترك قراءة سورة الفاتحة ثم تقدم للصلاة فهل يجوز لمن لا يرى ذلك أن يأتم به أم لا؟.
المثال الخامس: إذا أمَّن الشافعي عقيب قراءة الفاتحة فهل يجوز لمن يرى أن ذلك مفسد للصلاة الاقتداء به أم لا؟. وهكذا القول في جميع المسائل الخلافية في العبادات تجري على ما ذكرناه من الأقوال الثلاثة.
الفرع السابع: في بيان المختار من هذه الأقوال الثلاثة فيما يعرض من المسائل الخلافية في العبادات، فنقول: القوي من جهة النظر الشرعي والتصرف الأصولي جواز الإئتمام بمن خالف مذهبه مذهب المؤتم سواء علم المؤتم بالمخالفة أو لم يعلم، ونورد على ذلك حججاً نفصلها:
الحجة الأولى: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم ))(1).
__________
(1) تقدم تخريج الحديث.
فنهى عن المخالفة للإمام على الإطلاق ولم يفصل بين أن يكون مذهب الإمام مخالفاً لمذهب المأموم أو غير مخالف فظاهره دال على صحة ما قلناه من وجوب المتابعة وعدم المخالفة على كل الأحوال.
الحجة الثانية: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا لك الحمد(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أمر باتباع الإمام في أفعاله وأقواله ولم يفصل، فترك الاستفصال فيه دلالة ظاهرة على وجوب المتابعة سواء وافق مذهبه [مذهب] المؤتم أو خالفه.
الحجة الثالثة: قوله : ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا وكونوا أخوانا مسلمين)) (2).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه نهى عن المباغضة والمحاسدة. والمناجشة: بالنون والجيم والشين بثلاث من أعلاها وهو أن يزيد في ثمن المبيع لا ليشتريه ولكن لأن يشتريه الغير بذلك الثمن، وأمر بالتواخي والإسلام ولا شك أن التخلف عن الإمام في الصلاة يؤدي إلى هذه الأمور ويؤدي إلى التقاطع والمباعدة ويورث الشحناء والعداوة ولم يفصل بين أن يكون موافقاً له في مذهبه أو مخالفاً له وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من صحة الائتمام.
الحجة الرابعة: هو أنا قد دللنا فيما سبق على حصول التصويب في المسائل الخلافية فيما تقتضيه الآراء الاجتهادية بما لا مدفع عنه، وإذا كانت الآراء صائبة كان مذهب الإمام حقاً وصواباً ومذهب المأموم حق وصواب، وإذا كان كلاهما صواباً وحقاً فأي مانع من اقتداء أحدهما بالآخر مع مخالفة مذهب أحدهما لمذهب الآخر والتصويب شامل لهما والحق عام في كل واحد منهما.
__________
(1) تقدم تخريج الحديث.
(2) تقدم تخريج الحديث.
الحجة الخامسة: وهو أن الإجماع منعقد من جهة الأمة على أنه إذا تقدم الرضا في إمامة الصلاة فلا ينبغي التأخر عنه، ولا شك أن كل واحد من أهل هذه المذاهب المختلفة رضا في أفعاله وأقواله ومصيب فيما ذهب إليه واعتقده وعمل عليه وإذا كان الأمر كما قلناه وتقدم للصلاة فإن الواجب عليه هو العمل على ما يؤدي إليه ظنه ويقوى عليه اجتهاده وهو حكم الله عليه فلا تجوز له مخالفته والعمل على غيره وفي ذلك حصول غرضنا من جواز الصلاة خلفه، وإن كان عاملاً على مذهبه فلا ينبغي التخلف عنه لأجل مخالفته لمذهب إمامه وتجب عليه متابعته، فهذه الحجج كلها دالة على ما نذهب إليه من جواز الاقتداء بالإمام وإن خالف مذهبه مذهب المؤتم، ثم هاهنا مقام آخر جد ليّ المرامي، وتقريره أنا لو جوزنا للمأموم التأخر عن إمامه في صلاة الجماعة إذا كان مخالفاً لمذهبه لأدَّى ذلك إلى تعطيل صلاة الجماعة واندراس أحكامها وبطلان المواضبة؛ لأن الاختلاف في المسائل الاجتهادية كثير لا يمكن ضبطه وحصره، فلو سوغنا الامتناع من الصلاة لأجل ما يعرض من الاختلاف لأدَّى إلى سدها وإبطالها، ويؤيد ما ذكرناه أن الأمور المجمع عليها في الطهارة والصلاة قليلة نادرة ومواضع الخلاف كثيرة لا يمكن عدها ولا حصرها فلا تكاد مسألة في الأغلب تنفك عن الخلاف بين الأئمة والفقهاء. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المصلي خلف كل إمام ممن ظهرت عدالته وكان له ستر وعفاف وسواء وافقه في المذهب أو خالفه فإنه حاكم على كل من كان إماماً له.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إن علم المؤتم بأن إمامه قد أبطل شرطاً من شروط الطهارة لم يجز الائتمام به، وإن لم يعلم أنه أبطل شيئاً من فروضها أو واجباتها جاز الائتمام به.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأدلة التي ذكرناها في وجوب المتابعة للإمام لم تفصل بين حالة [وحالة] فسواء علم أو لم يعلم في أن الاقتداء واجب عليه بكل حال.
وأما ثانياً: فلأن الإمام إذا كان حنفي المذهب وقدرنا أنه ترك نية الوضوء وقراءة الفاتحة فإنهما ليسا واجبين في حقه فكيف يقال بأنه قد أخلَّ بما هو واجب عليه ومذهب المأموم إنما هو في حق نفسه لا في حق الإمام فالإمام صلاته صحيحة، وإن ترك النية عند الإمام والمأموم جميعاً فكيف يمتنع المأموم عمن صلاته صحيحة عند نفسه وعند المأموم ولهذا فإن المأموم لا يلزمه النكير على الإمام فيما خالفه لما كانت صلاته مجزية له بلا مرية.
قالوا: إن الصلاة غير مجزية، وإن أتوا بجميع الواجبات في الطهارة والصلاة عند من قال بوجوبها؛ لأنهم يعتقدون أنها نافلة وما هذا حاله فإنه مبطل لها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الحنفي لم يعتقد الصلاة نفلاً إذا لم يقل بوجوب قراءة الفاتحة وإنما قال إن قراءة الفاتحة غير واجبة، وفرق بين أن يعتقدها نفلاً فلا تكون مسقطة للفرض عن ذمته مع اعتقاد كونها نفلاً وبين أن يعتقد أن القراءة غير واجبة.
وأما ثانياً: فإذا قال الحنفي إن القراءة غير واجبة في الصلاة وأن النية غير واجبة في الوضوء فهل تكون الصلاة مجزية له مسقطة للفرض عن ذمته أم لا؟ فإن قالوا: إنها غير مسقطة لفرض الصلاة عن ذمته مع هذا الاعتقاد فهذا فاسد فإن الإجماع منعقد مع هذا الاعتقاد على أنها مجزية وعلى سقوطها عن ذمته. وإن قالوا: إنها مجزية له ومسقطة للفرض عنه لأنه قد نظر في الأدلة الشرعية فلم يوصله نظره إلى وجوب النية في الوضوء ولا إلى وجوب القراءة في الصلاة وهذا هو نهاية نظره ولا يكلف سواه وليس على المجتهد إلا النظر في الأخبار والأمارات الشرعية فما أدَّاه نظره إليه عمل عليه فتقرر بما ذكرناه جواز الإقتداء مع اختلاف المذاهب. وقد أطلنا في تقرير هذه المسألة بعض الإطالة وما ذاك إلا لكثرة فوائدها وعظم موقعها.
الفرع الثامن: وهل يجوز أن تكون المرأة إماماً للرجال أم لا؟ فيه مذهبان: