والحجة على هذا: ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((إذا رفع الإمام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته))(1).
الحجة الثانية: أنه علَّم الأعرابي الصلاة وذكر له فروضها ولم يذكر التسليم وفي هذا دلالة على أنه مستحب غير واجب.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
وحجتهم:ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى سمرة بن جندب أن الرسول كان إذا سلم أحدنا في الصلاة أومأ بيده يميناً وشمالاً: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة اللّه. فقال الرسول : ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس يكفيكم أن تقولوا عن يمينكم وشمالكم السلام عليكم ورحمة الله)).
الحجة الثانية: ما روى واثلة بن الأسقع أن الرسول سلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وقال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
الحجة الثالثة: قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}[الأنعام:72]. فهو نص في الطلب وظاهر في الوجوب ومجمل في كيفية أداء الصلاة وكيفيتها موكول إلى أفعاله وقد بينها بفعله للمسلم وبيان المجمل واجب فلهذا قضينا بوجوب التسليم لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا:حديث ابن عمر: ((إذا رفعت رأسك من السجود فقد تمت صلاتك )).
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الغرض بقوله: ((قد تمت صلاتك)). أراد تمت من جهة الأفعال، فأما الأقوال فهي ناقصة حتى يحصل التسليم.
__________
(1) أورده السياغي في (الروض النضير)2/73 قال: واختلف العلماء في حكم التسليمتين فذهب الناصر وأبو حنيفة إلى أنهما سنة وهو إحدى الروايتين عن زيد بن علي كما ذكر في (المنهاج) وهو ظاهر صنيع البخاري في صحيحه، فإنه ترجم له في (باب التسليم) ولم يبين حكمه، وكأنه لم يَقْوَ له الدليل على وجوبه، فدل الحديث على أن التسليم ليس بركن واجب، وإلاَّ وجبت الإعادة مع الحدق قبل تأديته. اهـ ملخصاً.

وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما ذكرناه من الأدلة فلابد من الترجيح ولا شك أن أدلتنا دالة على الوجوب وأدلتهم دالة على عدم الوجوب وما كان دالا على الوجوب فهو أحق لأنه يفيد فائدة جديدة بخلاف ما يدل على عدم الوجوب فهو باق على حكم العقل والوجوب أمر جديد بحكم الشرع فافترقا.
قالوا: إنه علَّم الأعرابي فروض الصلاة ولم يذكر له التسليم فدل على أنه غير واجب.
قلنا:وعن هذا أيضاً جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه فعل مجمل لا ندري كيف وقع وهو مفتقر إلى البيان فلا يصح الاحتجاج به.
وأما ثانياً: فلعله قد كان علم وجوبه فلهذا لم يذكره له.
قالوا: السلام ينافي الصلاة ويبطلها فكيف يقال إنه من فروضها.
قلنا: الصلاة قد أوضحها الشارع على هذه الكيفية المخصوصة فإن أردتم أنه يبطلها عند فعله في غير موضعه فهذا مُسَلَّم، وإن أردتم أنه يبطلها إذا فعل في موضعه فهذا ممنوع غير مُسَلَّم فبطل ما قالوه.
الفرع الثاني: في بيان عدد التسليم وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الواجب تسليمتان من عن يمينه وعن شماله وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والهادي والقاسم والمؤيد بالله، وأحمد بن حنبل والحسن بن صالح وقول الشافعي في الجديد.

والحجة على هذا: ما روى سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن سهل أن الرسول كان يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله(1).
الحجة الثانية: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يسلم عن يمينه وشماله " ويقول السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله)) (2).
المذهب الثاني: أنه ثلاث تسليمات تسليمة عن يمينه وتسليمة عن يساره وتسليمة عن تلقاء وجهه، وهذا شيء يحكى عن عبدالله بن موسى بن جعفر.
وحجته على هذا: هو أن ابن مسعود روى أن الرسول سلم تسليمين من عن يمينه ومن عن يساره(3)،
وروى ابن عمر، وعائشة، وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع: أنه سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، فأخذنا بالروايتين جميعاً، وجمعنا بينهما.
المذهب الثالث: أن التسليم مرة واحدة من تلقاء وجهه وهذا شيء يحكى عن مالك، ويروى عن الإمامية، وإليه ذهب الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز وابن سيرين والأوزاعي.
والحجة على هذا: ما روت عائشة وأنس بن مالك عن رسول الله أنه سلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه.
المذهب الرابع: أنه إن كان المسجد صغيراً ضيقاً أو لا لغط هناك سلم تسليمة واحدة، فالمحكي عن الشافعي قولان:
__________
(1) روي في التسليمتين جميعاً أحاديث عن جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حجر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشقر،طلق بن علي، وأوس بن أويس، وأبو رمثة وعدي بن عميرة، والمغيرة بن شعبة، وواثلة بن الأسقع، ويعقوب بن الحصين، أخرجت أحاديثهم بأسانيد مختلفة، نقل السياغي في (الروض)2/73 ما في (التلخيص) عن العقيلي: أن الأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين ولا يصح في تسلمية واحدة شييء، اهـ باختصار.
(2) تقدم ضمن الحديث السابق.
(3) تقدم.

الجديد: أن يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله.
والقديم: أن يسلم تسليمة تلقاء وجهه وإن كان المسجد كبيراً مثل الجوامع والناس كثير أو هناك ضجة فالمستحب أن يسلم تسليمتين من عن يمينه ومن عن شماله قولاً واحداً.
والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود أنه سَلَّم تسليمتين وروى ابن عمر أنه سلم تسليمة واحدة فحملنا الروايتين على حالتين جمعاً بين الأحاديث فحيث كان المسجد ضيقاً فتسليمة واحدة، وإن كان كبيراً فتسليمتان. فهذا تقرير المذاهب في التسليم.
والمختار: ما اعتمده علماء العترة وهو مروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وأبي بكر وعمر وابن مسعود والثوري ومحكي عن أبي حنيفة كما مر بيانه.
وحجتهم:ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى ابن مسعود أن الرسول كان يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خده. وعلى هذا أهل العلم من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
أما من قال بثلاث تسليمات اعتماداً على الجمع بين رواية ابن مسعود ورواية ابن عمر. وأما من قال بتسليمة واحدة اعتماداً منه على رواية ابن عمر. فالجواب عنه من وجهين:
أما أولاً: فلأن الأخبار التي رويناها في التسليمتين عن اليمين واليسار هي أكثر وأشهر وعليها تعويل العلماء من أكابر الصحابة والتابعين.
وأما ثانياً: فلأن أخبارنا دالة على زيادة مشروعة وعبادة زيادة فلهذا كانت أحق بالقبول.
وقولنا: مشروعة. نحترز عمن قال بالثالثة فإنها غير مشروعة. ومن قال بها فاعتماده على التلفيق كما أشرنا إليه.

الفرع الثالث: في بيان صفة السلام. والواجب في صفته أن يقول المصلي: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره، لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وقد فعل في التسليم هكذا، ولما روى ابن عمر وابن مسعود عنه أنه سلم في الصلاة كما ذكرناه، فإن قال: السلام عليكم ولم يذكر ورحمة الله أجزأ ذلك لأنه نقص ما لا يضر في التسليم، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أجزأ ذلك لأنه زاد زيادة. وهكذا لو قال: ورحمة الله وبركاته ورضوانه وكراماته لأن ما هذا حاله زيادة في الفضل وإحراز الثواب لما روي عن الرسول أنه قال: ((سلام عليكم عشر حسنات ورحمة الله عشر حسنات وبركاته عشر حسنات ورضوانه عشر حسنات وكراماته عشر حسنات ومن زاد زاد الله له)) (1).
فإن قال: السلام ولم يقل: عليكم، لم يكن مجزياً، وإن قال: سلام عليكم من غير ألف ولام فهل يجزي أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزئ؛ لأنه خالف المشروع في الصلاة والسلام وهذا هو المحَصَّل من مذهب الهادي.
وثانيهما: أنه يجزيه لأنه نقَّص الزائد في السلام فلهذا كان مجزياً.
__________
(1) روى نحواً منه عمران بن حصين عن النبي وأخرجه أبو داود والترمذي في رد الرسول السلام على رجل جاءه فقال: السلام عليكم، فرد عليه، وقال: ((عشر)) ثم جا ء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه وقال: ((عشرون)) ثم جاء آخر فقال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه رسول الله وقال: ((ثلاثون)).

والمختار: هو الأول لأن السلام اسم من أسماء الله فلا يكون كذلك إلا بالألف واللام، وإن قال: عليكم السلام. لم يكن مجزياً له؛ لأن ما [هذا]حاله سلام في حق الموتى فلا يكون مشروعاً في حق الأحياء ولأنه خالف المشروع فلا يجزئ ويحتمل الإجزاء لأنه ليس بمعجز فيراعى فيه الترتيب بخلاف نظم القرآن فإنه معجز فلهذا روعي في حقه الترتيب في الآي، وإن قال: عليكم سلام لم يكن مجزياً لأنه خالف المشروع في التقديم والتنكير.
الفرع الرابع: هل يكون التسليم من الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التسليم من الصلاة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم والسيد أبي طالب وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حاله أنه كان يسلم عن يمينه ويساره كما روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لا أنسى سلام رسول الله في صلاته يميناً وشمالاً، والظاهر أن ما فعله واجب إلا لدلالة تدل على أنه غير واجب.
المذهب الثاني: أن التسليم لا يكون من الصلاة، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن السلام مما يخرج به من الصلاة فأشبه الحدث والكلام وثمرة الخلاف بين المذهبين هو أنا إذا قلنا:إنه من الصلاة فالمصلي إذا أحدث حدثاً عند التسليم أو انكشفت عورته أو انحرف عن القبلة بطلت صلاته. وإذا قلنا:إنه ليس من الصلاة لم تبطل صلاته بما ذكرناه كما قلناه في تكبيرة الافتتاح.
والمختار: أنه ركن من أركان الصلاة لأمرين:
أما أولاً: فلأن آخر جزء من أجزاء الشيء معدود من جملته كما أن أول كل جزء من أجزائه معدود من جملته.
وأما ثانياً: فلأنه ذكر مشروع في موضع يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة فيكون مفسداً لها كالقيام والركوع والسجود.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: التسليم يخرج به من الصلاة فصار كالحدث والكلام.
قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولاً: فلأن الحدث والكلام مفسدان للصلاة على أي وجه وقعا بخلاف السلام فإنه إنما يكون مفسداً إذا وقع في غير موضعه المشروع له فافترقا.
وأما ثانياً: فلأن الفساد بالكلام والحدث وقع بهما مطلقاً والسلام إنما وقع الفساد عنده لا به لأن الكلام والحدث مبطلان للصلاة لأنهما بمعزل عن الصلاة، والسلام إنما أبطل لأنه وقع به التمام للصلاة وهو آخر جزء من أجزائها وأركانها فلهذا وقع الفساد عنده لا به.
قالوا: التسليم معنى ينافي الصلاة فصار كالحدث.
قلنا: وهذا من الطراز الأول، فإنا نقول: ما تريدون بقولكم: إنه معنى ينافي الصلاة؟ فإن أردتم بأن الصلاة منقضية بانقضائه فهذا مُسلَّم لأنه آخر أجزائها، وإن أردتم أنه ليس منها فهذا لا نسلمه وفيه وقع النزاع وإن أردتم به معنى آخر فاذكروه حتى نتكلم عليه.
الفرع الخامس: والنية في التسليم مستحبة لقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )). ولما روى سمرة أنه قال: أمرنا رسول رسول الله أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض(1).
وروي أن رسول الله كان يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين وقبل العصر أربعاً يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن معهم من المؤمنين(2).
__________
(1) جاء في حاشية الأصل، حديث سمرة رواه أبو داود وابن ماجة ولفظه: أمرنا أن نرد على الإمام وأن نتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض، وفي رواية: أمرنا رسول الله أنه نسلم على أئمتنا وأن يسلم بعضنا على بعض.
(2) قال في حاشية الأصل: إن الراوي علي قال: كان النبي ...الحديث، رواه الترمذي وحسنه النسائي، وعن علي أن النبي كان يصلي قبل العصر ركعتين، رواه أبو داود بإسناد صحيح. ا هـ.

وعلى من تكون نية السلام؟ ينظر فيه فإن كان إماماً فإنه ينوي بالتسليمة الأولى ثلاثة أمور: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة وهم الملائكة، والسلام على المأمومين عن يمينه، وينوي بالتسليمة الثانية أمرين: السلام على الملائكة وعلى من عن يساره من المأمومين. وإن كان مأموماً عن يسار الإمام، فإنه ينوي بالتسليمة الأولى أموراً أربعة: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والرد على الإمام، والسلام على المأمومين عن يمينه، وينوي بالثانية أمرين: السلام على الملائكة وعلى من يساره من المأمومين، وإن كان عن يمين الإمام فإنه ينوي بالتسليمة الأولى ثلاثة أمور: الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة وهم الملائكة، والسلام على المأمومينعن يمينه، وينوي بالثانية ثلاثة أمور: السلام على الملائكة، والسلام على المأمومين عن يساره، والرد على الإمام، وإن كان الإمام محاذياً نوى الرد عليه في أي التسليمتين شاء، وإن كان المصلي منفرداً نوى بالتسليمة الأولى أمرين: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، ونوى بالثانية السلام على الحفظة. فهكذا تكون النية في التسليم وكل هذه النيات مستحبة؛ إلا نية الخروج من الصلاة فهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن نية الخروج من الصلاة غير واجبة ولا مفروضة وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن السيد أبي طالب والقول الأخير للمؤيد بالله وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله، يقول السلام: عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة اللّه)). فتبين أن الكفاية تقع بمجرد السلام من غير حاجة إلى نية الخروج من الصلاة.
المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو قول الأكثر من أصحاب الشافعي والقول القديم للمؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فوجب مقارنة النية له دليله تكبيرة الافتتاح.

والمختار: أنها غير واجبة كما ذكره الهادي.
وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )). ولم يذكر النية فلا يجوز إثباتها إلا بدلالة شرعية.
ومن وجه آخر: وهو أن نية الصلاة قد اشتملت على جميع أفعالها وأقوالها فلا معنى لإيجاب نية الخروج وإعادة نية أخرى له.
ووجه ثالث: وهو أن نية الخروج لو وجبت لوجب تعيين الصلاة التي يخرج منها كنية الإحرام للصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ذكر في أحد طرفي الصلاة فوجب مقارنة النية له دليله تكبيرة الافتتاح.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل كونه يدخل به في الصلاة بخلاف التسليم فإنه خروج منها فافترقا.
وأما ثانياً: فإنا نقلب عليهم هذا القياس فنقول: ذِكْرٌ في أحد طرفي[الصلاة] فلا يكون واجباً كالافتتاح للصلاة وإذا سلم من الظهر ونوى الخروج من العصر.
فإن قلنا: أن نية الخروج من الصلاة واجبة بطلت صلاته لإخلاله بما هو واجب عليه.
وإن قلنا: أن نية الخروج من الصلاة غير واجبة كما هو المختار لم يضره ذلك كما لو شرع في الظهر وظن في الركعة الثانية أنه في العصر ثم تذكر في الثالثة أنه في الظهر لم يضره ذلك، ويستحب في التكبير والتسليم أن يكونا مجزومين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: حذف التسليم من السنة. والمراد بذلك ألا يمده مداً، وروي عن الرسول أنه قال: ((التسليم جزم والتكبير جزم ))(1).
__________
(1) قال ابن بهران في (الجواهر)1/239 حاشية (البحر): قال في (التلخيص): لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي حكاه عنه الترمذي وجاء معناه عند الترمذي وأبي داود والحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ: ((حذف السلام سنة)) وقال الدار قطني: الصواب [أنه] موقوف.
…تنبيه: حذف السلام: الإسراع به، وهو المراد بقوله جزم.

الفرع السادس: وتستحب النية على الحفظة وعلى الإمام والمسلمين كما فصلناه لحديث سمرة، وهل تجب النية على الحفظة من الملائكة أم لا وعلى الإمام وعلى سائر المسلمين؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن هذه النية واجبة وهذا هو الذي ذكره السيدان الإمامان الأخوان فإنهما قالا إن هذه النية واجبة، ولم أعلم أن أحداً من الفقهاء ذهب إلى وجوب هذه النية قبلهما.
والحجة على هذا: ما في حديث جابر بن سمرة أن الرسول قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يقول :هكذا وأشار بأصبعه يسلم على أخيه من عن يمينه ويساره)) (1).
وهذا يشتمل على الحفظة وعلى الإمام وسائر المسلمين الذين معه فإنه لا يكون مُسَلِّماً عليهم إلا بالقصد والنية. وقيل للسيد أبي طالب فهل تكون هذه النية على الملائكة والمسلمين واجبة؟ فقال: نعم لأنه لا يكون مسلماً إلا بهذه النية. وهكذا عن المؤيد بالله. قال أبو طالب: فإن نسيها المصلي؟ فتجب عليه الإعادة في الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد انقضاء الوقت.
المذهب الثاني: أنها غير واجبة وهذا هو المحكي عن الفقهاء وقد حكي عن السيدين الأخوين الرجوع إلى أن هذه النية غير واجبة وأن المصلي إذا ترك هذه النية لم تكن صلاته فاسدة.
والحجة على هذا: ما روى سمرة أن الرسول أمرنا أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض. يعني في الصلاة ولم يذكر النية وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة فلو كانت واجبة لذكرها لأنه في موضع التعليم لأحكام الصلاة.
والمختار: ما رجع إليه السيدان من عدم وجوبها وهو رأي الفقهاء.
__________
(1) أخرجه أبو داود بلفظ: كنا إذا صلينا خلف رسول الله فسلم أحدنا أشار بيده عن يمينه وعن يساره، فلما صلى قال: ((ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم، أو ألا يكفي أحدكم أن يقول هكذا، و أشار بأصبعه يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله)).

191 / 279
ع
En
A+
A-