القول الثاني: أن يضعها على فخذه اليمنى مقبوضة الأصابع إلا المسبحة لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن الرسول كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالمسبحة(1).
القول الثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر ويُحَلِّق بالإبهام والوسطى ويشير بالمسبحة لما روى وائل بن حجر أن الرسول فعل هكذا كأنه عاقد على ثلاثة وعشرين.
__________
(1) هذه في رواية لمسلم والنسائي عن ابن عمر، وقد حدد ابن بهران في (الجواهر) روايات عقد النبي أصابعه في التشهد بأربع هيئات، قال: وكلها مروية عن النبي .
…أما الأولى: وهي بسط الأصابع فهي في رواية ابن عمر ونحوها في إحدى روايات الأسعدي، وعن نمير الخزاعي قال: رأيت رسول الله واضعاً يده اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً أصبعه السبابة قد …حباها شيئاً، أخرجه أبو داود والنسائي نحوه.
…والهيئة الثانية: وهي بصورة العقد على ثلاثة وعشرين، قيل: رواها وائل بن حجر، والذي في (التلخيص) عنه: ان رسول الله كان يحلق بين الإبهام والوسطى، وعزاه إلى ابن ماجة والبيهقي.
…والثالثة: وهي صورة العقد على ثلاثة وخمسين، وهي في رواية لمسلم وللنسائي عن ابن عمر.
…والرابعة: قيل: هي في إحدى روايات حديث أبي حميد الساعدي.
…قال ابن بهران: ولم أقف عليها فلعل دليلها ما عزاه في (التلخيص) إلى مسلم من رواية ابن الزبير بلفظ: كان يضع إبهامه علىالوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته، والله أعلم.

القول الرابع: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويبسط الإبهام والمسبحة يشير بها لما روى أبو حميد الساعدي أن رسول الله فعل ذلك. فهذه الأخبار كلها دالة على [أن] النبي فعل هذه الهيئات مرة هكذا ومرة هكذا تسهيلاً للأمر وتوسعة في العبادة فكيفما وضع يده على هذه الحالات فقد أتى بالسنة وأصابها، ويشير بالمسبحة على جميع الأقوال كلها لما ذكرناه من الأخبار الدالة عليها والمستحب أن يشير بها عند الإثبات وهي قوله: (إلا الله) لا عند كلمة النفي وهي قوله: (لا إله). والسنة أن لا يجاوز بضره إشارته بإصبعه وهل يحركها أم لا؟ فيه روايتان:
الأولى: رواية ابن الزبير وهي أن لا يحركها. روى أن الرسول كان يشير بها ولا يحركها.
الرواية الثانية: رواية ابن عمر، روى عن رسول الله أنه كان يحركها وقال: ((إنها مذعرة للشيطان))(1).
وإذا قلنا: بأنه يحركها فإن حركتها يسيرة فلا تبطل بها الصلاة لأنه عمل قليل كما لو غمض عينيه.
والمختار: أنه لا يحركها لأن تحريكها لا فائدة فيه بحال.
الحكم الثالث: في بيان صفة الذكر المسنون في التشهد.
واعلم أن هذا التشهد قد كثرت فيه الأدعية وعظم اختلاف الناس فيما يختار فيه من الذكر. فحكي عن الطحاوي أنه قال: إن العلماء اتفقوا مع اختلافهم في ألفاظ التشهد[على] أن الرجل يختار لنفسه تشهداً واحداً يعمل به دون غيره.
قال المؤيد بالله: والأقوى عندي خلاف ذلك وهو ما قاله القاسم وهو أن ما تشهد به المتشهد فهو مغنٍ.
والمختار: ما قاله الطحاوي لأمرين:
أما أولاً: فلأن الأذكار متفاضلة وألفاظها متباينة وأدخلها في الفضل وأعلاها ما كان دالا على التوحيد والتنزيه والثناء على الله تعالى.
__________
(1) في رواية النسائي عن ابن عمر نحوه.

وأما ثانياً: فلأن الصحابة رضي الله عنهم متفاوتون في درجات الفضل والإختصاص بالرسول فلأجل هذا يتفاوت ما نقلوه في زيادة الأجر والثواب فلهذا كان الأحسن أن يختار الإنسان لنفسه تشهداً يعمل به كما يختار عالماً يقلده في العمليات في المسائل الاجتهادية. ونحن الآن نذكر اختلاف العلماء واختيار كل واحد منهم لما اختاره من ذكر التشهد.
القول الأول: محكي عن الإمام زيد بن علي والقاسم والهادي وهو أن الأفضل ما روى جابر عن رسول الله أنه كان يقول في تشهده: ((بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))(1).
القول الثاني: أن الأفضل عند المؤيد بالله ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول في تشهده: ((بسم الله والحمدلله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))(2).
فما اختاره الهادي والقاسم موافق لما اختاره المؤيد بالله إلا في قوله: ((وبالله)). وقوله: ((وحده لا شريك له)) فإن المؤيد بالله لم يذكرهما في تشهده ويكتفي بقوله: ((وأن محمداً عبده ورسوله)).
القول الثالث: أن الأفضل عند الناصر ما رواه عن أمير المؤمنين أنه كان يقول في تشهده: ((بسم الله الرحمن الرحيم وخير الأسماء لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله)). فهذه الأقوال في التشهد مأثورة عن أكابر أهل البيت كما روينا.
__________
(1) التشهد المروي عن جابر عزاه ابن بهران إلى (الجامع الكافي) وهو بلفظ: ((بسم الله وبالله والتحيات لله والصلوات والطيبات...))إلخ، أخرجه النسائي.
…قال في (الجواهر)1/274: وأما الرواية التي قصد المصنف (المرتضى، مصنف البحر) فإنما رواها في (أصول الأحكام) عن الحرث عن علي أنه كان يقول في التشهد في الركعتين الأوليين: بسم الله وبالله والحمد لله...إلخ، قال: وظاهره الوقف على علي .
(2) تقدم.

القول الرابع: أن الأفضل عند الشافعي ما رواه ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول وهو أن يقال: ((التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمته وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله))(1).
ورواه أبو داود عنه خلا أن أبا داود زاد الألف واللام في السلامين والأمر فيه قريب لأن الألف بدل من التنوين فهما يتعاقبان.
القول الخامس: أن الأفضل عند أبي حنيفة ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن الرسول أن يقال فيه: ((التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) (2).
وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والثوري واختاره ابن المنذر من أصحاب الشافعي.
القول السادس: أن الأفضل عند مالك ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله أنه علم الناس التشهد على المنبر فقال: ((التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) (3).
القول السابع: محكي عن أبي علي الطبري من أصحاب الشافعي أن الأفضل أن يقال: بسم الله وبالله التحيات المباركات الزاكيات والصلوات والطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فهذه أقاويل العلماء في اختيار التشهد كما ترى.
__________
(1) أخرجه مسلم وأبو داود بتعريب السلام في الموضعين؟
(2) تقدم.
(3) أخرجه في الموطأ عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد، ويقول: قولوا: التحيات لله والزاكيات لله...إلخ.

والمختار عندنا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه واختاره المؤيد بالله وهو قريب مما اختاره الهادي والقاسم وزيد بن علي لأن ما اختاره هؤلاء الأكابر من أهل البيت فهو الأفضل عند الله لما خصهم الله به من الفضل وعلو المنزلة في العلم والعمل ومالهم من العناية في أمر الدين وإحياء معالمه والإجتهاد في أن تكون كلمة الله هي العليا فلهذا كان مختاراً على غيره.
الانتصار: يكون ببيان أفضلية ما اخترناه وقد ظهر ذلك بالإضافة إلى من أختاره وهم أكابر أهل البيت وساداتهم وبالإضافة إلى ما رووه من جهة أمير المؤمنين وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، نعم الكل مصيب وآخذ من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه وكل ما ذكرناه قد أمر به وفعله وأشار إلى المواضبة عليه والدعاء إليه لكن الغرض في طلب الأفضل والأكثر أجراً وثواباً إتباعاً لقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ }[الزمر:18]. وقوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ }[الزمر:55].
الحكم الرابع:في تفسير هذه الكلمات:
فأما التحيات:فروي عن ابن عباس وابن مسعود، أنهما قالا: معنى التحيات لله العظمة لله،وحكي عن ابي عمرو بن العلاء أن التحيات لله: الملك لله، وعن بعضهم التحيات لله: تعني سلام الخلق مأخوذ من قوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ }[الأحزاب:44].
وأما الصلوات:فأراد أن هذه الصلوات فروضها ونوافلها مضافة إلى الله لإستحقاقه للعبادة بها لوجهه.
وأما الطيبات:فأراد أن الأعمال الصالحة لله تعالى كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }[فاطر:10]. وقيل:الطيبات المحامد والممادح والثناآت الحسنة يستحقها الله وتكون مضافة إليه.
وأما السلام:ففيه وجهان:
أحدهما:أن المراد اسم السلام والسلام هو الله كما يقال: اسم الله عليك.

وثانيهما:أن الغرض به الدعاء كأنه قال: سلمك الله تسليماً وسلاماً، وقد ورد السلام في التشهد تارة معرفاً باللام وتارة منكراً من غير لام كما ورد من جهة الله تعالى على الوجهين جميعاً فقال في السلام على عيسى {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً }[مريم:15]. وقال تعالى: { وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ }[مريم:33] فأتى به معرفاً باللام. وقال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى }[النمل:59]. وقال تعالى: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } [القصص:55]. فأتى به منكراً وكله دال على السلامة من جهة الله تعالى.
الحكم الخامس: وهل تسن الصلاة في التشهد الأول أو لا؟ والظاهر من مذهب الهادي والقاسم أنها غير مسنونة لما روى ابن مسعود رضي الله عنه عن الرسول أنه كان إذا جلس في التشهد الأول فكأنما يجلس على الرضف والرضف بسكون الضاد وتحريكها هو الحجارة المحماة وفي هذا دلالة على أنه كان لا يُصَلَّى فيه على الرسول ، وحكي عن مالك أنه يصلي فيه على الرسول ويدعو.
وهل تسن الصلاة على الآل أم لا؟ فمن قال: الصلاة عليه مسنونة، قال: الصلاة على آله مسنونة؛ لأنهم تابعون له، ومن قال: الصلاة عليه غير مسنونة، قال: الصلاة على الآل غير مسنونة، فهذه الأحكام الخاصة للتشهد الأوسط.
الفرع الثامن: ثم يقوم إلى الركعة الثالثة معتمداً على الأرض بيديه لما رويناه من حديث مالك بن الحويرث، ويكره تقديم إحدى رجليه عند النهوض في الصلاة، وقال مالك: لا بأس به.
والحجة على ما قلناه: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما هذه الخطوة الملعونة فدل ذلك على كراهتها ثم يركع لها ويسجد كما قلناه في الثانية، فإن ركع وسجد في الفريضة بنية النافلة فهل تبطل صلاته أم لا؟ فالظاهر على المذهب بطلان صلاته وهو قول الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه يقع عن فرضه وإن نواه عن النفل.

والحجة على ما قلناه: أن الركوع والسجود ركنان من أركان الصلاة فإذا أراد بهما نية النفل لم يكن مجزياً له كسائر الأركان، ثم يقوم إلى الرابعة يفعل فيها مثل ما فعل في الثالثة فإذا فعل ذلك فقد أكمل الركوع والسجود.

---
القول في التشهد الأخير
ولا خلاف في كونه مشروعاً لأن الرسول فعله وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول في هذه القعدة: هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وهو أحد قولي الشافعي ورأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يواضب على فعله ويستمر عليه وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فدل ذلك على وجوبه، ومقدار الواجب منه ما تؤدى فيه الشهادتان والصلاة على الرسول وعلى آله لأنهما واجبان كما سنوضحه.
المذهب الثاني: أن هذه القعدة مستحبة غير واجبة وهذا هو المحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو قول مالك والزهري والثوري.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77].
ووجه الحجة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بالركوع والسجود من غير زيادة ولم يأمر بالقعود فإذا فرغ من الركعة الرابعة فقد تمت صلاته قعد أو لم يقعد.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن تابعهم.
وحجتهم:ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قعدت فقد تمت صلاتك " )) (1).
فظاهر الخبر دال على أن آخر واجبات الصلاة من الأفعال هو هذه القعدة فإن فيها إتمام الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا:الآية دالة على أن هذه القعدة غير واجبة لأنها ليست ركوعاً ولا سجوداً.
قلنا:عن هذا جوابان:
__________
(1) جاء هذا في رواية للترمذي عن رفاعة أن النبي قال لمن علمه الصلاة: ((إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ)) إلى آخر الحديث، وقد تقدم.

أما أولاً: فلأن الآية وإن كانت نصاً في طلب الركوع والسجود فهي ظاهرة في طلب الأمر لكنها مجملة بالإضافة إلى كيفية آداء الركوع والسجود فتكون مفتقرة إلى البيان وبيانها موكول إلى لسان صاحب الشريعة وقد بينها بفعله بأن قعد عقيب الركوع والسجود، وفي هذا دلالة على أنها من جملة الركوع والسجود في الوجوب.
وأما ثانياً:فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الخبر والجمع بينهما ممكن لأن الآية ليس في ظاهرها ولا في صريحها ما يدل على بطلان هذه القعدة وإذا كان الأمر هكذا وجب حمل الآية على وجوب الركوع والسجود والخبر على إيجاب هذه القعدة فيكون جمعاً بينهما من غير مناقضة وهذا هو مطلوبنا.
الفرع الثاني: في الشهادتين ولا خلاف في كونهما مشروعتين في هذه القعدة وإنما الخلاف هل تكونان واجبتين أم لا؟ وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما واجبتان، وهذا هو رأي الهادي والقاسم وزيد بن علي ومحكي عن عمر بن الخطاب وأبي مسعود البدري وابن عمر.
والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أخذ بيدي رسول الله فقال: ((قل التحيات لله " )) (1)...
إلى آخره. والأمر للوجوب.
المذهب الثاني: أنهما غير واجبين، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن أمير المؤمنين والزهري ومالك والثوري وهو قول أبي حنيفة.
والحجة عليه: هو أن الرسول علم الأعرابي الصلاة حتى قال له: ((ثم اقعد حتى تطمئن قاعداً فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)). فعلق صحة الصلاة بالقعود ولم يذكر التشهد فلو كان واجباً لذكره لأنه في محل التعليم والبيان وإن جاز تأخيره عن وقت الخطاب فلا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
والمختار: ما قاله الأكثر من علماء العترة من وجوب الشهادتين.
__________
(1) تقدم.

وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نؤمر قبل أن يفرض علينا التشهد بأن نقول: السلام على اللّه.قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال الرسول صلى الله عليه: ((لا تقولوا: السلام على الله " ، فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه قال: قبل أن يفرض علينا التشهد. فدل على أنه قد فرض.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن النبي علَّم الأعرابي الصلاة ولم يذكر الشهادتين فدل على أنهما لا تجبان.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنه إنما لم يذكر الشهادة لأنه اعتمد على بيان الأفعال لما كانت أهم إذ لا خلاف فيها ويرجع في مقام ثاني إلى بيان ما يجب من الأقوال والأذكار.
وأما ثانياً: فلأن هذا مُعَارَض بما ذكرناه وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وخبرنا دال على الزيادة فلهذا كان راحجاً على غيره مما لم يدل على الزيادة.
الفرع الثالث: في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله، ولا خلاف في أنها مشروعة، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي القاسم ومحكي عن عمر بن الخطاب وابنه عبدالله بن عمر وأبي مسعود البدري وهو قول الشافعي وأصحابه واختيار الأخوين لمذهب الهادي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً}[الأحزاب:56]. وهذا أمر وظاهر الأمر للوجوب ولا خلاف أنها لا تجب الصلاة على الرسول إلا في الصلاة(2).
__________
(1) في الحديث روايات بألفاظ متقاربة لأبي داود والنسائي والدار قطني والبيهقي، وأصله في الصحيحين دون قوله: قبل أن يفرض علينا.
(2) في حاشية الأصل: وخطبة الجمعة وعند ذكره على قول بعضهم ا هـ.

189 / 279
ع
En
A+
A-