الفرع العاشر: قال الهادي: ولا بأس أن يصلي المطلق خلف المقيد. نص عليه في كتابه (المنتخب).
واعلم أن كل من كان سليماً وصلى خلف رجل مقيد نظرت في حال المقيد فإن كان يمكنه التصرف في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده على الحد المأمور به بأن يكون القيد فسيحاً جازت الصلاة خلفه[لأنه] لا يكون كالمطلق في جميع أحواله والإجماع منعقد على صحة ما ذكرناه، وإن كان لا يمكنه استيفاء هذه الأركان لأجل ضيق القيد كانت صلاته ناقصة وهي مجزية له وليست مجزية لغيره كالمقعد وعلى [هذا] يحمل ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه من النهي عن صلاة المطلق خلف المقيد فلابد من حمله على ما ذكرناه من التفصيل.
قال الإمام المؤيد بالله: ولا بأس أن يؤم الرجل قوماً وفيهم من تكره إمامته إذا كان أكثرهم راضياً. اعلم أن الذي نذكره هاهنا هو الجواز من غير كراهة فأما الكراهة فسيأتي ذكرها في الفصل الثالث، والجواز الذي لا كراهة فيه مشروط بأمرين:
أما أولاً: فبأن يكون الأكثر راضياً فإن كان الأكثر راضياً فلا عبرة به.
وأما ثانياً: فبأن يكون الأكثر الراضي من أهل الصلاح والدين، فإذا حصل هذان الشرطان فلا كراهة هناك والجواز حاصل من غير كراهة وذلك لأن الغالب من حال الخلق هو حصول الإحن والعداوات بينهم والشحناء في القلوب فلابد من اعتبار هذين الشرطين في الجواز فلو لم نعتبرهما لأدى ذلك إلى امتناع الاقتداء؛ لأن مثل هذا لا يعدم على ممر الأوقات، ويؤيد ما ذكرناه قوله : ((قد دب إليكم داء الأمم أما إني لا أقول إنها الحالقة للشعر وإنما هي الحالقة للدين الحسد والبغضاء)) (1).
وقد نجز غرضنا مما نريده ممن تجوز إمامته ونذكر الآن من لا تجوز إمامته في الصلاة والله الموفق.

__________
(1) أخرجه الترمذي 4/664، والبيهقي في(الكبرى)10/232، وأحمد في (المسند) 1/164.

القسم الثاني: في بيان من لا تجوز إمامته في الصلاة.
اعلم أن من تمتنع الصلاة خلفه فهو منقسم إلى:من يمتنع على الإطلاق وهذا نحو الكافر والفاسق المجاهر والمجنون والصبي. وإلى: من تجوز إمامته على حال، دون حال وهذا نحو ناقص الطهارة وناقص الصلاة فتجوز إمامته لمن كان على مثل حاله، ولا تجوز لمن كان أكمل منه حالاً ونحن نفصل هذه الأمور ونشرحها بمعونة الله تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في الكافر المصرح لا تجوز إمامته ونعني بكونه مصرحاً أن الإجماع منعقد على كفره لا يقع فيه اختلاف. واعلم أن الكفار المصرحين بالكفر على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: أهل الكتب المنزلة وهم اليهود وكتابهم التوارة ونبيهم موسى صلوات الله عليه، والنصارى وهم أهل الإنجيل ونبيهم عيسى صلوات الله عليه. وأهل الكتب المنزلة غير اليهود والنصارى كأهل الزبور وصحف شيث(1)
وغيرها، فلا يوجد لهم أثر ولا خبر فلا حاجة إلى الكلام عليها، وهؤلاء كفار لا تجوز إمامتهم في الصلاة لأنهم ليسوا من أهل الصلاة ولا من أهل الملة ولا من أهل الشريعة.
__________
(1) في (تهذيب الأسماء)1/236: شيث النبي صلى الله عليه وسلم، مذكور في التثنية وغيره من هذه الكتب، وهو ابن آدم لصلبه.
…قال ابن قتيبة في (المعارف): قال وهب بن منبه: كان شيث من أجمل ولد آدم وأشبههم به وأحبهم إليه، وكان وصي آدم وولي عهده وإليه انتهت أنساب الناس كلهم، وهو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة، وأنزل ا لله تعالى عليه خمسين صحيفة، وعاش تسعمائة واثنتي عشرة سنة.

الصنف الثاني: الذين لهم شبهة كتاب وهؤلاء هم المجوس فرأي أئمة العترة أنه لا كتاب لهم، ورأي الشافعي أن لهم كتاباً ونبيهم يقال له زرادشت(1) وكانت معجزته أن يصب الصفر المحمَّى على جسمه فلا يضره.
الصنف الثالث: الذين لا كتاب لهم ولا شبه كتاب وهؤلاء هم الملاحدة والمعطلة والدهرية والزنادقة والصابئة وأهل التنجيم وأصحاب علم الهيئة، فأما اليهود فهم موحدة يعتقدون الوحدانية وهم مشبهة لقولهم بالبنوة لعزير كما قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ }[التوبة:30]. وأما النصارى فهم مشركون لقولهم بالأهية عيسى والبنوة له، وأما المجوس فلهم مقالات خبيثة في الصانع وهؤلاء قد اتفق الكل من أئمة العترة وعلماء الأمة على أنهم لا يصلحون لإمامة الصلاة وهذا الفرع قد تعلق به أحكام يليق ذكرها هاهنا:
__________
(1) زعيم ديني فارسي، أسس مذهب الزرادشتية حوالي القرن7،6 قبل الميلاد وكتابه المعروف بالمقدوس مؤلف من الأفيستا أو الزند أفيستا، ومعنى زند: تفسير، والأيستا قانون، وهذا الكتاب حسب ( الموسوعة العربية)922مؤلف من خمسة كتب بعضها مختص بالشعائر وبعضها أناشيد في المدح وأخرى نصوص قانونية، إضافة إلى تفصيلات خاصة بالطهارة، والزرادشتية في أصلها ضرب من الإصلاح لدين فارس الطبيعي، ترمي إلى تنمية الحصاد والرفق بالحيوانات المستأنسة، وقد أضيف إلى هذه الديانة طقوس أخرى أُدخلت عليها لم تكن مقرة كما يبدو من زرادشت، والحديث واسع عن زرادشت وديانته ليس هذا مكانها، راجع المزيد من التفاصيل في (الموسوعة العربية) والمراجع المما ثلة.…افة…افة

الحكم الأول: قد ذكرنا فيما سبق أن الدخول في صلاة الجماعة للكافر ليس حكماً بإسلامه وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره، ويؤيد ذلك ويوضحه ما روي أن رجلاً مر بالرسول وهو يقسم الغنيمة فقال له: يا محمد أعدل فإني أراك لم تعدل. فقال له الرسول : ((ويحك إن لم أعدل فَمَنْ )) (1).
ثم مر الرجل فوجه الرسول أبا بكر وراءه ليقتله فوجده يصلي فقال: يا رسول الله إني وجدته يصلي. فوجه عمر ليقتله فوجده يصلي فقال: يا رسول الله وجدته يصلي. فوجه علياً فقال له النبي إنك لن تدركه فذهب علي فلم يجده.
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول أمر بقتله لأنه نسبه إلى الجور وذلك يوجب كفره وقد علم الرسول بخبر أبي بكر وعمر أنه يصلي فدل ذلك على أن صلاته لا يصير بها مسلماً بنفس الصلاة ما لم يتشهد الشهادتين.
الحكم الثاني: إذا أتى الكافر بالشهادتين على سبيل الحكاية مثل أن يقول سمعت فلاناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. لم يكن هذا إسلاماً منه بلا خلاف بين أئمة العترة وهو رأي الشافعي؛ لأنه حكى ذلك، كما أن من حكى الكفر لا يكون كافراً، وإن أتى بالشهادتين على جهة الإجابة واستدعاء الغير له فإن قال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فقال ذلك وبريء من كل دين خالف دين الإسلام فإنه يحكم بإسلامه عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، وإن أتى بالشهادتين من غير استدعاء من جهة الغير أو أتى بهما في الصلاة أو في الأذان فهل يكون إسلاماً أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: هو الحكم بإسلامه لأنه قد أتى بالشهادتين لا على جهة الحكاية فصار كما لو دعي إليهما فأجاب، وروي أن أبا محذورة وأبا سامعة كانا مؤذنين قبل إسلامهما على جهة الحكاية فلهذا لم يكونا مسلمين بما ذكرناه.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه5/2281، وهو في (السنن الكبرى)8/171.

الحكم الثالث: وإذا صلى الكافر بالمسلمين عُزِّر لأنه أفسد على المسلمين صلاتهم واستهزأ بدينهم فلهذا كان مستحقاً للتعزير، وتجب عليه(1)
الإعادة سواء كان الكافر يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو غير من ذكرناه من الملاحدة والزنادقة لأنه علق صلاته بصلاة باطلة كما لو صلى خلف امرأة، وإنما أوجبنا الإعادة فيمن تظاهر بالكفر كاليهود والنصارى لأمرين:
أما أولاً: فلأن لهم علامة يعرفون بها كالغيار للنصارى والزنَّار لليهود.
وأما ثانياً: فلأنهم لا يحسنون صلاة المسلمين فهاتان علامتان يعرفون بهما فإذا لم يعرفهما المؤتم فقد فرَّط للنظر لنفسه فلهذا وجبت عليه الإعادة، وأما الكافر الملحد الزنديق المسرُّ لدينه فإنما وجبت عليه الإعادة لأنه صلى بمن لا يؤتم به فلا جرم أوجنبا عليه الإعادة.
الحكم الرابع: وإذا أسلم الكافر ثم صلى خلفه رجل فلما فرغ من الصلاة قال: إني كنت قد جحدت الإسلام وارتددت، فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها لا تبطل لأنه إذا عُرِفَ منه الإسلام فلا يزول عن حكمه إلا بأن يسمع الحجود والرِّدَّةِ ولم يسمع ذلك إلا بعد الصلاة وتمامها فلهذا لم يحكم ببطلان الصلاة، وإن كان له حال ردَّةٍ وحال إسلام فصلى خلفه ولم يدر في أي حالتيه وقعت الصلاة فإعادة الصلاة غير واجبة لأن الأصل هو الإسلام والرِّدَّة طارئة فلا يحكم بها إلا بيقين، وإن صلى خلف رجل غريب في دار الإسلام لا يدري هو مسلم أو كافر فلا إعادة عليه لأن الظاهر ممن هو في دار الإسلام هو الإسلام والظاهر ممن يصلي أنه مسلم فلا وجه لوجوب الإعادة.
__________
(1) أي على المسلم الذي صلى خلفه.

الفرع الثاني: في الكافر المتأول هل تجوز إمامته في الصلاة أم لا؟ ونعني بالكافر المتأول من كان مصلياً إلى القبلة مقرَّاً بالتوحيد مصدقاً للرسول فيما جاء به مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر خلا أنه اعتقد اعتقاداً يوجب إكفاره وهذا نحو المجبرة والمشبهة فإنهم مصلون إلى القبلة ناكحون على الشريعة، خلا أنهم اعتقدوا اعتقاداً أوجب كفرهم فالذي عليه الأكثر من أئمة الزيدية والجِلَّة من المعتزلة هو إكفارهم بهذا الاعتقاد من الجبر وهو إضافة أفعال العبد إلى الله تعالى. ومن التشبيه وهو قولهم: إن الله جسم. وحكي عن المؤيد بالله أنه لا يقول بإكفار المجبرة ويقطع بخطأهم لأجل إضافة القبيح إلى الله تعالى، وهو محكي عن الشيخ أبي الحسين من المعتزلة أنهم ليسوا كفاراً، فأما المشبهة فالظاهر من مذاهب العترة وجماهير أهل العدل من الزيدية والمعتزلة أنهم كفَّار لأنهم وصفوا الله تعالى بالصفات الجسمية والله تعالى يتعالى عن ذلك.

والمختار: أن المجبرة لم يثبتوا قبيحاً وأضافوه إلى الله تعالى ولكنهم نفوا الأحكام العقلية كلها فلا قبيح عندهم إلا بالشرع بالأمر ولا أمر في حق الله ولا نهي فلهذا لم يعقل في حقه حسن ولا قبح، وأما المشبهة فالذين صرحوا بالجسمية كفار لا محالة، تعالى الله عن مقالتهم علواً كبيراً، وأما من قال: هو جسم من جهة العبارة دون اعتقاد المعنى فليس كافراً لكنه مخطٍ من جهة اللفظ لأن إطلاقه يوهم الخطأ من غير إكفار. فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: من سَلِمَ من المجبرة عن كل ما يثلم الدين إلا اعتقاد الجبر جازت الصلاة خلفه لأن أمور الديانة في حقه حاصلة ولم يعرض ما يوجب بطلان الصلاة خلفه إلا هذا الاعتقاد وهو غير مبطل، وأما المشبهة فمن اعتقد التجسيم المعنوي وصرح به ودان باعتقاده لم تجز الصلاة خلفه لكونه كافراً مرتداً ومن خالف في اللفظ لا غير جازت الصلاة خلفه إذا سلمت ديانته عما يثلم من سائر الأمور الفسقية في الجوارح، وقد ذكرنا ما يتعلق بالإكفار لهذين الفريقين وأوضحنا الخصال الكفرية في حقهما في كتاب (التحقيق) فمن أرادها باستيفاء فليطالعه فإنه يجد فيه ما يشفي ويكفي بمعونة الله.
الفرع الثالث: في الفاسق المصرح بالفسق هل تجوز إمامته في الصلاة أم لا؟
اعلم أن الفاسق المصرح هو الذي يرتكب الكبائر من غير شبهة، وهذا نحو ملابسة الكبائر وفعلها كشرب الخمر والزنا والسرقة والقذف والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وغير ذلك من أنواع الكبائر الفسقية التي تتعلق بالجوارح فمن هذه حاله فهو مهتوك الستر خارج من ولاية الله تعالى داخل في عداوته تجري عليه الحدود على جهة الإهانة لاختصاصه بغضب الله تعالى وسخطه فيكره أن يكون إماماً للصلاة لما ذكرناه، وهل تكون مجزية أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنها غير مجزية خلف الفاسق المصرح ونعني بالتصريح هو أنه بارتكاب هذه الكبيرة خرج من ولاية الله فليس كافراً ولا هو مؤمن وإنما له اسم بين الاسمين ولا هو مستحق لعذاب الكافر ولا يستحق تعظيم المؤمن فله حكم بين الحكمين وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: قوله : ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه )). ولا جرأة أعظم من ارتكاب الكبائر ومبارزة الله عز وجل بالمعاصي.
المذهب الثاني: أن الصلاة مجزية خلف الفسَّاق وتكره، هذا وهو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ورأي أبي علي الجبائي من المعتزلة. قال قاضي القضاة عبدالجبار بن أحمد: إن الصلاة خلف الفسَّاق مجزية عند مشائخ المعتزلة.
والحجة على هذا: قوله : ((صلوا خلف كل بر وفاجر )). وقوله : ((صلوا خلف من قال لا إله إلا الله )). فهذان الخبران دالان على جواز الصلاة خلف الفسَّاق بظاهرهما فلا حاجة إلى التأويل.
والمختار: ما عليه علماء العترة من منع ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((لا يَؤُمْنَّ فاجر مؤمناً ولا امرأة مؤمناً)). وهذا نهي والنهي يقتضي الفساد فلهذا قلنا ببطلانها وفسادها لما قررناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا خلف كل من قال لا إله إلا اللّه )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإن ظاهر هذا الخبر متروك؛ لأن ظاهره دال على أن كل من أقرَّ بالتوحيد، و لم يقر بالرسالة جازت الصلاة خلفه وهذا باطل لا قائل به، فإذا تأولوه على أن المراد به ومن أقر بالرسالة، فأولناه على أن من ضم إلى التوحيد الإتيان بالطاعات واجتناب الكبائر الموبقات، فليسوا بالتأويل أحق منا.

وأما ثانياً: فلأنه إنما خص كلمة الوحدانية ليس لكونها كافية في الإجزاء لكن من جهة أن الله تعالى بعث الرسول من أجل ألا يعبد غيره فلأجل هذا خص كلمة الوحدانية لما كانت هي الأصل في البعثة وباقي أصول الإسلام مضافة إليها وفرع عليها، فلهذا خصها بالذكر لا من أجل الاستكفاء بها.
ومن وجه ثالث: وهو أن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على منع الفاسق من إمامة الصلاة، وأخبارنا أحق بالقبول عند التعارض لقوة أصلها في الرواية ولكونها دالة على الحظر والمنع وأخباركم دالة على الإباحة، والحظر أحوط للدين خاصة في باب العبادات.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا خلف كل بَرٍّ وفاجر )). وفي هذا دلالة على جواز الصلاة خلف الفاسق.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه متأوَّل على من كان ظاهره الستر والعفاف، وهو فاجر عند الله تعالى لأنه يجوز أن يكون فاسقاً عند الله ولا نعلمه ولا دليل عليه؛ لأنه يجوز عندنا وعند المعتزلة فسق لا دليل عليه، ولا يجوز عند المعتزلة كفر لا دليل عليه.
والمختار: أنه كما يجوز فسق لا دليل عليه جاز أن يكون كفرٌ لا دليل عليه لمصلحة يعلمها الله تعالى ولا نعلمها؛ لأنهما سيان في الجواز وقد قررناه في كتاب (التحقيق في الإكفار والتفسيق).
وأما ثانياً: فلأن المراد جواز أن يكون سترة يصلي إليه ولا يضر صلاة المصلي إذا صلى إلى فاجر غير مقتدٍ به في صلاته وقد أشار إليه القاسم بقوله: ومن شاق الله بكبيرة فواجب أن لا يتخذ سترةً ولا قِبْلةً في صلاته. هذا كلامه وهو محمول على الكراهة دون الإفساد.
قال المؤيد بالله: والإجماع منعقد من جهة أهل البيت على المنع من إمامة الفاسق لا يختلفون فيه وإجماعهم حجة عندنا للآية والخبر.

قالوا: روي عن ابن عمر وأنس بن مالك أنهما كانا يصليان خلف الحجاج(1)
ولا شك في فسقه وارتكابه للمحرمات.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل لا ندري على أي وجه وقعت فهي أقرب إلى الإجمال فلا يصح الإحتجاج بها.
وأما ثانياً: فلأن هذا مذهب لهما وهما من جملة المجتهدين فلا يلزمنا قبول مذهبهما. و[الحجة إنما هي في كلام الله تعالى وكلام رسوله.
__________
(1) الحجاج بن يوسف الثقفي الأمير العربي المشهور، ولاه عبد الملك بن مروان على الكوفة، حاضرة العراق آنذاك، اخضع العراق للأمويين بالعسف والجور، وفي (تهذيب الأسماء)1/158: تكرر ذكر الحجاج في (المختصر) و(المهذب) و(الوسيط) و(الروضة) وهو أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب الثقفي.
…قال ابن قتيبة: هو من الأجلاف، وكان أخفش دقيق الصوت، وأول ولاية وليها: تبالة، فلما رآها احتقرها وتركها، ثم تولى قتال ابن الزبير فقهره وقتله،وصلبه بمكة سنة 73هـ فولاه عبد الملك (ابن مروان) الحجاز ثلاث سنين، ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فوليها عشرين سنة وحطم أهلها وفعل ما فعل، وتوفي بواسط ودفن بها و عفى قبره، وأجري عليه الماء، وكان موته سنة 1095هـ، قتل فيمن قتل عدداً من العلماء، ومنهم التابعي المشهور سعيد بن جبير رحمه الله.

206 / 279
ع
En
A+
A-