ومن وجه آخر: وهو أنه إذا جاز القنوت في صلاة الوتر بالأدعية المأثورة والكلمات التي رواها أمير المؤمنين عن جبريل على لسان الرسول والكلمات الثماني التي علمها رسول الله الحسن بن علي، فإذا جاز ذلك في الوتر جاز في الفريضة أيضاً لأن ما أفسد الفريضة فهو مفسد للنافلة فلما جاز ذلك في النافلة جاز في الفريضة من غير تفرقة بينهما.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه، وتعويلهم إنما هو على ما ذكرناه من قول الرسول : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)) وقد أجبنا عن هذا وأوضحنا مقصوده بما ذكره فأغنى عن الإعادة، ويؤيد ما ذكرناه من جواز الدعاء في الصلاة هو أنه كان يتلو القرآن في الصلاة فلا يمر بآية رحمة إلا سألها ولا بآية عذاب إلا استعاذ منه، وقوله : ((اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين)). فكل هذه الأخبار دالة على جواز الدعاء في الصلاة.
الحكم السابع: وأما سائر الصلوات غير الفجر والوتر، فإن نزل بالمسلمين نازلة جاز القنوت لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان لا يقنت في صلاة إلا إذا دعا لأحدٍ أو دعا عليه، وإن لم ينزل بالمسلمين نازلة فهل يجوز القنوت فيها أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: الجواز لما روى أبو هريرة أن الرسول قنت في جميع الصلوات.
وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو الصحيح؛ لأن الرسول إنما قنت فيها لنازلة؛ وهو أن قوماً قتلوا أصحابه أهل بئر معونة خبيباً وأصحابه فكان يدعو عليهم ثم أسلموا فترك الدعاء عليهم(1)،
تستحب الصلاة على الرسول عقيب هذا الدعاء الذي رويناه عن الحسن بن علي لأن الرسول قال عقيب قوله: ((تباركت ربنا وتعاليت وصل اللهم على النبي وآله وسلم)). ولما روي عن النبي أنه قال: ((إذا سألتم الله حاجة فأبدأوا بالصلاة عليَّ فإن الله أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما دون الأخرى)).
__________
(1) تقدم.
الحكم الثامن: والسنة الجهر بالقنوت وهو رأي أئمة العترة واختيار البغداديين من أصحاب الشافعي وعن بعض أصحابه الإسرارية أفضل.
والمختار: هو الأول لأن الرسول كان يجهر به وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وهل يرفع يديه في القنوت أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الرفع مستحب لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن بالدعاء عند رؤية البيت وعلى الصفا والمروة وفي الصلاة وفي الموقف بعرفة وعند الجمرتين)) (1).
وثانيهما: أن الرفع غير مستحب لأن الرسول لم يرفع يديه إلا عند الاستسقاء والاستنصار وعشية عرفة، وهذا هو المختار عند أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ومحمد. فأما الرفع في الصلاة فإنما نعني به تكبيرة الافتتاح لا غير والقنوت خارج عن ذلك.
الحكم التاسع: وإذا قنت الإمام فهل يقنت المأموم معه أم لا؟ فيه أوجه ثلاثة:
أولها: أن المأموم يقنت مع الإمام وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ لأن القنوت موضوع للدعاء فلهذا شاركه المأموم فيه واختاره ابن الصباغ لمذهب الشافعي وقال:إنه لم يجد فيه نصاً له.
وثانيها: أن المأموم يؤمن عند قنوت الإمام، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري لما روى ابن عباس أن الرسول كان يدعو ويؤمن من خلفه.
__________
(1) وفي هذا الباب روايات أخر منها ما أورده ابن بهران عن أنس أن رسول الله كان لا يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن: الاستسقاء، والاستنصار، وعشية عرفة، قال: وهذا لفظه في (التلخيص) ولا أصل له من حديث أنس، بل في الصحيحين من حديث أنس: (كان رسول الله لا يرفع يديه في كل دعاء إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع يديه حتى نرى بياض إبطيه). اهـ (جواهر)1/264.
وثالثها: أن يسكت المأموم عند قنوت الإمام، وهذا هو رأي الهادي وهو المختار لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الأعراف:204]. والقنوت تارة يكون بالقرآن وتارة بالدعاء المأثور فلهذا كان السكوت والاستماع أفضل.
الحكم العاشر: وهل يكبر إذا أراد القنوت أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا حاجة إلى التكبير عند إرادة القنوت لأن القنوت إنما يكون بعد الركوع وقد حصل الفصل بين القراءة والقنوت بالركوع فعلى هذا لا يحتاج إلى التكبير وهذا هو رأي أئمة العترة.
ووجهه: ما ذكرناه.
وثانيهما: أنه يكبر وهذا هو رأي أبي حنيفة.
ووجهه: أن القنوت عنده قبل الركوع فلهذا كان التكبير مسنوناً للفصل بين القراءة والقنوت.
والمختار: هو الأول للوجه الذي أوضحناه، وقد نجز غرضنا من بيان الاعتدال في الصلاة.
---
القول في السجود
وهو واجب للكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى:{وَاسْجُدُوا}. وقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }[العلق:19].
وأما السنة: فلأن المعلوم من حاله السجود وقد نقل نقلاً متواتراً وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وأما الإجماع: فقد انعقد على وجوب السجود وهو معلوم بالضرورة من دين صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان أقله وأكمله.
اعلم أن السجود عبارة عن وضع الجبهة على الأرض وأقله أن يطمئن على الأرض وأكمله أن يقف مقدار التسبيح المسنون. فإذا فرغ المصلي من اعتدال الركوع خر لله ساجداً ويكبر، والتكبير مستحب لما روى ابن مسعود أن الرسول كان يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود ويكون ابتداؤه عند انحنائه للسجود، وهل يكون ممتداً أو مقصوراً؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن السنة فيه أن يكون ممتداً فيكون ابتداؤه عند ابتداء انحنائه للسجود، وآخره مع أول السجود وهذا هو الظاهر من المذهب، ومحكي عن الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا، هو أن الإهواء إلى السجود فعل من أفعال الصلاة فاستحب مد التكبير فيه لئلا يخلو من ذكر كسائر أفعال الصلاة.
المذهب الثاني: أن السنة فيه القصر وهذا هو رأي أبي حنيفة، والقول القديم للشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((التكبير جزم )). أراد مقصوراً.
والمختار: جواز الأمرين، فإن مد التكبير فلأنه هيئة للركن فلهذا استحب مده وإن قصره فلأن السنة قصره وقطعه كما ورد في الخبر.
الفرع الثاني: في بيان أول ما يقع على الأرض من الساجد،فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن السنة في أول ما يقع من المصلي على الأرض في سجوده يداه ثم ركبتاه وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن ابن عمر والأوزاعي وإحدى الروايتين عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روى نافع عن ابن عمر أن الرسول كان إذا سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه))(1).
وهذا نص فيما قلناه.
المذهب الثاني: أن المستحب أن يبدأ بوضع ركبتيه قبل يديه وهذا هو رأي الفريقين الشافعية والحنفية ومحكي عن عمر بن الخطاب والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والنخعي.
والحجة على هذا: ما روى مصعب بن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأُمرنا أن نبدأ بالركبتين قبل اليدين.
الحجة الثانية: ما روى وائل بن حجر عن الرسول أنه كان إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا رفع نهض يديه قبل ركبتيه(2).
المذهب الثالث: أنه مخير في البداية بأيهما شاء،وهذا هو المحكي عن الناصر(3)
وإحدى الروايتين عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن الأحاديث قد رودت بكل واحد من الأمرين وهي في مزيد القوة على سواء فلهذا قضينا بالتخيير.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
__________
(1) رواه احمد وأبو داود والنسائي.
(2) رواه الخمسة إلاَّ أحمد، وحسنه الترمذي وقال: غريب، وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن في صحاحهم.
…قال الرباعي في (فتح الغفار)1/201: وقال الخطابي: حديث وائل أثبت من حديث أبي هريرة فحديث أبي هريرة قد تُكلم في إسناده، وقال الجاحظ في (بلوغ المرام): بل هو أقوى من حديث وائل؛ لأن له شاهداً من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقاً موقوفاً، وأورد ابن القيم: أنه وقع في حديث أبي هريرة قلب لأن آخره يخالف أوله، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير.
(3) في حاشية الأصل، لعله يعني الناصر هنا في قول؛ لأنه قد ذكره في المذهب الأول، وتنبه هنا إلى أن المذهب الأول هو باسم الناصرية لا الناصر، والفرق واضح.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء اليدين والركبتين)) (1)
.. إلى آخرها.
ووجه الدلالة:هو أنه بدأ في الخطاب باليدين فلهذا كان المستحب البداية بهما في الفعل عند السجود ليكون الفعل مطابقاً للقول.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: حديث مصعب دال على وضع الركبتين قبل اليدين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه قال: أمرنا وهذا الخطاب إذا ورد كان محتملاً أن يكون الآمر الرسول أو غيره وإذا كان محتملاً لما ذكرناه ضعف الإحتجاج به.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما رويناه من حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة فإنه يدل بصريح القول،و[جملة]ما ذكرتموه من الأحاديث دالة بالفعل، والقول والفعل إذا تعارضا كان العمل على القول أحق لأمرين:
أما أولاً: فلأن الخطاب يتعدى إلينا بظاهره بخلاف الفعل فإنه يحتاج إلى دلالة في تعديه.
وأما ثانياً: فلما في الفعل من الإجمال.
قالوا: حديث وائل بن حجر يدل على ما قلناه من تقديم الركبتين.
__________
(1) ورد الحديث بعدة روايات وألفاظ منها: عن ابن عباس قال: أُمر النبي أن يسجد منه على سبعة ونهي أن يكفت الشهر والثياب، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وعند أبي داود قال: النبي ((أُمِرْتُ)) وفي أخرى: ((أُمِرَ نبيكم أن يسجد على سبعة ولا يكف شعراً ولا ثوباً)) وفي رواية : ((....أن يسجد على سبعة آراب)) لم يزد، وفي رواية للبخاري ومسلم أيضاً: امرنا النبي أن نسجد على سبعة أعضاء ولا نكف شعراً ولا ثوبا: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين، وفي أخرى لهما: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: علىالجبهة وأشار بيده إلى أنفسه، واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر.
قلنا: أخبارنا رواها أفاضل الصحابة كابن عمر وأبي هريرة الموثوق بعدالتهما وروايتهما، وخبركم رواه وائل بن حجر وقد روي أنه كان يكتب بأسرار أمير المؤمنين كرم الله وجهه إلى معاوية وأدنى أحواله الخيانة للإمام بإظهار أسراره، وما هذا حاله يطرق التهمة ويضعف الرواية.
قالوا: إنه مخير في البداية بأيهما شاء كما هو محكي عن الناصر ورواية عن مالك.
قلنا: التخيير إنما يكون مع استواء الروايتين في القوة فأما وقد أوضحنا أن رواية أخبارنا أوثق فلا وجه للتخيير لما أوضحناه.
الفرع الثالث: في أعضاء السجود وجملتها سبعة: اليدان، والركبتان، والقدمان، والجبهة، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أُمِرَ النبي أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابع رجليه، وجبهته(1)،
وما هو الواجب من هذه الأعضاء؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الواجب إنما هو الجهبة دون الأنف وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الحسن البصري وابن سيرين وعطاء وطاووس والثوري وأبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أمر الرسول أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وقدميه، وجبهته، ولم يذكر الأنف، وما كان مأموراً به فلا يجوز تركه.
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه قال له النبي : ((إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ))(2).
ولم يذكر الأنف.
المذهب الثاني: أن الواجب السجود عليهما وهذا شيء يحكى عن سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: هو أن المعلوم من حاله أنه كان يسجد على الجبهة والأنف في كل صلواته وفي هذا دلالة على وجوبها لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). والظاهر أنها واجبة حتى تخرج بدلالة.
المذهب الثالث: أنه إذا اقتصر على أحدهما جاز وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
__________
(1) تقدم.
(2) حكاه في (الجواهر) و(المهذب) وعزاه في (التلخيص) إلى ابن حبان وغيره، ثم حكى تضعيفه.
والحجة على هذا: هو أن عظم الجبهة والأنف واحد فلو كانا عظمين لكان السجود على ثمانية أعظم وإذا كانا عظماً واحداً جاز أن يتعلق الفرض به، فإن سجد عليهما جميعاً أجزأه باتفاق، وإن سجد على الأنف أجزأه على قول أبي حنيفة، وإن سجد على الجبهة أجزأه على قولنا، ولم يجز على قول من ذهب إلى وجوبهما جميعاً.
والمختار: ما ذهب إليه أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض )). ولم يذكر الأنف. وما روى جابر عن رسول الله أنه سجد على قصاص رأسه، والقصاص: هو أعلى الجبهة. والمعلوم أنه إذا سجد على ذلك لم يسجد على الأنف.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: المعلوم من حاله أنه كان يسجد على الجبهة والأنف في كل صلاة. وفي هذا دلالة على وجوبها وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قلنا: قد بينا خروج الأنف عن الوجوب بأدلة خطابية بما رويناه من حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة وليس معكم في الدلالة على وجوب دخولهما(1)
إلا مجرد الفعل ولا شك أن أدلة الخطاب راحجة على الدلالة الفعلية من جهة أن أدلة الخطاب منقسمة إلى النص والظاهر والمجمل.
ودلالة الأفعال مجملة من جهة تعديها ومن جهة احتمالها في الوقوع على أوجه مختلفة من الوجوب والندب والإباحة فلا جرم كان ما قلناه أحق.
قالوا: عظم الجبهة والأنف واحداً وإذا كانا عظماً واحداً جاز أن يتعلق الفرض بهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أنهما هنا عظم واحد فإن عظم الجبهة مسطح وقصبة الأنف عظم مستقيم فهما مختلفان.
__________
(1) يقصد الجبهة والأنف، والمطلوب أن يكتفي بكلمة (دخوله) أي دخول الأنف؛ لأن الجبهة لا خلاف حولها إلا ما حكي عن أبي حنيفة كما سلف في جواز الاقتصار على أحدهما.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أنهما عظم واحد فلا يمتنع تعلق الفرض ببعضه كعظم الساق فإن الفرض وهو الغسل متعلق ببعضه ولا يكون جميعه موضعاً للفرض.
الفرع الرابع: في هيئة السجود. والكمال في السجود أن يجافي مرفقيه عن جنبيه والغرض بالجنب الخاصرة حتى لو لم يكن عليه ثوب لظهرت عفرة أبطيه والعفرة بضم العين المهملة والفاء والراء هو بياض الإبط لما روى جابر أن النبي كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى يرى بياض إبطيه(1)
ويقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب أن الرسول كان إذا سجد جخ(2)
ويروى: جحَّى والجخ:الإخواء وهو بالجيم والخاء ويروى مشدداً ويروى بألف أبدلت من أحد الخائين. وروت ميمونة عن رسول الله أنه كان إذا سجد خوَّى في سجوده ورفع عجيزته هكذا رأيت رسول الله يفعل(3).
__________
(1) أخرجه أبو داود بلفظ: كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى تأوي له.
(2) أخرجه أبو داود.
(3) ولفظه عند مسلم: كان إذا سجد لو أن بهيمة أرادت تمر بين يديه مرت، وزاد أبو داود والنسائي بعد قوله: سجد: جافى بين جنبيه حتى لو ...الحديث، وعند النسائي: حتى كان إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه من ورائه، وإذا رفع اطمأن على فخذه اليسرى. ا هـ.
ومعنى خوَّى أي رفع مرفقيه عن جنبيه وخاصرته، ويروى: خوى بالتخفيف أي فعل الإخواء وبالتشديد أي فعله مرة بعد مرة كما قال تعالى: {نَزَّلَ الْكِتَابَ} أي شيئاً بعد شيء، ويروى أخوى بالهمزة أي صار ذا إخواء وحدُّ الإخواء المجافاة بحيث لو أرادت بهيمة تحته لمرت، لما روت ميمونة قالت: كان رسول الله إذا سجد جافا يديه ومرفقيه عن خاصرتيه حتى لو أرادت بهيمة أن تمر لمرت، وإن كانت امرأة ضمت بطنها إلى فخذيها وألصقته بهما لأنه أستر لها، ويضع يديه حذو منكبيه وذكر أصحابنا أنه يضعهما حذو خديه والأمر فيه قريب لكني لم أعثر على الخدين في الأحاديث، ويضم أصابعهما ويضم إبهاميه إليها ويستقبل بهما القبلة لما روى وائل بن حجر أن الرسول كان إذا سجد ضم أصابعه تجاه القبلة وجعل يديه حذو منكبيه، ويجعل يديه حذو القبلة لما روت عائشة، قالت: كان رسول الله إذا سجد وضع أصابعه تجاه القبلة. والتفرقة بين الركوع والسجود في ضم الأصابع في السجود وتفريقها في الركوع هو أنه إذا فرق أصابعه في الركوع، على ركبتيه كان أمكن في ركوعه وأبعد عن السقوط بخلاف السجود فإنه لا يخاف السقوط ولأنه في السجود إذا ضم أصابعه استكمل مقابلة القبلة وإذا فرقها لم يستكمل استقبال القبلة بخلاف الركوع فإنه لا يستقبل بها جهة القبلة سواء فرقها أو ضمها، ويرفع مرفقيه ويعتمد على راحتيه لما روى البراء بن عازب أن الرسول قال: ((إذا سجدت فضم كفيك وارفع مرفقيك )) (1).
ويكره افتراش الذراعين لما روى أبو هريرة أن النبي قال: ((إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب )) (2).
ويفرج بين رجليه لما روى أبو حميد أن الرسول كان إذا سجد فرج بين رجليه(3)
__________
(1) رواه مسلم.
(2) أخرجه أبو داود بزيادة: ((..وليضم فخذيه)).
(3) رواه أبو داود عن أبي حميد الساعدي بلفظ: فإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه.