السنة الثالثة والثلاثون: ويستحب حمل النفس على مشاق النوافل وتكلفها لما روى المغيرة بن شعبة أن الرسول قام حتى اسمعرت قدما أي انتفخا من القيام في الصلاة فقيل له أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً )). وقيل: كان بين إيجاب قيام الليل عليه بقوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ}[المزمل:2]. وبين نسخه بقوله: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ }[المزمل:20]. سنة وقيل: عشر سنين والله أعلم.
السنة الرابعة والثلاثون: وتستحب المداومة على ما أعتاده الإنسان من النوافل وإن قل لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يحب المداومة على العمل وإن قل ))(1).
السنة الخامسة والثلاثون: ويستحب لمن فرغ من الصلاة أن ينصرف يميناً وشمالاً إذا كان له حاجة في اليمين أو الشمال فإن لم يكن له حاجة فالمستحب أن يكون أنصرافه إلى جهة اليمين لما روي عن الرسول أنه كان يحب التيامن في تصرفاته.
السنة السادسة والثلاثون:ويستحب في القنوت في صلاة الفجر بآي القرآن التي تدل على الدعاء دون غيرها من آي القرآن لأن موضوعه الدعاء وإن قنت بالأدعية المأثورة عن الرسول جاز ذلك.
السنة السابعة والثلاثون: ويستحب إذا قنت بالدعاء ألا يزيد مقداره على مقدار القنوت بالقرآن كقوله تعالى: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا }[البقرة:136]. وكقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }[البقرة:286]. اللهم إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة جاز الزيادة في الدعاء على قدر الحال.
__________
(1) أخرج الستة عن عائشة أن رسول الله قال: ((أكلفوا من العمل ما تطيقوا، فإن الله لا يَمَلّ حتى تملُّوا وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل)) وجاء الخبر بروايات عدة، وهذا اللفظ لأبي داود.

السنة الثامنة والثلاثون: ويستحب أن يكون القنوت في صلاة الوتر بالأدعية المأثورة عن الرسول بالكلمات التي علمنهن جبريل رسول الله وعلمهن رسول الله الحسن بن علي وهي قوله: ((اللهم اهدني فيمن هديت )) إلى آخرها؛ لأن الرسول خصهن بصلاة الوتر فدل ذلك على الإستحباب فيهن من غيرها.
السنة التاسعة والثلاثون: ويستحب الجهر بالقنوت للإمام والمنفرد لأنه من جملة القرآن، ويستحب ألا يخص نفسه بالدعاء إذا كان إماماً ويقنت بالآي التي تشمل الكل كقوله: {آمَنَّا بِاللَّهِ}. وقوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا}. إلى غير ذلك من الآي الدالة على الشمول.
السنة الأربعون: ويستحب للمصلي إماماً كان أو منفرداً أن يرغب إلى الله تعالى بالأدعية المأثورة عن الرسول لقوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}[الشرح:7،8]. وقيل في تفسير: {فَإِذَا فَرَغْتَ} من الصلاة فانصب في الدعاء وارغب إلى الله تعالى في إعطاء الوسائل وإحراز الفضائل. ولنقتصر على هذا القدر من السنن المستقلة ونذكر على أثره السنن في الهيئات.
القسم الثاني في بيان سنن الهيئات في الصلاة، قد ذكرنا فيما سبق التفرقة بين السنة والهيئة فأغنى عن الإعادة، وتنقسم الهيئة: إلى ما يكون بالإضافة إلى جملة الصلاة، وإلى ما يكون بالإضافة إلى أبعاضها.

فالذي يكون مضافاً إلى جملة الصلاة، فيستحب للمصلي إذا افتتح الصلاة بالتكبير أن يكون خاضعاً خاشعاً متذللاً لجلال العظمة والكبرياء، وأن يعرف بين يدي من هو ومن يناجي ومن يخاطب، وعلى قدر ما يكون من هذه الأمور يعظم قدر الصلاة ويتفاضل أجرها وثوابها كما ورد عن الرسول : ((أن الرجل ليصلي ثم ينصرف ولم يكتب له من صلاته إلا نصفها " ثلثها ربعها خمسها سدسها سبعها ثمنها عشرها))(1).
وأراد بذلك الفضل وزيادة في الثواب فأما الإجزاء فهو حاصل بتمام ركوعها وسجودها وسائر فروضها. ويحكى عن بعض الصالحين أنه دخل في الصلاة فانهدم جدار المسجد ولم يشعر به وعن بعضهم أنه تآكل بعض أطرافه فأرادوا قطعه فقيل اقطعوه في الصلاة فإنه لا يشعر به فهذه صلاة الأوابين الذين ليس لهم شغل إلا فيما عند الله وإحراز معرفة جلاله وعظمته فهذه الهيئة تعم جميع الصلاة وكيفما كان أدخل في الإشتغال بما ذكرناه كان أدخل في الفضل.
__________
(1) أخرجه أبو داود عن عمار بن ياسر بلفظ: ((إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها)).

وأما ما يكون متعلقاً بأبعاض الصلاة من الهيئات كالقراءة من الجهر والمخافتة على رأي من يقول أنهما هيئتان على ما هو الأقوى والمختار ونحو الترتيل في القراءة وبيان الأحرف وإيضاحها ولا يهدها هداً من غير بيان وهكذا حال القيام فإنه يجب عليه الإنتصاب فيه ويستحب ألا يميل رأسه إلى يمينه وشماله ولا يجعل ذقنه في صدره، وأما الركوع فيستحب فيه مد الظهر وتسوية الرأس لا رافعاً له ولا يكبه ويفرج أصابع يديه فهذا كله هيئة مستحبة تركها لا يخل بالوجوب، وأما السجود فيخوي في سجوده ويرفع يديه عن خاصرته ويضع كفيه حذاء منكبيه أو حذاء خديه خلا أنه إذا وضعها حذاء منكبيه كان أبعد من أن يفترش ذراعيه، ويضم أصابعه نحو القبلة ويفترش رجله اليسرى في كلتا القعدتين أو يفترش رجله في القعدة الأولى ويتورك في الثانية على ما مضى من الخلاف في هاتين القعدتين فكله هيئة لا تضر مخالفة فيه لما كان هيئة ليست بركن فيكون تركه مفسداً للصلاة ولا يكون نقصاً فيكون بتركه يجبر بالسجود للسهو وإنما هو هيئة تابعة غير مستقلة فلهذا لم يكن فيها سجود سهو، وهكذا الكلام في الجهر في الأذكار نحو التشهد في الأول والأخير ونحو تسبيح الركوع والسجود فإن المخافتة هي السنة فيه لكنه هيئة تابعة لا يخل تركها بالصلاةـ وبتمامه يتم الكلام في الباب الخامس في صفة الصلاة وبالله التوفيق.

الباب السادس في بيان ما يفسد الصلاة و ما يكره فعله فيها
و ما لا بأس بفعله و لا يكون مفسداً لها
واعلم أن هذا الباب قد اشتمل على بيان ما يكون مفسداً للصلاة، وعلى بيان ما يكره فعله فيها وليس موجباً للفساد وعلى بيان ما يباح فعله فيها من غير كراهة ولا فساد، فهذه فصول ثلاثة قد اشتمل عليها هذا الباب نفصلها ونشرحها بمعونة الله تعالى.

---
الفصل الأول في بيان الأمور المفسدة للصلاة
اعلم أن الصلاة اسم شرعي منقول عن اللغة وإطلاق الصحة والفساد أمر شرعي ولها في الصلاة تفسيرات ثلاثة:
التفسير الأول: أن يراد بالصحيح ما لا حرج بفعله عن عهدة الأمر والمراد بالفاسد ما لم يخرج به عن عهدة الأمر.
التفسير الثاني: أن يراد بالصحيح ما لا يتوجه فيه القضاء والإعادة ومرادنا بالفاسد ما يجب فيه القضاء بعد فوات الوقت والإعادة في الوقت.
التفسير الثالث: أن يراد بالصحيح ما حصل بفعله براءة الذمة من الشغل بالخطاب ويراد بالفاسد ما حصل بفعله شغل الذمة بالخطاب بلزومه وهذه الأمور كلها معانيها متقاربة فإن من صلى وغلب على ظنه أنه متطهر ثم تحقق بعد ذلك أنه على غير طهارة فلم يخرج بهذه الصلاة عن عهدة الأمر والإعادة متوجهة إليه في الوقت والقضاء لازم له بعد انقضاء الوقت وذمته مشغولة بتأدية الصلاة.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: والصلاة مشتملة على شروط وأركان وأبعاض وهيئات.
فأما الشروط: فنحو استقبال القبلة، وستر العورة، ودخول وقت الصلاة، وطهارة المكان واللباس والبدن من النجاسات، ونحو طهارة الحدث، فإن هذه الأمور كلها شروط في صحة الصلاة ومتى اختل شرط منها كان مبطلاً للصلاة فإن كان الوقت باقياً وجبت الإعادة، وإن كان الوقت فائتاً وجب القضاء وهكذا حال الأركان في الصلاة نحو النية وتكبيرة الافتتاح والركوع والسجود والقيام والقعود فهذه أركان إذا اختل ركن منها أبطل الصلاة ولا يجبر بالسجود.
وأما الأبعاض: فنحو القنوت والتشهد الأول وغير ذلك من السنن فما هذا حاله فتركه لا يبطل الصلاة وتجبر بالسهو كما سنوضحه ونفصل القول فيه في السهو بمعونة اللّه.

وأما الهيئات: فتركها ينقض الفضل في الصلاة ولا يوجب بطلان الصلاة ولا يكون فيها سجود السهو، وإن ترك ركناً من أركان الصلاة كالركوع والسجود بطلت صلاته عمداً كان ذلك أو سهواً لقوله للأعرابي وقد ترك ركناً من أركان الصلاة: ((أعد صلاتك فإنك لم تصل )). ولأن ما هذا حاله من الأركان مقطوع بوجوبه ولم تفصل الأدلة بين تركه عامداً أو ناسياً في أن تركه مبطل للصلاة وإن ترك قراءة الفاتحة عمداً بطلت صلاته لأنه غير معذور في قراءتها وإن تركها ناسياً نظرت فإن كان الوقت باقياً وجبت عليه إعادتها لأن الخطاب مع بقاء الوقت متوجه إليه لأنه غير معذور في قراءتها، وإن كان الوقت فائتاً فلا يتوجه عليه القضاء، وإن انكشفت عورته في الصلاة نظرت فإن كان إنكشافها لعذر لم تبطل صلاته وإنما لم تبطل صلاته لأنه معذور في انكشافها، وإن انكشفت لغير عذر بطلت صلاته سواء كان المنكشف قليلاً أو كثيراً كما دل عليه كلام الهادي والمؤيد بالله وهو رأي الشافعي وقد قدمنا ما قاله السيد أبو العباس وما ذكره السيدان الأخوان في باب العورة.
الفرع الثاني: في الحدث في الصلاة. ومن أحدث في صلاته نظرت فإن كان عامداً نحو أن يقصد إلى الحدث عامداً مع علمه أنه في الصلاة أو أحدث ناسياً مثل أن ينسى أنه في الصلاة فيعمد إلى الحدث فإن صلاته وطهارته تبطل عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون في ذلك.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين إليتيه ويقول: أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً))(1)
__________
(1) أخرجه البزار عن ابن عباس بلفظ: ((يأتي أحدكم الشيطان في صلاته فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)).
…قال في (فتح الغفار)1/223: وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، وللحاكم عن أبي سعيد مرفوعاً: ((إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت فليقل: كذبت)) واخرجه ابن حبان بلفظ: ((...فليقل في نفسه...)).

.
ومن هذه حاله فقد سمع الصوت ووجد الريح، وإن سبقه الحدث وهو في الصلاة مثل أن يخرج منه الغائط أو البول أو الريح بغير اختياره فإن طهارته تبطل باتفاق بين أئمة العترة وفقهاء الأمة لقوله : ((الوضوء مما خرج )) وهذا فقد خرج منه الحدث، وهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن صلاته باطلة فيستأنفها بوضوء جديد وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن الشافعي في الجديد وهو مروي [عن] ابن سيرين.
والحجة على هذا: ما روى أبو داود في سننه أن الرسول قال: ((إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته ))(1).
الحجة الثانية: ما روى أبو ضمرة(2)
عن الرسول أنه قال: ((من رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته))(3)
__________
(1) عن علي بن طلق قال: قال رسول الله : ((إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة)) هذه رواية أبي داود، وفي (أصول الأحكام) عن عائشة عن النبي أنه قال: ((إذا قاء أحدكم في صلاته أو رعف فلينصرف وليتوضأ)) قال ا بن بهران في (الجواهر) حاشية البحر1/286: هما خبر واحد ولفظه ما جاء في (أصول الأحكام) قال: وفيه أيضاً عن علي أنه قال: ((من رعف وهو في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليستأنف الصلاة)) اهـ.
(2) محمد بن سليمان الشامي، يروي عن راشد بن سعد عن أبي أمامة، قال: رأيت النبي في حجة الوداع على بغلة شهباء يقوده خالد بن الوليد، روى عنه عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار اهـ، من (الثقات)7/434، وفي (تهذيب التهذيب) 9/178: قال أبو حاتم حدثنا عنه الوحاضي بأحاديث مستقيمة، وذكره ابن حبان في (الثقات) روى له ابن ماجة حديث ابن عمر في الطواف.
(3) روى الإمام زيد بن علي في مجموعه عن أبيه عن جده عن علي " في الرجل تخرج منه الريح أو يرعف أو يذرعه القيء و هو في الصلاة، فإنه يتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته، فإن تكلم استأنف الصلاة، وإن كان قد تشهد فقد تمت صلاته.
…قال السياغي رحمه الله في (الروض النضير)2/157: أخرج الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه بسنده عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: إذا وجد أحدكم رزاً أو قيئاً أو رعافاً فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم.
…قال ابن منظور في (لسان العرب) 5/353: والرِّزُّ بالكسر: الصوت، وقيل: هو الصوت تسمعه من بعيد، وقيل: هو الصوت تسمعه ولا تدري ما هو، ووجدتُ في بطني رِزاً أو رزِّيزَاً، مثال خصِّيْصَي: وهو الوجع، وفي حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجه: من وجد في بطنه رِزَّاً فلينصرف وليتوضأ.

.
المذهب الثاني: أن صلاته لا تبطل فيتوضأ ويبني على صلاته ما لم يحدث شيئاً يبطلها غير الحدث الذي سبقه، وهذا هو رأي أمير المؤمنين كرم الله وجهه ومحكي عن عمر وابن عمر ومحكي عن مالك وهو قول الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: ما روت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله أنه قال: ((من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبين على صلاته ما لم يتكلم))(1).
الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله إذا رعف في صلاته توضأ وبنى على ما مضى من صلاته.
المذهب الثالث:أنه إذا سبقه الحدث بنى على صلاته وإن غلبه المني أو شجه أدمي فخرج منه الدم بطلت صلاته، وهو رأي أبي حنيفة، وقال سفيان الثوري: إن كان حدثه من رعاف أو قيء توضأ وبنى على صلاته وإن كان من بول أو ريح أو ضحك أعاد الوضوء والصلاة.
والحجة لأبي حنيفة والثوري: هو أن الأحاديث التي دلت على البناء إنما هي في القيء والرعاف دون سائر الأحداث فوجب قصر البناء عليهما، فأما إذا كان الحدث بالمني والدم كما قال أبو حنيفة أو بالبول والريح والضحك كما قال الثوري فالصلاة باطلة ويجب إعادتها واستئنافها.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من بطلان الصلاة بسبق الحدث.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال:((إذا فسا أحدكم فليأخذ بطرف أنفه ولينصرف فليتوضأ ويعيد صلاته))(2).
الحجة الثانية: قوله : ((لا صلاة إلا بطهور )). وقوله : ((لا صلاة لمن لا وضوء له )). فإذا انتقض وضوءه لم يكن مصلياً من حيث أن الصلاة لا تكون إلا بطهور فمن فسد طهوره يجب أن تكون صلاته فاسدة.
__________
(1) أورده ابن حجر في (التلخيص) عن ابن ماجة والدار قطني من حديث تابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن الرسول بلفظ: ((من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ولين على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم)).
(2) تقدم قريباً من رواية أبي داود.

الحجة الثالثة: قياسية؛ وحاصلها هو أن هذا حدث يمنع من المضي في الصلاة فمنع من البناء عليها كحدث العمد.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روت عائشة ((من قاء أو رعف فلينصرف وليتوضأ ويبني على صلاته )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الحديث معارض بما روي عن الرسول أنه قال: ((من قاء أو رعف فلينصرف وليتوضأ وليستأنف )). وخبرنا أرجح لظهوره واشتهاره بين الرواة وما كان راحجاً فهو أحق بالعمل.
وأما ثانياً:فإنا نتأوله وهو أن المراد بالبناء هو الاستئناف؛ لأن كل من فعل من الفعل مثل ما مضى فإنه يصح وصفه بأنه يبنى عليه، وقوله : ((ما لم يتكلم...)) إنما هو حث على المسارعة قبل الأخذ والاستقبال بعمل آخر لأنه إذا كان مأموراً بترك الكلام مع خفية فلأن يكون مأموراً بترك غيره أحق وأولى.
قالوا: روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان إذا رعف توضأ وبنى على ما مضى من صلاته.
قلنا: ما أجبنا به عن حديث عائشة فهو بعينه جواب عما رواه ابن عباس ونزيد هاهنا وجهين:
أما أولاً: فلأن خروج الدم غير ناقض عندنا للطهارة إذا كان خروجه من غير السبيلين.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونه ناقضاً فيحتمل أن يكون قليلاً غير سائل وإذا كان الأمر كما قلناه فلا مستروح لهم فيما أوردوه، فأما ما ذكره أبو حنيفة والثوري من التفرقة بين القيء والرعاف وسائر الأحداث الناقضة في صحة البناء على القيء والرعاف دون غيرهما فإنما هو مقرر على حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث ابن عباس وقد قررنا ما يتوجه عليه من الإحتمال فلا وجه لتكريره.
الفرع الثالث: في حكم الأفعال في الصلاة.
اعلم أن دخول الأفعال واقع على أضراب ستة:
الضرب الأول: يحرم دخوله فيها وهو مفسد لها، وهذا نحو الأكل والكتابة والمشي الطويل وغير ذلك من الأفعال المحرمة في الصلاة فما هذا حاله فهو مفسد لها والإجماع منعقد على فساد الصلاة بما ذكرناه.

193 / 279
ع
En
A+
A-