أما أولاً: فالضمان يصح بغير نية وضمان التبرع صحيح من غير أن يقصد الضمان.
وأما ثانياً: فلأن الشرع قد ضمنه فلم يشترط النية وفي هذا دلالة على أن النية غير مشترطة.
الفرع السابع: حكي عن أبي حنيفة أنه إذا كان إماماً للرجال والنساء فلابد من نية كونه إماماً.
وحجته على هذا: أن الأصل أن الإمام لا يكون إماماً إلا بالنية لكنا أخرجنا إمامته بالرجال بخبر ابن عباس فبقي إمامته للرجال والنساء على حكم الأصل ووجوب اعتبار النية في حقهن، وهذا لا وجه له فإنه إذا كان الإمام لا يفتقر إلى النية إذا أمَّ بالرجال لحديث بن عباس فهكذا إذا أمَّ بالرجال والنساء من غير فرق بينهما، وإن رأى رجلين يصليان فنوى الإئتمام بهما أو بأحدهما لا بعينه لم تصح صلاته لأنه لا يمكنه الإئتمام بهما جميعاً لاختلاف أحوالهما في الصلاة ولا يمكن الائتمام بأحدهما لا بعينه لأنه لا بد أن يكون الإمام معيناً ليمكن متابعته في الأفعال كلها وإن كان أحدهما يصلي بالآخر فنوى الائتمام بالمأموم لم تصح صلاته لأنه مؤتم بمن ليس إماماً. لا يقال فقد روي عن الرسول أنه لما وجد خفة في مرضه خرج يتهادى بين رجلين وقد تقدم أبو بكر فصلى بالناس فتقدم الرسول فصلى بأبي بكر وأبو بكر يصلي بالناس فدل على جواز ما ذكرناه من الاقتداء بالمأموم، لأنا نقول: إن هذا لا قائل به من أحد من العلماء وأما ما فعله الرسول فهو محمول على أنه صلى بأبي بكر وبالناس جميعاً وإنما كان أبو بكر يبلغ الناس التكبير ويسمعهم لما عجز الرسول عن الإبلاغ بنفسه. وإن رأى رجلين يصليان فأتم بمن عن يسار القبلة وظنه الإمام لأن السنة أن يكون ذلك موقف الإمام ثم انكشف بعد ذلك أنه كان مأموماً فإن صلاته غير صحيحة لأنه بان أنه أئتم بمن ليس إماماً لكونه مأموماً قد خالف سنة الموقف. وإن صلى رجلان في مكان واحد وقصد كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر لم تصح صلاتهما جميعاً لأن كل واحد منهما مؤتم بمن ليس إماماً وإن

قصد كل واحد منهما أنه إمام للآخر صحت صلاتهما جميعاً لأن كل واحد منهما يصلي لنفسه ولا يتبع غيره، وإن فرغا من صلاتهما فشك كل واحد أنه الإمام أو المأموم لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما لا يدري هل صحت صلاته أم لا لأنه إن كان إماماً صحت صلاته وإن كان مأموماًلم تصح صلاته لجواز أن يكون نوى الاقتداء بمن ليس إماماً وهكذا لو طرأ الشك عليه في أثناء صلاته أنه إمام أو مأموم بطلت صلاته لأنه لا يدري أنه تابع أو متبوع فلهذا حكمنا ببطلانها لأن الأصل هو لزوم الصلاة فلا تسقط عن ذمته إلا بيقين فإذا طرأ الشك فلا يقين هناك فلهذا توجه عليه الاعادة لما ذكرناه.
الفرع الثامن: وإذا كان للمسجد إمام راتب للصلاة مثل مساجد المحال والدروب والقرى الصغيرة فأقيمت فيه الجماعة فهل تكره إقامة الجماعة مرة أخرى أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن مثل هذا يكره لأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم بفعلوا ذلك بل ربما عابوه، وفي هذا دلالة على كراهته ولأنه قد يكون بين الإمام وبعض الجيران بغضة وكراهة فيقصد أن تصلي بعده جماعة في ذلك المسجد مغايظة للإمام وإيحاراً لصدره فيؤدي ذلك إلى تفريق الكلمة وتأكد العداوة بينهم.

وثانيهما: أن ذلك مستحب غير مكروه، وهذا هو المحكي عن الشافعي وعطاء والحسن البصري وقتادة والنخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن المنذر لأن تكثير الجماعات مستحب كما لو كان في غيره من المساجد، وهذا هو المختار. والأول محكي عن الشافعي أيضاً لأن أحوال الناس في الأشغال وأعمال الدنيا تختلف فربما لا يتفقون لصلاة الجماعة في وقت واحد وعلى هذا يجوز عقد جماعة بعد جماعة لئلا يؤدي إلى إهمال صلاة الجماعة لأجل تفاوتهم في أعمالهم وحرفهم وصناعاتهم فأما إذا كان المسجد ينتابه الناس من كل جهة مثل المساجد القريبة من الأسواق ومساجد الجوامع فإنه لا يقع فيه خلاف في إقامة الجماعة فيه مرة بعد مرة لأنه لا يؤدي إلى تفريق الكلمة ولا إلى تأكد العداوة. والمستحب لمن رأى رجلاً يصلي وحده أن يصلي معه لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ))(1).
الفرع التاسع: والمستحب للإمام ألا يكبر للإحرام في صلاة الجماعة حتى يلتفت يميناً وشمالاً ويقول لمن بعده من الصفوف: سووا صفوفكم، لما روى أنس بن مالك أن رسول الله كان يلتفت إلينا قبل أن يكبر ويقول: ((سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة )) (2)
ويستحب أن يمسح الصدور لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول كان يمسح صدورنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم ))(3).
__________
(1) ذكره ابن حبان6/158، والحاكم في المستدرك1/328، ورواه عبد الرزاق في المصنف2/294، وأبو داود 1/157.
(2) متفق عليه وهو في صحيح ابن حبان5/548، وسنن أبي داود1/149، ومسند أحمد3/254.
(3) جاء الخبر عن أبي مسعود الأنصاري بلفظ: كان النبي يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم لِيلينِّي منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) رواه أحمد 4/122، ومسلم1/323، والنسائي2/90، وابن ماجة.

وهذا الاختلاف الوارد في الخبر له معنيان:
المعنى الأول: أن يكون وارداً على جهة الإخبار وأراد الرسول أن الاختلاف بالتقدم والتأخر يكون سبباً في تغيير قلوبهم على بعضهم بعض وإضافته إلى الله تعالى على جهة المجاز دون الحقيقة.
المعنى الثاني: أن يكون وارداً على جهة الدعاء وهو أنهم إذا خالفوا بالتقدم والتأخر في الصلاة كان ذلك سبباً في أن الله تعالى هو المغير لقلوبهم على بعضهم البعض لما فعلوا ما يستوجبون به التغيير بالتقدم والتأخر في الصلاة،وكلا المعنيين دال على التحذير عن المخالفة في الصلاة بما ذكرناه من تقديم الأقدام أو تأخيرها لما فيه من تغيير هيئة الصلاة.
وروي عن عمر أنه كان له أعوان يأمرهم بتسوية الصفوف فإذا رجعوا إليه كبر للصلاة، ويستحب للإمام في الصلاة أن يخفف في القراءة وسائر الأذكار لقوله : ((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة فإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء)). فإن صلى وحده طول ما شاء للخبر وهكذا إذا صلى بقوم يعلم من حالهم أنهم لا يشق عليهم التطويل ويؤثرونه فلا بأس بالتطويل.
الفرع العاشر: وإذا صلى الرجل صلاة في منزله ثم أدركها في جماعة فالمستحب أن يعيدها في جماعة لما روى يزيد بن عامر(1)
__________
(1) في (التأريخ الكبير)8/316: يزيد بن عامر له صحبة، وهو في (الجرح والتعديل): يزيد بن عامر السوائي، وكنيته: أبو حاجر، كان مع المشركين يوم حنين ثم أسلم، اهـ.9/281، روى عن النبي في الصلاة، وعنه نوح بن صعصعة والسائب بن أبي حفص. اهـ (تهذيب التهذيب)11/296، السُوائي بضم السين المهملة.

قال: جئت ورسول الله في الصلاة فجلست فلم أدخل معهم في الصلاة قال: فانصرف علينا رسول الله فرآني جالساً فقال: ((ألم تُسلم يا يزيد )). قال: بلى يا رسول الله قد أسلمت قال: ((فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم))؟ قال: إني كنت قد صليت في منزلي وأنا أحسب أن قد صليت قال: ((إذا جئت الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت فلتكن تلك لك نافلة وهذه مكتوبة))(1)
وهل يستحب الدخول في الثانية بكل حال أو لا يستحب الدخول في الثانية إلا إذا كان قد أدَّى الأولى منفرداً من غير جماعة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب الدخول في الثانية سواء كانت الأولى مؤدَّاة في جماعة أو منفرداً وهذا هو رأي بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى يزيد بن الأسود العامري(2)
أن الرسول صلى الصبح في مسجد الخيف فلما فرغ من صلاته رأى رجلين في آخر القوم لم يصليا معه فقال: ((عليَّ بهما)). فأُتي بهما ترعد فرائصهما فقال: ((ما منعكما أن تصليا معنا ))؟ فقالا: يا رسول الله كنا قد صلينا في رحالنا فقال: ((لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة))(3).
ولم يفصل بين أن يكون قد صليا وحدهما أو في جماعة فدل ظاهر الخبر على أنه لا يشترط في الإعادة كون الأولى منفردة.
__________
(1) أخرجه أبو داود1/157، والدار قطني1/276، والبيهقي في الكبرى2/302.
(2) يزيد بن الأسود العامري الصحابي، أبو جابر الحجازي السوائي، حليف لقريش، روى عن النبي الحديث المذكور عن الرجلين اللذين جلسا في أخريات الناس... إلخ، وفي (الاستيعاب)4/571: رو ى عنه ابنه جابر بن يزيد، وجاء في (الإصابة)6/648: أنه سكن الطائف، روى الحديث السالف وصححه الترمذي وهو في السنن الثلاث وغيرها.
(3) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو في (المستدرك) 1/372، ومصنف عبد الرزاق2/421، ومسند أحمد 4/161.

المذهب الثاني: أنه لا يستحب الدخول مع الجماعة إلا إذا كانت الأولى مؤدَّاة على الانفراد وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما في خبر يزيد بن عامر فإنه قال: يا رسول الله قد كنت صليت في منزلي. فظاهر خبره دال على أن الأولى كانت منفردة من غير جماعة فدل على أن الأولى إذا كانت في جماعة فلا حاجة إلى إعادتها ولأنه قد أحرز فضيلة الجماعة بأداء الأولى في جماعة فلا يفتقر إلى إعادتها.
والمختار: هو استحباب الإعادة مع الجماعة سواء كان الأولى مؤدَّاة على الانفراد أو في جماعة لأمرين:
أما أولاً: فإن كانت الأولى مؤدَّاة على الإنفراد أحرز بالثانية فضيلة الجماعة، فإن كانت الأولى قد أدت بالجماعة أحرز فضيلة الجماعتين.
وأما ثانياً: فلأن مقصود الرسول هو أنه لا يتسبب إلى الإعراض والاستهانة بصلاة الرسول ومن معه من المسلمين فلهذا حث على الدخول سواء كان الأولى مؤدَّاة على الانفراد أو في الجماعة لهذا الغرض.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: حديث يزيد بن عامر دال على أن الأولى كانت مودَّاة على الانفراد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما قال: قد كنت صليت في منزلي. ليعذره عن التخلف عن الجماعة لا من جهة كون الانفراد بالصلاة شرطاً في استحباب الدخول مع الجماعة.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرناه من الإعراض والاستهانة هو السبب في الدخول مع الجماعة فلا فصل فيه بين الانفراد والجماعة.
قالوا: إذا كانت الأولى قد أُدِّيَت جماة فقد أحرز فضيلة الجماعة بخلاف ما لو كانت منفردة فافترقا.

قلنا: مقصود الإستحباب حاصل بالإعادة مع الجماعة سواء كانت الأولى [مؤداة على الانفراد] أو بجماعة لما ذكرناه من أن غرض الرسول ألا ينسب المتأخر عن صلاة الجماعة إلى التساهل والإعراض خاصة في أول الإسلام ولهذا قال الرسول ليزيد بن عامر: ((ألم تُسلم يا يزيد ))؟ قال: بلى يا رسول اللّه. وفيه إيضاح الغرض الذي ذكرناه.
الفرع الحادي عشر: هل يكون الاستحباب في إعادة الأولى والدخول مع الجماعة في كل صلاة أو في صلاة معينة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب في كل صلاة وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وحذيفة وأنس بن مالك وهو قول الشافعي خلا أن أصحابه قالوا في المغرب: إذا أعادها ضم إليها ركعة وسلم بها.
والحجة على هذا: ما في خبر يزيد بن الأسود ويزيد بن عامر فإنهما لم يفصلا بين صلاة وصلاة وفي هذا دلالة على استحباب الدخول في كل صلاة مع الجماعة.
المذهب الثاني: أن الاستحباب إنما يكون في صلاة معينة ثم اختلفوا في تعيينها على أقوال ستة:
القول الأول: أنه يعيد في كل صلاة إلا العصر والصبح وهذا هو المحكي عن الشافعي لكراهة الصلاة بعد الصبح والعصر.
القول الثاني: أنه يعيد في كل صلاة إلا في الصبح والعصر لكراهة الصلاة يعدهما ولا يعيد المغرب لأنها تصير شفعاً لما ورد من الصحابة أنهم يضمُّون إليها ركعة قبل التسليم وهذا هو رأي أبي حنيفة.
القول الثالث: أنه يعيد في كل صلاة إلا المغرب وهذا هو رأي مالك ومحكي عن الأوزاعي لأنها تصير شفعاً.
القول الرابع: أنه يعيد إلا المغرب لصيرورتها شفعاً والصبح لكراهة الصلاة بعدها وهذا هو المحكي عن إبراهيم النخعي.
القول الخامس: أنه يعيد إلا الصبح والعصر لكراهة الصلاة بعدهما وهذا هو المحكي عن الحسن البصري(1).
__________
(1) في هامش الأصل: قول الحسن هو قول الشافعي وقد تقدم.

القول السادس: أنه يعيد إلا الصبح لكراهة الصلاة بعدها وهذا مروي عن الحكم فهذه أقاويل العلماء في تعيين الصلاة المُعَادة.
والمختار: ما عول عليه الهادي ومن تابعه من شمول الصلاة وأن المُعَاد لا يختص بصلاة دون صلاة.
وحجتهم ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا ما ورد من حديث ابن عامر وحديث يزيد بن الأسود فإن ظاهرهما دال على استحباب الإعادة في كل صلاة ولم يفصلا بين صلاة وصلاة وأيضاً فإن الغرض ألا ينسب القاعد عن الصلاة إذا حضر وهم يصلون إلى الإعراض والاستهانة وهذا حاصل بكل صلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: كل واحد من هذه الأقوال قد قام الدليل فيها على استثناء بعض الصلوات دون بعض فيجب القضاء به والتعويل عليه وقد أشرنا إلى العلة في استثناء كل واحدة من هذه الصلوات فأغنى عن الإعادة والمقصود أن المُعَاد لا يكون على الإطلاق بل لابد من تعيينه كما أوضحناه.
قلنا: هذه تحكمات جامدة ومذاهب في الإستثناء لا دليل عليها، والتعويل إنما هو على حديث صاحب الشريعة الذي رواه يزيد بن عامر ويزيد بن الأسود وليس فيهما إشارة إلى تعيين صلاة وفي هذا دلالة على ما قلناه من بطلان التعيين فيجب القضاء به ولا حاجة إلى منع هذه التعيينات بالإبطال ويكفينا في بطلانها أنها لم تدل عليها دلالة فلا جرم اكتفينا بظاهر الحديث في إبطالها والله الموفق للصواب.
الفرع الثاني عشر: وإذا قلنا باستحباب الإعادة فهل يكون الفرض الأولى أو الثانية فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الفريضة هي الثانية وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن مالك والأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى يزيد بن عامر عن رسول الله الذي رويناه فإنه قال له: ((إذا صليت في منزلك ثم أتيت مسجد جماعة وصليت معهم فلتكن تلك نافلة وهذه هي المكتوبة)) وهذا نص في موضع الخلاف فيجب القضاء به.

المذهب الثاني: أن الفريضة هي الأولى وأن الثانية نافلة وهذا هو رأي زيد بن علي ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على هذا: ما روى يزيد بن الأسود عن رسول الله الذي رويناه للذين تأخرا عن الصلاة فإنه قال لهما: ((إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة)). وهذا نص صريح أيضاً بأن الأولى هي الفريضة.
المذهب الثالث: أن الله تعالى يحتسب بأيهما شاء وهذا هو المحكي عن الشافعي في القديم وأما الجديد فهو مثل ما رويناه عن زيد بن علي.
والحجة على هذا هو أن الأولى قد تحقق إسقاطها للفرض لما كانت فريضة والثانية فقد دل على كونها فرضاً خبر يزيد بن عامر، فإذا كانا فرضين كلاهما لا جرم احتسب الله بأيهما شاء لما كان فرضين.
والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي ومن تابعه.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا أمرين:
أما أولاً: فلأنا لو قدرنا أن المصلي لم يرد على قوم يصلون لكانت الأولى مجزية مسقطة لفرضه عن ذمته لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن الثانية لو كانت هي الفريضة لم يكن الإتيان بها مستحباً بل كان واجباً لأنها هي الفريضة فلما كان الإتيان بها مستحباً دل ذلك على كونها نافلة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: خبر يزيد بن عامر دال على كون الثانية فريضة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على ما إذا عرض للأولى فساد، فالثانية هي الفريضة لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بحديث يزيد بن الأسود فإنه دال بصريحه على أن الأولى هي الفريضة.
قالوا: حكي عن الشافعي في القديم أن الله تعالى يحتسب بأيهما شاء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا مبني على أنهما فرضان فيحتسب الله بأيهما شاء مع استوائهما في الفرضية ونحن لا نسلم ذلك وإنما الفرض هو الأولى كما مر بيانه.

وأما ثانياً: فلأن هذا قوله في القديم وهو مرجوع عنه في الإجتهاد، والتعويل إنما هو على الجديد من أقواله وهو أن الفرض هو الأولى، فأما ما حكي عن الهادي من رفض الأولى ففيه نظر من أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. فنهى عن إبطال العمل بعد ثبوته وتقرره.
وأما ثانياً: فلأن العمل إذا أُدِّي على الوجه المأمور به شرعاً فقد أجزى وخلصت الذمة وخرج به عن عهدة الأمر وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه لرفضه بعد قبوله لأنه لا حكم للعبد على العمل بعد رفعه ولهذا فإنه لا يقدر العبد على إسقاط ثوابه ولا يمكن منه بحال.
وأما ثالثاً: فلأن هذا مبني على أن الفريضة هي الثانية وقد أوضحنا أن الفريضة هي الأولى.
ومن وجه رابع: وهو أنا نقول متى يكون الرفض للأولى بعد تمام الثانية فهما فرضان جميعاً أو قبل تمام الثانية فالأولى تكون باطلة بالرفض والثانية باطلة لأجل نقصانها فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لا وجه للرفض في الأعمال من جهة العباد وأن أمرها إلى الله لا تصرف للعباد فيها بعد مطابقتها للأمر الشرعي ورفع الحفظة لها وأن الفرض هو الأولى والثانية نافلة، وأما ما حكي عن الأوزاعي والشعبي أن الجميع فرضه فهو فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلقوله : ((لا ظهران في يوم، ولا عصران في يوم " ))(1).
وفي هذا دلالة على نفي كونهما جميعاً فرضين.
وأما ثانياً: فلأن لا قائل بكونهما فرضين لأن العلماء على قولين: فقائل يقول: بأن الفرض هو الأولى. وقائل يقول: بأن الفرض هو الثانية، فقول من قال بأنهما فرضان يكون إحداث قول ثالث.
__________
(1) تقدم في المجلد الأول الحديث وتخريجه في ص 336، وهو من الأحاديث التي تترد كثيراً في الانتصار.

202 / 279
ع
En
A+
A-