المسألة الثانية: أن تكون اللفظة موجودة في اللغة ومستعملة فيها لكنها لحن في القرآن ومثاله قوله تعالى:{ونادى نوحاً}. بالنصب. وقوله تعالى: {وأرسلنا نوح} بالرفع. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ} بالنصب والجر في اسم الله وقوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} بالنصب في إسم اللّه. وفي قوله: {نَصْرُ}. فما هذا حاله لا يفسد الصلاة ولا يبطلها لأن مثل هذا موجود في القرآن وفي اللغة فيكون كأنه انتقل من موضع إلى موضع لأن القرآن كله كالآية الواحدة في انتظامه وفي عدم المناقضة في ألفاظه ومعانيه ولأن الظاهر صحة الصلاة فلا تفدم على إفسادها وبطلانها إلا بدليل شرعي لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وهاهنا لم تدل دلالة على الفساد فلهذا قضينا بالصحة.
المسألة الثالثة: أن تكون اللفظة غير موجودة في اللغة ولا توجد في القرآن ومثاله قوله تعالى: {مَعَاذُ اللَّهِ}. برفع الذال منه. وقولنا: سبحان الله العظيم. برفع النون. وقوله تعالى: {أكان الناس عجب} برفع عجب. فإن مثل هذه لا توجد في القرآن ولا في أذكار الصلاة فما هذا حاله يبطل الصلاة لأنه يصير كأنه خارج عن القرآن فتصير صلاته بغير قراءة فلهذا حكمنا ببطلانها، ويؤيد ما ذكرناه قوله : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)). وإذا كانت هذه اللفظة ليست موجودة في القرآن ولا في سائر أذكار الصلاة صارت كأنها من كلام الناس.

المسألة الرابعة: أن يوجد مثله في القرآن لكنه غير المعنى واعتقده المصلي وقصده وأراد ذلك التغيير ومثاله أن يقرأ: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بضم التاء. ونحو أن يقرأ قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " }[التين:4] ثم يخذف المعطوف ويستثني قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " }[لعصر:3]. من قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}[التين:4]. وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}[الليل:5-7]. وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى " ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}[الليل:8-10]. فما هذا حاله إذا اعتقده وأراده بطلت صلاته وكفر وارتد لأنه كذب على الله تعالى في اعتقاده لذلك وانتقض وضوءه إذا قلنا أن الوضوء عبادة وليس شرطاً.
المسألة الخامسة: أن يفعل ذلك على جهة السهو أو على جهة العمد جاهلاً لمعناه، وإذا كان الأمر كما قلناه نظرت فإن كان في القدر الزائد على الواجب لم يضره ذلك وكانت الصلاة مجزية له لأن فساده ليس بأعظم من تركه وإذا كان تركه غير مخل بالصلاة ففساده غير مخل بالصلاة أيضاً، وإن كان في القدر الواجب نظرت فإن أعاده على الصحة والثبات صحت صلاته لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ولأنه قد جبر ما أفسده بالإعادة فصار كأنه لم يأت به، وإن لم يعده بطلت صلاته لأنه قد أخل بقدر القراءة فكأنه غير قاريء فلهذا حكمنا ببطلانها.

المسألة السادسة: أن يكون التغيير بحيث لو اعتقده المصلي لم يكن كفراً وهذا كقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ " ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ،وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}[الانفطار:1-3]. فلو قال عوض هذا: {إذا السماء انتثرت وإذا الكواكب انفطرت وإذا الجبال كورت}. فما هذا حاله لو غيَّره واعتقده لم يكن كفراً لأنه ليس شيء مما يتعلق بالدين، فتكون مخالفته كفراً، وإذا كان الأمر هكذا نظرت فإن كان في الزائد على الواجب من القراءة لم يكن مبطلاً للصلاة لأنه نهاية الأمر فيه أن يكون تغييره كأن لم يكن وإذا كان معدوماً لم يضر تركه بصلاة المصلي فهكذا إذا تغير. وإن كان في القدر الواجب نظرت فإن أعاده على الصحة كانت صلاته صحيحة وإن لم يعده بطلت صلاته لأنه إذا أعاده فقد أدى ما وجب عليه على ما أمر به وإن لم يعده فقد أخل بالواجب في القراءة فكأنه لم يقرأ في صلاته، فهذا هو الكلام فيما كان مغيراً للمعنى. وذكر أصحابنا أن من جعل الظاء ضاداً والضاد ظاء بطلت صلاته كمن يجعل الحاء خاء والخاء حاء وهذا فيه نظر فإن الضاد والظاء مخرجهما متقارب وليس حالهما كحال الحاء والخاء فإن محرجهما متباعد فأحدهما مخالف للآخر وليس في القرآن ما يقرأ بالضاد والظاء جميعاً إلا قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ " }[التكوير:24]. في وصف جبريل فإن قرأ بالضاء فالغرض الضنة وهي البخل وإن قرأ بالظاء فالغرض التهمة وكلا المعنيين حاصل في حقه فهذا ما أردنا ذكره في اللحن الذي يغير المعنى على التفصيل الذي ذكرناه.
الطرف الثاني: في بيان اللحن الذي لا يكون مغيراً للمعنى ونذكر فيه مسائل أربع:

المسألة الأولى: ألا يكون مغيراً للمعنى وفيه نقصان حرف من أصل الكلمة وهذا نحو أن يترك التشديد فيما عدا القراءة الواجبة كقوله تعالى: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ " }[الشعراء:26]. ونحو قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه}[الزلزلة:7،8]. فما هذا حاله فيه نقصان حرف ولا يخل بالمعنى ولا يغيره.
المسألة الثانية:ألا يكون فيه تغيير للمعنى وفيه نقصان حرف ليس من أصل الكلمة ومثاله قوله تعالى:{ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً}{وَالصَّافَّاتِ صَفّاً}. فيقرأ هاتين الآيتين من غير تشديد ففيه نقص حرف ليس من أصل الكلمة لأن لام التعريف زائدة مدغمة فيما بعدها، فإذا ترك التشديد كان لاحناً ولكنه لا يضره في صلاته لما كان نقصاناً، ليس من أصل الكلمة ونحو أن يترك التنوين من الكلمة كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى " }[القصص:20]. وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ}[الرحمن:39].
المسألة الثالثة: اختلاف الحركة وهذا كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ}. بفتح همزة اهدنا ونحو كسر النون الأولى في نستعين وفتح النون الثانية وكسرها فإن ما هذا حاله فيه تغيير للقراءة ولكنه لا يفسد الصلاة ولا يغير المعنى فلهذا اغتفر.
المسألة الرابعة: زيادة المد في نحو قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ}. {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ}. {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ}.{جَاءَ أَشْرَاطُهَا}. فإن ما هذا حاله الزيادة فيه لا تغير المعنى وهكذا زيادة اللين في مثل قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. وزيادته في مثل قوله: {لله}. وفي مثل: {بسم الله}. فهذه حروف اللين الزيادة فيها لا تغير المعاني وفيها زيادة هذه الأحرف وهي غير مخلة بقراءة الصلاة، فهذا جملة ما أردنا ذكره في بيان ما يفسد الصلاة من اللحن وما لا يفسدها.

والمختار: فيما يكون مفسداً للصلاة من اللحن يرجع إلى تغييرات أربعة:
التغيير الأول: يرجع إلى اللفظ وهو ما كان اللحن فيه غير موجود في اللغة العربية وهذا نحو أن يقرأ الخمد بالخاء والغالمين بالغين والرحمن بالخاء، فما هذا حاله يكون مفسداً للصلاة لخروجه عما يوجد في اللغة وفي ذلك خروجه عن حد الإعجاز وإلحاقه بالمهمل من الكلام كما مر تقريره.
التغيير الثاني: ما يرجع إلى فساد المعنى وبطلانه وهذا نحو أن يقرأ المصلي: {إن الله بريء من المشركين ورسوله}. بالجر ونحو أن يقرأ: {أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ}. بضم التاء ومثل قوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى فسنيسره لليسرى}. وقوله: {فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلاها إلا الأتقى}. وقوله: {وسيجنبها الأشقى}. فهذه الإشياء كلها إذا غيرها واعتقد مضمونها كان كذباً على الله تعالى وكان كافراً بذلك مرتداً.
التغيير الثالث: ما يرجع إلى نظم القرآن وتأليفه لأنه إنما كان معجزاً من أجل النظام والتأليف الذي عجز عنه كل أحد من الخلق فإذا خالفه المصلي بتقديم المؤخر وتأخير المقدم بطل كونه قرآناً وبطلت الصلاة به.
التغيير الرابع: ما يكون راجعاً إلى مفرادات الكلمات وهذا نحو أن يترك بعض التشديدات في الفاتحة وفي قراءة السورة الثانية فإن ما هذا حاله يكون نقصاناً من القراءة المعتبرة في الصلاة، فمتى حصل في الصلاة أحد هذه التغييرات كانت مبطلة للصلاة ومتى سلم عن هذا التغييرات وزاد في المد أو نقص من الأحرف الزائدة نحو نقصان اللام للتعريف أو نقصان التنوين فإنه غير مخل في إفساد الصلاة وبطلانها، يؤيد ما ذكرناه ما روي عن الرسول أنه خرج إلينا يوماً وفينا العربي والعجمي فقال: ((اقرأوا وكل حسن " )) (1).
__________
(1) ورد في مسند أحمد 3/397، وفي سنن سعيد بن منصور 1/152.

ففي هذا دلالة على ما ذكرناه فأما هذه الأمور الأربعة فإنها غير مغتفرة فلا جرم أبطلت الصلاة وأفسدتها فأما الخطأ بما وراء هذه الأمور الأربعة التي ذكرنا أنها غير مفسدة للألفاظ والمعاني فهو إثم وخطأ وتقصير في التعلم الواجب لكنه غير مخل في الصلاة و إبطالها لإحتمال الأمر فيه وكونه قد أحرز هذه الأمور الأربعة التي هي أصل في صحة الصلاة بالقراءة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: قد يكون مفسداً للصلاة وإن سلم من هذه التغييرات الأربعة التي ذكرتموها بأن يكون خللاً في مقدار ما يشترط في الصلاة من القراءة.
قلنا: بعد أن سلم من هذه التغييرات التي ذكرناها فالأمر فيما وراءها قريب لا يخل بالصلاة ولا يكون مفسداً لها لكنه يأثم ويخطىء وينكر عليه ذلك ويؤمر بالتعلم لكنه وإن أخل بما أوجبناه عليه من التعلم فلا تكون صلاته فاسدة ويؤيد ذلك قوله تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وقوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " }[البقرة:185]. وقوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ " }[الشورى:19]. وقوله : ((بعثت بالحنيفية السمحة)). فهذه الأمور كلها دالة على السهولة في أمر العبادة والأخذ فيها بالتيسير من غير تعمق ولا حاجة إلى الحكم على أكثر الخلق بالهلاك.
الحكم السابع: ومن قرأ بالفارسية في صلاته هل يكون مجزياً له أو مبطلاً للصلاة؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن القراءة بالفارسية غير مجزية ومبطلة للصلاة وهذا هو رأي أئمة القاسمية والناصرية وهو محكي عن الشافعي.

والحجة على هذا: قوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). وما يقرأ بالفارسية فليس قرآناً لقوله تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً}[الشورى:7]. وقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ " }[الشعراء:195]. وقوله: {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ " }[الزمر:28]. وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً " }[الزخرف:3].
الحجة الثانية: أن الله تعالى أخبر أن القرآن لا يقدر أحد على مثله كما قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ " لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}[الإسراء:88].
الحجة الثالثة: هو أن الإجماع منعقد على أن القرآن إنما يكون قرآناً إذا كان متواتراً مطابقاً للعربية موافق لخط المصحف فما كان جامعاً لهذه الصفات الثلاثة فهو قرآن، وما نقص منها فليس قرآناً فلو جاز أن يقرأ بالفارسية لم يمكن دعوى التواتر فيه لأن ذلك متعذر في حقه فلذلك لم يكن قرآناً بقراءة الفارسية.
المذهب الثاني: أن ذلك يجري على الإطلاق وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " " }[الأنعام:19].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أخبر أنه ينذرهم بالقرآن ولا شك أن العجم من الفرس وغيرهم لا يمكن إنذارهم بلغة العرب؛ وإنما يكون منذراً بلغته وفي هذا دلالة على ما قلناه من جواز الصلاة به لأنه إذا جاز الإنذار به جازت الصلاة.
المذهب الثالث: أنه ينظر في حاله فإن كان ممن يحسن القراءة بالعربية لم يجزه وإن كان ممن لا يحسن القراءة بالعربية أجزأه القراءة بالفارسية وهذا هو المحكي عن أبي يوسف ومحمد.

والحجة على هذا: هو أن الصلاة من جملة العبادات مشروطة في الأداء بصحة الإمكان لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)) فمن كان قادراً يحسن العربية فإنه يتوجه عليه الإتيان بها ومن لا يقدر على العربية ولا يحسنها فإنها تجزيه الفارسية لأنها ممكنة في حقه.
والمختار: ما قاله علماء العترة ومن تابعهم من أن القراءة بالفارسية غير مجزية.
والحجة على هذا: ما قررناه آنفاً ونزيد هاهنا وهو أن القرآن عبارة عن الخطاب الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله أو بعشر سور منه أو بسورة واحدة ولن يكون معجزاً إلا بما اشتمل عليه من الفصاحة في ألفاظه والبلاغة في معانيه وهذا إنما يكون إذا كان عربياً فأما مع كونه مقروءاً بالفارسية فلا يتعلق به الإعجاز ولا تتعلق الفصاحة بألفاظه ولا تتعلق البلاغة بمعانيه لأن هذه الأمور إنما تتعلق باللغة العربية فأما الفارسية فلا تتصف بهذه الأوصاف بحال.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}[الأنعام:19]. ولا يمكن الإنذار للعجم إلا بلغتهم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالمطلوب من القرآن أمران:
أحدهما: التعبد بألفاظه وتلاوته في الصلاة والأذكار، وما هذا حاله فإنه متعلق بألفاظه فلا تجوز مخالفته إلى غيره من اللغات.
وثانيهما: أن الغرض شرح أوامره ونواهيه وهذا يمكن شرحه لكل أهل لغة بلغتهم لتمكنهم امتثال الأوامر والنواهي.
وأما ثانياً: فلأن المراد بالإنذار هو إبلاغ الوعد والوعيد والزجر والتهديد، وهذا حاصل بالترجمة بالفارسية وغيرها من سائر اللغات فإن المقصود حاصل بما ذكرناه، فأما الصلاة به وتلاوته فلا تكون إلا بألفاظه على الخصوص.

قالوا: قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ " لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}[الإسراء:88]. فقد تحدي العرب والعجم جميعاً بالقرآن، والعجم لا يمكن تحديهم بمثله بلغة العرب لأن عجزهم عن ذلك ظاهر وإنما يقع التحدي بلغته فظاهره دال على أنه لو أتى بمثله من لغته لكان قرآناً وهو مطلوبنا.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن التحدي إنما وقع للعرب لما كانوا أهل الفصاحة والبلاغة والطلاقة في ألسنتهم والذلاقة وهم قد عجزوا وصرحوا بالفهاهة عن الإتيان بمثله فإذا كانوا قد عجزوا مع أنهم مختصون بالفصاحة فغيرهم أحق بالعجز وأدخل في التأخر من سائر أصناف اللغات من غير العربية.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: إن العجم كلهم مخاطبون بالتحدي على تقدير أنهم يتعلمون العربية ويأتون بمثله وإذا كان الأمر كما قلناه بطل قولهم: إنه لو أتى بمثله من لغته لكان قرآناً لما قررناه.
قالوا: القرآن ألفاظ دالة على معان مخصوصة، فما كان دالاً على تلك المعاني وجب أن يكون قرآناً وأن يكون حكمه حكم القرآن.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله وهو المكتوب في المصاحف والمتلو في المحاريب فإذا أزيل عن لفظه ونظامه بالعبارات العجمية من الفارسية والتركية والعبرانية والرومية والحبشية واليونانية وغيرها من سائر اللغات خرج من أن يكون قرآناً وتتعلق به ألفاظه ومعانيه.
وأما ثانياً: فلا نسلم أن المقصود منه هو المعاني فقط بل المقصود هو ألفاظه ومعانيه فلا جرم كان التعبد بهما جميعاً وهو المطلوب فبطل ما توهموه.
الفرع الثامن: الدعاء في الصلاة بغير الأدعية المذكروة في القرآن هل يكون مفسداً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أن كل ما كان من الأدعية مخالفاً لأدعية القرآن فهو مفسد للصلاة وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا: كل دعاء في الصلاة مما في القرآن فهو خاص فيها وما أشبه حديث الناس فإنه يفسدها، فلو قال: اللهم ارزقني جارية محبة أو حرفة طيبة أفسدها.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتحميد وقراءة القرآن)). وقول القائل: اللهم ارزقني جارية منحبة ليس مما ذكرناه في شيء.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن الله أحدث ألا تكلموا في الصلاة)).
المذهب الثاني: جواز ذلك في الصلاة وهذا هو رأي القاسم والشافعي وعليه دل كلام الناصر.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من عذاب النار " ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا ومن فتنة الممات ومن فتنة المسيح الدجال))(1).
الحجة الثانية: ما روى فضالة بن عبيد(2)
__________
(1) تقدم.
(2) فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، أبو محمد.
…قال في (الإصابة)5/371: أسلم قديماً ولم يشهد بدراً وشهد أحداً فما بعدها، وشهد فتح مصر والشام، ثم سكن الشام، وولي الغزو، ولاه معاوية قضاء دمشق بعد أبي الدرداء، روى عن النبي وعن عمر وأبي الدرداء، وروى عنه ثمامة بن شفي، وحبيش بن عبد الله الصنعاني، مات في ولاية معاوية، وكان ممن حمل سريره، وذلك سنة 53هـ، وذُكر أنه كان شاعراً، وله ذكر في حرب الأوس والخزرج.

196 / 279
ع
En
A+
A-