أما أولاً: فلأن ظاهر الحديث غير معمول به فإن من المخالفة ما لا يفسد الصلاة وهذا نحو أن يقوم الإمام إلى الخامسة فيخالفه بالتخلف عنه، ونحو أن يُسَلِّم الإمام على ركعتين في الرباعية وتعذر تنبيهه فإن هذه المخالفة غير مفسدة للصلاة فإذا بطل التعلق بظاهر الحديث وجب تأويله على مخالفة مخصوصة فنقول وهذه المخالفة من جملة ما لا تفسد معه الصلاة لمثل ما ذكرتموه في تلك المخالفة.
وأما ثانياً: فلأن الغرض بالإفساد بالمخالفة ما كان يطرق خللاً في العبادة بالمخالفة فأما إذا كان يزيد الصلاة فضلاً وإجزاء فالمخالفة غير ضارة في فسادها.
قالوا: صلاة المنفرد مخالفة لصلاة المأموم من تلك الوجوه الثلاثة التي ذكرناها فإذا عقدها منفرداً ثم ائتم بغيره فهذه مخالفة فلهذا كانت مفسدة.
قلنا: لا ننكر أن هذه مخالفة ولكن لا نُسَلِّم أن كل مخالفة تفسد الصلاة بل هي منفسمة إلى: ما يكون مفسداً وهو ما كان يطرق نقصاً في الصلاة. وإلى: ما لا يطرق نقصاً في الصلاة بل يزيد في فضلها فلا يكون مفسداً.
الفرع الثامن عشر: ويكره للإمام والمأموم أن يصليا النافلة في موضع الفريضة لما روى أبو رمثه أنه صلى إلى جنب عمر بن الخطاب وقد كان سبقه الرسول ببعض الصلاة فلما أتم صلاته قام فصلى النافلة في موضع الفريضة فالتفت إليه عمر وقال له: إنما هلك من كان قبلكم لأنهم كانوا لا يفصلون بين الفريضة والنافلة. فشري(1)
الحديث بينهما في المنازعة فقاما إلى الرسول فحكى له عمر بصورة الحديث، فقال النبي : ((أصاب الله بك يابن الخطاب )) (2).
__________
(1) شري يشتري شريً: إذا تمادى الرجل في غيه وفساده، واستشرى في الشر، إذا لج فيه، والمشاراة: الملاجَّة، يقال: هو يشاري فلاناً أي يلاجَّه، ا هـ لسان العرب 14/429. وفي هامش الأصل: المشاراة: الملاحاة والمخاصمة، وقد شري واستشرى إذا لج في الأمر.
(2) رواه أبو داود1/264، والبيهقي في السنن الكبرى2/190.
فصوبه في مقالته ولم ينكر عليه، ويستحب أن يتقدم أو يتأخر لما روي عن النبي أنه قال: ((أيعجز أحدكم إذا صلى المكتوبة أن يتقدم أو يتأخر )). ولم يفصل في ذلك بين الإمام والمأموم، وحكي عن أبي حنيفة أن ذلك إنما يكره في حق الإمام دون المأموم.
والحجة عليه: ما ذكرناه من الخبر فإنه لم يفصل بينهما.
قال القاسم: ويستحب للإمام إذا فرغ من صلاة القوم أن يتحول عن موضعه متقدماً أو متأخراً.
والحجة: ما ذكرناه من الحديث ويكره أن يتحول عن يمينه ويساره لأن القوم ربما كانوا يصلون بعد الفريضة النافلة فيحول بينهم وبين القبلة، ويكره أن يستقبلهم بوجهه لقوله : ((لا صلاة إلى متحدث ))(1).
لأن الحديث إنما يكون مع الاستقبال.
قال الهادي: ولا بأس بالقعود مع الإمام فيما لا يقعد فيه المؤتم من صلاته ولا يخالفه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). ولم يفصل بين أن يكون القعود مشروعاً للمؤتم أو لا يكون مشروعاً في حقه فإن تخلف عنه لتأدية التشهد الأوسط بعد قيام الإمام ناسياً له بطلت صلاته لأجل المخالفة ولأنه عدل من فرض إلى نفل فلهذا بطلت الصلاة.
قال المؤيد بالله: وإن قام الإمام إلى الخامسة لم يتابعه المأموم إن تعذر تنبيهه ويعزل صلاته عنه لأن المتابعة غير واجبة فيما ليس مشروعاً من الصلاة بحال.
الفرع التاسع عشر: إذا نوى قطع الإقتداء في أثناء الصلاة فهل يجوز ذلك أم لا؟ فحكى الشيخ أبو حامد الغزالي فيه أقوالاً ثلاثة:
__________
(1) قال الشوكاني في (نيل الأوطار)3/8: وقد ذهب مجاهد وطاووس ومالك والهادوية إلى كراهة الصلاة إلى النائم خشية ما يبدو منه مما يلهي المصلي عن صلاته، واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة، بلفظ: ((لا تصلوا خلف النائم والمتحدث)) وقد قال أبو داود: طرقه كلها واهية. اهـ.
القول الأول: يمنع من ذلك لأنه قد التزم الإقتداء فلا يجوز له الإخلال بما قد التزمه ولقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. ومن نوى الخروج من الصلاة فقد أبطل ثواب الإقتداء بهذه النية.
القول الثاني: الجواز لأن الدخول في الجماعة سنة ونفل فلهذا جاز الخروج منها كما في سائر النوافل من غير فرق.
القول الثالث: إن كان لعذر جاز، وإن كان لغير عذر لم يجز لأن صلاة الجماعة يجوز تركها للأعذار كما مر بيانه.
والمختار: هو المنع. وإذا قلنا بالمنع ونوى الخروج من الإقتداء لم تبطل الصلاة كما لو نوى الخروج منها لم تبطل ولأن بطلان الإقتداء أمر وصحة الصلاة أمر آخر فإذا بطل الإقتداء لم تبطل الصلاة، وإن صلى جماعة بإمام في ليلة مظلمة فصلى بعضهم جهة المشرق تحراها وتحرى بعضهم جهة المغرب وصلى بعضهم جهة القبلة تحراها أجزت صلاتهم هذه إذا كان دخولهم بالتحري لأن الرسول صوبهم على ذلك ولم يأمرهم بالإعادة ولقوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }[البقرة:115].
الفرع العشرون: قد قررنا في أول الفصل كراهة حضور النساء مساجد الجماعات لأجل المحاذرة من الفتنة فإذا تقرر هذا فهل تكره صلاتهن في بيوتهن جماعات أو يجوز ذلك؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: جواز ذلك واستحبابه وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة )). ولم يفصل بين الرجال والنساء.
الحجة الثانية: هو أن النساء أهل الفرض ومن أهل العبادة. والتعبد بالشريعة حاصل في حقهن، فلهذا استحب لهن الجماعة كالرجال.
المذهب الثاني: أن الجماعة في حق النساء مكروهة وهذا هو قول أبي حنيفة، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن الجماعة حكم يختص الصلاة فكره في حق النساء كالأذان.
المذهب الثالث: أن الجماعة في حقهن تكره في الفروض دون النوافل وهذا هو رأي الشعبي والنخعي.
والحجة على هذا: هو أن النوافل مخالفة للفروض والتساهل حاصل من جهة الشرع في النوافل ولهذا فإنه يجوز أداؤها على الراحلة، ويجوز فيها ترك القيام مع القدرة عليه بخلاف الفرائض، فلما كان الأمر هكذا جاز لهن الجماعة في النوافل كصلاة العيدين وغيرهما ولم يجز لهن في الفرائض.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من استحباب الجماعة في حقهن.
وحجتهم على ذلك: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن التعبد بالصلاة حاصل في حق الرجال والنساء فوجب أن يكون التعبد بفروض الصلاة وسننها حاصلاً في حق النساء إلا ما خصته دلالة ومن جملة السنن في الصلاة هو الجماعة لأجل فضلها فلهذا كانت مشروعة في حق النساء كما هي مشروعة في حق الرجال.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الجماعة في حقهن مكروهة كالأذان.
قلنا: النساء المأخوذ عليهن الخفارة والتستر في البيوت والأذان ينافي ذلك لما فيه من إظهار أصواتهن وحصول الفتنة بها بخلاف الجماعة فإنها تؤدى في خفية في قعر البيوت فافترقا.
قالوا: تستحب الجماعة في حقهن في النفل دون الفرض.
قلنا: إذا جاز النفل في حقهن جاز الفرض من غير فرق بينهما لأنهما سيان في استحباب الجماعة فالفرق بينهما تحكم من غير دلالة.
الفرع الحادي والعشرون: إذا تقرر كونها مستحبة في حق النساء فهل تكون هيئتها على حد صلاة الرجال صفاً بعد صف أو تكون إمامتهن وسطهن؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن تكون إمامتهن وسطهن ويكن عن يمينها وشمالها وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم واختاره السيد أبو طالب.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: دخلت أنا ورسول الله على أم سلمة فإذا نسوة في جانب البيت يصلين فقال الرسول : ((يا أم سلمة أي صلاة يصلين ))؟ فقالت: يا رسول الله المكتوبة. فقال: ((أفلا أممتهن)). قالت: يا رسول الله أويصلح ذلك؟ قال: ((نعم تقومين وسطهن لاهن أمامك ولا خلفك ولكن عن يمينك وشمالك))(1).
المذهب الثاني: أن تكون صلاتهن مثل صلاة الرجال صفاً بعد صف وهذا هو رأي الأستاذ(2)
والقاضي زيد من أصحابنا.
والحجة على جواز ما ذكرناه: هو أن النساء كالرجال في أبواب العبادة من الصلاة والصوم والحج إلا ما خصته دلالة فلما كانت الجماعة مشروعة في حق الرجال صفاً بعد صف جاز ذلك في حق النساء من غير فرق.
والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والقاسم وهو رأي الشافعي من أنهما مختلفان في صلاة الجماعة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن عائشة أنها صلت بنسوةٍ العصر فوقفت في وسطهن، ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي فلا يكون إلا عن توقيف لأن ما هذا حاله فلا مدخل للإجتهاد فيه ولأنه من باب العبادات وهي أمور غيبية لا يعلم أسرارها إلا الله تعالى، وما حصل من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: النساء كالرجال فلهذا كانت صلاتهن مثل صلاة الرجال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا مدخل للأقيسة في العبادات وإنما موردها التحكم والتلقي من جهة الرسول وقد حصل التوقيف منه على ما ذكرناه من صلاة النساء فلا يجوز مخالفته فيما قاله.
__________
(1) رواه الإمام زيد في مجموعه بسنده عن أبيه عن جده عن علي قال السياغي في تخريجه في (الروض النضير)2/194: قال في (ِشرح السنن) وأخرجه ابن عبد البر في (الاستيعاب) والبيهقي والشافعي وأخرجه غيرهم وهو على شرط مسلم.… النضير)2/194: قلا
(2) علي بن الخليل.
وأما ثانياً: فلأن القياس لا يعارض النصوص من جهة الشارع بل يكون الاعتماد عليها أحق وأولى من القياس، وقد نجز غرضنا من الفصل الأول في حكم الصلاة.
الفصل الثاني في بيان صفات الأئمة
اعلم أنا نذكر في هذا الفصل من تجوز إمامته ومن لا تجوز إمامته ومن تكره إمامته فهذه أقسام ثلاثة نذكر في كل واحد منها ما يختصه.
القسم الأول: في بيان من تجوز إمامته
والذي يجوز أن يكون إماماً في الصلاة هو من يختص بصفات البلوغ والعقل والإسلام والذكورة وكمال الطهارة والصلاة فمن كان مختصاً بهذه الصفات جازت إمامته ومن لم يكن حاصلاً عليها لم تصح إمامته ونحن نذكر كل واحد منها بما يختصه ونشرحها بمعونة الله.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الإمامة في الصلاة خصلة شريفة لا يتولاها إلا أهل الصلاح والدين والتقوى لما روي عن الرسول أنه قال: ((الإمام وافدٌ فقدموا أفضلك م )) (1).
ولا يتولاها من كان متهتكاً خبيثاً فاسقاً لا دين له ولا أمانة لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال: كنت مع الرسول فأتى بني مجمجم فقال: ((من يؤمكم))؟ فقالوا: فلان. فقال : ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه )). وأراد بالجرأة من كان مقدماً على الكبائر من غير مبالاة خبيثاً عدواً لله ولرسوله منحرفاً عما عليه أهل الدين والمروءات والحياء، وروى أبو مسعود[البدري] رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه))(2).
__________
(1) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله : ((اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم)) رواه الدار قطني.
(2) هذا الحديث أورده الشوكاني في (نيل الأوطار)3/157 عن أبي مسعود عقبة بن عمرو بلفظه مع اختلاف فيه: ((...ولا يؤمّن الرجل...)) قال: وفي لفظ: ((...سلماً...)) بدل: ((....سناً...) روى الجميع أحمد4/141، ومسلم1/465، والترمذي 1/459، وأبو داود 1/159.
وعنى بالسلطان الإمام وأراد أن أحداً لا يؤمه لما كان سلطاناً لأنه أحق بالإمامة وأولى بها من غيره لما خصه الله به من الفضائل وقيامه بمصالح الدين وتوليه لأمور المسلمين، والتكرمة بضم الراء كالتهلكة وبكسرها كالتقدمة لغتان فيها ولها معنيان:
المعنى الأول: أنها المائدة وأراد أنه لا يقعد أحد على مائدته إلا بأذنه ولا يؤكل طعامه ألا برضاه.
المعنى الثاني: أنها البساط الذي يقعد عليه ويلحق بذلك المخدة والوسادة والمرتبة التي يقعد عليها وكل ما كان يوطأ للقاعد، وفي الحديث كان لرسول الله كساء أحمر يوضع تحته إذا قعد يجعل طافين أو ثلاثة. فإذا عرفت هذا فالذين تجوز إمامتهم في الصلاة على الإطلاق هو كل بالغ عاقل ذكر مؤمن كامل في الطهارة والصلاة.
فقولنا: بالغ. نحترز [به] عن الصبي.
وقولنا: عاقل. نحترز ]به] عن المجنون.
وقولنا: مؤمن. نحترز [به] عن الكافر والفاسق.
وقولنا: كامل في طهارته. نحترز[به] عمن كان ناقصاً في الطهارة كالمتيمم في حق المتوضين ومثل من كان معذوراً في غسل بعض أعضائه فإنه لا يصلي بمن كان كاملاً في طهارته.
وقولنا: كاملاً في صلاته. نحترز به عن المقعد فإنه لا يصلي بمن كان صحيحاً وهكذا حال النساء فإن المرأة تؤم النساء إذا كانت بهذه الصفة بالغة عاقلة مؤمنة كاملة في الطهارة كاملة في الصلاة فمن حصلت في حقه هذه الصفات جاز أن يكون إماماً لمن هو على مثلها أو غيرها وما خالف هذه فسنورده في الفصل الثاني إذا ذكرنا من لا تجوز إمامته بحال وعلى هذا تجوز صلاة العاري بالعاري كما تجوز صلاة اللابس باللابس وتجوز صلاة الأمي بالأمي كما تجوز صلاة القاريء بالقاريء.
والوجه في ذلك: هو أن حال الإمام والمأموم سواء لا يزيد أحدهما على صاحبه فوجب القضاء بإجزاء الصلاة لهما ولأنهما قد استويا في النقص فجازت صلاة أحدهما بالآخر كما استويا في الفضيلة فإن صلى الأمي بالقاريء فهل تصح صلاتهما أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن صلاة الأمي صحيحة وصلاة القارئ فاسدة.
والحجة على هذا: هو أن الأمي قد صلى لنفسه فلهذا حكمنا بصحة صلاته كما لو صلى منفرداً والقاريء صلى مؤتماً من غير إمام فحكمنا بفساد صلاته وهذا هو رأي القاسمية ومحكي عن أبي يوسف ومحمد.
المذهب الثاني: أن صلاتهما جميعاً فاسدة وهذا هو رأي أبي حنيفة، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: أما بطلان صلاة القاريء فلقوله : ((يؤم القوم أقراؤهم لكتاب اللّه )). فإذا قدم الأمي كانوا كلهم قد دخلوا تحت النهي وذلك يقتضي فساد المنهي عنه. وأما بطلان صلاة الأمي فلأنه كان يمكنه أن يقدم القارئ ويأتم به؛ لأن قراءة الإمام له قراءة فإذا لم يفعل فقد ترك القراءة مع القدرة عليها وهذا هو قول الناصر أعني بطلان صلاتهما جميعاً.
المذهب الثالث: أن صلاتهما جميعاً صحيحة وهذا هو أحد قولي [الشافعي] وله قول آخر: أن صلاة الأمي صحيحة وصلاة القاريء فاسدة.
والحجة على صحة صلاة الأمي: هو أنه مصل لنفسه غير تابع لغيره فلهذا كانت صحيحة ويدل على صحة صلاة القاريء هو أن القراءة على قوله في الجديد لازمة للمأموم بكل حال ولا يتحمل الإمام فلهذا قضينا بصحة صلاتهما لما ذكرناه.
والمختار: ما حكيناه عن القاسمية من بطلان صلاة القاريء دون صلاة الأمي.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم فإذا ائتم بالأمي فكأنه قد صلى من غير قراءة ولقوله : ((الإمام ضامن )). ولن يكون الضمان إلا بتحمل القراءة والأمي لا يتأتى منه تحمل القراءة فلهذا كانت صلاته باطلة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: صلاتهما تكون باطلة.
قلنا: أما صلاة الأمي فلا نُسلم بطلانها لأنه مصلٍ لنفسه.
قالوا: يدل على بطلانها قوله : ((يؤمكم اقرأكم لكتاب الله)). والنهي يقتضي الفساد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا صيغة للنهي في الحديث فلا معنى لدعوى النهي.
وأما ثانياً: فلأن المراد بالخبر القاريء فلأن ظاهر الخبر دال على أنه أحق بأن يكون إماماً فلهذا بطلت صلاته لما خالف الأمر.
قالوا: صلاتهما صحيحة.
قلنا: أما صحة صلاة الإمي فقد أوضحناه وأما صحة صلاة القاري فلا نسلمها.
قالوا: القراءة لازمة للمأموم وهو من أهل القراءة فلهذا كانت صلاته صحيحة.
قلنا: إن فساد صلاته ليس من جهة القراءة كما زعمتم وإنما فسادها من جهة أنه ائتم بغير إمام لأن الأمي لا يكون إماماً لمن هو أفضل منه وأعلى حالاً لما ذكرناه.
الفرع الثاني: وإن كان هاهنا رجلان أحدهما يحسن جميع القرآن غير الفاتحة والآخر يحسن سبع آيات غير الفاتحة كان الذي يحسن جميع القرآن غير الفاتحة أولى ممن يحسن سبع آيات غير الفاتحة لأنهما قد اتفقا على تعذر الفاتحة من جهتهما لكن أحدهما أكثر قرآناً من الآخر فلهذا كان أحق، فإن أمَّ الذي يحسن سبع آيات لا غير بالذي يحسن جميع القرآن غير الفاتحة صحت صلاتهما لاستوائهما جميعاً في تعذر فرض الفاتحة فيهما كما لو أم من يحسن الفاتحة لا غير بمن يحسن الفاتحة مع غيرها لأن الأولين استوى حالهما في تعذر الفاتحة والآخرين استوى حالهما في وجودها لهما(1)
وإن كان هاهنا رجلان أحدهما يحسن أول الفاتحة لا غير والآخر يحسن آخرها لا غير. ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء كما لو أحرز أحدهما عشرين آية غير الفاتحة وأحرز الآخر مثلها غير الفاتحة.
وثانيهما: أن من يحسن أول الفاتحة أحق لأن من قرأها من أولها كان قارئاً للفاتحة ومن قرأها من آخرها فإنه لا يقال بأنه قارٍئ لها فافترقا.
__________
(1) في الأصل: في وجود حالها، والغرض في وجود الفاتحة لديهما فتم تصحيحها كما هي، والله أعلم.