---
الفصل الثالث في بيان ما لابأس بفعله في الصلاة.
اعلم أنا قد ذكرنا في الفصل الأول ما يكون مفسداً للصلاة وذكرنا في الفصل الثاني ما يكون مكروهاً في الصلاة، والذي نذكره في هذا الفصل هو ما يكون فعله غير مفسد للصلاة ويقع التردد في جواز فعله أو تركه ونحن نورد هذه الفروع ونفصلها بمعونة الله تعالى:
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في ضبط المصلي لعدد الركعات بالأصابع أو بخط على الأرض أو بوضع الحصا، هل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا بأس به، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن مالك والثوري وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبن أبي ليلى والنخعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ " }[البقرة:238]. وهذا من جملة المحافظة على أعداد ركعاتها وسجداتها.
المذهب الثاني: كراهة ذلك، وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله ليس من عمل الصلاة في شيء فلهذا كان تركه أولى؛ ولأنه يمنع من الخشوع ويشغل القلب عن الإقبال إلى الصلاة.
المذهب الثالث: أنه يكره في الفرض دون النفل، وهذا هو رأي أبي يوسف حكاه المنهلي(1) عنه.
والحجة على هذا: هو أن الفرائض المأخوذ فيها التصون والاحتراز عما يكون فيها نقصان لها من الاشتغال فيها بالمباحات بخلاف النوافل فإن الشرع قد تساهل فيها ولهذا يجوز أداؤها من قعود مع القدرة على القيام، فلأجل هذا جاز ما ذكرناه في النفل دون الفرض.
والمختار: ما قاله الهادي ومن تابعه من العلماء من جواز المحافظة بما ذكرناه على أعداد الركعات.
__________
(1) هكذا جاء في الأصل، وهو اسم لم يرد من قبل هنا، ولعله جاء عن خطأ من قبل الناسخ في النقل، والله أعلم.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المقصود هو سد باب الشكوك في الصلوات والإتيان بها على تمام وكمال في أعداد ركعاتها وسجداتها وبما شرع من تكرير التكبيرات في صلاة الكسوف وفيما شرع من تكرير التسبيحات في صلاة التسبيح وغير ذلك من النوافل المكررة قراءتها وتسبيحاتها، وما هذا حاله يضبطها وتكون بمراعاته مؤداة على الحد المشروع فيها فلهذا كان جائزاً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: ليس هذا الذي ذكرتموه من الحصر بالخط على الأرض، وعقد الأصابع ليس من عمل الصلاة في ورد ولا صدر فلا حاجة إليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أوضحنا ما فيه من مصلحة الصلاة باحراز أركانها وتأديتها على الوجه المطابق لبراءة الذمة عن اللزوم.
وأما ثانياً: فالآن قد ارتفع النزاع فإن حاصل كلامكم أنه لا فائدة فيه وقد أوضحنا ما فيه من الفائدة والمصلحة فإذاً الخلاف فيه يرتد إلى الفائدة وعدمها فإذا أوضحنا فائدته فلا وجه للنزاع.
قالوا: إنما يجوز في الفرض دون النفل؛ لأن النفل متسع فيه بخلاف الفرض.
قلنا: الفرض مثل النفل في مراعاة مقصود المصلحة في الصلاة فإذا جاز ذلك في النفل جاز في الفرض.
ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بما ذكرناه إنما هو التحفظ في تأدية الأركان فإذا جازت المحافظة في النفل فهي في الفرض آكد وأجوز.
الفرع الثاني: قال الهادي في الأحكام: ولا بأس بأن يعتمد على الحائط أو على عود عند نهوضه من السجود إذا كان به ضعف أو كِبر.

والحجة على هذا: ما روي أن الرسول كان له عود يعتمد عليه عند نهوضه للقيام من سجوده حين كبر وضعف(1)، وحكي عن أنس بن مالك أنه قال: ما تدرون لأي شيء هذا العود؟ وقد رأوا عوداً مركوزاً في الجدار فقال: هذا عود كان رسول الله إذا قام من سجوده إلى القيام[اعتمد عليه] لما دخل في السن وكبر وضعف، ولأنه مفعول لإصلاح الصلاة والوفاء بتمام ركوعها وقيامها فجاز فعله لقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}[البقرة:238].
الفرع الثالث: قال الهادي في المنتخب: ولا بأس أن يصلي الرجل وفي منطقته دراهم أو دنانير أو فلوس أو غير ذلك مما يكون طاهراً، فما هذا حاله جائز حمله باشتراط أمور ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يكون طاهراً فإنه لا يجوز حمل النجس في الصلاة كما مر بيانه.
وأما ثانياً: فبأن لا يكون حمله شاغلاً له عن استيفاء شرائط الصلاة وأركانها وسجودها وركوعها.
وأما ثالثاً: فبأن يكون حلالاً فلا يجوز حمل الأشياء المغصوبة في الصلاة فإذا سلم من هذه الأمور الثلاثة جاز له حمله والإجماع منعقد على ذلك.
الفرع الرابع: ولا بأس في تسوية الرِّداء عن السقوط. واعلم أن ما هذا حاله يكون على أوجه ثلاثة:
أولها: أن يكون واجباً وذلك إذا خاف انكشاف ما تحت ستره في الصلاة فعلى هذا يكون الستر واجباً.
وثانيها: أن يكون الستر مستحباً وهذا إذا خاف انكشاف ما يستحب ستره في الصلاة كالمنكب والهبريتين.
وثالثها: أن يكون مكروهاً وهذا إذا خاف انكشاف ما يجوز ستره في الصلاة نحو العضدين والساقين لأن ما هذا حاله فعل قليل لا يخل بالصلاة.
الفرع الخامس: قال القاسم في مسائل عبدالله بن الحسن: ولا بأس أن يشد الرجل وسطه بخيط في حال الصلاة وهو محكي عن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة.
__________
(1) عن وابصة بن معبد قال: حدثتني أم قيس بنت محصن أن الرسول لما أسن وحمل اللحم اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه، أخرجه أبو داود في سننه 1/249، (المستدرك) 1/397، وسنن البيهقي2/288.

والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله فيه تقوية على الركوع والسجود في حق من يعتريه الضعف والكِبر.
ووجه آخر: وهو أنه يكون أقرب إلى ضم الثياب عن الانتشار، وحكي عن أبي حنيفة أنه مكروه.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله عادة للنصارى بالشد بالخيوط على أوساطهم، فكره التشبه لأن لكل واحد من أهل الكتابين شعاراً يعرف به فلليهود الزنار على رؤسهم وللنصارى الغيار يشد على أوساطهم يخالف لون ثيابهم يعرفون به،
قال ابن المعتز(1) يصف حالهم:
قد طال ما نبهتني للصبوح به
أصوات رهبان دير في صوامعهم
مزيرين على الأوساط قد جعلوا ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر
سود المدارع نعارين في السحر
فوق الرؤوس أكاليلاً من الشعر
الفرع السادس: قال القاسم فيمن يشتكي بطنه أو ظهره أو شيئاً من جسده في صلاته فلا بأس أن يضع يده عليه أو يغمزه إذا كان ذلك يسكنه، والوجه في ذلك أمران:
أما أولاً: فلما فيه من تضمن إصلاح الصلاة والمحافظة عليها وقد قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}[البقرة:238].
وأما ثانياً: فلأنه يتضمن فراغ القلب عن الشغل بالألم وفيه تمام الخشوع والإقبال إلى الصلاة بفراغ قلب وخاطر فلهذا كان جائزاً.
__________
(1) عبدالله بن محمد المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس، الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة، صنف كتباً في الأدب منها (الزهر والرياض) و(البديع) و(الآداب) و(طبقات الشعراء) وله ديوان شعر في جزئين، ومما كتب في سيرته (ابن المعتز وتراثه في الأدب)، لمحمد خفاجة. و(عبدالله بن المعتز أدبه وعلمه) لعبد العزيز سيد الأهل، آلت الولاية في عهده إلى المقتدر العباسي فاستصغره القواد وخلعوه، وأقبلوا على ابن المعتز فبايعوه، فأقام يوماً وليلة ووثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه، وعاد المقتدر فقبض عليه وسلمه إلى خادم له فقتله خنقاً. اهـ (أعلام)4/118، وانظر (تأريخ بغداد)10/92.

الفرع السابع: قال المؤيد بالله: وعلى المصلي إزالة ما كان يشغله في الصلاة على وجه لا يفسدها، وهذا جيد لأن المأخوذ على المصلي فراغ قلبه عما يشغله بقدر الطاقة والإمكان وفراغ جوارحه عن الإشتغال بغير أركانها ولهذا قال الرسول لبلال: ((أرحنا يابلال بالدعاء إليها " )) (1).
وابتلاع الريق جائز في الصلاة لأنه أمر ضروري فأشبه العطاس والسعال ولأنه فعل قليل فلا بأس به، وإخراج الزكاة في حال الإشتغال بالصلاة جائز لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ " }[المائدة:55]. وهذه الآية نزلت في أمير المؤمنين كرم الله وجهه فأثنى عليه بإخراجها في حال الصلاة فلو كان مفسداً للصلاة لم يمدح عليه، ولأن الإخراج عمل قليل فجاز فعله كتسوية الرداء ولأن المباح إذا كان لا يفسدها فعمل الطاعة أحق بألا يفسدها، وقد حمل الرسول بنت أبي العاص على عاتقه في حال قيامه ووضعها عند سجوده، فإذا كان هذا غير مفسد فإخراج الزكاة غير مفسد أحق وأولى وقد نجز غرضنا من بيان المفسدات للصلاة والمكروهات فيها والمباحات والحمدلله.
__________
(1) جاء الخبر في (فيض القدير) 2/427، وعلل الدار قطني 4/141.

---
الباب السابع في صلاة الجماعة
ولا خلاف في كونها مشروعة بين أئمة العترة وفقهاء الأمصار ويدل على فضلها ما روي عن زيد بن علي عن علي" قال: قال رسول الله : ((لن تزال أمتي يكف عنها مالم يظهروا خصالاً : عملاً بالربا، وإظهار الرشا، وقطع الأرحام، وترك الصلاة في جماعة، وترك هذا البيت أن يؤم، فإذا ترك هذا البيت أن يؤم لم يناظروا))(1).
وما روي عن ابن مسعود أنه قال: قال الرسول : ((من أحب أن يلقى الله عبداً مسلماً .فليحافظ على هيئة الصلوات المكتوبة حيث ينادى لهن)) إلى أن قال: ((وإن صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمساً وعشرين درجة))(2).
وعن الرسول أنه قال: ((من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل ، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة))(3).
وعن الرسول أنه قال لجبريل: ((يا جبريل فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قال في ثلاث: إسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الخطا إلى مساجد الجماعات، وإنتظار الصلاة بعد الصلاة))(4).
__________
(1) حكاه في مجموع الإمام زيد بن علي بسنده عن أبيه عن جده عن علي .
(2) في معنى الحديث روايات عن ابن عمر وعن أبي هريرة بلفظ: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة)) و((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين رجة)) متفق عليهما.
(3) عن عثمان قال: سمعت رسول الله يقول: ((من صلى صلاة العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)) هذه رواية مسلم، وفي رواية أبي داود والترمذي قال: قال رسول الله : ((من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة)).
(4) أورده في (مجمع الزوائد)1/237، وفي (الترغيب والترهيب)1/174، عن ابن عباس، و(نوادر الأصول في أحاديث الرسول)3/140.

وماروي عن علي أنه قال: قال الرسول : ((من سمع المنادي من جيران المسجد لم يحبسه مرض أو علة ولم يشهد الصلاة فلا صلاة له))(1).
وما روي عن الرسول أنه قال: ((أفضل الأعمال إسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى مساجد الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة)). وعن أنس بن مالك عن رسول الله أنه قال: ((لقد هممت أن آمر رجلاً أن يصلي بالناس ثم أنظر إلى قوم يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بحزم الحطب))(2).
وعن ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة )). فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم صلاة الجماعة ثم نردفه بذكر صفات الأئمة، ثم نذكر موقف الإمام من المأموم، ثم نذكر على إثره أحكام القدوة، فهذه فصول أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى وتوفيقه.
__________
(1) لفظه عن ابن عباس قال: قال رسول الله : ((من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر)) قيل: وما العذر؟ قال: ((خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى)) أخرجه أبو داود، ورواه البيهقي في الكبرى3/57، وعبد الرزاق في المصنف 1/198.
(2) أورده الشوكاني في (نيل الأوطار)3/142 والرباعي في (فتح الغفار)1/289 وغيرهما عن أبي هريرة، متفق عليه، بألفاظ مختلفة.

---
الفصل الأول في حكم صلاة الجماعة
واعلم أن الاجتماع ليس شرطاً في صحة الصلاة إلا في صلاة الجمعة فإن الاجتماع فرض على الأعيان وحكى ابن الصباغ صاحب (الشامل) عن بعض أصحاب الشافعي أن الجماعة في الجمعة فرض على الكفاية وليس شيئاً كما سنوضحه في صلاة الجمعة بمعونة اللّه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: صلاة الجماعة هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنها سنة مؤكدة وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والقاسم والهادي والناصر ومحكي عن السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي ومحكي عن الكرخي وهو مروي عن بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة)).
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى اللّه))(1).
ولا يكون كذلك إلا إذا كانت صلاته وحده صحيحة.
ومن وجه آخر: وهو أنها صلاة شرع فيها الجماعة فلم تكن الجماعة فيها واجبة كصلاة الكسوف والإستسقاء.
المذهب الثاني: أنها واجبة على الكفاية وهذا هو المحكي عن السيد أبي العباس فإنه قال: الجماعة واجبة على كل من أطاقها إلا لعذر بيِّن من فساد إمام أو مرض مانع أو مطر جود أو غير جود وهو المنصوص للشافعي وإلى هذا ذهب المروزي وابن سريج من أصحاب الشافعي وبه قال الثوري ومالك ورواية عن أبي حنيفة.
__________
(1) أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي بن كعب، ورواه البيهقي في (السنن الكبرى)3/61. والطبراني في (الأوسط) 2/232.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما من ثلاثة في قرية أو بدوٍ لا يقيمون الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان عليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية من الغنم))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن استحواذ الشيطان إنما يكون على ترك واجب.
المذهب الثالث: أنها واجبة على الأعيان وهذا هو المحكي عن الأوزاعي وأحمد بن حنبل وكلام أبي العباس يقتضيه أيضاً وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور وداود من أهل الظاهر وابن المنذر.
والحجة على هذا: ما ورد من الوعيدات الشديدة على مفارقة الجماعة كقوله : ((عليكم بالسواد الأعظم )) (2).
وقوله : ((من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية )) (3).
وقوله : ((الجماعة رحمة والفرقة عذاب " ))(4).
وفي هذا دلالة على أنها واجبة على الأعيان.
المذهب الرابع: أن الجماعة شرط في صحة الصلاة ومن لم يحصرها بطلت صلاته وهذا شيء يحكى عن بعض أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن صلاة الجماعة عبادة شرع فيها الجماعة فكانت الجماعة شرطاً في صحتها كصلاة الجمعة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كونها سنة مؤكدة.
__________
(1) أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي الدرداء مع اختلاف في لفظ: ((... من الغنم القاصية)) وأخرجه ابن حبان 5/458، والبيهقي 3/54 وهو في مسند أحمد 5/196.
(2) رواه ابن ماجة في سننه2/1303 وأحمد في المسند4/278 وضعفه بعض أصحاب المسانيد.
(3) أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس أن الرسول ثال: ((من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية)) وروي بألفاظ مختلفة في (مجمع الزوائد)5/219، وسنن البيهقي الكبرى 8/157، والمعجم الكبير 20/86.
(4) رواه في (مجمع الزوائد)5/214، ومسند البزار 8/226 ومسند أحمد 4/278.

وحجتهم: ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو ما ورد من الترغيبات العظيمة على فضل الجماعة كقوله : ((أفضل الأعمال إسباغ الوضوء في السبرات ، ونقل الخطا إلى مساجد الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)). ولما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا حضر العشاء والعشاء فابدأوا بالعَشاَء )). فلو كانت واجبة لم يجز الإخلال بها عن وقتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((ما من ثلاثة في قرية أو بدوٍ لا يقيمون الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة)). وفي هذا دلالة على كونها واجبة لأن الوعيد لا يكون إلا على ترك الواجبات.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الاستحواذ محمول على كراهة فعل الأفضل لا على معنى أنه واجب على الكفاية.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدلالة على كونها سنة مؤكدة وأخبارنا أولى بالعمل لظهورها ولكونها معتضدة بحكم العقل فإن الأصل هو عدم الوجوب إلا بدلالة شرعية مصرحة باللزوم للذمة للواجب لأن فائدة كونها واجبة على الكفاية هو أن صقعاً من الأصقاع أو إقليماً من الأقاليم أو قرية من القرى لو تمالوا على تركها وجب على الإمام حربهم على الإخلال بهذا الواجب كما لو أخلوا بواحد من الأمور الواجبة على الكفاية كدفن الموتى وعمارة الطرقات والمناهل والمساجد.
قالوا: وردت فيها من الوعيدات الشديدة على تركها أخبار تدل على كونها واجبة عن الأعيان كالصلوات الخمس.
قلنا: الصلوات الخمس وجوبها معلوم بالضرورة من دين صاحب الشريعة والمنكر لوجوبها مرتد لأنه يكون منكراً للنبوة والشريعة، وأما صلاة الجماعة فالأخبار إنما دلت على المواظبة عليها وعلى الترغيب في فعلها والدعاء إليها وليس فيها دلالة على كونها فرض عين.
قالوا: صلاة الجماعة مثل صلاة الجمعة في كونها شرطاً في صحة الصلاة فلا تكون الصلاة مجزية إلا بفعلها مع الجماعة.

200 / 279
ع
En
A+
A-