وروى يونس بن عبد الأعلى(1) عن الشافعي أنه قال: من شمت غيره في الصلاة لم تبطل صلاته لأنه دعاء له بالرحمة فهو كالدعاء لأبويه بالرحمة وهذا جيد من جهة القياس لأن من مذهبه أن الدعاء لا يبطل الصلاة والمشهور عند أصحابه أنه مبطل للصلاة وهذا هو الذي يأتي على أصولنا كما مر بيانه لأنه كلام وضع لمخاطبة آدمي وهو كرد السلام وقد مر الكلام في التأمين في القرآن وذكرنا ما فيه من الأخبار والانتصار فأغنى عن الإعادة.
المسألة التاسعة: وتكره مطالعة شيء من أسفار التوراة والإنجيل لما روي أن الرسول رأى كراسة من التورات في يد عمر بن الخطاب فاحمر وجهه وقال: ((لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " )). فلو قرأ في صلاته شيئاً من التوراة والإنجيل فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إذا قرأ في صلاته بالتوراة والإنجيل لم تصح صلاته ولم تكن مجزية وهذا هو الذي يأتي على المذهب وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن الإجماع واقع على نسخ هذه الكتب المنزَّلة حكمها وتلاوتها ولا معنى لكون الشيء منسوخاً إلا لأنه لا يعمل به لا في تلاوة ولا عمل.
المذهب الثاني: أنه إن كان ما في التوراة شيئاً من التسبيح والتهليل لم تفسد صلاته وهذا هو رأي أبي يوسف وربما يقال على قياس قول أبي حنيفة أنه إن كان من أمر التوارة والإنجيل ما يوافق القرآن من جهة المعنى جازت صلاته.
__________
(1) يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي المصري، أبو موسى، جاء في (الجرح والتعديل) 9/243: روى عن سفيان بن عيينة ومعن بن عيسى وعبد الله بن وهب والشافعي، وروى عنه مسلم (تهذيب التهذيب) 11/387 والنسائي وابن ماجة وابنه أحمد. وقال ابن أبي حاتم: سمعت يوثقه ويرفع من شأنه، وقال النسائي: ثقة، توفي سنة 264هـ، وكان مولده في الحجة سنة 170هـ، وقال عنه ابن حجر: كان إماماً في القراءات قرأ على ورش وغيره، وقرأ عليه ابن جرير وجماعة.
والحجة على هذا: هو أن التعويل على المعاني، فإذا كان في ألفاظ التوراة والإنجيل ما يطابق معاني القرآن، جازت الصلاة به، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن هذه الكتب كلها أعني التوارة والإنجيل كلها كتب سماوية نزل بها جبريل على موسى وعيسى فإذا كانت موافقة للقرآن في معانيه ودالة على ما يدل عليه القرآن جازت الصلاة بها؛ لأن المقصود هو مطابقة المعاني.
والمختار: هو المنع من الصلاة بألفاظ التوراة والإنجيل.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن الصلاة إنما تكون مجزية بما كان قرآناً؛ لقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها))، والقرآن إنما يكون قرآناً بما به يكون معجزاً وليس يكون معجزاً إلا بالبلاغة والفصاحة، وهذان يكونان باللغة العربية، والتوراة والإنجيل نازلان بلسان العجم فلأجل هذا بطلت الصلاة بهما.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إذا كان التوارة والإنجيل مطابقين للقرآن في معانيه جازت الصلاة بهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا كونهما منسوخين في الحكم والتلاوة فلا وجه لإجزاء الصلاة بهما.
وأما ثانياً: فلأن المطابقة في المعاني غير كافية بل لابد من التعبد بألفاظه ومعانيه لأن التعبد كما هو جار بتلاوته فهو جار بالتعبد بامتثال معانيه في أوامره ونواهيه وزواجره ومواعظه وحكمه.
المسألة العاشرة: قال الإمامان الهادي(1):
__________
(1) يبدو أن هناك سقطاً في الأصل، ولعل المحذوف: والقاسم، وقصر الإمام المرتضى في (البحر) هذا القول على الهادي، راجع البحر 1/293.
من ضحك حتى ملأ فاه وشغله عن القراءة بطلت صلاته لما روي عن الرسول : ((من ضحك في صلاته قرقرة بطلت صلاته وعليه الوضوء " )). وهكذا حال القهقهة ولأنهما أفعال كثيرة لما فيه من تكرير الضحك واستغراق النفس فيه وهو مناف للصلاة، فأما إعادة الوضوء بالقهقهة فقد مر في نواقض الوضوء وذكرنا المختار والانتصار له فلا وجه لتكريره، وأما التبسم فليس فيه صوت وإنما هو حركة للشفة وهو فعل قليل غير مفسد للصلاة فلهذا كان لاحقاً بالأفعال القليلة التي هي غير مفسدة، والضحك من غير قهقهة ولا قرقرة مفسد للصلاة أيضاً لما روي عن الرسول أنه قال: ((الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء " )). وأما التأوُّه فهو مفسد للصلاة سواء قال: أوه أو آاه أو قال: أه. فكله مبطل لها لأنه كلام من كلام الناس وقد قال : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)). وأقل الكلام اللغوي حرفان، فأما الكلام في ألسنة النحاة فهو المركب من جزئين وهو شيء اصطلحوا عليه والكلام اللغوي هو ما ذكرناه، فأما ما قاله السيد أبو العباس: من أن المصلي لو لفظ بالحرف الواحد فالأقرب أن صلاته لا تفسد وعلل ذلك بأن قال: الحرف الواحد لا يكون كلاماً فهذا منه تساهل، فإن الحرف الواحد لا يعقل كونه كلاماً لأنه لابد من حرف يبتدأ به وحرف يوقف عليه والضرورة قاضية بما ذكرناه في الكلام، وأراد أنه لو قدر إمكان اللفظ بالحرف الواحد لم يكن مفسداً على جهة التقدير دون التحقيق وقد أشار إليه في آخر كلامه حين قال: إن الحرف الواحد لا يكون كلاماً في الحقيقة وأراد بالحقيقة التقدير دون الوجود. وأما الأنين فإن كان من خوف الله أو رغبة في الجنة أو خوفاً من النار لم يكن مفسداً للصلاة عند أئمة العترة الهادي والناصر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الأنين ليس حرفاً واضحاً وإنما هو صوت قليل يفعل لإصلاح الصلاة فلهذا لم يكن مفسداً لها كالأفعال القليلة نحو تسوية الرداء ودرء المار وغير ذلك، وإن كان الأنين من وجع أو مصيبة فهل يكون مفسداً لها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مفسد لها وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله تدعو إليه الضرورة وهو من الأفعال القليلة فلا جرم لم يكن مفسداً لها ولا مبطلاً.
المذهب الثاني: أنه مفسد للصلاة وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن هذا فعل ليس يفعل لإصلاح الصلاة، ولا تدعو الضرورة[إليه] فلهذا أبطلها كالكلام.
والمختار: ما قاله الناصر ومن تابعه.
والحجة على ذلك: هو أن الله تعالى أثنى على نبيه إبراهيم بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لاََوَّاهٌ حَلِيمٌ " }[التوبة:114]. والتأوُّه لا ينفك عن الأنين والتحزن ولهذا روي أن الرسول كان إذا صلى كان لقلبه أزيز كأزيز المرجل في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الأنين ليس يفعل لإصلاح الصلاة.
قلنا: إذا كان قليلاً فسوى فعل لإصلاح الصلاة أو لم يفعل لصلاحها فهو مغتفر لقلته، وأما البكاء فإن كان بنشيج وصياح وتأوُّه فهو مفسد للصلاة لما فيه من الأفعال الكثيرة، وإن كان فيه عبرة وسيلان الدموع وأنين وتوجع فليس مفسداً لها لقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً " }[مريم:58]. وقوله: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً " } [الإسراء:109]. وإن شم رائحة خبيثة في صلاته فقال: أف أو كخ. فسدت صلاته لكونه كلاماً من كلام الناس، وإن شم رائحة طيبة في صلاته فاستطلع نفسه لم تفسد صلاته لأنه فعل قليل، وأما النفخ في الصلاة فينظر فيه فإن كان فيه حرفان فهو مفسد للصلاة وإن لم يكن فيه حرفان فهو عمل قليل ليس مفسداً لها.
والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنها كسفت الشمس على عهد الرسول حتى آضت كأنها تنومة ومعنى آضت عادت والتنوم شجر أسود يأكله النعام وهي فعولة بتاء بنقطتين من أعلاها ونون، فصلى رسول الله صلاة الكسوف فلما كان آخر سجدة جعل ينفخ ويبكي ويقول: ((لم تعذب وأنا فيهم ولم تعذب ونحن نستغفرك " )) (1). وأراد أن الله تعالى وعده بقوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[الأأنفال:33]. فلما قضى صلاته قال: ((والذي نفسي بيده لقد عرضت عليَّ النار حتى إني لأطفيها خشية أن تغشاكم " )). فلولا أنه نفخ ورفع صوته لما سمع، وقد نجز غرضنا من ذكر هذه المسائل في إفساد الصلاة. ونرجع إلى التفريع.
الفرع العاشر: وسجود التلاوة في النوافل غير مفسد لها عند أئمة العترة وفقهاء الأمة فأما سجود التلاوة في الفرائض فهل تفسدها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون مفسداً لها وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أنها سجدة زائدة في أثناء الصلاة على وجه العمد فوجب القضاء ببطلانها كما لو زاد سجدة لغير التلاوة.
المذهب الثاني: أنه غير مبطل للصلاة وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه سجد في صلاة الصبح حين قرأ {الم، تَنزِيلُ} السجدة.
والمختار: أن سجود التلاوة غير مفسد لصلاة الفريضة إذا وقع فيها.
والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا هو أن موجب السجود حاصل في الصلاة وهو التلاوة فالموجب يكون في الصلاة كسجود السهو فإنه لما كان موجبه في الصلاة كان موجبه في الصلاة نفسها.
__________
(1) سيأتي في صلاة الكسوف إن شاء الله، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبخاري تعليقاً، ولأحمد بمعناه من حديث المغيرة.
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن الرسول سجد في صلاة الظهر وسجد أصحابه بعده قرأوا أنه ما سجد إلا لعروض السجدة في التلاوة(1).
الحجة الثالثة: قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ " ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}[الانشقاق:20،21]. فجعل السجود للتلاوة نظيراً للإيمان وجمعهما في التوبيخ على تركهما ولم يفصل بين أن تكون التلاوة في فريضة أو نافلة.
الحجة الرابعة: الآيات الدالة على السجود في القرآن ما كان منها بلفظ الأمر وما كان منها بلفظ الخبر لم يفصل بين أن [تكون] في فريضة أو نافلة، فهذه الحجج كلها دالة على جوازها في الفريضة كجوازها في النافلة.
ومن وجه آخر: وهو أنه إذا جاز فعلها في النافلة ولم تفسدها جاز فعلها في الفريضة لأن كل ما أفسد الفريضة فهو مُفْسد للنافلة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنها سجدة زائدة في أثناء الصلاة على وجه العمد فوجب القضاء ببطلانها كما لو سجد لغير التلاوة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإن هذه سجدة فُعِلت لعارض فيها فجاز بخلاف ما لو كان لغير سبب عارض فإنه مبطل لها ويصير لاغياً عابثاً في الصلاة.
وأما ثانياً: فلأن هذه زيادة من جنس مفروضها فلم تكن مبطلة لها كزيادة الركوع في صلاة الكسوفين.
ومن وجه آخر: وهو أن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على جواز فعلها في الصلاة المفروضة والأقيسة لا تعارض الأخبار لأن منصب صاحب الشريعة أعلى من منصب القايس، وقوله أحق بالقبول.
قالوا: يحمل ما ورد من الأخبار في سجود التلاوة في الفريضة على أنه كان بعد الفراغ منها فلا يكون فيه حجة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) رواه أحمد وأبو داود ولفظه: سجد في صلاة الظهر ثم قام، فركع فرأينا أنه قرأ: {الم، تنزيل} السجدة.
…قال في (فتح الغفار)1/280: وأخرجه الطحاوي والحاكم بإسناد ضعيف، ورواه في (نيل الأوطار3/142، وفي السنن الصغرى1/508.
أما أولاً: فلأن العمل على ما يدل عليه ظاهر الأخبار أحق من العمل على التأويل.
وأما ثانياً: فلأن التأويل يفتقر إلى دلالة تدل عليه والظاهر كاف في العمل عليه وسيأتي لهذا مزيد تقرير في سجود التلاوة عند الكلام في سجود السهو وسائر السجدات بمعونة الله.
الفرع الحادي عشر: والسكوت الطويل هل يكون مبطلاً للصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:أنه غير مبطل للصلاة لأنه لا يطرق خللاً في نظم الصلاة وتأليفها.
وثانيهما:أنه مفسد لها لأنه يقطع الموالاة بين أفعال الصلاة.
والمختار: أنه ينظر فيه، فإن كان سكوتاً طويلاً أفسدها، والتفرقة بين الطويل والقصير هو أن الطويل إذا رأه الرائي ظن أنه غير مصلٍّ فلهذا حكمنا بإفساده للصلاة لما كان قاطعاً للموالاة في أفعالها وأذكارها، وإن كان سكوتاً قصيراً لم يكره؛ لأن الرسول كان له سكتتان: سكتة بعد فراغه من تكبيرة الافتتاح قبل القراءة وسكتة ثانية بعد فراغه من القراءة قبل الركوع، فما هذا حاله مشروع في الصلاة، وإن كان غير مشروع نظرت فإن كان فعله على جهة السهو فهو معذور ولم يكره وفيه سجود السهو، وإن كان فعله متعمداً كره وفيه سجود السهو، وإن سبق لسانه إلى الكلام في الصلاة فهل يفسدها أم لا؟ فالذي يأتي على كلام الهادي والمؤيد بالله أنه مفسد لها، كما قالا في كلام الناسي، والذي يأتي على كلام الناصر والشافعي أنه غير مفسد لها، كما قالاه في كلام الناسي أنه غير مفسد، وهذا هو المختار؛ لأنه معذور فيما فعله فأشبه كلام الناسي.
والمكره على الكلام في الصلاة هل يكون مفسداً لها أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:أنه مبطل لها لأنه معذور غير مختار فأشبه كلام الناسي وهذا هو الذي يأتي على كلام الهادي والمؤيد بالله.
وثانيهما:أنه غير مبطل وهذا هو المختار، ويدل على ما قلناه هو أنها عبادة مؤقتة فلم تبطل بالإكراه على فعل ما يفسدها كالصوم فإنه لا يبطله إيجار(1)
الشرب في حلقه.
الفرع الثاني عشر:نجعله خاتمة للكلام فيما يفسد الصلاة.
اعلم أن كل ما يفعل في الصلاة مما ليس مشروعاً فيها فهو نوعان: قليل وكثير.
فالنوع الأول الكثير وقد قدمنا الكلام فيه، والنوع الثاني قليل وهو غير مفسد لها لقلته واغتفار الشرع له، ثم هو ضربان:
الضرب الأول:يفعل لإصلاح الصلاة ثم هو على وجهين:
الوجه الأول: يفعل على جهة الوجوب وهو كل ما كان تركه يفسد الصلاة ففعله لا محالة يكون واجباً، وهو نحو أن يَنْحَلَّ إزاره فيخشى أن تبدو عورته فيجب عليه سترها بالفعل القليل.
الوجه الثاني: يفعل على جهة الإستحباب وهذا نحو تسوية الرداء إذا خشي انكشاف ما يستحب ستره ونحو تسوية الحصا لإصلاح موضع السجود.
الضرب الثاني: ما يفعل لا لإصلاح الصلاة، ثم هو على وجهين:
الوجه الأول منهما: تدعو الضرورة إليه فلا يكره فعله فيها، وهذا نحو أن يحك جسده إذا كان تركه يؤذيه ويشغله فما هذا حاله يباح ولا يكره.
الوجه الثاني: لا تدعو الضرورة إليه فيكره فعله وهذا نحو تغميض عينيه ونحو أن يضع يده على فيه عند التثاؤب، فهذه جملة الأفعال التي تفعل في الصلاة تكون على هذه الكيفية أجملناها هاهنا لتكون محصورة.
__________
(1) في لسان العرب: توجر الدواء: بلعه شيئاً بعد شيء، الرجل إذا شرب الماء كارهاً فهو التوجر والتكاره ا هـ. 5/299.
---
الفصل الثاني في بيان الأمور المكروهة في الصلاة
اعلم أنا نريد بالأمور المكروهة في الصلاة ما لا يكون فعله ولا تركه مبطلين لها ولا موجبين لفسادها، وإنما نريد ما يوجب سجود السهو وينقص الثواب.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: يكره ترك السنن في السنن وسواء كانت السنة من باب الأذكار أو من باب الأفعال أو من باب الهيئات لما روي عن الرسول أنه قال: ((من رغب عن سنتي فليس مني )). وأراد ليس من عملي وشاني ولم يرد البراءة ممن ترك السُنَّة، ولما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حاله أنه كان يأتي بالسنن في الصلاة وهيئاتها كلها، وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ((الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى )). وأراد من أتى بها على الحد الذي شرعت له فقد وفَّاها حقها فيجب أن يستوفي حقه من الأجر والثواب على أدائها كاملة وافية، وفي حديث آخر: ((مثل الذي لا يتم صلاته يعني الذي لا يأتي بفروضها وسننها كمثل الحامل حملت حتى إذا دنى نفاسها أملصت فلا هي ذات حمل ولا ذات ولد)).
الفرع الثاني: يكره أن يلتفت المصلي في صلاته لغير حاجة لما روي عن عائشة أنها قالت سألت رسول الله عن التفات الرجل في الصلاة فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ))(1).
وروي عن الرسول أنه قال: ((إذا التفت العبد في صلاته يقول الله تعالى " : عبدي إلى من تلتفت أنا خير ممن تلتفت إليه)) (2).
__________
(1) أخرجه البخاري1/261، ومسلم، والنسائي في المجتبى3/8، وعبد الرزاق في مصنفه2/258، وهي في السنن الكبرى1/190،191،1/357.
(2) رواه البزار عن جابر وعبد الرزاق عن أبي هريرة2/257، وهو في مصنف ابن أبي شيبة1/395 وفي مجمع الزوائد2/80.
وروي عن الرسول أنه قال: ((لا يزال الله مقبلاً على عبده في صلاته ما لم يلتفت، " . فإذا التفت صرف وجهه عنه))(1)
فإن التفت يميناً وشمالاً لحاجة لم يكره لما روي عن الرسول أنه كان يلتفت يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره(2)
رواه ابن عباس، ولا تبطل به الصلاة لخبر ابن عباس ولأنه عمل قليل، وإن التفت حتى استدبر القبلة بطلت صلاته لأنه ترك شرطاً من شروط الصلاة.
الفرع الثالث: يكره أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة؛ لما روى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة " حتى اشتد قوله في ذلك فقال: لينتهن أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم))(3).
فإن طلع ببصره نحو القبلة لحاجة لم يكره لما روي أن الرسول لما نزل بطن واد في بعض غزواته قال: ((من يحرسنا هذه الليلة " )) فقال رجل: أنا يا رسول الله فطلع أعلى ليحرسهم فلما طلع الفجر قال الرسول : ((هل أحسستم بفارسنا))؟ قالوا: لا يا رسول اللّه، فصلى الرسول صلاة الفجر وهو يلحظ ببصره أعلى الوادي يرقب الرجل(4).
الفرع الرابع: يكره أن ينظر الرجل في صلاته إلى شيء يلهيه من ثوب أو بساط أو غيرهما لما روي عن عائشة قالت: كان الرسول يصلي وعليه خميصة ذات أعلام فلما فرغ من صلاته قال: ((ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم " فليبعها وأتوني بانبجانية)) (5)
__________
(1) أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي ذر، وهو في سنن البيهقي الكبرى2/281، وسنن ا لترمذي 5/148، وصحيح ابن خزيمة3/195.
(2) أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه6/66.
(3) أخرجه البخاري1/261 وأبو داود1/240 والنسائي3/7، عن أنس بن مالك، وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه2/253.
(4) أخرجه أبو داود عن سهل بن الحنظلية من حديث طويل، والبيهقي في الكبرى9/149، والطبراني في الكبير6/96.
(5) أخرجه الستة إلا الترمذي، عن عائشة، واللفظ للصحيحين، وأخرجه غيرهم.
…والخميصة: ثوب أنيق له أعلام يكون من خز أو صوف، والإنبجانية: كساء من صوف له خمل ولا علم فيه، قيل: وهي نسبة إلى موضع اسمه: أنبجان، وقيل: غير ذلك، انتهى من (جواهر الأخبار)1/294.