ومن وجه ثالث: وهو ما روى ابن عمر عن رسول الله أنه نهى أن تعاد الفريضة في يوم مرتين(1).
وروي أن أهل العوالي كانوا يصلون في منازلهم ثم يصلون مع الرسول فنهاهم النبي أن يعيدوا الصلاة مرتين في يوم واحد.
الفرع الثالث عشر: ولا خلاف أن الإعمى إذا لم يجد قائداً فلا يتوجه عليه حضور مساجد الجماعات لتعذر ذلك في حقه لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ}[النور:61 والفتح:14]. فإن وجد قائداً فهل يتوجه عليه الحضور أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: توجه ذلك عليه إما على الاستحباب على ما اخترناه في كونها سنة، وإما على الوجوب على رأي من أوجبها على الكفاية وهذا هو رأي أبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: هو أنه إذا وجد قائداً فقد زال عذره فأشبه الصحيح ولأنه يمنزلة الضال عن الطريق فلا يسقط عنه حضور الجماعة.
المذهب الثاني: أنه لا يتوجه عليه حضورها وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي عن أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه لا يتوصل إلى حضورها إلا بالأجرة فيصير كالمقعد والزمن والمفلوج.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنها غير واجبة، فلا تكون واجبة على الأعمى وإن وجد قائداً كما أوضحناه من قبل، ويسقط الاستحباب لأجل العذر، وهو العمى، ولا يلزم على هذا وجوب الحج، ووجوب صلاة الجمعة لأنهما واجبان على الأعيان بخلاف صلاة الجماعة فإنها سنة ولا يلزم الحج والجمعة على رأي من أوجب صلاة الجماعة لأن وجوبها عنده إنما هو على الكفاية وهما واجبان على الأعيان فافترقا.
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار) تخريج أحاديث (البحر)1/304: والذي في (الجامع الكافي) عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيت ابن عمر على البلاط والناس يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ فقال: قد صليت، وإني سمعت رسول الله يقول: ((لا تصلوا صلاة في يوم واحد مرتين)) أخرجه أبو داود والنسائي.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قد زال عذره فأشبه الصحيح.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن زوال عذره إنما يكون بالأجرة فصار كالمقعد والزمن أو بالدخول تحت مِنَّة الغير فلا يلزم تحمل المِنَّة لأجل أداء العبادة كما لا يلزم العريات الدخول تحت مِنَّة الغير بهبة الثوب لأداء الصلاة.
وأما ثانياً: فلأنها غير واجبة فلا يلزم الحضور لها وأما الإستحباب فسقط بالعذر.
الفرع الرابع عشر: صلاة الجماعة إذا دخل فيها الكافر الحربي هل يحكم بإسلامه لأجل ذلك أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يحكم بإسلامه لأجل دخوله في الصلاة وهذا هو رأي المؤيد بالله ويقتضيه كلام الهادي وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها))(1).
ووجه الدلالة من الخبر هو أن ظاهره دال على أن الإسلام الذي يكون عصمة للدم والمال إنما هو بذكر هاتين الشهادتين، فمن لا يذكرهما ولا ينطق بهما فليس مسلماً، والدخول في الصلاة ليس فيه إقرار بالشهادتين ولا نطق بهما فلهذا لم يكن مسلماً بالدخول فيها.
المذهب الثاني: أنه يحكم عليه بالإسلام بالدخول في صلاة الجماعة وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }[التوبة:18]. وعمارتها إنما تكون بالصلاة فلهذا كان الدخول في الصلاة عمارة لها فيكون من جملة الإيمان وهو المقصود.
__________
(1) تقدم في المقدمة الثانية للمجلد الأول ص 150 بلفظ: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله...)) إلى آخره، وبقيته في جواهر الأخبار: ((...فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله)) أخرجه الستة إلا الموطأ من رواية، أبي هريرة واللفظ للصحيحين، اهـ. 1/311 من هامش البحر الزخار.
المذهب الثالث: أنه إذا صلى منفرداً حكم بإسلامه وهذا هو رأي محمد بن الحسن.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة عبادة يكون تركها كبيرة فكان الدخول فيها إسلاماً وإيماناً كالشهادتين.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله ومن تابعه.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن الصلاة عبادة من شرط صحتها تقدم الإيمان فلا يحكم بالإسلام بالدخول فيها كالصوم والحج.
قال المؤيد بالله: ودخول الكافر في صلاة الجماعة لأداء صلاة لا يكون إسلاماً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[التوبة:18]. وعمارتهاتكون بالصلاة فلهذا كان الدخول فيها إيماناً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الفعل من الكافر ليس يعدُّ عمارة وإنما هو استخفاف بالمساجد وهزؤٌ بالصلاة ولهذا يؤدب ويعزر على ذلك.
وأما ثانياً: فلأن المراد بالعمارة هو إشادتها بالبناء والأساطين، ويؤيد هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((من بنى لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له قصراً في الجنة)) (1).
قالوا: الصلاة عبادة تركها يكون كبيرة فيكون الدخول فيها إسلاماً وإيماناً كالشهادتين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا يبطل بالحج والصوم فإن الكافر إذا فعله لم يكن إيماناً فهكذا صلاة المنفرد.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل أنه لو أتى به منفرداً لزمه حكم الإسلام فهكذا إذا أتى به في جماعة بخلاف ما نحن فيه فإنه لما لم يكن إيماناً في الجماعة فهكذا في المنفرد.
__________
(1) رواه أحمد عن ابن عباس، وهذه الزيادة: ((كمفحص قطاة)) أخرجها البيهقي. قال العراقي: بإسناد صحيح، وأخرجها ابن أبي شيبة من حديث عثمان، وابن حبان والبزار من حديث أبي ذر وغيرهم من غير هؤلاء.
الفرع الخامس عشر: إذا أقيمت صلاة الجماعة في مسجد جرت العادة فيه بأنه يأتيه الناس فوجاً بعد فوج وجماعة بعد جماعة كمساجد الأسواق والجوامع الكبيرة التي يردها الناس كثيراً فأراد الإمام أن يطوِّل القراءة لكي تكثر الجماعة ويلحقوا الإمام، فالأقرب على المذهب أن هذا الإنتظار مكروه لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا أمَّ أحدكم فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة)). وهكذا يكره أيضاً أن يطوِّل الإمام القراءة والصلاة لأجل حضور رجل له محل وديانة وعلم وصلاح لأن الأدلة ما فصلت في الكراهة في ذلك، فأما الإمام إذا ركع فأحس برجل يريد الصلاة فهل ينتظره ويطول في الركوع أم لا؟ فيه أقوال ستة:
القول الأول: أنه يستحب هذا القدر من التطويل لأجل إدراك الرجل للصلاة وهذا هو رأي المؤيد بالله وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن أبي أوفى عن الرسول أنه كان يقوم في الركعة الأولى من الظهر حتى لا يسمع وقع قدم(1)
وهذا الانتظار إنما كان من أجل إدراك الركعة الأولى، وروي عن الرسول أنه كان يطيل الركوع إذا أحس بداخل، فإذا جاز تطويل القراءة لهذا الغرض جاز تطويل الركوع أيضاً لأجله إذ لا فرق بينهما.
القول الثاني: أنه يكره؛ وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله : ((إذا أمَّ أحدكم فليخفف)). ولم يفرق بين الركوع وغيره، ولأن كل من لا ينتظر في غير الركوع فلا ينتظر في الركوع كما لو أحس قبل دخول المسجد.
القول الثالث: أنه يحرم الانتظار وهذا شيء يحكى عن بعض أصحاب الشافعي.
__________
(1) أشار ابن بهران 1/319 إلى أن الذي في (الجامع) عن ابن عمر أن رسول الله كان يقوم في الصلاة الأولى من الظهر حتى لا يسمع وقع قدم، أخرجه أبو داود.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله يكون فيه إشراك لمقاصد الخلق في الصلاة وهو مبطل لها فلهذا كان محرماً، ويؤيد هذا قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}[الكهف:110].
القول الرابع: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن هذا الداخل إن كانت له عادة بحضور المسجد وملازمة الجماعة جاز انتظاره، وإن كان غريباً لم يجز انتظاره.
القول الخامس: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن هذا الانتظار إن كان لا يضر بالمأمومين ولا يدخل عليهم مشقة جاز ذلك وإن كان مما يدخل عليهم مضرة ومشقة لم يجز.
القول السادس: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن هذا الفعل الذي يقع به الإنتظار لا يحرم ولا يستحب ولا يكره ولا تبطل به الصلاة.
والمختار: تفصيل نشير إليه، وهو ما روي أن الرسول كان يصلي يوماً وقد أجلس الحسن بن علي بين يديه فلما سجد النبي ركب الحسن بن علي على ظهره فانتظره الرسول ساجداً حتى نزل فلما فرغ من صلاته قيل له أطلت السجود؟ فقال: ((إن ابني هذا كان ارتحلني فأطلت السجود ليقضي وطره وكرهت أن أعجله)) (1).
__________
(1) رواه في (المستدرك) 3/181، وسنن النسائي 2/229، والبيهقي في (السنن الكبرى)2/263، وأحمد في مسنده 6/467.
فإن كان هذا الإنتظار لغير من هو في الصلاة فليكن لم يريد الصلاة أحق وأولى. ولما روي عن الرسول أنه حمل أمامة بنت أبي العاص ووضعها في الصلاة، فهذه الأفعال كلها فعلت من غير مصلحة في الصلاة كما أوضحناه فإذا فعلت لغير مصلحة الصلاة ففعلها أو فعل مثلها لمصالح الصلاة يكون لا محالة أحق وأولى، وإذا كان الأمر هكذا فعلى المصلي إعمال نظره وفكره فما كان مماثلاً لما فعله الرسول جاز له فعله اقتداء به وتأسياً بما فعله مما يكون فيه مصلحة للمصلي ولمن يريد الدخول في الصلاة، وإن رأى المصلي أن الترك أحوط للصلاة عمل عليه لأن الأصل هو تحريم الأفعال في الصلاة وليكن تعويل المصلي على حراسة الصلاة أن يكون فيها ما يشوشها من الأمور المباحة في مراعاة الداخل واختلاف حال من يراعي ومن لا يراعي فإذا أعمل نظره وراعى مصلحة الصلاة وراقب الصلاة فلا عليه فيما فعل من الأفعال القليلة في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
واعلم أنا قد أشرنا إلى ما يعتمده المصلي في صلاته وما يباح له من الأفعال وما لا يباح وهذه الأقوال التي حكيناها عن الفقهاء ترجع إلى ما ذكرناه من مراعاة المصلحة والاعتماد في الفعل والترك على ما فعله الرسول من الأفعال وأباحه وفعله فهو العمدة وبه القدوة وفي أفعاله لنا الأسوة ولا حاجة إلى تتبع هذه الأقاويل بالنقوص فكل واحد منهم معول على ما فعله الرسول وفهم من مقصوده وأفعاله وشمائله فكل ما فعله فهو حق وصواب.
الفرع السادس عشر: قد ذكرنا أن الإمام لا يطول القراءة في المساجد المأهولة بدخول المسلمين وذكرنا كراهة ذلك وأن الإمام يطيل الركوع لمن يلحق به ليكون مدركاً للصلاة، وذكرنا ما يباح منه وما لا يباح، فأما وهو في غير هاتين الحالتين فلا معنى للانتظار في غير ذلك من أحوال الصلاة؛ لأنه إن كان قبل الركوع فلا وجه لانتظاره؛ لأنه يدرك الركعة في الركوع، وإن كان بعد الركوع فقد فاتته الركعة فلا معنى لانتظاره، وإن كان في التشهد الأخير فلا معنى لانتظاره فيه لأنه غير مدرك للصلاة بإدراكه، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي أنه يطول التشهد الأخير لمن يلحق ولا وجه له كما سنوضحه، وإن عقد المأموم صلاته مع الإمام ثم انفرد بإتمامها وحده فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته باطلاة وهذا هو رأي السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم " )) (1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه نهى عن الاختلاف والنهي يقتضي فساد المنهي عنه لأن الانفراد قد أوجب المخالفة من جهة أن صلاة المنفرد مخالفة لصلاة المؤتم فلهذا قضينا بفسادها لما ذكرناه.
المذهب الثاني: أنه إن خالف وانفرد لعذر لم تبطل صلاته كأن يكون مدافعاً للأخبثين أو أحس بحريق في داره أو كانت دابته واقفة على باب المسجد فخشي ضياعها، وهو محكي عن الشافعي فما هذا حاله من الأعذار تجزيه الصلاة إذا انفرد، وإن انفرد من غير عذر فقولان.
والحجة على هذا: قوله : ((اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة)).
ووجه الدلالة من الخبر: أنه أباح قتل الأسودين لأجل عذر الضرر فهكذا هاهنا يجوز الخروج للعذر.
والمختار:ما قاله الأخوان.
__________
(1) قال في (جواهر الأخبار)1/313: قد ورد ما يتضمن هذا الحديث، وأما بهذا اللفظ فيغير معروف، وقد ذكر نحو هذا في (التلخيص)اهـ، وهو في (نيل الأوطار)3/204 بلفظه.
وحجتهما: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنه خالف إمامه فيما يجب عليه المتابعة فيه فوجب إبطال الصلاة كما لو كانت الصلاة من غير عذر.
الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه.
قالوا: أمر الرسول بقتل الأسودين في الصلاة لعذر الضرر فهكذا تجوز المخالفة لأجل العذر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فهذا حجة لنا لأن قتل الأسودين يوجب بطلان الصلاة كما مر بيانه فهكذا ما نحن فيه يوجب بطلان الصلاة.
وأما ثانياً: فلأن العذر إنما يوجب سقوط الإثم وأما بطلان الصلاة فهو حاصل بالمخالفة.
قالوا: الائتمام أفاد الفضيلة دون وجوب المتابعة فإذا خالف العذر لم تبطل الصلاة كما قلناه.
قلنا: الائتمام كما أفاد الفضيلة فإنه مفيد لوجوب المتابعة فإذا لم تحصل المتابعة كانت مفسدة للصلاة إذا فقدت.
قالوا: روي أن معاذ بن جبل صلى بالناس العشاء الآخرة فافتتحها بسورة البقرة فخرج رجل من القوم وانفرد بصلاته فقالوا له: قد نافقت. فقال: لا ولكني آتي رسول الله فأتاه فقال: يا رسول الله إن معاذاً صلى بنا العشاء الآخرة فافتتح بسورة البقرة فلما رأيت ذلك منه تأخرت وصليت وإنما نحن أهل نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل رسول الله على معاذٍ وقال: ((أفتان أنت يا معاذ إما أن تخفف بهم الصلاة أو تجعل صلاتك معنا)). وقد كان يصلي مع الرسول ثم يصلي بعد ذلك بأصاحبه فأقره الرسول ولم يأمره بالإعادة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فيحتمل أنه لما انفرد أعاد صلاته لهذا لم يسأله الرسول عن الإعادة.
وأما ثانياً: فلأنه إنما ترك الأمر بالإعادة لما خالف إمامه لأنه اشتغل بالإنكار على معاذ فيما جاء به من تطويل القراءة فسكوت الرسول عن أمره بالإعادة لا يدل على صحة صلاته.
الفرع السابع عشر: وإذا فتح الرجل صلاة منفرداً ثم جاء إمام المحراب فأتمها مؤتماً به فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته على هذه الصفة باطلة وهذا هو الذي نصه الهادي وهو قول أبي حنيفة، ومحكي عن النخعي والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم )).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن من هذه حاله فقد حصل منه المخالفة والنهي دال على الفساد لأنه قد افتتح الصلاة منفرداً ثم عقدها بعد ذلك مؤتماً ولا شك أن صلاة المنفرد مخالفة لصلاة المأموم من أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأن المأموم يلزمه سهو غيره والمنفرد لا يلزمه ذلك.
وأما ثانياً: فلأن المأموم يلزمه فساد صلاته من جهة غيره بخلاف غيره.
وأما ثالثاً: فإن المأموم يتحمل عنه غيره بعض الأركان ولا يتحمل عن المنفرد غيره. فهذه الأوجه دالة على اختلافهما، فإذا افتتحها منفرداً فقد عقدها على جهة مخصوصة لها حكم مخصوص فلا يجوز أن يصرفها إلى جهة مخالفة لما عقدها عليه أولاً كما لو عقدها أولاً بنيه النفل فلا يجوز أن يصرفها إلى جهة الفرض وعكسه أيضاً فلهذا كانت باطلة.
المذهب الثاني: أنه إن ائتم به قبل الركوع أجزأه وإن ائتم به بعد الركوع فقولان ومنهم من قال: إن اقتدى به قبل الركوع فقولان: أحدهما: يجزيه. والآخر: أنه لا يجزيه، وإن اقتدى به بعد الركوع فإنه لا يجزيه قولاً واحداً وهذا هو المحكي عن أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: هو الخبر المروي عن الرسول أنه افتتح الصلاة ثم ذكر أن عليه جنابة فقال: ((على رسلكم)). ودخل منزله واغتسل ثم خرج ورأسه يقطر ماءً وصلى بهم الصلاة(1).
__________
(1) عن أبي بكرة أن النبي استفتح الصلاة فكبر، ثم أومأ إليهم أن مكانكم ثم دخل ثم خرج ورأسه يقطر فصلى بهم فلما قضى الصلاة قال: ((إنما أنا بشر وإني كنت جنباً)) رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والبيهقي، وأخرجه البخاري1/106.
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه افتتح الصلاة وهو جنب فلم تنعقد صلاته مع الجنابة وانعقدت صلاة القوم وكانوا منفردين ثم جاء واستأنف التكبير وصلى بهم فقد صلوا لأنفسهم بغير إمام ثم صلوا لأنفسهم بعد ذلك بإمام وهو عين مسألة الخلاف.
والمختار: جواز الصلاة وصحتها كما قاله الشافعي.
وحجته: ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو ما روي أن الرسول أمر أبا بكر يصلي بالناس فتقدم وكبر للصلاة فوجد الرسول خِفَّةً فخرج يتهادى بين اثنين علي والعباس فتقدم الرسول إماماً لأبي بكر والناس يأتمون بأبي بكر وقد كان سبق تكبيرهم تكبير الرسول ومع ذلك اقتدى أبو بكر به.
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن إمامة أبي بكر بطلت بتقدم الرسول ثم صلى أبو بكر مؤتماً بالرسول فقد انفرد أبو بكر ثم أتم وهو عين ما وقع فيه النزاع.
الحجة الثانية: هو أن من هذه حاله فقد اتفق فرضه مع فرض الإمام ولم يتأخر عن الإمام ولا خالفه إلا بأنه قد كان انفرد بصلاته لعدم الإمام ثم حضر الإمام فدخل معه ومثل هذا لا يعد مخالفة لأنه انتقل من الأدنى إلى الأعلى لأن صلاته مع الإمام أفضل من صلاته وحده فلهذا كانت مجزية له.
الحجة الثالثة: هو أن الأدلة الدالة على فضل صلاة الجماعة لم تفصل بين أن يكون قد دخل في الصلاة لنفسه أو لم يكن قد دخل فلأجل هذا قضينا بصحة صلاته سواء كان قد انفرد بالصلاة أو لم ينفرد.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ورد عن الرسول : ((لا تختلفوا عن إمامكم )). والنهي دال على الفساد وما ذكرناه مخالفة فلهذا كانت الصلاة فاسدة.
قلنا: عن هذا جوابان: