قلنا: هذا فاسد فإنما قضينا باشتراط الجماعة في الجمعة لدلالة شرعية وحجة واضحة على اشتراط الاجتماع في كونها جمعة وغيرها من الشرائط بخلاف صلاة الجماعة فإن الأدلة الشرعية إنما دلت على فضلها لا على كونها شرطاً في صحة الصلاة فافترقا، ويؤيد هذا ويوضحه أن صلاة الجمعة متميزة عن سائر الصلوات في الهيئة والوقت والعدد فلا وجه لقياس أحدهما على الآخر لافتراقهما فيما ذكرناه، فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنه لا وجه لإيجابها على الكفاية، ولا وجه لإيجابها على الأعيان، وأنها ليست شرطاً في صحة الصلاة، وهذه الأمور قد دللنا على فسادها وبطلانها وأن الصحيح كونها سنة مؤكدة ويؤيد ما ذكرناه ما روي عن الرسول أنه قال لرجل سأله عما فرض الله عليه فقال: ((خمس صلوات في اليوم والليلة )). فقال هل عليَّ شيء غير هذا؟ فقال: ((لا إلا أن تطوع)). فلو كانت صلاة الجماعة واجبة على الكفاية أو على الأعيان لذكرها لأنه في موضع التعليم وفي موضع الحاجة فلما لم يذكرها دل على أنها غير واجبة وهو المطلوب.
الفرع الثاني: في أقل الجماعة وأقل الجماعة اثنان فصاعداً، لقول الرسول : ((الاثنان فما فوقهما جماعة ))(1)
ويكره للرجل أن يصلي وحده لما روي عن الرسول : ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة )). فإن صلى في بيته بزوجته أو بنته أو أخته أو بجاريته أو بمحرم من محارمه فقد أتى بفضيلة الجماعة لأن قوله : ((الاثنان فما فوقهما جماعة ))
لم يفصل بين شخص وشخص، وأما الأفضل في الجماعة فكلما كثرت كان أفضل لقوله ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى اللّه)) فإن كان بالبعد منه مسجد تكثر فيه الجماعة وبالقرب منه مسجد فيه جماعة أقل من المسجد البعيد ففيه وجهان:
__________
(1) أورده في المستدرك على الصحيحين4/371، وسنن البيهقي الكبرى3/69 والدار قطني1/281 وابن ماجة 1/312.
أحدهما: أنه ينظر فيه فإن كانت جماعة المسجد القريب منه تختل بتخلفه عنه بأن يكون إماماً له أو بأن يكون ممن إذا حضر حضر الناس بحضوره فيه فصلاته في المسجد القريب أفضل لتحصل الجماعة في تلك البلدة في موضعين وإن كانت الجماعة في المسجد القريب لا تختل بتخلفه عنه فالأفضل أن يصلي في المسجد البعيد الذي تكثر فيه الجماعة.
وثانيهما: أن صلاته في مسجد الجوار أفضل لقوله : ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ))(1)
ولئلا يؤدي إلى تعطيل الجماعة الأخرى.
والمختار: هو الأول لقوله : ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده v وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل الواحد وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى)). فإن كان إمام المسجد البعيد ممن يعتقد الجبر ويذهب إليه أو ممن يقول بالتشبيه أو صاحب بدعة أو رافضياً أو فاسقاً مظهراً لفسقه فالأفضل أن يصلي في المسجد القريب الذي تقل فيه الجماعة بكل حال لأن من هذه حاله من اعتقاد الجبر والتشبيه واعتقاد الرفض والبدعة والفسق الظاهر فهذه العقائد مما يطرق خللاً في صحة الديانة، كاذبون في اعتقاد هذه العقائد الردية مجيزون على الله تعالى [ما لا يجوز]والرسول قد قال: ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه ))(2).
وسيأتي لهذا مزيد تقرير وتحقيق عند الكلام في صفات الأئمة بمعونة الله تعالى.
الفرع الثالث: وأما النساء فجماعتهن في البيوت أفضل لقوله : ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن))(3)
__________
(1) رواه الحاكم في المستدرك 1/373، والبيهقي في الكبرى3/111، وابن أبي شيبة في المصنف1/303، وعبد الرزاق1/497
(2) حكاه في (الشفاء) وفي (سبل السلام) 2/29 و(نيل الأوطار)3/199.
(3) رُوي في صحاح مسلم 1/327 والبخاري 1/305، وابن خزيمة 3/90، وابن حبان 5/587، وهو في سنن البيهقي 3/132، والدارمي 1/330، وأبي داود 1/155 وابن ماجة 1/8.
فإن أرادت المرأة حضور الجماعة في المساجد مع الرجال نظرت،فإن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها فإنه يكره لها الحضور لأنه يخاف الافتتان بها، وإن كانت كبيرة لا يشتهى مثلها لم يكره لها الحضور لما روي عن الرسول أنه نهى عن خروج النساء إلى المساجد إلا عجوزاً بمنقلها، والمنقل بفتح الميم والقاف هو الخف ولم يرد أن المنقل هو شرط في رخصة الخروج وإنما ذكره لأن الغالب من حال العجائز ليس الخفاف ويجوز كسر الميم لأنه من جملة الآلات كالمقبض والمجلب، والمستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها على التوأدة والوقار من غير عجلة ولا طيش لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة)). وروي عن ابن مسعود أنه اشتد إلى صلاة الجماعة في سيره وقال: أدركوا حد الصلاة يعني التكبيرة الأولى، والصحيح هو الأول لأن الخبر لم يفصل في ذلك، وفيه دلالة على أن إتيانها على الوقار والسكينة هو الأفضل ولهذا قال في آخر الخبر: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ))(1).
فإذا تقرر هذا فقد روي عن الرسول : ((من صلى أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان:براءة من النار، وبراءة من النفاق))(2).
واختلف العلماء متى يكون مدركاً للتكبيرة الأولى على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه متى أدركه في الركوع من الأولى فإنه يكون مدركاً لها وإن أدركه بعد الركوع من الأولى لم يكن مدركاً لها.
القول الثاني: أنه ما لم يكن مدركاً للقيام من الأولى فإنه لا يكون مدركاً لها.
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 1/421 وابن حبان 5/522، والترمذي 2/148، والنسائي 2/114، وابن ماجة 1/255، وهو في مصنف ابن أبي شيبة 2/138، والموطأ 1/68 ومسند أحمد 2/238.
(2) أخرجه الترمذي عن أنس2/7، وعبد الرزاق 1/528، وهو في مسند الشهاب 1/285، وفي الترغيب والترهيب 1/160.
القول الثالث: أنه إن كان مشتغلاً بأسباب الصلاة مثل الطهارة والسواك وما أشبه ذلك ثم أدرك الركوع من الأولى فإنه يكون مدركاً لها وإن كان مشتعلاً بأمر الدنيا فلا يكون مدركاً لها ما لم يدرك القيام فيها.
والمختار: أنه لا يكون مستوجباً لهاتين البرآئتين إلا بسماع التكبيرة الأولى وإدراك القيام لأنه إذا كان سامعاً كان مدركاً للصلاة بكمالها كما كان المسلمون يفعلون مع الرسول من الإهتمام بأمر الصلاة فكان لا يفوتهم فضل أولها واستكمال حالها.
الفرع الرابع: وصلاة الجماعة يجوز تركها للعذر سواء قلنا بكونها سنة أو واجبة على الكفاية على رأي من يذهب إلى ذلك، والإعذار في ذلك عامة وخاصة فهاذان ضربان:
الضرب الأول: الأعذار العامة وهي المطر والريح في الليلة المظلمة فأما الريح بالنهار فليست عذراً في تركها لما روى ابن عمر أن الرسول كان يأمر مناديه في الليلة المظلمة المطيرة ذات الريح: ((ألا صلوا في رحالكم )) (1).
وهكذا حال الوحل فإنه يكون عذراً خاصة في الأراضي الرخوة لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال )) (2).
__________
(1) أخرجه البخاري 1/227، ومسلم 1/484، والموطأ عن ابن عمر، وهو في صحيحي ابن خزيمة 3/79، وابن حبان 5/436، وفي سنن أبي داود 1/279 والنسائي 2/14 وابن ماجة1/302.
(2) قال ابن بهران: في (الجواهر)1/300: وقال في (التلخيص): حديث: ((إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال)) لم أر هذا اللفظ في كتب الحديث، وقد ذكره ابن الأثير في (النهاية) كذلك، لكن ذكره في (النهاية) وقال: النعال جمع نعل، وهو ما غلظ من الأرض في صلابة، قلت: الظاهر أنه أراد بالنعال معناها المشهور لا ما ذكره ابن الأثير، ويشهد لذلك ما رواه أبو المليح عن أبيه أنه شهد مع رسول الله زمن الحديبية يوم جمعة وقد أصابهم مطر لم يَبُلَّ أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم، أخرجه أبو داود.
وهكذا حال الحر الشديد في الأمكنة الحارة فإنه عذر في ترك الجماعة لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (1).
والبرد الشديد فإنه عذر في ترك الجماعة كالحر الشديد لاستوائهما في حصول المشقة، فهذه الأعذار كلها عامة لأنها لا تختص بشخص دون شخص.
الضرب الثاني: الأعذار الخاصة وجملتها اثنا عشر عذراً.
العذر الأول: أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه فينبغي أن يبدأ بالأكل لقوله : ((إذا حضر العشاء والعشاء فابدأوا بالعَشاء إذا أقيمت الصلاة)). ولأن ذلك يمنعه من تمام الخشوع والإقبال إلى الصلاة فإن كان طعاماً يمكنه أن يستوفيه قبل فوات وقت الصلاة فإنه يستوفيه وإن كان يخشى فوات الوقت إن استوفاه فإنه يأكل منه ما يسد رمقه به لا غير.
العذر الثاني: أن يحضر الصلاة وهو يدافع الأخبثين أو حدهما فيبدأ بقضاء حاجته لقوله : ((لايصلين أحدكم وهو يدافع الأخبثين )) فإن خالف وصلى مع ذلك صحت صلاته وحكي عن المروزي من أصحاب الشافعي أن صلاته غير صحيحة لعموم الخبر.
والمختار: هو الأول: لأنه غير محدث والخبر محمول على الإستحباب.
العذر الثالث: أن يكون معه مرض يشق عليه لأجله القصد إلى صلاة الجماعة لما روي عن الرسول ((إذا مرض العبد قال الله تعالى لملائكته : ما كان يصنع عبدي هذا؟ فيقولون: كان يصنع كذا وكذا، فيقول الله تعالى: اكتبوا له ما كان يعمل)) ولأنه يشق عليه القصد إلى الجماعة.
__________
(1) رواه أبو هريرة، متفق عليه، وهو في (مجمع الزوائد) 1/307 ومصنف عبد الرزاق 1/542، ومصنف ابن أبي شيبة1/286.
العذر الرابع: الخوف، وهو أن يكون عليه دين ولا مال له يقضيه غريمه ويخشى أن يحبسه غريمه إن رءاه أو يخشى أن يحبسه السلطان العالم ظلماً وعدواناً، فمن هذه حاله يجوز له ترك الجماعة لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول : ((من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر)). قالوا: يا رسول الله، وما العذر؟ قال: ((خوف أو مرض)) (1).
العذر الخامس: السفر وهو أن تقام الصلاة وهو يريد السفر أو يخشى أن ترحل القافلة ولا يلحقها، فله ترك الجماعة لأن عليه ضرراً بتخلفه عن القافلة.
العذر السادس: خوف غلبة النوم إن انتظر الجماعة فله أن يشتغل بالنوم؛ لأن النعاس يمنعه عن الخشوع في الصلاة والإقبال عليها وربما انتقضت إذا نام مضطجعاً.
العذر السابع: أن يكون قيماً على مريض يخشى ضياعه؛ لأن حفظ الآدمي آكد من حرمة الجماعة فإن كان له قيم سواه لكن قلبه مشتغل به جاز له ترك الجماعة لأجل فراغ قلبه عن الخشوع والإقبال.
العذر الثامن: أن يكون له قريب قد حضره الموت ونزل به أمر الله فيجوز له ترك الجماعة ليقف عليه ويقوم بتجهيزه لأن قلبه يألم بتخلفه عنه.
العذر التاسع: أن يخاف تلف ماله وضياعه إن اشتغل بالجماعة وهذا نحو أن يخشى عليه احتراقاً أو يقدم من سفر بأمواله فيخشى أخذ الظالم لها بالغصب والأخذ لأن عليه ضراراً في ذلك.
العذر العاشر: أن يكون قد ضاع له مال فيرجو بترك الجماعة وجوده وحصوله لأن قلبه يألم بذهاب المال ويضيق صدره فيكون ذلك عذراً في تركها.
__________
(1) رواه ابن ماجة والدار قطني وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه بلفظ: ((من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر)) وأخرجه أبو داود بالزيادة المذكورة في الأصل.
العذر الحادي عشر: إذا كان آكلاً من هذه البقول التي لها رائحة كريهة كالبصل والثوم والكُرَّاث فإن ذلك يكون عذراً في ترك الجماعة لما روي عن الرسول أنه قال: ((من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يؤذين مساجدنا ))(1).
وهذا إذا كان لا يمكنه إزالة هذه الرائحة يغسل فمه أو بدواء يأكله فإن كان يمكنه لم يكن عذراً في ترك الجماعة فإن أكلهما مطبوختين لم يكن عذراً في تركها لما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: من أراد أن يأكلهما فليطبخهما.
العذر الثاني عشر: أن يكون عرياناً لا يمكنه الخروج من العري فهذه الأعذار كلها مؤذنة بالرخصة في ترك الحضور للجماعة في المساجد والجوامع وكل ذلك لما فهم من مقصود الشرع المواضبة عليها والمسارعة إلى تأديتها.
__________
(1) رواه في (السنن الكبرى) 4/158 و(شرح معاني الآثار)4/238،و(التمييز) لابن عبد البر6/416.
الفرع الخامس: وإن حضر المؤتمون ولم يحضر الإمام نظرت فإن كان قريباً أُرْسِلَ إليه رسول سواء كان إمام المسجد أو الإمام الأعظم فإن جاء فهو [أولى] بالصلاة، وإن استخلف كان من استخلفه أحق لأنه بأمره، وإن لم يأت ولا يستخلف جازت الصلاة لأن بعد الإرسال لا يكون هناك تغيير لقلبه ولا تضييق لصدره، وإن كان بعيداً نظرت فإن كانوا لا يخافون فتنة قدموا واحداً منهم يصلي بهم إذا خافوا فوات الوقت، وإن خافوا إنكاره وتغير قلبه وفتنته انتظروا مخافة إيغار صدره إلا أن يخافوا فوات الوقت فإن خافوا فوات الوقت صلوا لأنه لا يجوز إخراج الصلاة عن وقتها، والأصل في هذا ما روي عن الرسول على أنه خرج إلى صلح بني عمرو بن عوف فقدم المسلمون أبا بكر فصلى بهم، ثم جاء النبي وهم في الصلاة، فتأخر أبو بكر لما أحس بالرسول وتقدم الرسول المحراب فصلى أبو بكر بصلاة الرسول وصلى المسلمون بصلاة أبى بكر، وانصرف النبي في عزوة تبوك لبعض حوائجه فقدم الناس عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم ثم رجع الرسول فصلى خلفه ركعة فلما سلم قام الرسول فقضى ما عليه فلما سلم قال: ((أحسنتم)) (1). أو قال: ((أصبتم)). وإن حضر الإمام وبعض المؤتمين فالمستحب أن الإمام يصلي بمن حضر ولا ينتظر الباقين لأن الصلاة في أول الوقت مع الجماعة القليلة أفضل من فعلها في آخر وقتها مع الجماعة الكثيرة.
الفرع السادس: ولا تصح الجماعة للمأموم حتى ينوي الإقتداء بالإمام هذا هو رأي الهادي واختاره الأخوان وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
__________
(1) أخرجه الستة بروايات متعددة، وهو في صحيح ابن حبان 5/603، وسنن البيهقي 3/123.
والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا))(1).
ومعنى الائتمام هو الإتباع ولا يعقل الإتباع إلا بنية كونه تابعاً فإن تابعه في أفعاله ولم ينو الإقتداء به بطلت صلاته لأنه يصير مؤتماً غير مؤتم فيكون مؤتماً من حيث أنه تابعه وغير مؤتم من جهة أنه لم ينو الإقتداء، وما هذا حاله فهو لعب وهزؤ بالصلاة والله تعالى يقول: {لا تتخذوا دينكم هزواً ولعبا}(2).
فإن نوى الإقتداء بالإمام ولم يعلم الإمام صحت صلاته عند أئمة العترة الهادي والمؤيد بالله لأن علم الإمام بكونه إماماً ليس بشرط في صحة كونه إماماً لأنه يكون إماماً وإن لم يكن عالماً، وحكي عن الأوزاعي أنه لابد من علم الإمام بكونه إماماً حتى تصح إمامته فإن أراد العلم فليس شرطاً في صحة الإمامة، وإن أراد النية فسنقرر الكلام فيها هل يجب اعتبارها أم لا؟ وأما الإمام فهل تجب النية عليه في كونه إماماً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن النية تجب في كونه إماماً، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن الجويني والمسعودي من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )). والمعلوم أن كون الإمام إماماً للصلاة من جملة الأعمال فيجب اشتراط النية فيه.
__________
(1) رواه أبو هريرة، متفق عليه، وجاء بألفاظ مختلفة في بعضها: ((فإذا كبر فكبروا)) و((فإذا ركع افركعوا)) و ((فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً)) و((فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)) وهو مروي في أكثر الصحاح والسنن والمسانيد.
(2) سبقت الإشارة في موضع سالف إلى أن هذه العبارة ليست آية ولا بعض آية من القرآن الكريم بهذا النسق أو الصيغة، ولعله وهم من المؤلف أو خطأ من الناسخ، وسبحان الذي لا يضل ولا ينسى، ولعل الأقرب إلى الاستدلال قوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزؤا}[البقرة:231].
الحجة الثانية: قوله : ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول جعل الأئمة ضُمَناً وليس يعقل الضمان إلا بنية كونه ضامناً لأن الضمان تحمل ولا يمكن تصوره من غير نية.
المذهب الثاني: أن نية الإمام غير واجبة في صحة كونه إماماً للصلاة وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي خلا أن الإمام لا يحرز فضيلة الإمامة إلا بالنية من غير أن تكون شرطاً في صحة الإمامة.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: بت عند خالتي ميمونة فجاء النبي فقام وتوضأ ووقف يصلي فقمت وتوضأت ثم جئت فوقفت على يساره فأخذ بيدي وأقامني على يمينه.
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول لم ينو الإمامة في حال شروعه في الصلاة، ويحتمل أنه لم يشعر بدخول ابن عباس في الصلاة معه حتى دخل.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله ومن تابعه.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الإمام إنما يكون إماماً بمتابعة غيره له سواء نوى الإمام أو لم ينو بخلاف المأموم فإنه لا يعقل كونه تابعاً إلا بنية المتابعة لكن النية للإمام لأحراز ثواب الجماعة وإدراك فضلها وإحراز أجرها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله : ((الأعمال بالنيات)). والإمامة من جملة الأعمال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فنهاية الأمر أن هنا عموماً ونحن نخصه بخبر ابن عباس ولا يكون مندرجاً تحت العموم.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من حديث ابن عباس فإذا تعارضا وجب الترجيح ولا شك أن خبر ابن عباس راجح لأن فيه تصريحاً بالمقصود وخبركم إنما يدل على المقصود من جهة عمومه فلهذا كان خبر ابن عباس أحق بالعمل والقبول لما ذكرناه.
قالوا: روي عن الرسول : ((الإمام ضامن)). وليس يكون ضامناً إلا بالنية.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أخرجه أبو داود1/148، والترمذي 1/402،عن أبي هريرة، وهو في سنن البيهقي 1/425، وصحيح ابن حبان 4/559 وغيرها.