---
القول في القعود بين السجدتين
ولا خلاف في استحباب القعود بن السجدتين، وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((ثم يرفع رأسه من السجود حتى يطمئن جالساً))(1).
المذهب الثاني: أنه غير واجب وهذا هو رأي أبي حنيفة، ومحكي عن مالك فمتى رفع رأسه رفعاً ما وإن قل أجزأه ذلك ولا يجب عليه الطمأنينة حتى روي عن أبي حنيفة أنه قال: لو رفع جبهته بقدر ما يدخل بين جبهته والأرض مقدار صفيحة السيف أجزاه فأما مالك فإنه يعتبر ما كان أقرب إلى الجلوس فإنه يجزيه وهكذا يعتبر في الإعتدال عن الركوع ما كان أقرب إلى القيام.
والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن تابعهم.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن المعلوم من حاله أنه كان يعتدل من الرفع لرأسه عن السجود ويطمئن وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
والحجة لأبي حنيفة ومالك: هو أن المأخوذ على المصلي إنما هو الركوع والسجود كما قال تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا }[الحج:77]. وهذا يقال له: راكع وساجد وإن لم يعتدل بين السجدتين وفي هذا ما نريده من بطلان الإعتدال.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: المأخوذ عليه هو الركوع والسجود بدليل قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77].
قلنا: إن قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77] نص في طلبهما جميعاً وظاهر في الوجوب ومجمل في كيفية السجود وقد بين كيفية السجود بقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ويفعله فإنه كان يعتدل بين السجدتين ولنا فيه أسوة حسنة في إتباعه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في صفة هذه القعدة. وفيها مذهبان:
المذهب الأول:أن يثني رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب قدمه اليمنى وهذا هو رأي أئمة العترة وأحد قولي الشافعي.
__________
(1) ورد في الحديث الطويل الذي رواه رفاعة بن رافع، أخرجه الترمذي وقد تقدم.
والحجة على هذا:ما روي أن أبا حميد وصف صلاة رسول الله قال: فلما رفع رأسه من السجدة الأولى ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى رجع كل عضو إلى موضعه.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي أنه يجلس على صدور قدميه والأول هو المشهور عن الشافعي ولم أعثر على هذا القول للشافعي في شيء من الأحاديث في صحيح البخاري وصحيح الترمذي.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم.
وحجتهم:ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو ما رواه رفاعة بن رافع أنه قال لمن علمه الصلاة:((فإذا سجدت فمكن سجودك وإذا قعدت فاقعد على فخذك اليسرى)) (1).
الانتصار: أن القعدة على الفخذ اليسرى مما لا خلاف فيها بين الأئمة والفقهاء، وأما ما روي عن الشافعي في الرواية الثانية فغير مشهورة ولا لها وجه في الأحاديث.
الفرع الثاني:وهل يكره الإقعاء في الجلوس أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول:أنه مكروه وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على [هذا]:ما روي عن الرسول أنه نهى عن الإقعاء في الصلاة.
المذهب الثاني:أنه من السنة وأنه غير مكروه وهذا مروي عن العبادلة عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير فهؤلاء من الصحابة، ومن التابعين نافع وطاووس ومجاهد واختلف في تفسير الإقعاء على أقوال ثلاثة:
فالقول الأول:محكي عن أبي عبيد هو أن ينصب ساقيه معاً على الأرض ويجلس على أليته.
القول الثاني:حكاه أبو عبيد عن أئمة الأدب يقول: الإقعاء هو: أن يفترش رجليه ويجلس على عقبيه.
القول الثالث:حكاه الشيخ أبو إسحاق من أصحاب الشافعي أن الإقعاء هو: أن يجعل يديه في الأرض ويقعد على أطراف أصابعه.
__________
(1) تقدم في حديث رافع بلفظ: ((إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم أقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك وإذا سجدت فمكن سجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى..)) الحديث، وفيه روايات عدة.
والحجة على ما قالوه:هو أن هذه القعدة إنما شرعت من أجل الإعتدال والاطمئنان وللفصل بين السجدتين ولا شك أن الإقعاء والافتراش سواء في الاعتدال والطمأنينة، فلا جرم كان الإقعاء مسنوناً كالافتراش من غير فرق.
والمختار: ما قاله علماء العترة من كراهة الإقعاء.
وحجتهم:ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي أن الرسول قال لعلي كرم الله وجهه: ((يا علي، أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين))(1).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا:إن هذه القعدة شرعت من أجل الإعتدال فكانت مسنونة كالافتراش.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا وجه للقياس في العبادات فإنه لا مجرى للأقيسة فيها.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه عن الرسول فإنه نص صريح في كراهة الإقعاء والقياس لا يمكن معارضته للأخبار المروية عن الرسول لأن القياس مشروط في العمل به والاعتماد عليه بأن لا يعارضه نص من الكتاب والسنة.
الفرع الثالث: هل في هذه القعدة ذكر مشروع أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا ذكر فيها مشروع وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة فأما الشافعي فلم يرو أصحابه عنه في هذا شيئاً من الذكر.
والحجة على هذا: ما في حديث رفاعة: ((ثم يكبر فيسجد ثم يكبر فيستوي قاعداً )). ولم يذكر فيها ذكراً. وما روى أبو مسعود البدري عن رسول الله أنه قال: ((لا تجزي صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود " )) (2).
ولم يذكر فيها ذكراً وفي هذا دلالة على عدم الذكر فيها.
المذهب الثاني: أن الذكر فيها مشروع وهذا شيء يحكى عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
__________
(1) أخرجه الترمذي.
(2) تقدم.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس عن الرسول أنه كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وارزقني))(1).
وفي رواية أم سلمة: ((واهدني السبيل الأقوم)).
والمختار: ما قاله ابن عباس.
والحجة: الخبر الذي رويناه عنه. نزيد هاهنا وهو أن أفعال الصلاة لا ينفك شيء منها عن ذكر يخصه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: حديث رفاعة وحديث ابن مسعود يدلان على أنه لا ذكر مشروع فيها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما لم يذكره في حديث رفاعة وابن مسعود لأن الغرض هو ذكر القعدة وبيان وجوبها ولم يتعرض للذكر المشروع فيها.
وأما ثانياً: فلأن خبر ابن عباس مشتمل على بيان زيادة ليست في خبرهما والزيادة مقبولة من جهة العدل فلهذا وجب قبولها.
الفرع الرابع: ثم يسجد سجدة ثانية على ما وصفنا في الأولى من التكبير والهيئة، فإذا رفع رأسه منها فهل يستوي قاعداً ثم ينهض أو يقعد قعدة خفيفة ثم ينهض؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن هذه القعدة غير مشروعة وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقول للشافعي حكاه المزني.
والحجة على هذا: ما رواه وائل بن حجر أن الرسول كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً بتكبيرة ولم يقعد. وإذا قلنا: لا يقعد فإنه يبتدئ بالتكبير مع ابتداء الرفع وينتهي به مع انتهاء الرفع وذلك يكون عند أول حالة القيام.
المذهب الثاني: أنه يقعد قعدة خفيفة للإستراحة وهذا هو المذكور عن الشافعي في (الأم).
__________
(1) رواه الترمذي وأبو داود، قال في (فتح الغفار)1/205: إلاَّ أنه قال فيه-يعني أبا داود-: وعافني مكان واجبرني، وأخرجه ابن ماجة والحاكم وصححه، ا هـ، وليس في لفظ هذه الرواية: ((وارفعني)) كما جاء في لفظ المؤلف المحقق.
والحجة على هذا: ما روى أبو حميد الساعدي أنه ذكر ذلك في صفة صلاة رسول الله ، وروي عن مالك بن الحويرث أنه رأى الرسول يصلي فكان إذا كان في وتر في صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً ومعنى الوتر أنه يقعد في ركعة واحدة لا غير، هذا هو مراد المحدثين بالوتر إذا قالوا: أقام في وتر من صلاته. وإذا قلنا: يقعد فإنه يقعد مفترشاً لما روى أبو حميد في صفة صلاة رسول الله . ومتى يبتدئ بالتكبير؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يبتدئ به عند ابتداء رفع رأسه من السجود وينتهي به إلى حالة القعود.
وثانيهما: أنه يطيل التكبير ولا يطيل القعود ويتم التكبير في حال النهوض للقيام، وهذا هو الأشبه بهذه القعدة لأن أفعال الصلاة لا تخلوا عن ذكر.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن هذه القعدة مخالفة لأصل الصلاة وموضعها لأنه ليس في الصلاة المفروضة قعود في ابتداء ركعة ولا معنى لكونها فصلاً بين الركعة الأولى والثانية لأن الفصل في الوتر لا وجه له فثبت أنها [فعل] غير مشروع.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روى [أبو] حميد الساعدي ومالك بن الحويرث هذه القعدة في صفة صلاة رسول الله وأنها مشروعة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه حكاية فعل لا ندري على أي وجه وقع والأفعال الغالب من حالها الإجمال في وقوعها وهي محتاجة إلى البيان.
وأما ثانياً: فلعل ذلك إنما كان من أجل ضعف عرض فقعد فيها للإستراحة فعلى هذا يبطل كونها مشروعة في الصلاة لأن ما كان مشروعاً فلا يختلف حاله بالضعف والقوة.
الفرع الخامس: وإذا أراد القيام إلى الركعة الثانية من السجود فهل ينهض معتمداً على الأرض بيديه أو يكون معتمداً على صدور قدميه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ينهض معتمداً على الأرض بيديه وهذا هو رأي أئمة العترة ومروي عن ابن عمر وعمر بن عبدالعزيز ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: ما روى مالك بن الحويرث في صفة صلاة رسول الله قال: فلما رفع رأسه من السجود في السجدة الأخيرة من الركعة الأولى اعتمد على الأرض بيديه.
المذهب الثاني: أن يعتمد على صدور قدميه عند النهوض ولا يكون معتمداً على يديه، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، ومروي عن أمير المؤمنين وابن مسعود.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة قال: كان رسول الله ينهض في الصلاة على صدور قدميه.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن المصلي إذا كان معتمداً علي يديه في القيام كان أعوز له وأشبه بالتواضع ثم يرفع ركبتيه قبل رفع يديه بخلاف السجود فإنه يضع يديه قبل ركبتيه فعلى هذا يكون أولهما وضعاً وآخرهما رفعاً وعلى هذا يكون الترتيب في الوضع عند السجود على الأرض فيضع أولاً يديه ثم ركبتيه ثم جبهته.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روى أبو هريرة أنه اعتمد عند النهوض على صدور قدميه.
قلنا: ما رواه مالك بن الحويرث في صفة صلاة رسول الله أرجح لأنه قصد الوصف والمبالغة فيها والتحفظ على أداء هيئتها، وما رواه أبو هريرة فإنما كان على جهة الرواية دون الصفة فيحتمل أن يكون اعتماده على صدور قدميه لأمر عارض بخلاف ما توهموه فكان ما قلناه أحق بالقبول.
الفرع السادس: ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيصليها مثل الأولى إلا في النية ودعاء الاستفتاح لأن ذلك إنما يراد للدخول في الصلاة وهو داخل فيها، فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين من الرباعيات فإنه يجلس ويتشهد، وهذان أعني التشهد والجلسة هل يكونان واجبين أو سنتين؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما سنتان وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أكثر الفقهاء من أهل العلم.
والحجة على هذا: ما روى ابن بحينة(1)
أن رسول الله قام على ركعتين من الظهر أو العصر لم يقعد بينهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين للسهو ثم سلم، ولو كانتا واجبتين لم يجبرهما بسجود السهو كالركوع والقيام.
والمذهب الثاني: أنهما واجبتان وهذا شيء يحكى عن الليث وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود وأبي ثور.
والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: علمنا رسول الله إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: ((التحيات.. إلى آخره))(2).
وظاهر التعليم دال على الوجوب إلا لدلالة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
ومن وجه آخر: وهو أنها قعدة تشتمل على الذكر فكانت واجبة كالقعدة الأخيرة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وأكثر أهل العلم من كونهما سنتين.
__________
(1) في حاشية الأصل: هو عبد الله بن بحينه بباء موحدة مضمومة، وحاء مهملة مفتوحة، وياء مثناة من تحت ساكنة، ونون ثم هاء، بنت ا لأرت، وهو الحرث بن المطلب بن عبد مناف، وأمها أم صيفي بنت الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، أسلمت وتابعت رسول الله ذكره النووي. وهو أزدي حليف لبني عبد المطلب بن عبد مناف.
…قال في (الجرح والتعديل)5/150: له صحبة،روى عنه عبد الرحمن الأعرج، وحفص بن عاصم، وابنه علي اهـ، له عن النبي أحاديث يسيرة لإقباله على العبادة، روى عنه أهل المدنية وبها مات في آخر ولاية معاوية، راجع (مشاهير علماء الأمصار)1/15 و(الثقات)3/216، و(الاستيعاب)3/982.
(2) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، قال في (جواهر ا لأخبار) حاشية (البحر) 1/275: وفيه للستة إلا الموطأ روايات أخر، يتضمن بعضها زيادات، ولفظه هنا: عن ابن مسعود قال: علمني رسول الله التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن: ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد ألاَّ إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)).
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن الوجوب مفتقر إلى دلالة من قول أو فعل وهذان أعني القعدة والتشهد ليس فيهما دلالة على وجوبهما فلهذا بطل وجوبهما.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى ابن مسعود تعليم التشهد فلهذا قضينا بوجوبه.
قلنا: إنه كما يعلم الأمور الواجبة فهو يعلم السنن والآداب والحكم فليس تعليمه مقصوراً على الواجبات فمجرد التعليم لا يدل على الوجوب.
الفرع السابع: في التشهد الأوسط، وقد ذكرنا حكمه في كونه سنة فلا نعيده.
واعلم أن القعدات في الصلاة ثلاث فاثنتان واجبتان وواحدة مسنونة، فأما الواجبتان فهما القعدة في التشهد الأخير كما سنوضحه والقعدة بين السجدتين للاعتدال، وأما المسنونة فهي للتشهد الأوسط، وهو مشتمل على أحكام خمسة:
الحكم الأول: في هيئة القعود وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: الافتراش في كلا التشهدين الأول والأخير وهو أن ينصب قدمه اليمنى ويفرش رجله اليسرى ويفضي ببطون أصابعه إلى الأرض وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: وهو رأي زيد بن علي والمؤيد بالله وهو ما رواه أبو حميد الساعدي في وصف صلاة رسول الله فإنه قال: إذا قعد للتشهد أن [نصب] رجله اليمنى وافترش رجله اليسرى وقعد عليها وأفضى ببطون أصابع رجله اليمنى إلى الأرض(1).
المذهب الثاني: التَّوَرُّك هو السنة فيهما جميعاً وهذا هو قول مالك.
__________
(1) جاء الحديث في روايتين كلتاهما تختلف إلى حد ما في لفظها عن رواية المؤلف الأولى لأبي داود قال: فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونضب اليمنى، فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى في الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة.
…وفي رواية الترمذي: فإذا جلس في الركعتين جلست على رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته.
والحجة على هذا: ما روي عن رسول الله أنه قعد في الركعة الأخيرة فأفضى بمقعدته إلى الأرض ونصب قدمه اليمنى وأخرج رجله اليسرى من تحت مأبض رجله اليمنى وإذا كانت السنة هي التورك في الأخيرة فهكذا يكون الجلوس في التشهد الأوسط بجامع كونهما قعدة تشتمل على ذكر فلهذا كان التورك فيها مسنوناً.
المذهب الثالث: الإفتراش في التشهد الأول والتورك في التشهد الأخير وهذا هو رأي الشافعي.
الحجة على هذا: أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله فقال: لما جلس في الأوليين ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ونصب اليمنى ولما قعد في الرابعة أخَّر رجله عن وركه وأفضى بمقعدته إلى الأرض ونصب وركه اليمنى(1).
المذهب الرابع: الإفتراش في التشهد الأول الذي وصفنا فإذا كان في الركعة الأخيرة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وقدم رجله اليسرى وأخرج قدميه من ناحية واحدة وهذا شيء يحكى عن الناصر.
والحجة على هذا: ما روى [أبو] حميد الساعدي أن الرسول فعل هذا في صلاته فصارت هذه المذاهب كما ترى في هيئة القعود.
والمختار: هو الإفتراش في التشهد الأول والتَّوَرُك في التشهد الأخير كما وصفنا من حالهما.
والحجة على هذا: ما رواه أبو حميد من صفة صلاة رسول الله فإنه فرق بين قعوده في التشهد الأوسط وبين قعوده في التشهد الأخير فإنه افترش في الأول وتَورَّك في الثاني.
والتفرقة بينهما ظاهرة، ولهذا كان المختار لأنه في التشهد الأول يريد القيام لإتمام الصلاة والافتراش أقرب إلى حاله القيام فهلذا آثره بخلاف التشهد الأخير فإنه آخر الصلاة فلا يحتاج فيه إلى قيام فلهذا تَوَرَّك فيه جمعاً بين الغرضين وتوفيراً على كل واحد منهما ما يستحق من الهيئتين.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
__________
(1) تقدم في حديث الساعدي في إحدى روايات أبي داود.
واعلم أن كل واحدة من القعدتين قد فعلها الرسول فآثر الإفتراش في الأولى لما ذكرناه، وآثر التَّورُّك في الثانية فمن العلماء من غلَّب حكم الأولى على الثانية فجعلهما جميعاً على هيئة الإفتراش ومنهم من غلَّب حكم الثانية على الأولى فجعلهما جميعاً على هيئة التَّورُّك ولهذا كان ما أخترناه جمعاً بين المذاهب لما وافيا بما نقل من الأحاديث في هيئة التشهدين كلامهما، فأما ما حكي عن الناصر فلم أعلم أن أحداً من أئمة العترة ولا من الفقهاء ذهب إليه، واعتماده على ما روي عن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله من أنه أخرج رجليه جميعاً وقعد على وركه اليسرىـ فالمشهور عن أبي حميد خلاف هذا وهو الإفتراش في التشهد الأول والتَّورك في التشهد الأخير.
الحكم الثاني: في هيئة وضع اليد عند التشهد، فإذا قعد للتشهد فإنه يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويبسط أصابعه اليسرى ويجعلها على شكل خلقتها من غير قصد منها لضم ولا تفريق، ومن العلماء من قال يضمها ومنهم من قال: يفرقها، والأولى ما ذكرناه، وأما اليمنى ففي كيفيه وضعها أربعة أقوال:
فالقول الأول: أن يضعها مبسوطة على فخذه اليمنى ويشير بالسبابة وهي المسبحة إلى الوحدانية عند الإثبات من غير قبض لشيء من الأصابع، وهذا هو الظاهر من مذهب القاسم والهادي لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن الرسول كان إذا جلس في الصلاة وضع يده على ركبته ورفع أصبعه التي تلي الإبهام اليمنى يدعو بها ويده اليسرى على ركبته يبسطها عليها، فظاهر هذا الخبر [دال] على أن اليدين مبسوطتان على الفخذين من غير قبض لأصابع اليمنى ولا عقدتها، وهل تكون الأصابع مضمومة أو منشورة؟ والمستحب أن تكون على شكل الخلقة لأن الخبر لم يشر فيها إلى قبض ولا بسط.