أن الرسول رأى رجلاً لا يحمد الله ولا يصلي على الرسول فقال: ((عجز هذا إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه " ثم ليصل على النبي ثم ليدع بما شاء))(1). فهذا تقرير المذهبين.
والمختار: جواز الدعاء في الصلاة بأي شيء كان من منافع الدين والدنيا.
والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان لا يقنت إلا إذا دعا لأحد أو دعا عليه وكان يقول في قنوته: ((اللهم نج الوليد بن الوليد " اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على من خالف أمرك)).
الحجة الثانية: ما روى الحسن بن علي أنه قال: علمني رسول الله كلمات أقنت بهن في الوتر وهن: ((اللهم اهدني فيمن هديت " ))..إلى آخر الكلمات، فهذه الأدعية كلها ليست من أدعية القرآن فدل ذلك على جوازه.
ومن وجه آخر: وهو أنا نقول الدعاء المأثور في التشهدين: التحيات لله.. إلى آخره، ليس من ألفاظ القرآن ومع ذلك فإنه لا يفسد الصلاة فإذا جاز ذلك في التشهد جاز الدعاء بغيره في الصلاة.
فإن قالوا: إن ذلك مأثور من جهة الرسول .
قلنا: وهذه الأدعية مأثورة من جهة الرسول وما ليس مأثوراً عن الرسول فنحن نقيسه على المأثور بجامع كونها أدعية تطلب بها الرغائب من جهة الله تعالى في منافع الدين والدنيا.
ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة موضع الرحمة وموضع الخضوع والخشوع بالركوع والسجود فهي أحق المواطن بالدعاء فكيف يقال بأن الدعاء ليس بمشروع فيها فقد ظهر لك بما ذكرناه أنه لا مانع من جواز الدعاء في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) رواه أحمد وأصحاب السنن إلاَّ ابن ماجة وصححه الترمذي وابن حبان، والحاكم بلفظ: (عجل) مكان (عجز).

قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتحميد)). وما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء وأن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما أرد بكلام الناس ما كان من الأمور المباحة كقولنا: يا زيد قم واقعد وهات المتاع وكل واشرب، فما هذا حاله هو كلام الناس وهو مفسد للصلاة بخلاف الأدعية المأثورة فإنها إصلاح للصلاة ودعاء بكل خير من الله تعالى.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأحاديث الدالة على كون الدعاء مشروعاً في الصلاة قولاً وفعلاً، وأحاديثنا أرجح لأنها دالة على زيادة مشروعة مطابقة لموضع الصلاة فلهذا كانت أحق بالقبول.
الفرع التاسع: في بيان ما يعرض في الصلاة من الأحداث هل يكون مفسداً أم لا؟ وفيه مسائل نفصلها:
المسألة الأولى: إذا نوى المصلي قطع صلاته والخروج منها في حال تلبسه بها هل تكون باطلة وفاسدة بمجرد هذه النية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يخرج بهذه النية عن الصلاة ولا تكون باطلة بل تكون مجزية وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أن مجرد النية لا يغير الفعل عن صفته.
المذهب الثاني: أنه يقطعها ويفسدها ويخرجها عن كونها صلاة وهذا هو المحكي عن الشافعي وقد قدمنا هذه المسألة في النية وذكرنا المختار والانتصار فأغنى الإعادة.
المسألة الثانية: إذا ارتج على الإمام في قراءته يتعتع فهل لمن خلفه أن يفتح عليه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك واستحبابه، وهذا هو رأي أمير المؤمنين ومحكي عن أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ " }[البقرة:238]. وهذا من المحافظة عليها.

الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه. ولأن ما هذا حاله معاونة على البر والتقوى، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى " }[المائدة:2].
المذهب الثاني: أنه هذا يكره وهذا هو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومحكي عن زيد بن علي لأنه قال: لا تفتح على الإمام فإن فتحت فالصلاة تامة. فاقتضى مذهبه ما ذكرناه من الكراهة.
والحجة على هذا: هو أنه إذا فتح على الإمام نزل منزلة التلقين له في القراءة فلهذا كان مكروهاً.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة والأكثر من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روى المسور(1)
قال: شهدت رسول الله يقرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه فقال رجل: يا رسول الله تركت آية كذا وكذا؟ فقال له رسول الله ((هلا أذكرتنيها " ))(2)
فدل ذلك على الجواز.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ينزل ذلك منزلة التلقين فلهذا كان مكروهاً.
قلنا: ليس هذا كالتلقين فإن الإمام عالم بالآية ولكن نسيها فلم يكن من جهته إلا التذكير وما هذا حاله فليس تلقيناً لأن الملقن غير عالم بالقرآءة وإنما يتابع من يلقنه فلهذا لم تكن صلاته مجزية بخلاف من يفتح على الإمام فافترقا.
__________
(1) المسور بن يزيد الأسدي، الكاهلي، روى عن النبي في الفتح على الإمام في الصلاة، وعنه: يحيى بن كثير الكاهلي.
…قال ابن حجر: قال الأمير ابن ماكولا: المسور بضم الميم وفتح السين وتشديد الواو، ثم حكى عن البخاري أنه قال: له حديث واحد في الصلاة لا يُعرف، اهـ (تهذيب التهذيب)10/138.
(2) أخرجه أبو داود عن المسور بن يزيد ا لكاهلي، وهو في سنن أبي داود 1/238، والمعجم الكبير 20/27.

المسألة الثالثة: وإذا جاز الفتح على الإمام كما ذكرناه نظرت فإن فتح بقراءة تلك الآية أو بغيرها من آي القرآن صح ذلك ولا خلاف في صحة ذلك وجوازه، وإن فتح بغير الآية من التكبير والتسبيح والتنحنح أو برفع الصوت بالقراءة أو بالإشارة فهل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي محمد بن يحيى وظاهر مذهب الإمامين الهادي والقاسم.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)).
ووجه الدلالة من الخبر وجهان:
أحدهما: أنه نفى أن يدخل فيها شيء من كلام الناس، والنفي يقتضي بطلان ما خالفه كما قال : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)).
وثانيهما: أنه وصف الصلاة بكونها مقصورة على التسبيح والتكبير وقراءة القرآن والمراد بالتكبير والتسبيح المشروعين فيها دون غيرهما.
المذهب الثاني: جواز ذلك من أجل التنبيه على الإمام، وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على ذلك: قوله : ((إنما هي التسبيح والتكبير)) ولم يفصل بين حالة وحالة.

وروي عن الرسول أنه قال: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح " ))(1).
والمختار: ما قاله المؤيد بالله من جواز ذلك.
وحجته: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا نابكم شيء في صلاتكم فسبحوا " )) (2).
وروي عنه أيضاً أنه قال: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح)). وروي عنه أنه قال: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة " )) (3).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)). وروي عنه أنه قال: ((إن الله أحدث ألا تكلموا في الصلاة " )). وظاهر هذين دال على أنه لا يجوز أن يفتح على الإمام إلا بقراءة تلك الآية.
__________
(1) رُوي الحديث عن سهل بن سعد أن رسول الله ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فصلى أبو بكر بالناس فجاء رسول الله والناس في الصلاة فصفق الناس فالتفت أبو بكر فرأى رسول الله فأشار إليه رسول الله أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك، ثم استأخر وتقدم النبي فصلى ثم انصرف فقال: ((يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك))؟ فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله، فقال رسول الله :((مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح ألتُفت إليه وإنما التصفيق للنساء)) متفق عليه، وهو في صحيح ابن خزيمة وسنن البيهقي وغيرها.
(2) أخرجه في السنن الكبرى 1/90 وفي (التمهيد) لابن عبد البر21/108.
(3) روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ((التسبيح للرجل والتصفيق للمرأة في الصلاة)) رواه الجماعة ولم يذكر البخاري وأبو داود والترمذي ((...في الصلاة)) وعنه: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)) متفق عليه، زاد مسلم: ((... في الصلاة)).

قلنا: إن التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ليست من كلام الناس إنما هي عبادة واردة لإصلاح الصلاة فصارت كالقرآن على أن الأخبار قد دلت عليها فلا وجه لإنكارها وردها.
المسألة الرابعة:وإن سبح أو كبر أو هلل أو أشار بيده أو تنحنح جواباً لمن دعاه في حال صلاته، فهل تفسد صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الاول: أن صلاته تفسد، وهذا رأي محمد بن يحيى وهو محكي عن أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). وما روي من حديث بن مسعود: ((إن الله قد أحدث أن لاتكلموا في الصلاة " )).
المذهب الثاني: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله ومحكي عن لاشافعي وأبي يوسف.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا نابكم شيء في الصلاة فسبحوا " )).
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ماروي عن أمير المؤمنين كرم بالله وجهه، أنه كان يضرب باب رسول الله وكان في صلاته فتنحنح فيها تطييباً لقلب أمير المؤمنين، فكان علي يقول: كان لي من رسول الله مدخلان بالليل والنهار فإذا جئته وهو يصلي تنحنح، فإنه كان يجيبني إذا سألت، ويبتديني إذا سكت، وكان حريصاً على تعليمه علوم الشريعة، وعلي في غاية القبول.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن حديث بن مسعود عن الرسول : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)) و((إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة " )).
قلنا: قد أجبنا عن هذين الحديثين غير مرة، وقلنا: إن التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ليست من كلام الناس، فيلزم ما ذكرتموه وإنما كلام الناس كقولنا قم واقعد وكل واشرب، وما هذا حاله فهو مفسد للصلاة لا محالة باتفاق.

المسألة الخامسة: العُطاس والسعال لا يفسدان الصلاة لأنهما أمران ضروريان لا يمكن الاحتراز منهما كجري النفس، والإجماع منعقد على أنهما لا يبطلان الصلاة فأما التنحنح فهل يبطل الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مبطل للصلاة وهذا هو رأي القاسمية الهادي وأولاده ومحكي عن الحنفية.
و الحجة على هذا: هو أن التنحنح حرفان متواليان على جهة العمد فصار كلاماً فلهذا كان مفسداً للصلاة كالكلام المعمود إليه.
المذهب الثاني: أنه غير مبطل للصلاة، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: كان لي مدخلان على الرسول بالليل والنهار فإذا جئت وهو يصلي تنحنح، وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من كون التنحنح غير مفسد للصلاة.
والمختار: ما قاله الناصر ومن تابعه.
وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن التنحنح ليس حرفاً صافياً من الحروف العربية وإنما هو صوت لا تقطيع فيه فأشبه السعال والعُطاس.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: التنحنح حرفان متواليان على جهة العمد فصار كلاماً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نُسلم أنه حرف وإنما هو صوت ليس فيه بيان للأحرف فصار كالسعال والعُطاس.
وأما ثانياً: فلأنه أمر ضروري يتعذر الإحتراز منه فيجب أن يكون حكمه مرفوعاً كالعُطاس والسعال.
المسألة السادسة: قال المؤيد بالله: والإشارة التي يدرء بها المار لا تفسد الصلاة لقوله : ((ادرأوا ما استطعتم " )). ولأنها فعل قليل فعل لإصلاح الصلاة فلا تكون مفسدة لها، وعنه أيضاً قال: والأقوى عندي أن المصلي إذا مر بآية وعيد قال: اللهم، لاتجعلني منهم، وإذا مر بآية رحمة، قال: اللهم اجعلني منهم. وعن أبي الحسن الكرخي أن المصلي إذا مر بآية فيها ذكر الموت توقف عندها واسترجع أو تعوذ بالله واستغفر. وعن الشافعي أنه قال: يستحب للمصلي إذا مر بآية رحمة سألها وإذا مر بآية عذاب استعاذ منه.

والحجة على هذا: ما روى حذيفة عن رسول الله أنه قال: صليت خلف رسول الله فقرأ سورة البقرة فما مر بآية رحمة إلا سألها ولا مر بآية عذاب إلا استغاذ منه(1)
وهكذا في سورة آل عمران والنساء يفعل ذلك، والذي يقتضيه مذهب القاسمية المنع من ذلك.
والحجة على ذلك: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه: ((أن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)).
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
وحجته: مانقلناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " }[غافر:60] ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو غيرها ولأن هذه الأفعال تدعو إليها الضرورة فيجب أن لا تكون مفسدة كالأفعال القليلة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ((إن صلاتنا هذا ليس فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نُسلم أن هذه الأدعية من كلام الناس وإنما هي من جملة أذكار الصلوات وأدعيتها.
وأما ثانياً:فلأن أخبارنا هذه التي رويناها دالة على الزيادة فيجب أن تكون راجحة على غيرها مما لم يدل على تلك الزيادة.
المسألة السابعة: قال المؤيد بالله: ومن رفع صوته بتكبيرة وينوي بها إعلام الغير لا أستبعد جواز صلاته(2).
__________
(1) رواه أحمد في المسند5/384، ومسلم والنسائي في سننه2/177، وهو في السنن الكبرى2/310.
(2) المقصود صحتها كما هو واضح، ورفع الصوت إعلاماً إلا للمار والمؤتمين مفسد للصلاة في رأي المذهب.

والحجة على ذلك: هو أنه إنما يكبر للصلاة وإنما انضم إليه قصد آخر لم يكن مفسداً للصلاة كما أن الإمام يطيل الركوع إذا أحس بداخل وتصح صلاته، وكذلك هذا خلافاً لأبي حنيفة وهو الذي يأتي على رأي الهادي وعند الشافعي إذا سبح أو كبر وذكر الله تعالى من أجل التنبيه للإمام عن السهو أو حذر ضريراً عن الوقوع في البئر وهكذا إذا دق الباب فسبح وهو في الصلاة يقصد به إعلام الدَّاق أنه في الصلاة أو يأذن له بالدخول لم تبطل صلاته، ومن قرأ آية يقصد بها جواباً للغير كأن يختم(1)
كتاباً ثم يقول: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ " }[مريم:14] لمن اسمه يحيى أو يخاطب رجلاً يسمى نوحاً فيقول: {يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا " }[هود:32]. أو يقول: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ " }[ص:26] أو غير ذلك من خطابات القرآن وأوامره ونواهيه، وزواجره وتهديداته إذا قصد بها زجراً للغير وتهديداً له في حال الصلاة، فهل تفسد الصلاة أم لا؟ فالذي يأتي على رأي القاسمية وهو محكي عن أبي حنيفة ومحمد بطلان الصلاة لقوله : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)). والذي يأتي على كلام المؤيد بالله وهو رأي الشافعي وأبي يوسف صحتها؛ لقوله : ((إذا نابكم في صلاتكم شيء فسبحوا " )).
قال الإمامان الهادي والمؤيد بالله: وإن شمَّت العاطس في صلاته بطلت صلاته، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، والتشميت: بالسين والشين معاً هو قول القائل: يرحمك الله.
والحجة على هذا: ما روي أن رجلاً عطس خلف الرسول وهم يصلون خلفه فقال رجل من الصف: يرحمك الله. فلما فرغ قال الرسول : ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). وهذا يوجب فساد الصلاة لأمرين:
أما أولاً: فلأنه نفى صحة الصلاة بوقوع الكلام فيها.
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعله أراد أن المصلي قرأ كتاباً لشخص دخل عليه وهو في الصلاة فأذن له بأخذه، والله أعلم.

وأما ثانياً: فلأن ما عدا التسبيح والتهليل وقراءة القرآن ليس من الصلاة.
نعم وكان القياس على رأي من يجوز الدعاء في الصلاة صحة الصلاة بقوله: يرحمك الله. لأنه دعا كما لو قال: اللهم اغفر له. لكنا قضينا بالفساد لأجل قوله : ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). فلا جرم قضينا بفساد الصلاة لأجل الخبر.
المسألة الثامنة: قال الشافعي رحمه الله: وإن أراد المصلي أن يعلم غيره من إمام أو سواه بأنه سهى فيستحب للرجل أن يسبح وللمرأة أن تصفق، وصورة التصفيق أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهركفها الأيسر وقيل تضرب بالمسبحة والوسطى كفها الأيسر. وقال مالك: يسبح الرجل والمرأة.
والحجة لما قاله الشافعي: ما روى أبو داود عن سهل بن سعد عن الرسول أنه قال: ((إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء " )). فإن صفق الرجل وسبحت المرأة لم تبطل صلاتهما لكنهما خالفا السنة، فإن صفق الرجل والمرأة على وجه اللهو لا على جهة الإعلام بطلت صلاتهما لأن اللعب ينافي الصلاة.
والحجة لما قاله مالك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح " )). ولم يذكر التصفيق وما قاله مالك فهو الأحرى على المذهب. وما أوردوه من الخبر الدال على التصفيق فعنه جوابان:
أما أولاً: فهو منسوخ بما روي عن الرسول : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن)).
وأما ثانياً: فلأن المراد بقوله التسبيح للرجال أي أن التسبيح يشرع للتنبيه عن السهو في حق الرجال بخلاف النساء فإن دأبهن التصفيق، وليس الغرض أن التصفيق مشروع للتنبيه في حقهن وإنما هن أهل للتصفيق واللهو كما يقال الرماح للرجال وللنساء المغازل، وليس المقصود أن المغازل للحرب كما أن الرماح للحرب وإنما المقصود بيان نزول القدر وركة الهمة.

197 / 279
ع
En
A+
A-