ومن وجه آخر: وهو أن أفعال الصلاة قربة وهذه الأفعال مباحة والقربة مرادة لله تعالى والأفعال المباحة غير مرادة لله تعالى والفعل الواحد لا يجوز أن يكون مراداً غير مراد لله تعالى ولا فرق بين الفريضة والنافلة في أن هذه الأفعال مفسدة لها كما هي مفسدة للفريضة لأن القربة شاملة للفرض والنفل فما أفسد أحدهما كان مفسداً للآخر من غير فرق. وهل يكون الشرب مفسداً لنافلة الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: ان الشرب مفسد للصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة،و محكي عن الفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن الشرب محرم في الصلاة، فكان فعله مبطلاً للصلاة كالأكل.
المذهب الثاني: أن الشرب لا يفسد النافلة وهذا شيء يحكى عن سعيد بن جبير وطاووس.
والحجة على هذا: هو أن النافلة قد تساهل فيها الشرع وخفف أمرها حتى جوَّز أداءها قاعداً مع القدرة على القيام تخفيفاً لحالها وتوسعاً في أمرها، وشرب الماء فعل خفيف فلهذا جاز فعله فيها، وعن هذا قالا لا بأس بشرب الماء في صلاة النافلة.
والمختار: ما عليه علماء العترة وأكثر علماء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس )). فإذا كان الكلام يبطلها فالشرب يبطلها أحق وأولى. وإن كان بين أسنان المصلي طعام فنزل به الريق لم تبطل صلاته لأن مثل هذا لا يبطل الصوم.
ومن وجه آخر: وهو أن مثل هذا يتعذر الإحتراز منه ويشق، وإن ترك في فيه سُكَّرة ولم ينزل منها شيء إلى جوفه لم تبطل صلاته لأن مثل هذا لا يبطل الصوم فهكذا حال الصلاة وإن نزل إلى جوفه شيء منها لم تبطل صلاته أيضاً لأنه لم ينزل باختياره ولا بازدراده وإنما نزل مع ريقه فيشابه الريق وإن أكل جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته كما لا يبطل صومه هذا إذا كان قليلاً فعله فإن كان كثيراً بطلت.
الضرب الثاني: ما يوجب خروجه منها لأمر عارض ويكون مفسداً لها وهذا نحو أن يحضر منكر تجب إزالته.
واعلم أن الصلاة وإزالة المنكر أمران واجبان لكن الصلاة مؤقتة وإزالة المنكر مطلقة وإذا كان الأمر كما قلناه نظرت فإن كان المنكر واقعاً قبل تلبس المصلي بالصلاة ودخوله فيها فأيهما يكون أحق بالتقديم والإيثار؟ فيه تردد.
والمختار: إيثار الصلاة بالتقديم لأنها مؤقتة وإدراك فضيلة وقت التقديم(1)
للعبادة يكون أحق لا محالة وإن كان عروض المنكر بعد دخوله في الصلاة وتلبسه بها نظرت فإن كان المنكر مما يمكن تأخيره وجب تقديم الصلاة ولا يحل له الخروج منها لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ }[محمد:33]. وإن كان المنكر مما لا يمكن تأخيره وجب عليه الخروج منها وهذا نحو أن يكون هناك صبي يغرق أو يحرق أو رجل يقتل ظلماً لأن تدارك حشاشة النفس أهم في مقصود الشرع من الصلاة في وقتها سواء كان ذلك في أول وقت الصلاة أو في آخر وقتها فإن الصلاة يمكن تداركها بالقضاء وما هذا حاله من المنكر لا يمكن تداركه لفواته، فإن صلى والحال هذه وأعرض عن إزالة المنكر لم تكن الصلاة مجزية له لأنه يكون عاصياً لأنه ترك بالصلاة واجباً توجه عليه وجوبه لا يمكن تأخيره.
__________
(1) في حاشية الأصل: إذا كان لا يخشى فوات المنكر.
الضرب الثالث: ما يوجب خروجه من الصلاة ويكون مفسداً لها، وهذا نحو أن يحضر صاحب المظالم وصاحب الوديعة وصاحب الدين فما هذا حاله يجري على نحو ما ذكرناه في الذي قبله، فهذان واجبان أحدهما مؤقت والآخر مطلق وأحدهما حق لأدمي والآخر حق لله تعالى وإذا كان الأمر كما قلناه فليس تخلو المطالبة بهذه الحقوق إما أن تكون قبل دخول المصلي في الصلاة وتلبسه بها أو بعده، فإن كانت المطالبة بتأديتها قبل الدخول في الصلاة كانت الصلاة أحق بالتقديم والإيثار لأن إدراك فضيلة الوقت أحق بالعبادة لا محالة وإن كانت المطالبة بعد تلبسه بالصلاة ودخوله فيها نظرت فإن كان ذلك في آخر وقت الصلاة وجب المضي فيها ولا يحل له الإخلال بها لأن وقتها فائت ووقت الأداء للمظلمة غير فائت فلهذا كان أحق بالإيثار وإن كانت المطالبة بهذه الحقوق في أول وقت الصلاة وجب عليه الخروج منها لأنه قد تعارض هاهنا واجبان، أحدهما حق لله تعالى على الخصوص والآخر حق لآدمي فآثرنا حق الآدمي على حق الله تعالى كالدين والوصية، فإن مضى في صلاته والحال هذه كانت صلاته باطلة لأنه ترك بها واجباً توجه عليه وجوبه فيكون عاصياً ولا تجزيه صلاته لبطلان كونها طاعة ولعدم القربة في الصلاة.
نعم وذكر أصحابنا المتكلمون من الفئة العدلية المعتزلة أن المصلي إذا صلى وصبيٌ يغرق وكان يمكنه تخليصه فإذا صلى والحال هذه فإن صلاته غير مجزية وهذا جيد قوي لا غبار عليه لأمرين:
أما أولاً: فلأنه تارك بالصلاة فعل واجب قد توجه عليه فعله فيكون عاصياً بصلاته.
وأما ثانياً: فلأن تدارك حشاشة النفس وإنقاذها أهم في مقصود الشرع من الصلاة.
ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة حق لله تعالى والإنقاذ حق لأدمي وإذا تعارض حق الله تعالى وحق الآدمي كان حق الآدمي أحق بالإيثار كالدين والوصية.
الضرب الرابع: في حكم الأفعال الداخلة في الصلاة من غير جنسها.
وإن عمل المصلي عملاً في صلاته من غير جنسها نظرت فيه فإن كان عملاً قليلاً مثل دفع المار جاز لقوله : ((ادرأوا ما استطعتم)) و[مثل] خلع النعل؛ لأن الرسول خلع نعله في صلاة، وتسوية الرداء لكونه عملاً قليلاً والحمل والوضع والإشارة لأن الرسول كان يحمل أمامة بنت بنته زينب وهي بنت لأبي العاص وهو يصلي فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وسلم عليه الأنصار وهو يصلي فرد عليهم السلام بالإشارة. فهذه الأفعال كلها قد دل الشرع على أنها غير مبطلة للصلاة والإجماع منعقد على ذلك. ومن جهة أن المصلي لا يخلو من عمل قليل في الصلاة فلهذا كان مغتفراً لما ذكرناه، وإن كان عملاً كثيراً متوالياً فإنه مبطل للصلاة لأنه لا حاجة إليه ولا ضرورة تدعو إلى فعله فلهذا كان مبطلاً لها ولا فرق في العمل الكثير بين أن يفعله عامداً أو ناسياً أو جاهلاً بتحريمه فإنه مبطل للصلاة. وإن عمل في الصلاة عملاً كثيراً متفرقاً لم تبطل صلاته لأن الرسول حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة فكان إذا قام رفعها وإذا سجد وضعها ولم تبطل الصلاة لذلك لما كانت أفعالاً متفرقة غير متوالية فلهذا كانت مغتفرة.
ومن وجه آخر: وهو أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت فكل جزء منها قليل بنفسه فلا يجوز ضمه إلى غيره، والتفرقة بين القول والفعل حيث اغتفر الشرع القليل من الأفعال فلم يكن مبطلاً للصلاة بخلاف القليل من القول فإنه مبطل للصلاة من جهة أن القليل من الأفعال تدعو الضرورة إليه في الصلاة وتمس الحاجة إلى فعله فلهذا لم يكن مبطلاً بخلاف الأقوال فإنها لا تمس الحاجة إليها ولا تدعو الضرورة فافترقا. والتفرقة بين قليل الأفعال وكثيرها حيث بطلت الصلاة بكثيرها ولم تبطل بقليلها هو ما ذكرناه من أن الضرورة تدعو إلى القليل فاغتفر ولا تدعو إلى الكثير فلم يغتفر فافترقا.
الضرب الخامس: في حكم الأفعال الداخلة على الصلاة من جنسها وهذا نحو أن يركع أو يسجد في غير موضعه فإذا كان الأمر هكذا نظرت فإن كان فعله عامداً مع علمه بتحريمه بطلت صلاته لأنه خالف مشروع الصلاة وموضوعها الذي وضعت له من جهة الرسول حتى صار متلعباً بها وقد قال تعالى: {لاَ تَتَّخِذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً}(1).
وإن فعل ذلك ناسياً لم تبطل صلاته سواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً لأن الرسول صلى الظهر خمس ركعات ساهياً، وإن فعل ذلك جاهلاً لم تبطل صلاته لأنه معذور لأجل جهله كالناسي وإن قام في الركعة الرابعة من الظهر قبل السلام وأحرم بالعصر نظرت فإن كان عامداً عالماً بتحريمه صح إحرامه بالعصر لأنه بقيامه عمداً قبل السلام بطل ظهره(2)
وصح شروعه وإحرامه للعصر وإن قام ناسياً أو جاهلاً لم تبطل الظهر ولم يصح إحرامه بالعصر وإن قرأ فاتحة الكتاب في الركعة عامداً مرتين فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تبطل لأنه زاد ركناً في صلاته عامداً فبطلت به الصلاة كما لو زاد ركوعاً أو سجوداً.
وثانيهما: أنها لا تبطل صلاته وهذا هو المختار لأنه زاد زيادة ذكر فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين.
الضرب السادس: في التفرقة بين القليل والكثير من الأفعال.
اعلم أن الإجماع منعقد بين الأئمة وعلماء الأمة على أن القليل من الأفعال يجوز فعله في الصلاة وأنه غير مفسد لها وأن الكثير من الأفعال محرم في الصلاة وأنه مفسد لها، فإذا كان الأمر فيهما كما قلناه فلا بد من التفرقة بينهما ليتميز حكم أحدهما عن الآخر وللعلماء في التفرقة بينهما أقوال ستة:
__________
(1) هكذا في الأصل وهو خطأ، إذ ليس في القرآن الكريم آية بهذه الصيغة، ولعل الأقرب إلى الدلالة قوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزؤاً} [البقرة:231]، أو قوله تعالى: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً}[الأعراف:51].
(2) قال في حاشية الأصل: هذا مبني على عدم الترتيب.
القول الأول: يحكى عن الإمام المؤيد بالله وهو أن المعتمد في الفصل بين القليل والكثير هو الإجماع فما وقع الإجماع على كونه كثيراً فهو مفسد للصلاة وما لم يقع الإجماع على كونه كثيراً فهو في حكم القليل فلا يكون مفسداً فالاعتماد على الإجماع على الكثرة لا غير.
القول الثاني: عن الإمام أبي طالب وهو أن المعتمد في ذلك على غلبة الظن فما غلب الظن على كونه كثيراً فهو مفسد للصلاة، وما غلب الظن على كونه قليلاً فليس مفسداً للصلاة، فالتعويل في القلة والكثرة على ما ذكرناه من غلبة الظن. قيل للسيد أبي طالب: فإن لم يغلب على ظنه شيء من كونه قليلاً أو كثيراً، هل تجب عليه الإعادة أم لا؟ فقال: لا يمتنع أن تجب عليه الإعادة.
القول الثالث: حكاه المؤيد بالله عن أصحابنا وهو أن القليل ما وقع عليه الإجماع على كونه قليلاً فليس مفسداً وما لم يقع عليه الإجماع فهو في حكم الكثير فيكون مفسداً لأن الأصل هو تحريم الأفعال في الصلاة فلهذا وجب ما ذكرناه.
القول الرابع: محكي عن محمد بن شجاع(1)
__________
(1) محمد بن شجاع الثلجي، الفقيه الحنفي البغدادي، أبو عبد الله صاحب التصانيف.
…قال في (ميزان الاعتدال)6/182: قرأ على اليزيدي، وروى عن ابن عُلية ووكيع، وتفقه على الحسن بن زياد اللؤلؤي وغيره، قال: وقال ابن عدي: كان يضع الحديث في التشبيه ينسبها إلى أصحاب الحديث، وكان المتوكل يريد أن يوليه القضاء، فقيل له: إنه من أصحاب بشر المريسي، وكان ينال من أحمد في مسألة خلق القرآن.
…قال المروزي: أتيته ولمته فقال: إنما أقول: كلام الله، كما أقول: سماء الله، وأرض الله، وله كتاب المناسك في نيف وستين جزءاً، مات سنة 66هـ عن 86 سنة، وإليه ينسب الحديث المكذوب، إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت، ثم خلق نفسه منها، راجع ( الكامل في ضعفاء الرجال)6/291، تعالى الله عما يقول هذا الثلجي وأمثاله علواً كبيراً.
من أصحاب أبي حنيفة ومروي عن بعض أصحاب الشافعي وحاصل ما قالاه راجع إلى رؤية الرائي فما رأه الرائي فظن أنه غير مصل فهو في حكم الكثير وما رآه الرائي فظن أنه مصلٍ فهو قليل غير مفسد وفي الأول يكون مفسداً.
القول الخامس: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وحاصل كلامه هو أن التعويل في الفصل بينهما إنما هو على العرف والعادة فما كان من طريق العرف والعادة يقال إنه كثير فهو مفسد وما كان من طريق العادة والعرف يقال إنه قليل فهو غير مفسد فبهذا تدرك التفرقة بينهما.
القول السادس: يحكى عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن كل ما كان يفتقر إلى أعمال اليدين فهو كثير مفسد وهذا نحو تكوير العمامة والكتابة فهو كثير مفسد وما كان مفتقراً إلى أعمال اليد الواحدة فهو قليل غير مفسد وهذا نحو الحك اليسير وإدخال اليد في جيب القميص، فهذه أقاويل العلماء في مقدار القليل والكثير والفصل بينهما.
والمختار: من هذه الأقوال ما ذكره المؤيد بالله وهو أن كل ما وقع الإجماع على كونه كثيراً فهو مفسد وما لم يقع الإجماع على كونه كثيراً فهو في حكم القليل فلا يكون مفسداً.
والحجة على هذا هو أن الإجماع قد انعقد على إباحة الفعل القليل في الصلاة نحو الحك اليسير وتسوية الرداء إلى غير ذلك من الأفعال القليلة فإن وقع الإجماع على كونه كثيراً قضينا بإفساده وإن لم يقع الإجماع على كثرته فهو داخل في حكم ما أبيح من الفعل القليل ونرجع إلى التفريع.
الفرع الرابع: في الكلام في الأفعال الخارجة عن الصلاة نوردها في مسائل ست:
المسألة الأولى: يجوز الفعل القليل للإرشاد والتعليم لأحكام الصلاة.
والحجة على ذلك: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله من الليل فتوضأ ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ هو ثم جئت فقمت عن يساره فأخذ بيميني فأدارني من ورآءه حتى أقامني عن يمنيه فصليت معه. وهذا الحديث مشتمل على فوائد عشر:
الأولى منها: أن موقف الواحد عن يمين الإمام هو المشروع والواجب.
الثانية: أنه إن وقف على يساره كره وأجزته صلاته لأن ابن عباس افتتحها عن يساره فأقره على ذلك.
الثالثة: أن صلاة المأموم خلف الصف حائزة مع الكراهة إذا كان هناك ضرورة.
الرابعة: أن اليسير من الأفعال لا يفسدها ولا يكره فعله فيها إذا كان للإرشاد والتعليم كما فعله الرسول .
الخامسة: أن التعليم جائز في الصلاة كما علم ابن عباس.
السادسة: أن الصغير كالكبير في المقام للصلاة خلف الإمام.
السابعة: أن نية الإمام غير واجبة للإمامة لأن الرسول لم يشعر بابن عباس عند دخوله في الصلاة.
الثامنة: أن الفعل القليل من المأموم غير مفسد للصلاة كما فعل ابن عباس في الإستدارة.
التاسعة: أن قيام الليل مستحب في حقنا كما فعله الرسول وأدنى الدرجات في العبادات الإستحباب، فأما في حقه فالتهجد واجب عليه كما قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ }[الإسراء:79].
العاشرة: ظاهر الحديث دال على أن نية المأموم غير واجبة لأن الرسول لم يأمره بها ولا سأله هل نوى أو لم ينو.
فهذه الفوائد كلها مأخوذة من حديث ابن عباس وهو محتمل لأكثر من هذه الفوائد وقد ذكرنا فيما مضى عشرين فائدة فلا وجه لإعادتها. وكلامه لا يزال يستخرج منه الفوائد على مر الدهور وتكرر الأعصار غضة طرية للمجتهدين.
المسألة الثانية: قال المؤيد بالله الأفعال التي تفعل في الصلاة ثلاثة: فعل يفسد الصلاة سواء انضمت النية إليه أو لم تنضم وهذا كالكلام، وفعل يفسد الصلاة بانضمام النية إليه وإن لم تنضم لم يفسدها وهذا هو التسليمتان في الصلاة في غير موضعهما وهكذا إذا سلم في موضعهما ولم ينو الخروج من الصلاة وهذا هو قوله الأول، وقوله الآخر أنه يسلم ويقصد التسليم دون الخروج من الصلاة، وفعل لا يفسدها وإن نوى الإفساد به وهو نحو أن ينوي عند قراءة القرآن إفساد الصلاة فما هذا حاله لا يفسدها. فهذه أقسام الأفعال بالإضافة إلى النية في الصلاة.
المسألة الثالثة: المستحب هو الإتيان بالسنن في الصلاة التي ذكرناها وتشتد الكراهة في تركها لقوله : ((من رغب عن سنتي فليس مني )). والغرض أنه ليس من عملي وشأني وأمري لا على البراءة منه، فإن تركها ناسياً توجه عليه سجود السهو كما سنوضحه وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون فيه، فإن تركها عامداً فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته صحيحة وهذا هو المشهور من قول الأئمة والفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية الموجبة لفساد الصلاة إما ترك شرط من شروطها أو إخلال بفرض من فروضها أو إدخال فعل ليس مشروعاً فيها على ما تدل عليه الأدلة النقلية من جهة الرسول فأما السنن المنفصلة فلم تدل دلالة على كونها مفسدة لها إذا تركت عمداً وإنما ينسب العامد إلى التقصير من غير إفساد لها.
المذهب الثاني: إن تركها عمداً توجب إفساد الصلاة وهذا هو المحكي عن الناصر.
والحجة على هذا: هو أن الاستخفاف بالسنة يكون استخفافاً بالرسول والإهانة للسنة إهانة له وما هذا حاله يبطل الصلاة ولا شك أن التارك للسنة عمداً كالمستخف فيجب إبطال الصلاة.
والمختار: ما عليه علماء العترة وفقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن الإجماع منعقد على التفرقة بين الفرض والسنة وأن تارك الفرض له حكم مخالف لمن ترك السنة على جهة العمد أو على جهة السهو فأما فساد الصلاة بترك السنة على جهة العمد فلا قائل به ولأن الرسول قد ترك شيئاً من السنن على جهة العمد خوفاً من أن توجب وبياناً للفسحة في أمرها في جواز تركها فكيف يقال بأن تركها عمداً يفسد الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره.
قوله: إن تارك السنة على جهة العمد يكون في حكم المستخف فلهذا بطلت صلاته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نقول: الاستخفاف بالسنة وبالرسول كفر وردة لا محالة والتارك للسنة لا يكون في حكم المستخف، وإنما تركها ليس لهذا الوجه ولكن تركها لأنه لا عقاب على تاركها.
وأما ثانياً: فيلزم إذا كان التارك للسنة في حكم المستخف أن يكون كافراً مرتداً كالمستخف[بالفريضة] ولا قائل بهذه المقالة ولعل كلامه محمول على أن التارك للسنة عمداً قصد به الاستخفاف وعلى هذا تبطل صلاته لردته فأما إذا تركها عمداً من غير هذا القصد فلا يلزم ما قاله من فساد الصلاة والله أعلم.
المسألة الرابعة: ومن رأى أعمى يتردى في بئر أو رأى صبياً تدب إليه حية ففعل فعلاً كثيراً يرشدهما إلى النجاة فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته باطلة ويجب عليه إرشادهما بكل حيلة يجد إليها سبيلاً في نجاتهما وهذا هو رأي أئمة العترة وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنا قد دللنا فيما مضى أن الفعل الكثير مبطل للصلاة وهو ينافي الخشوع في قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون:2]. ولأنه فعل كثير ينافي الصلاة فوجب أن يكون مبطلاً لها كما لو فعل من غير إرشاد لهما.
المذهب الثاني:أنه غير مبطل للصلاة وهذا هو أحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا:هو أن ما هذا حاله فعل واجب عليه فلم يكن مبطلاً للصلاة كإجابة الرسول لمن دعاه في الصلاة.