وإن ائتم رجل برجل لا يدري هل يحسن القراءة أم لا. كانت صلاته صحيحة لأن الظاهر أنه لا يؤم الناس إلا من يحسن القراءة في الفاتحة، فإن كانت الصلاة مما يجهر بها فلم يجهر هذا الإمام بالقراءة فعلى المأموم أن يعيد الصلاة لأن الظاهر أنه لما ترك الجهر في الصلاة فإنه لا يحسن القراءة لهذا القرينة، فإن قال بعد الفراغ من الصلاة أنا أحسن القراءة وقد قرأت سرّاً لكني نسيت الجهر أو تركته عمداً لم تلزم المأموم الإعادة لأن الظاهر صدق مقالته وأمره محمول على السلامة والصحة ولأنه قد صلى المكتوبة فلا وجه لإعادتها من غير أمر يوجب الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم )). والمستحب أن يعيد الصلاة لجواز أن لا يصدق فيما قال. والباب باب عبادة فلهذا يستحب الإحتياط فيها بما ذكرناه من إعادتها.
الفرع الثالث: في بيان الأسباب الموجبة للقيام في الصلاة.
وأعلم أن إمامة المحاريب هي الإمامة الصغرى ولا تليق إلا بمن اختص بالخصال الشريفة والمناقب العالية ليكون أحق بها وأخص بالمواظبة عليها وجملتها تسع خصال: الفقه، والقراءة، والورع، والنسب، والسن، والهجرة، والأبوة، والحرية، والحسن، فهذه الخصال يحصل بها العلو في الدين والأولوية في التقدم بعد إحراز خصال الإجزاء من الستر والعفاف والدين والإسلام فصارت في الاعتبار على ثلاث مراتب نفصلها بمعونة اللّه.
المرتبة الأولى في بيان الخصال الثلاث: الفقه والقراءة والورع
واعلم أن الورع ليس مذكوراً في أحاديث الأفضلية وأولوية التقدم في الصلاة ولكن أصحابنا أدخوله لما له من المكانة في الدين والاختصاص بالتقدم في إمامة الصلاة فهذه الخصال مُقَدَّمَات على غيرها من سائر الخصال ثم أنها في أنفسها متفاضلة فالأفقه أحق بالتقدم لقوله : ((يؤم القوم أعلمهم بالسنة)). فإن استووا في الفقه فالورع لقوله : ((ملاك الدين الورع)).

وقوله : ((لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار وتوفيتم بين الركن والمقام ما نفعكم ذلك إلا بالورع)). وفي حديث آخر: ((أولياء الله هم أهل الزهد والورع في الدنيا )) فإن استووا في الورع فالأقرأ لقوله : ((يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً)). فهذا الحديث دال على الأفضلية في أيام الرسول فإن الأقرأ منهم كان هو الأفقه، وقيل إنه لم يكن في أيام الرسول من يحفظ القرآن جميعه إلا سبعة أنفس أمير المؤمنين كرم الله وجهه وأبو بكر وعثمان وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود بخلاف أهل زماننا هذا فإن فيهم من يتعلم الفقه ومنهم من يتعلق بالقراءة وعلى هذا إذا تساويا في القراءة وأحدهما أفقه فالأفقه أحق بالتقديم لافتقار الصلاة إلى الفقه والعلم بفروضها وسننها، وإن كان أحدهما يحسن الفقه ولا يحسن الفاتحة والآخر يحسن الفاتحة ولا يحسن الفقه كان الذي يحسن الفاتحة أولى لأن الصلاة لا تصح إلا بالفاتحة فإن كان أحدهما يحسن القرآن كله ومن الفقه ما يحتاج إليه في الصلاة والآخر يحسن من القرآن ما يجزي في الصلاة لكنه يحسن فقهاً كثيراً فيحتمل أن يكونا على السوية لاختصاص كل واحد منهما بمزية في الفضل. والأقوى أن تقديم الأفقه أحق لأن ما يحتاج إليه من القرآن في الصلاة محصور وما يحتاج إليه من الفقه في الصلاة غير محصور وربما يحدث في الصلاة حادثة تحتاج إلى الفقه فيها وما قلناه من اختيار تقديم الفقيه هو رأي الشافعي، ومالك وأبي حنيفة، والأوزاعي وحكي عن الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن المنذر من أصحاب الشافعي أن الأقرأ هو الأولى بالتقديم.

والحجة عليهم ما ذكرناه من أن الحاجة للصلاة في القراءة محصورة والحاجة للصلاة من الفقه غير محصورة فلهذا قضينا بكونه أحق وأن أحداً من الصحابة لم يختص بالقراءة إلا وهو مختص بالفقه.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف حكمها وأمرها ونهيها ولهذا فإنه لا يكاد يوجد منهم قاريء غير فقيه ويوجد فيهم من هو فقيه غير قارئ، وما ذاك إلا أن الغالب فيهم الفقه والعلم بالسنة وأحكام الشريعة.
المرتبة الثانية: وهي دون الأولى في الاعتبار [يدخل تحتها أمور] وجملتها ثلاثة: السن والنسب والهجرة وفي ترتيبها قولان:
القول الأول: محكي عن الشافعي في الجديد وهو أن السن مقدم ثم النسب ثم الهجرة وأراد بالسن أن الرجل إذا نشأ في الإسلام وشاخ فيه فإنه مقدم على من أبلى عمره في الشرك وتاب منه وهكذا يقدم من تقدم إسلامه على من تأخر إسلامه وهكذا حال من نشأ في الفسق وشاخ فيه ثم تاب عنه فإن من نشأ في الإسلام والدين مقدم عليه، وأما النسب فالمراد منه تقديم الفاطمية على سائر بطون قريش لشرفهم بالرسول ويقدم بنو هاشم على غيرهم وتقدم قريش على سائر القبائل وتقدم العرب على العجم.
وأما الهجرة فتقدم من هاجر على من لم يهاجر ومن تقدمت هجرته على من تأخرت هجرته وهكذا أولاد المهاجرين يقدمون على أولاد من لم يهاجر وسواء كانت الهجرة قبل الفتح أو بعده، فأما قول الرسول لا هجرة بعد الفتح فإنما أراد لا هجرة من مكة بعد الفتح فإن طلب الإمام الهجرة إليه وجب على المسلمين امتثال أمره في ذلك إذا رأى في ذلك مصلحة ويكون الفضل في التقديم بالهجرة إليه.
القول الثاني: محكي عنه في القديم فالنسب مقدم على الهجرة ثم الهجرة بعده ثم السن فهاذان القولان محكيان عن الشافعي.

والمختار: تفصيل نشير إليه وهو تقديم النسب على السن لقوله : ((الأئمة من قريش ))(1).
وقوله : ((قدموا قريشاً ولا تقدموها )). ولم يفصل بين الإمامة الصغرى والكبرى. وقوله : ((تعلموا من قريش ولا تعلموها)). وروي: ((ولا تعالموها)) أراد تغالبوها في العلم، ((فإن عالمها يملأ الأرض علماً)) (2).
وروي عن الرسول أنه قال: ((الناس في هذا الشأن تبع لقريش فمسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم))(3).
فهذه الأدلة كلها دالة على استحباب تقديم النسب. على السن وأما تقديم السن على الهجرة فلما روي عن الرسول أنه قال لرجلين: ((وليؤمكما أكبركما))(4)
ولما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي، وليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) فما ذكرنا يدل على تقدم الأكابر على الأصاغر ومن جهة أن الأكبر الغالب من حاله الخشوع والإقبال إلى الصلاة فلهذا كان أحق بالتقدم وهذه الأمور الثلاثة إنما يقع الترجيح بها إذا عدمت الأمور الثلاثة الأول أو كانوا مشتركين فيها فيقع النظر فيها على هذا الحد.
__________
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى 3/141، وأحمد 3/149، وابن أبي شيبة في مصنفه 6/402.
(2) الكامل في ضعفاء الرجال)5/162، و(مسند الشافعي)1/278، و(فيض القدير)4/514.
(3) أخرجه البخاري3/1488، ومسلم3/1451 عن أبي هريرة.
(4) أخرجه البخاري1/226 وهو في صحيحي ابن خزيمة3/5، وابن حبان5/502، وفي سنن أبي داود1/161.

المرتبة الثالثة: وهذه فهي دون ما ذكرناه في المرتبة الأولى والثانية، وجملتها [أمور] ثلاثة: الأبوة والحرية و الحسن. فالأب يكون أحق بالتقدم من الإبن إذا كانا مستويين في المعرفة بحدود الصلاة ولما روي عن الرسول أنه جاءه رجلان(1)
أخوان أحدهما أكبر من الآخر فأراد الأصغر السبق بالحديث فقال له النبي : ((الكُبْر الكُبْر))(2).
وأما الحرية فلا شك أن العبد نازل في القدر لأجل الرق وإمامة الصلاة فهي منزلة رفيعة فإذا اجتمع الحر والعبد وكانا مستويين في الفضل والعلم بحدود الصلاة فالحرية خصلة مرجحة لتقديم الحر على العبد. وأما الحسن فيحتمل أن يراد حسن الوجه لما روي عن الرسول أنه قال: ((اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه من أمتي))(3).
وقبول الصلاة من جملة الحوائج المطلوبة فلهذا كان راحجاً في التقدم على غيره ممن ليس وجهه كوجهه.
ويحتمل أن كون المراد بالحسن في الأفعال؛ لأن كل من حسنت أفعاله بالطاعة لله فهو لا محالة أحق بالتقدم وهذه الأمور الثلاة إنما يقع الترجيح بها إذا عدمت تلك الخصال المتقدمة أو كانوا مشتركين فيها فعلى هذا يقع الترجيح بهذه.
__________
(1) في هامش الأصل: هما حويصة ومحيصة ابنا مسعود بن كعب، خزرجيان أنصاريان، أسلم حويصة على يد أخيه محيصة، وكان أكبر منه، وكان محيصة أنجب وأفضل وهو ممن شهد قتل كعب بن الأشرف وأعان عليه، وله في إسلام أخيه كلام عجيب ذكره في الاستيعاب. ا هـ.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه13/358، وأبو داود4/177، والبيهقي في (الكبرى)8/118.
(3) جاء الحديث في (مجمع الزوائد)8/194، ومصنف ابن أبي شيبة 5/298، ومعجم الطبراني الأوسط 6/186، وفي الصغير والكبير أيضاً.

الفرع الرابع: وإذا حضر إمام المسجد الراتب للصلاة فيه مع غيره من المسلمين فإمام المسجد أحق بالتقديم، وإن كان هناك من هو أفقه منه واقرأ لما روي أن ابن عمر قدم مولى له كان إماماً للمسجد وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك. ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي فإنه يتوجه قبوله لأنه إنما يقوله عن توقيف من جهة الرسول وإن أذن إمام المسجد لمن حضر أن يتقدم عليه جاز ذلك لأنه رضي فإسقاط ما كان له من الأولوية بالتقدم، وإن حضر الإمام الأعظم مع إمام المسجد فالإمام الأعظم أحق بالتقدم لقوله : ((لا يؤم الرجل في سلطانه )) ولأنه راع وهم رعيته. فلهذا كان أحق بالتقدم لما له عليهم من الولاية. فإن قدم الإمام الأعظم رجلاً من المسلمين ورضيه كان أحق من غيره لأن الإمام قد رضيه وإن دخل الإمام الأعظم بلداً وله فيها خليفة كان أحق بالتقدم من خليفته لأن ولايته أعم من ولاية غيره.

الفرع الخامس: وإذا حضر جماعة في دار رجل وحضرتهم الصلاة وصاحب البلد يحسن من القرآن ما يجزي في الصلاة وكان عارفاً بحدود الصلاة فصاحب البيت أحق بالإمامة ممن حضر معه وإن كانوا أفقه منه واقرأ إلا أن يكون الحاضر هو الإمام الأعظم فهو أحق لما روى أبو مسعود البدري عن رسول الله أنه قال: ((لا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بأدنه)). ولأن لصاحب البيت ولاية على الدار فلا يشاركه فيها غيره. وقد قدمنا تفسير التكرمة فأغنى عن الإعادة، وإن حضر المستأجر ومالك الدار في الدار المستأجرة ثم حضرت الصلاة كان المستأجر للدار أحق بالتقدم من مالكها؛ لأنه أحق بمنافعها، وإن حضر العبد وغيره في دار جعلها السيد لسكنى العبد فالعبد أحق بالإمامة لما له عليها من الولاية لما كان أحق بمنافعها من جهة سيده. وإن استعار رجل من رجل داراً فحضر المستعير وغيره فالمستعير أحق بالتقدم وإن حضر العبد وسيده في الدار التي جعلها سيده لسكنى العبد فالسيد لا محالة أحق بالتقدم لأنه هو المالك لرقبة الدار ورقبة العبد والله أعلم. فلهذا كان العبد مخالفاً للمستعير لما ذكرناه.
الفرع السادس: وتجوز إمامة الأعمى للبصير والأعمى لما روي أن الرسول استخلف ابن أم مكتوم في بعض غزواته على المدينة يصلي بالناس، وهل يكون أولى أو البصير؟ فيه أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن الأعمى أحق من البصير، وهذا هو الذي أشار إليه الهادي في المنتخب ورأي المؤيد بالله وهو محكي عن المروزي من أصحاب الشافعي؛ لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه فيكون متوفراً على الخشوع في الصلاة.
القول الثاني: أن البصير أحق وهذا هو المحكي عن زيد بن علي والقاسم ومحكي عن أبي إسحاق من أصحاب الشافعي لأن البصير يتوقى من النجاسات التي تكون مفسدة للصلاة.

القول الثالث: أنهما مستويان وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن محمد بن الحسن لأن الأعمى لو تم خشوعه فليس يحترز عن النجاسات والبصير ولو احترز عن النجاسات فليس يتم خشوعه فلهذا حكمنا باستوائهما.
والمختار: أن البصير أحق لأن حال الأعمى في جميع تصرفاته حاصل على جهة النقصان ولهذا فإن الله قال: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ}[النور:61، الفتح:17]. يشير بذلك إلى ضعف حاله.
الفرع السابع: وتجوز صلاة العبد بالأحرار والعبيد عند أئمة العترة ومحكي عن الشافعي لما روى ابن عمر كان له عبد وكان يصلي ورآءه، وروي عن عائشة وأنس بن مالك أنه كان لهما عبدان وكانا يصليان خلفهما ولأنه من أهل العبادة والصلاة ويصح منه سائر العبادات فصار كالحر. وهل تكره الصلاة خلفه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الكراهة للصلاة خلفه مع كونها مجزية، وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن العبد مستحقر بالرق وملك المنافع والإمامة حالة رفيعة بالشرع فلأجل هذا كرهت إمامته للصلاة.
المذهب الثاني: رفع الكراهة وهذا هو رأي زيد بن علي ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أطيعوا السلطان ولو كان عبداً حبشياً أجدع مهما أقام فيكم الصلاة))(1).
فهذا دال على رفع الكراهة.
والمختار: جواز من غير كراهة لما روي أن عمر جعل الخلافة شورى بين ستة نفر منهم سالم مولى أبي حذيفة فإذا كان عمر جعله صالحاً للشورى فكيف لا يكون صالحاً للصلاة خلفه(2).
__________
(1) أخرجه مسلم3/1468، وابن حبان1/179، وابن أبي شيبة6/187.
(2) في هامش الأصل: أن عمر رضي الله عنه قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لا ستخلفته، وجعلها شورى بين ستة كلهم من قريش، وما روى هاهنا سهو لا شك فيه، والله أعلم.
…قلنا: لعل مراد المؤلف أن قول عمر يعطي سالماً الحق في الخلافة وأنه لم يرده عن ذلك وفاة سالم لا غير، والله أعلم.

الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: العبد مستحقر بالرق والإمامة للصلاة منزلة رفيعة فلأجل هذا كرهت الصلاة خلفه.
قلنا: جواز الصلاة خلفه إنما كان من أجل اختصاصه بالإسلام والدين والعلم بحدود الصلاة كالحر والرق لا يمنع من ذلك فلا جرم لم تكره الصلاة خلفه.
الفرع الثامن: وتجوز الصلاة خلف من ليس لرشدة؛ لأن حكمه حكم من هو لرشدة في جميع العبادات كلها ولا خلاف في جواز الصلاة خلفه لأن فجر أبويه لا يضره في جميع الأمور الدينية والدنيوية إذا كان من أهل الصلاح والديانة والمعرفة بحدود الصلاة.
قالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء. وهل تكره الصلاة خلفه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الصلاة خلفه غير مكروهة وهذا هو المحكي عن زيد بن علي والهادي والقاسم ومحكي عن الثوري وأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }[الأنعام:164].
المذهب الثاني: الكراهة وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك.
والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن عبدالعزيز أن رجلاً بالعقيق لا يعرف أبوه وكان يصلي بالناس فنهاه عمر عن ذلك.
والمختار: جواز ذلك من غير كراهة لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13]. ولم يفصل بين من يكون لرشدة أو من غير رشدة ولأن فسق أبويه لا يضر دينه ولا ينقصه فلأجل هذا جاز أن يكون إماماً للصلاة لغيره من سائر المسلمين.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن عمر بن عبدالعزيز كراهة ذلك.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فكلام عمر ليس حجة إنما الحجة فيما ورد عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
وأما ثانياً: فنهاية الأمر أن هذا اجتهاد لعمر فلا يلزم قبول اجتهاده، وما دللنا عليه من الظواهر القرآنية فهي أولى وأحق بالقبول واجتهاد المجتهد لا يمكن أن يعارض الظواهر الشرعية من الكتاب والسنة.

الفرع التاسع:تجوز الصلاة خلف البدوي وهو الرجل الذي من أهل البادية إذا كان مسلماً عارفاً بحدود الصلاة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا تكره الصلاة خلفه بين الأئمة والفقهاء.
والحجة على هذا: قوله : ((صلوا خلف من قال لا إله إلا اللّه )) (1).
فظاهر هذا العموم دال على صحة الصلاة خلفه.
وتجوز الصلاة خلف المسافر للمقيم ولا خلاف في ذلك بين أئمة العترة وفقهاء الأمة.
والحجة على هذا: هو أن صلاته مجزية ويكون بمنزلة اللاحق ولا يضره قصر صلاة إمامه لأنها عزيمة عنده ولم يخالف إمامه في المتابعة فلهذا كانت مجزية له، وهل تكره أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير مكروهة وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون في ذلك.
والحجة على هذا: هو أن كل واحد من الإمام والمأموم صلاته صحيحة لم يعترضها ما ينقصها ولم يعرض إلا نقصان صلاة المأموم بالسفر وهذا لا يطرق خللاً في صلاة المأموم لأنه يكون بمنزلة اللاحق.
المذهب الثاني: أنها تكره وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه وله قول آخر أنها لا تكره.
والحجة على الكراهة: هو أن صلاته ناقصة عن صلاة المقيم فلهذا كره له التقدم على المقيم.
والمختار: أنها غير مكروهة لأن نقصانها فرض واجب وعزيمة في حقه فصار كالمقيم في أداء ما فرض عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: صلاة المسافر ناقصة فلهذا كره له التقدم من أجل نقصان صلاته.
قلنا: إن القصر عنده حتم واجب لا يجوز له مخالفته فكيف يقال بأنها ناقصة مع أنه لو أتمها لم تكن مجزية عنده ولأنا نقول نقصان الصلاة في حقه هل تكون بالإضافة إلى الصلاة التامة فهذا مُسَلَّمٌ لا ننكره أو تكون بالإضافة إلى ما وجب عليه فهذا لا نسلمه لأن الواجب عليه هو الإتيان بها ناقصة عن التامة لأجل ما عرض من السفر.
__________
(1) أورده في (ميزان الاعتدال)5/53 وفي(لسان الميزان)4/143، وفي (نيل الأوطار)3/200.

205 / 279
ع
En
A+
A-