والمختار: ما عليه علماء العترة من القول بإبطالها.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنا على غير ثقة من تردي الأعمى ولا على وصول الحية والعقرب إلى الصبي فلعلهما لا يصلان إلى ذلك فلهذا حكمنا ببطلان الصلاة لأمر موهوم، ثم لو تحققنا ذلك فالفعل الكثير يبطل الصلاة ولو كان واجباً كما ذكرناه في فعل المنكر فإنه يجب عليه الخروج لإنكاره وتبطل الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: فعل واجب فلا يبطل الصلاة كدعاء الرسول .
قلنا: إن الوجوب شيء وإبطال الصلاة شيء آخر فالفعل وإن توجه على المصلي لكنه مفسد للصلاة لكثرته كما قلنا فيمن توجه عليه إنكار منكر وهو في الصلاة فإنه يفسدها ويجب عليه فعله كما مضى شرحه.
المسألة الخامسة: هل يجوز قتل الأسودين في الصلام أم لا؟
فظاهر الخبر دال على الجواز والإستحباب لقوله : ((اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة ))(1).
وعنى بالأسودين: الحية، والعقرب، وذلك محمول على الاضطرار على قتلهما خشية من مضرتهما فلهذا كان مستحباً لما فيه من دفع الضرر عن نفسه، فإذا قتلهما في الصلاة فهل تفسد الصلاة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه مفسد للصلاة على الإطلاق وهذا هو الظاهر من مذهب القاسمية.
والحجة على هذا: هو أن قتلهما إنما يكون بفعل كثير في الغالب فلهذا حكمنا بالفساد على الإطلاق.
المذهب الثاني: أن قتلهما لا يكون مفسداً للصلاة على الإطلاق من غير تفصيل وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله : ((اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة )). فإنه أمر بقتلهما ولم يفصل في ذلك بين أن يكون الفعل كثيراً أو قليلاً.
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة بلفظ: ((اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب)) وأخرج النسائي نحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم.
المذهب الثالث: أن قتلهما إن كان بضربة أو ضربتين فإنه غير مفسد للصلاة وإن كان أكثر من ذلك كان مفسداً وهذا هو المحكي عن الناصر.
والحجة على هذا: هو أن الضربتين فعل قليل فلهذا كان مغتفراً فإذا زاد على ذلك فهو فعل كثير فلهذا كان مفسداً.
والمختار: هو التفصيل فإن كان مضطراً إلى القتل خوفاً منهما نظرت فإن كان القتل بفعل كثير فهو مفسد للصلاة وإن كان فعلاً قليلاً فهو غير مفسد.
والحجة على هذا: هو أن ما ذكرناه من التفصيل فيه جمع بين ظاهر الخبر والقياس، فالخبر: ظاهره الأمر بالقتل في الصلاة فلا جرم حملناه على ما إذا كان القتل خفيفاً بفعل يسير. والقياس: فهو دال على أن الأفعال الكثيرة مبطلة للصلاة كما هو المحكي عن الناصر، وروي أن النبي لدغته عقرب في صلاته فلما فرغ منها قال: ((لعن الله العقرب لا يدع المصلي ولا غيره " ولا حرمة للنبي ولا غيره فأيكم لقيها فليأخذ نعله بشماله وليقتلها وإن كان في الصلاة)). وفيما ذكرناه من التفصيل وفاء بالأمرين جميعاً فلهذا كان مختاراً وفيه جمع بين الأدلة وهي طريقة مرضية.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إن قتلهما إنما يكون بفعل كثير وقد قامت الدلالة الشرعية على أن الأفعال الكثيرة مبطلة للصلاة.
قلنا: الأن ارتفع النزاع لأنا قلنا: إن كان بفعل كثير فهو مبطل للصلاة، وإن كان القتل بفعل يسير جازت الصلاة، ويؤيد ما ذكرناه أنا نقول: فما رأيكم إذا حصل القتل بفعل يسير هل تصح الصلاة أم لا؟ فلابد من نعم. وفيه بطلان القول بفساد الصلاة على الإطلاق.
قالوا: ظاهر الخبر دال على الإطلاق فلا وجه لتأويله بالتفصيل الذي ذكرتموه.
قلنا: ظاهر الخبر دال على الإباحة للقتل في الصلاة ولم يتعرض لفسادها وصحتها بشيء، وفيما ذكرناه من التفصيل وفاء بما دل عليه الخبر وبالقياس فلهذا وجب العمل عليه، وأيضاً فلا خلاف أن الأفعال الكثيرة مبطلة للصلاة فلا وجه لحمل الخبر على الصحة على الإطلاق.
المسألة السادسة: في وضع اليد على اليد في الصلاة بعد تكبيرة الافتتاح هل تكون مفسدة للصلاة أم لا؟ فيه تردد وخلاف قد ذكرناه من قبل وقررنا أنه يكره وأنه غير مفسد للصلاة، وإن حزن في الصلاة واستعبر ففاضت عيناه لم تبطل صلاته لقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}[مريم:58]. وروي أن الرسول كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل(1).
والأزيز: غليان صدره وحركته بالبكاء والإستغفار.
قال الهادي في المنتخب: من وجد قملة وهو في الصلاة طرحها. فإن قتلها فالإعادة أحب إلينا، وكلامه هذا قد اشتمل على حكمين:
الحكم الأول: استحباب طرحها لأنه ربما شغله في الصلاة تركها وهو يتضمن إصلاح الصلاة فلهذا كان مستحباً.
الحكم الثاني: استحباب الإعادة إذا قتلها لأمرين:
أما أولاً: فلأنه يلتبس الحال في قتلها بين أن يكون قليلاً أو كثيراً وهو إذا أعاد بنى على اليقين في سقوط الفرض عن ذمته.
وأما ثانياً: فلأنه إذا أعادها كان عملاً على الإحتياط وقد قال : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )). فأما تخلل المرأة لصفوف الرجال ومخالفة المأموم لإمامه فيما يجب عليه فيه متابعته والزيادة على الصلاة المشروعة ما هو من جنسها فستأتي هذه المسائل في صلاة الجماعة وفي السهو ونشرحها هناك بمعونة اللّه، وقد نجز غرضنا من الكلام في إفساد الصلاة بالأفعال.
الفرع الخامس: في إفساد الصلاة بالكلام وما يتعلق به.
ويشتمل على أحكام نفصلها بحمد الله:
الحكم الأول: اعلم أن الكلام في الصلاة ربما كان على جهة العمد وربما كان على جهة السهو وتارة يكون من كلام الناس ومرة يكون من غيره وفيه أضرب خمسة نفصلها:
__________
(1) في حاشية الأصل: المرجل القدر، والأزيز صوت البكاء، وقيل: هو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء، شبه ما يسمع من نشيجه في صدره بغليان القدر عند شدة الإيقاد عليه. ا هـ.
الضرب الأول: أن يكون الكلام في الصلاة من قبيل التسبيح والتهليل وقراءة القرآن وغير ذلك من ذكر الله تعالى فما هذا حاله لا يكون مفسداً للصلاة لقوله : ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير والتهليل وتلاوة القرآن)).
ووجه الدلالة من الخبر: أنه استثنى في الفساد ما لا يتعلق بكلامات(1)
الناس وهذه الأمور ليست من كلام الناس فلهذا لم تكن مفسدة للصلاة.
الضرب الثاني: أن يقصد إلى الكلام وهو عالم أنه يبطل الصلاة وكان ذلك لغير مصلحة للصلاة، فما هذا حاله مبطل للصلاة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وغيرهم من الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين )). وما هذا حاله فهو من كلام الناس فلهذا كان مبطلاً. قوله : ((الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء ))(2).
فهذان الخبران يدلان على بطلان الصلاة بما ذكرناه من هذا الكلام الذي ذكرنا صفته.
الضرب الثالث: أنه يتكلم بالكلام على جهة العمد وعالماً بتحريمه في الصلاة لكنه لمصلحة الصلاة وهذا نحو أن يتكلم بكلام لدرء المار ونحو أن ينبه الإمام عن سهوه بكلام فما هذا حاله هل يكون بمطلاً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون مبطلاً للصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الفريقين الحنفية والشافعية.
والحجة على هذا: قوله : ((الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء )). ولم يفصل بين أن يكون مفعولاً لاصلاحها أو لغير إصلاحها.
__________
(1) هكذا في الأصل، وقد سبقت بهذه الصيغة وهي جمع اسم الجنس وهو غير وارد عن أهل اللغة، والله أعلم.
(2) قال في (الجواهر)1/290: هكذا حكاه في (المهذب) وعزاه في (التلخيص) إلى الدارقطني من حديث جابر بإسناد ضعيف فيه أبو شيبة الواسطي، رواه من طريقه بلفظ: ((الضحك)) بدل ((الكلام)) وهو أشهر وصححه، والبيهقي وقفه، والله أعلم.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه خطاب لآدمي مفعول على جهة العمد مع العلم بتحريمه فأبطل الصلاة كما لو كان مفعولاً لغير إصلاح الصلاة.
المذهب الثاني: جواز ذلك لإصلاح الصلاة وهذا شيء يحكى عن مالك والأوزاعي.
والحجة على ذلك: قوله : ((إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء ))(1).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه أمر بالتصفيق إذا عرض عارض في إصلاح الصلاة فإذا جاز التصفيق جاز الكلام لإصلاحها لاستوائهما جميعاً في الغرض المطلوب وهو إصلاح الصلاة.
والمختار: ما عليه علماء العترة والفريقان.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى عبدالله بن مسعود عن رسول الله قال: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجاتنا فقدمت على رسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد عليِّ فأخذني ما قدم وما حدث فلما قضى رسول الله قال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة)) (2).
ورد على السلام، ولم يفصل بين أن يكون لإصلاحها أو لغير إصلاحها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه أمر إذا عرض عارض في الصلاة بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء فإذا جاز التصفيق جاز الكلام لإصلاح الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فقد قيل إن هذا الخبر منسوخ بخبر عبدالله بن مسعود حيث قال: ((وإن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة )). فدل ذلك على نسخه.
__________
(1) هذا طرف من حديث أخرجه بكماله الستة إلاَّ الترمذي، وهذا اللفظ لأبي داود والنسائي، قال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيق للنساء تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى.
(2) رواه أبو داود، وأخرج البخاري ومسلم نحواً منه، وأخرج الستة إلا الموطأ عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه حتى نزلت: {وَقُوموا لله قَانِتِيْن}[البقرة:238] فأُمِرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
وأما ثانياً: فلأن الخبر حجة لنا لأنا نقول لولا أن الكلام مفسد للصلاة إذا فعل لإصلاحها لما عدل إلى التسبيح والتصفيق فلما عدل إليهما عن الكلام دل على ما قلنا من إفساد الكلام للصلاة إذا فعل لإصلاحها.
الضرب الرابع: كلام الناسي، وهذا نحو أن يعتقد أنه قد سلم من الصلاة أو أنه ليس في الصلاة فيتكلم على جهة النسيان ولا يطيل الكلام فما هذا حاله من الكلام هل يكون مبطلاً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مبطل للصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ومحكي عن أبي حنيفة خلا أن أبا حنيفة قال: إلا أن يسلم من يسلم من اثنتين فإنه لا يبطل الصلاة.
والحجة على هذا: ما رويناه من حديث عبدالله بن مسعود وهو أن الرسول قال: ((إن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة)) ولم يفصل بين السهو والعمد فيه وفي هذا دلالة على ما قلناه.
المذهب الثاني: أن كلام الساهي لا يفسد الصلاة وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن الناصر ومالك والأوزاعي.
والحجة على هذا: قوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان )).
والمختار: أن كلام الساهي غير مفسد للصلاة.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة قال: صلى بنا رسول الله العصر فسلم في الركعتين الأوليين فقام ذو اليدين(1)
__________
(1) ترجم له في (الأسماء المفردة) و(الجرح والتعديل) و(الكامل في الضعفاء) وغيرها على اختلاف في كونه ذا الشمالين أم غيره، واختلاف في اسمه، وفي (الاستيعاب)2/475 و(الإكمال) للحسيني 1/133: أنه ذو اليدين واسمه الخرباق السلمي، حجازي من ناحية المدينة، شهد النبي وروى عنه حديث السهو في الصلاة الذي اورده المؤلف هنا.
…قال في (الاستيعاب): وليس هو ذا الشمالين، ذو الشمالين رجل من خزاعة استشهد يوم بدر، وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، وشهد أبو هريرة يوم ذي اليدين وهو الراوي لحديثه، وقال: إن أبا هريرة أسلم بعد بدر بأعوام، فلا يصح أن يكون ذو اليدين هو ذا الشمالين. اهـ باختصار.
[فقال]: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله : ((كل ذلك لم يكن)) ثم أقبل على القوم وقال: ((أصدقٌ ما يقول ذو اليدين))؟. فقالوا: نعم. فقام رسول الله فتمم ما بقي من صلاته وسجد سجدتي السهو وهو جالس بعد السلام(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه سلم من اثنتين ساهياً وعنده أنه آخر الصلاة فلما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ لم يتذكر سهوه وقال: ((كل ذلك لم يكن)). ثم كَلَّمَ القوم وقال: ((أصدق ما يقول ذو اليدين)). وعنده أنه خارج من الصلاة فلما قيل: نعم. تذكر السهو ورجع وبنى على صلاته وسجد للسهو فقد تكلم ساهياً على أنه قد خرج من الصلاة فلهذا لم يكن الكلام على جهة السهو مبطلاً للصلاة وبنى عليها وأتم صلاته، فكلامه لذي اليدين وللقوم لما سألهم لم يكن مبطلاً لصلاته لأنه خارج على جهة السهو، وإنما لم يبطل الرسول صلاة ذي اليدين بكلامه لأنه جوز النسخ بقوله: أقصرت الصلاة. وجوز السهو بقوله: أو نسيت. فلهذا كان سهوه تابعاً لسهو الرسول وإنما لم يبطل الرسول صلاة القوم الذين أجابوه لأنه روي أنهم لم يتكلموا في تصديق ذي اليدين وإنما أومأوا برؤسهم.
وقيل: إنهم قالوا: نعم. وهذا كلام يسير لا تبطل لأجله الصلاة. واختلف العلماء في مقدار ما يغتفر من كلام الساهي في الصلاة على أقوال ثلاثة:
فالقول الأول: أنه يغتفر فيه مقدار ما تكلم به رسول الله في قصة ذي اليدين لأن الأصل هو المنع إلا ما قامت عليه دلالة ولم تقم إلا بما ذكرناه.
القول الثاني: أنه تغتفر الكلمة والكلمتان والثلاث وما زاد على الثلاث لا يغتفر ويكون مفسداً لأن للثلاث مدخلاً في التقدير ولهذا اعتبرت في أقل الحيض وغيره من المقادير.
__________
(1) جاء الحديث من عدة طرق منها عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس كما في روايات أبي داود وابن ماجة والبيهقي، والبزار والطبراني، وبألفاظ متقاربة، وسيأتي في موضعه في باب سجود السهو.
القول الثالث: أنه يغتفر كلام الساهي وإن كان كثيراً لأن السهو هو الرافع لحكمه ولم يفصل بين أن يكون قليلاً أو كثيراً، وهذا هو المختار لأن الله تعالى قد رفع حكم السهو ولم يفصل بين قليله وكثيره.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: حديث ابن مسعود: ((إن الله أحدث ألا تكلموا في الصلاة )).
قلنا: هذا الحديث محمول على الكلام المعمود ولا شك في كون العمد مبطلاً للصلاة.
الضرب الخامس: أن يعمد إلى الكلام وهو يجهل أن الكلام يبطل الصلاة فما هذا حاله هل يكون مبطلاً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مبطل للصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)). وهذا عام في المنع من الكلام في الصلاة ولم يفصل بين الجهل والعمد.
المذهب الثاني: أن فعل الكلام على جهة الجهل يكون غير مفسد لا يبطل الصلاة، وهذا هو رأي الناصر والشافعي ومحكي عن مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: هو أنه غير عالم بكونه مبطلاً للصلاة فأشبه الناسي.
والمختار: أن الجاهل كالناسي في أن كلامه غير مبطل للصلاة.
والحجة على هذا: ما روي عن معاوية بن الحكم أنه قال: بينا أنا مع رسول الله في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فحذفني القوم بأبصارهم فلما رأيتهم ينكرون عليَّ قلت: وآثكل أماه مالكم تنظرون إليَّ فأخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يسكتونني فلما علمت أنهم يسكتونني سكت فلما انصرف رسول الله من صلاته دعاني بأبي وأمي ما رأيت معلماً أحسن منه تعليماً والله ما كهرني ولا شتمني ولا ضربني وقال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير والدعاء)). وروي: ((وقراءة القرآن)).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه لم يأمره بالإعادة فلو كان كلامه مبطلاً للصلاة لأجل جهله بكونه مفسداً لها لأوجب عليه الإعادة، والكهر هو الإنتهار. وفي قراءة عبدالله بن مسعود: {وأما اليتيم فلا تكهر}.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: حديث ابن مسعود دال على المنع من الكلام ولم يفصل بين الجاهل وغيره.
قلنا: الناسي معذور من أجل جهله وهو محمول على العامد والأخبار التي رويناها دالة على ما ذكرناه في حال الجاهل والناسي فلهذا قضينا بأن كلامهما غير مفسد.
الفرع الخامس: في إفساد الصلاة باللحن.
اعلم أن اللحن في اللغة هو الميل عن الصواب قال الله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}[محمد:30]. أراد تعرفن ميلهم عن تصديقك والإقرار بنبوتك، وفي الحديث أن الرسول كان بينه وبين بني قريظة حلف فبلغه أنهم مالوا عنه إلى حلف قريش فأمر قوماً من أصحابه يدرون بحالهم هل هم باقون على الحلف أو قد غدروا ومالوا وقال لهم: ((إن كانوا باقين على الحلف فصرحوا به وإن كانوا قد غدروا ومالوا فالحنوا لي لحناً أعرف به حتى لا تفتوا في أعضاد الناس))(1).
__________
(1) ولعل أشمل وأجمل ما جاء في تفسير اللحن ما أورده ابن منظور في لسان العرب، فقال: قال ابن برِّي وغيره: للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب، واللغة، والغناء، والفطنة، والتعريض، والمعنى، واستدل ابن منظور بهذا الحديث على التعريض اهـ،13/381-382، وهو في تأريخ الطبري2/93 والسيرة النبوية 4/179.
فجاء أصحابه فقالوا: يا رسول الله، عضل والقارة، أرادوا: أنهم قد مالوا عنك مثل ما مال عضل والقارة وهما قبيلتان غدروا بأصحابه وقتلوهم، وأراد: أنهم يميلون عن التصريح بغدر بني قريظة، وصار اللحن الآن متعارفاً بالميل عن قانون اللغة والإعراب، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاللحن لا محالة مغير لقانون اللفظ والإعراب وربما كان مغيراً للمعنى مع اللفظ فهذان طرفان لا يخرج اللحن عنهما، ونحن الآن نذكر ما يتعلق بكل واحد بمعونة الله تعالى.
الطرف الأول: في بيان اللحن الذي يكون مغيراً للمعاني مع تغييره لقانون اللفظ والإعراب وإنما بدأنا به لأنه الذي يتعلق به إفساد الصلاة وبطلانها فلا جرم كانت العناية به أحق والإهتمام به أعظم، قال الإمامان الناصر والمؤيد بالله: وإذا لحن المصلي في القراءة لحناً يغير معنى القرآن ولا يوجد مثله في القرآن ولا في أذكار الصلاة بطلت صلاته وكلامهما هذا مشتمل على مسائل ست:
المسألة الأولى: أن يكون اللحن خطأ في اللغة وخطأ في القرآن فلا يوجد فيهما جميعاً، ومثاله أن يقرأ الحمد بالخاء والعالمين بالغين والرحمن بالخاء ويقرأ العصف مأكول بالغين إلى غير ذلك مما يلحق اللحن اللفظة بالإهمال وإخراجها عن اللغة العربية فما هذا حاله يكون مفسداً للصلاة وإنما كان مفسداً لها لأن القرآن كله معجز وإنما كان معجزاً لتضمنه للفصاحة والبلاغة في لفظه ومعناه ولا شك أن اللحن على هذه الصفة يخرجه عن الفصاحة والبلاغة وفي ذلك خروجه عن الإعجاز وعن كونه قرآناً وعلى هذا يكون المصلي كأنه يصلي بغير القرآن.