وينصب قدميه لما روى سعد بن أبي وقاص أن الرسول أمر بوضع اليدين ونصب القدمين يعني في السجود(1)،
ولا يكف شعره ولا ثوبه عند السجود لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي أمر أن يسجد على سبعة ولا يكف شعراً ولا ثوباً. وروي ولا يكفت والكفت الجمع.
الفرع الخامس: قد أوضحنا أن السجود على الجبهة واجب بلا خلاف وأن السجود على الأنف غير واجب على الخلاف، فهل يجب السجود على اليدين والركبتين والقدمين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن السجود على هذه الأعضاء واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وحكي عن المؤيد بالله أنه سئل هل يجب السجود على القدمين؟ قال: لا يجب. وحكي عن الشافعي في أحد قوليه وجوب السجود عليهما.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس (أمرت أن أسجد على سبعة آراب(2).
وروي عن الرسول أنه قال: ((أُمر نبيكم أن يسجد على سبعة أعظم))(3).
المذهب الثاني: أن السجود عليها غير واجب وهذا هو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن أبي حنيفة وبه قال أكثر الفقهاء.
والحجة على هذا: قوله لمن علمه السجود: ((إذا سجدت فمكن جبهتك على الأرض )). وقوله : ((سجد وجهي)) (4).
فأضاف السجود إلى الجبهة لا غير وفي هذا دلالة على أن هذه الأعضاء لا يجب السجود عليها.
والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب السجود على هذه الأعضاء.
__________
(1) قال في (الجواهر): قلت: الوارد في ذلك ما رواه عامر بن سعيد عن أبيه، أن النبي أمر بوضع اليدين ونصب القدمين.
(2) تقدم.
(3) تقدم.
(4) هذا الحديث مروي عن علي في باب ذكر الاستفتاح، أخرجه مسلم وفيه وإذا ركع قال: ((اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي))، وإذا سجد قال: ((اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين)).
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراً))(1).
وما روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا. وما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه قال: ((إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك)) (2).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إذا سجدت فمكن جبهتك )). وقوله: ((سجد وجهي)). فدل ذكر هذه على أن غيرها ليس بواجب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ذكره الجبهة لا يدل على أن غيرها غير واجب فتخصيصها بالذكر لا يدل على نفي ما عداها عن الوجوب.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على وجوب السجود على هذه الأعضاء وإذا تعارضت الأخبار وجب الترجيح ولا شك أن أخبارنا راحجة لأنها دالة على الزيادة والزيادة مقبولة لإفادتها فائدة جديدة غير ما دلت عليه أخباركم، وإذا قلنا: بوجوب السجود على هذه الأعضاء فسجد على ظهر قدميه لم يجزه، وهكذا إن سجد على حرف راحته مما يلي ظهر كفيه لم يجزه، وإن سجد على بعض كفيه أجزأه كما لو سجد على بعض جبهته، وإن قلنا: بأن السجود عليها غير واجب فهو لا يمكنه السجود إلا بأن يعتمد على بعض هذه الإعضاء فله أن يعتمد على أيها شاء ويرفع أيها شاء لأنها غير واجبة فلهذا جازت المراوحة بينها.
الفرع السادس: في كشف هذه الأعضاء في السجود.
ولا خلاف في أنه لا يجب كشف القدمين ولا يجوز كشف الركبتين لأنهما عورة، وهل يجب كشف الكفين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجب كشفهما عند السجود وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((أُمرت أن أسجد على سبعة اليدان والركبتان والقدمان والجبهة)) (3).
ولم يفصل بين كشفها وسترها.
__________
(1) تقدم.
(2) تقدم.
(3) تقدم.
المذهب الثاني: أنه يجب كشفهما ولا يجوز تغطيتهما وهذا هو أحد قولي الشافعي.
قال الإمام القاسم: من صلى ويداه تحت ثوبه من بردٍ أو غيره فلا بأس. ويحتمل أن يقال: إنه واجب.
والحجة على هذا: خبر خباب وهو أنه قال:شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يُشْكِنَا. فهذا يدل على وجوب الكشف فيهما.
والمختار: هو الأول وهو أن الكشف فيهما غير واجب.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله لمن علمه الصلاة: ((توض كما أمرك الله واستقبل القبلة وكبر واقرأ ما تيسر من القرآن)) ولم يأمره بكشف يديه.
ومن وجه آخر: وهو أنهما عضوان لا يبرزان في العادة إلا لحاجة(1)
فلم يجب كشفهما في السجود كالركبتين والقدمين.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: خبر خباب يدل على وجوب الكشف.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه حكاية فعل لا ندري على أي وجه وقعت.
وأما ثانياً: فلأن ظواهر الأخبار التي رويناها دالة على أن الكشف غير واجب وأنه يجوز سترها بالأردية والأثواب ولا شك أن الظواهر التي يدل عليها الخطاب أصرح بالمراد من دلالة الأفعال لما فيها من الإجمال.
الفرع السابع: وهل يجب كشف الجبهة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إن سجد على حائل متصل مثل كور العمامة وطرف المنديل أو بسط كفه ليسجد عليه لم يجزه ذلك، وهذا هو المحكي عن محمد بن يحيى ونصره السيد أبو طالب، وهو قول الشافعي.
__________
(1) قد تدعو هذه العبارة إلى الاستغراب في أن اليدين لا يجب كشفهما؛ لأنهما في العادة لا يبرزان إلا لحاجة، إلا أن المعروف في الماضي وحتى عصرنا هذا أن كثيراً من الفقهاء وتلامذتهم خاصة وكذا بعض أسر العلم يلبسون قمصاناً ذوات أكمام طويلة، ولكنها اليوم قد أصبحت نادرة ولا تكاد تظهر إلا لدى القلة من الفقهاء، لذا أشرنا إلى أن مسألة وجوب كشف اليدين من عدمه قد يثير الاستغراب كونهما أصبحتا مكشوفتين لدى عامة الناس، والله أعلم.
والحجة على هذا: ما روى رفاعة بن رافع عن رسول الله أنه قال: ((لايقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه)) إلى أن قال ((ثم يسجد فيمكِّن جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله))(1).
المذهب الثاني: جواز ذلك وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله بمنزلة عصابة المرأة والإجماع منعقد على جوازها فهكذا هاهنا من غير تفرقة بينهما.
والمختار: ما قاله محمد بن يحيى ورآه الشافعي.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما رواه أبو حميد، وهو أن الرسول سجد ومكَّن جبهته من الأرض، وهو إذا سجد على حائل متصل فلم يمكِّن جبهته من الأرض فلهذا لم يكن مجزياً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الحائل المتصل يكون بمنزلة عصابة المرأة.
__________
(1) هذا طرف من حديث طويل رواه رفاعة بن رافع أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وفيه رواية لأبي داود بلفظ: ((لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه... إلى أن قال: ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله))، وفي رواية أخرى له: ((لم يكبر ويسجد ويمكن وجهه)) وفي رواية: ((جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله)) انظر: (فتح الغفار)1/205.
قلنا: إن عصابة المرأة دعت إليها الضرورة وأوجبتها الحاجة بخلاف ما نحن فيه فإنه لا ضرورة فيه ولا حاجة ملجئة إليه فلهذا لم يجز. وإن كان بجبهته جراحة فعصب على تلك الجراحة بعصابة وسجد عليها جاز ذلك لأنه لما جاز ترك أصل السجود لعذر فبأن يجوز ترك مباشرة الجبهة لعذر أولى وأحق، ويستحب السجود على جميع الجبهة لما روى أبو حميد: ((أنه[ ] مكن جبهته من الأرض))، والتمكين يكون بأن يسجد عليها فإن سجد على بعضها أجزأه لحديث جابر أنه سجد على قصاص رأسه وهو أعلى الجبهة، ويؤيد ما ذكرناه أن الجبهة عظم مستطيل من الصدغ إلى الصدغ فحكم جانبيها حكم وسطها، وفي الخبر عن رسول الله أنه أمر الساجد بوضع الجبهة وهي بين الصدغين عند السجود، ومن تعذر عليه السجود على الجبهة يعدل إلى السجود إلى جانبيها من الصدغين فإن تعذر عليه الصدغان والسجود على جانبيهما فإنه يعدل إلى الإيماء ولا يسجد على الأنف بحال. وإن هوى الرجل ليسجد فسقط على جنبه ثم انقلب فماست جبهته الأرض فإن كان بانقلابه نوى السجود أجزأه وإن لم ينوه لم يجزه لأنه إذا سقط على جنبه فقد خرج عن سمت السجود فلا يرجع إليه إلا بفعل ونية والفعل أن يعود جالساً ثم يسجد لأنه عمل قليل والنية أن ينوي بانقلابه السجود.
الفرع الثامن: وهل يجب الإطمئنان في السجود أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب وهو أن يلبث ساجداً لبثاً ما وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله لمن علمه الصلاة: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)).
المذهب الثاني: أنه غير واجب وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا }[الحج:77]. ولم يفصل بين الطمأنينة وغيرها.
والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب الطمأنينة لأن الأحاديث كلها متظاهرة على الأمر بالإطمئنان في السجود.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الآية دالة على مطلق السجود من غير اطمئنان.
قلنا: الآية دالة على مطلق السجود والأخبار دالة على تقييده بالطمأنينة فيجب حمل الآية على ما دلت عليه الأخبار توفقه بين الأدلة الشرعية وجمعا بينها وحذراً من تناقضها وهكذا يجب حمل الخلاف في تمكين الجبهة فإن كل من قال بوجوب تمكينها فهي الطمأنينة عنده كما هو رأي أئمة العترة ومن قال بأن التمكين غير واجب فيها قال: إن الطمأنينة غير واجبة كما هو رأي أبي حنيفة فإلى هذا نريد بالخلاف في تمكينها والله أعلم. ويستحب الإسترخاء عند السجود لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا سجد كالخرقة البالية، ويستحب التفجج في السجود. والتفجج بجيمين ويروى [بحاء وجيم] وبتقديم الحاء على الجيم، وهو تباعد ما بين الفخذين وهو نقيض الإحتفاز لما روي أن الرسول كان إذا سجد تفجج في سجوده مثل تفجج الظليم(1)
وهو ذكر النعام لتباعد ما بين فخذيه، يكون في مشيته تفكك، وأما المرأة فتحتفز في سجودها وتضم فخذيها وتضم يديها عند ركوعها ولا تفرج آباطها كما يفعل الرجل لقوله : ((النساء عي وعورات، فاستروا عيهن بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت)). وقد وافقنا الفقهاء في مخالفة سجود المرأة لسجود الرجل وخالفونا في الركوع وقالوا: إن الركوع في حق الرجال والنساء واحد.
والمختار: المخالفة في الركوع السجود للنساء كما أوضحناه.
الفرع التاسع: في بيان الذكر المشروع في السجود ويشتمل على أحكام ثلاثة:
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: ويجافي بطنه عن فخذيه؛ لأنه كان إذا سجد جافى حتى أن بهيمة لو أرادت تمر بين يديه مرت، وقيل: إذا كان في الصف لا يجافي كيلا يؤذي جاره، وقيل: هذا في النافلة وأما ا لفريضة فيجافي. ا هـ.
الحكم الأول: أن الذكر مشروع في حال السجود والركوع كما مر بيانه ولا خلاف في كونه مشروعاً لما روي عن الرسول أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان ساجداً " ))(1). فلهذا استحب الذكر بالتسبيح والثناء على الله تعالى وطلب الرغائب من عنده في هذه الحالة القريبة منه. وهل يكون واجباً في الركوع والسجود أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مستحب غير واجب وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا }[الحج:77]. ولم يأمر بالتسبيح في الركوع والسجود، وقوله لمن علمه الصلاة: ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً واسجد حتى تطمئن ساجداً)). ولم يأمره بالتسبيح، فدل ذلك على أنه غير واجب.
المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا شيء يحكى عن بعض أهل الظاهر، ورواية عن أحمد بن حنبل ولم تصح عنه.
والحجة لهم على ما قالوه: قوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}[الأحزاب:42]. وهذا أمر ولا خلاف أنه لا يجب في غير الصلاة فلهذا قلنا بوجوبه في الصلاة.
والمختار: ما عليه العلماء من أئمة العترة وغيرهم من الفقهاء من استحبابه.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن الأصل براءة الذمة عن الوجوب ولا يشغل إلا بدليل شرعي ولا دلالة على وجوبه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ}. وهو أمر والأمر للوجوب.
قلنا: يجب حمل الآية على الاستحباب لما اذكرناه من الدليل على عدم الوجوب جمعاً بين الأدلة الشرعية وملآئمة بيهما.
الحكم الثاني: في صفة التسبيح في حال السجود، وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن المستحب الأفضل فيه أن يقال: سبحان الله الأعلى وبحمده. وهذا هو رأي القاسم والهادي ومحكي عن الصادق.
__________
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة بلفظ: ((وهو ساجد فأكثروا من الدعاء)).
والحجة على هذا: ما ذكرنا من الفضل بالتسبيح على هذه الصفة في الركعتين بآخر سورة ((الفرقان)) وبصدر سورة ((المؤمنون)) وفي هذا دلالة على أن الأفضل فيه إيراده على هذه الصفة التي ذكرناها.
والمذهب الثاني: أن الأفضل فيه أن يقال: سبحان ربي الأعلى. وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي وأحمد بن عيسى والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ " }[الواقعة:74]. قال[ ]: ((اجعلوها في ركوعكم)). و[لما] نزل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى " }[الأعلى:1]. قال: ((اجعلوها في سجودكم " ))(1).
المذهب الثالث: أن الأفضل أن يقال في تسبيح السجود: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين.
ويستحب: أن يدعو في سجوده بما أحب من أمر دينه وديناه، لما روى أبو هريرة أن الرسول كان يدعو في سجوده فيقول: ((اللهم، اغفر لي ذنبي كله؛ " دقة وجله، آخره وأوله، علانيته وسره)) (2).
المذهب الرابع: محكي عن الشافعي بقوله في سجوده: سجد وجهي حقاً حقاً تعبداً ورقاً. وهذه الأدعية الطويلة إنما تستحب إذا كان منفرداً فأما إذا كان إماماً فربما يثقل على المؤتمين وإذا كان مأموماً خالف إمامه.
والمختار من هذه المذاهب إذا لم يقتصر على التسبيح: المأثور من جهة الرسول ما نقل عن أمير المؤمنين فإنه لا يقوله إلا [عن] توقيف من جهة الرسول وهل يزاد في الدعاء أو ينقص على ما ورد من جهة الرسول ؟ فيه تردد.
__________
(1) تقدم.
(2) أخرجه مسلم وأبو داود.
والمختار: جواز الزيادة لما روي عن الرسول أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)). ومعنى قوله: ((قمن)) أي جدير وحقيق وحريٌّ أن يستجاب لكم، ويروى بفتح الميم وكسرها، وتكره القراءة في حال السجود لما روى ابن عباس رضي عنه أن الرسول قال: ((نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً ))(1).
الانتصار: واعلم أن هذه المذاهب كلها منقولة من جهة الرسول والغرض أنها كلها في حيز الجواز وإنما المطلوب هو الأفضل وقد ذكرنا ما هو الأفضل منها.
الحكم الثالث: في عدد تسبيحات السجود، والمستحب هو الإقتصار على ثلاث تسبيحات في حال السجود لما روى ابن مسعود عن الرسول : ((إذا سجد أحدكم فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده))(2).
ولا خلاف أنها هي المشروعة. وهل يزاد على هذه العدة؟ فحكي عن الهادي أنه لا يتجاوز من الأوتار إلا إلى خمسة، وعن الصادق والباقر والناصر أنه يزاد على هذه الثلاثة فيكون سبعاً أو تسعاً، وعن الحسن البصري لا يزاد على الخمسة والسبعة، وعن زيد بن علي والقاسم لا يزاد في السجود على ما ورد من جهة الرسول على هذه الثلاث، ومعنى الرب هو المالك لجميع المكونات في العالم يتصرف بها كيف شاء من جميع أنواع التصرفات ألا له الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير.
__________
(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود عن ابن عباس بلفظ: كشف رسول الله الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: ((يأيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)).
(2) وفي رواية الترمذي عن ابن مسعود بلفظ: ((إذا قال أحدكم في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً فقد تم ركوعه و ذلك أدناه، وإذا قال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً فقد تم سجوده، وذلك أدناه)).
الفرع العاشر: في الرفع من السجود،ويستحب أن يكبر عند رفع رأسه من سجوده لما روى أبو هريرة أنه كان يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود وهل يكون التكبير مقصوراً أو ممدوداً فقال أبو حنيفة يكون مقصوراً وحكي عن الشافعي أن ابتداء التكبير يكون مع أول الرفع ويمده حتى ينتهي آخره مع انتهاء الرفع لئلا يخلو فعل، من ذكر وفيه التردد الذي ذكرناه في الركوع فأغنى عن الإعادة.