قلنا: هذا محمول على أنه قنت بالدعاء على من خالف أمره فتركه بعد ذلك أو على أنه دعاء لجماعة من المؤمنين بالسلامة فترك الدعاء بعد قدومهم، ويؤيد هذا أنه كان لا يحزنه شيء إلا ذكره في الصلاة ودعا به مما يصيبه من المشقة وضيق صدره بالمخالفة لأمره وقد فعل هذا أمير المؤمنين كرم الله وجهه تأسياً به ومتابعة له على فعله حيث كان يقول في قنوته: ((اللهم العن معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبا الأعور السلمي(1)،
وأبا موسى الأشعري)). لما خالفوا أمره وكان هواهم إلى قبول أمر معاوية والإصغاء إليه.
قالوا: إنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها القنوت كسائر الصلوات.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا مدخل للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية أحكامها على لسان صاحب الشريعة موقوفة على أمره.
وأما ثانياً: فلأنا نعارضهم بقياس يناقضه؛ وهو أنا نقول: صلاة يجهر فيها بالقراءة لا تتقدمها خطبة فيسن فيها القنوت كصلاة الوتر.
فقولنا: لاتتقدمها خطبة: نحترز به عن صلاة الجمعة والعيدين. وللفقهاء في هذه المسألة في الرد والقبول أقيسة كثيرة أعرضنا عن ذكرها لكونها من الأقيسة الطردية التي لا تثمر الظن وتصلح لمعارضة الفاسد بالفاسد.
الحكم الثاني: في وقت قنوت الوتر؛ وهو مشروع في النصف الأخير من رمضان بلا خلاف فيه بين الأئمة والفقهاء، وهل يكون مشروعاً في باقي السنة أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) اسمه: عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد، سمع جماعة من الصحابة، كان ممن شهد صفين مع معاوية، راجع (الثقات)5/169، وفي (الاستيعاب) 4/160، عن أبي حاتم الرازي: لا تصح له صحبة ولا رواية، شهد حنيناً كافراً ثم أسلم، قال: ثم كان هو وعمرو بن العاص مع معاوية بصفين، ومن أشد من عنده على علي، وكان علي يذكره في القنوت في صلاة الغداة يقول: اللهم، عليك به، مع قوم يدعو عليهم في قنوته.
المذهب الأول: أنه مشروع في باقي السنة وهذا هو رأي أئمة االعترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل ومحكي عن اليزيدي(1)
من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن علي أنه قال: راعيت صلاة رسول الله فكان يقنت في صلاة الوتر ولم يخص شهراً دون شهر ولا زماناً دون زمان، وفي هذا دلالة على كونه مشروعاً في كل الأزمنة.
الحجة الثانية: [ما روى] أُبَيّ بن كعب عن رسول الله أنه كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن، ويقنت في الثالثة قبل ركوعه وظاهره دال على أنه يقنت في رمضان وفي غيره.
الحجة الثالثة: قياسية، وحاصلها أن القنوت ذكر مسنون فوجب أن لا يختص بزمان دون زمان، دليله سائر الأذكار ولأنها صلاة قد شرع فيها القنوت فوجب ألا تختص بوقت دون وقت دليله قنوت الفجر.
المذهب الثاني: أنه مختص بالنصف الأخير من رمضان وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: ما روي عن عمر أنه كان إذا انتصف الشهر من رمضان لعن الكفرة في الوتر بعد ما يرفع رأسه من الركوع.
الحجة الثانية: ما روي عن أبي بن كعب أنه كان يصلي بالناس التراويح في كل ليلة عشرين ركعة ولا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان ثم ينفرد في بيته بعد ذلك فكانوا يقولون: أبق أبي.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من كونه مشروعاً في جميع الأزمنة.
__________
(1) يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي أبو محمد، كان نازلاً في بني عدي فقيل له: العدوي، سكن بغداد وصحب يزيد بن منصور الحميري، خال المهدي العباسي، يؤدب ولده، واتصل بالرشيد فعهد إليه بتأديب المأمون، كانا عالماً بالعربية والأدب، ولد بالبصرة سنة 138هـ، وتوفي بمرو سنة 202هـ، من كتبه النوادر في اللغة والمقصور والممدود، ومناقب بني العباس ومختصر في النحو، انظر (الأعلام)8/163 و(الوفيات)2/230.
وحجتهم: ما نقلناه؛ نزيد هاهنا وهو ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: كلمات علمهن جبريل رسول الله يقولهن في الوتر وهو قوله: ((اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخرهن)) (1).
ولم يفصل بين وقت ووقت، وما روى الحسن بن علي أن رسول الله علمه كلمات يقنت بهن في الوتر وهو قوله: ((اللهم اهدني [إلى آخره])). فهذه الأدلة كلها دالة على كون القنوت مشروعاً في صلاة الوتر في جميع الأوقات والأزمنة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن عمر أنه كان إذا انتصف الشهر من رمضان لعن الكفرة في صلاة الوتر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن عمر لم ينقل عن الرسول كلاماً ولا حديثاً؛ والحجة: إنما هي فيما نقل عن الرسول دون غيره.
وأما ثانياً: فلأن عمر أخبر عن رأيه واجتهاده ولسنا ننكر عليه اجتهاده ولكنه لا يلزمنا قوله لأنه ليس حجة علينا.
قالوا: روي عن أُبَيّ بن كعب أنه كان لا يوتر إلا في النصف الأخير من رمضان.
قلنا: وما ذكرناه من حديث عمر فهو بعينة وارد في حديث أبي بن كعب فإن عندنا أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره وإنما هو من جملة المجتهدين.
والحجة إنما هو فيما نقل عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه من أقواله وأفعاله.
الحكم الثالث: في محل القنوت، وهل يكون قبل الركوع أو بعده؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن محله بعد الركوع وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي بكر وعمر والمنصوص للشافعي في [رواية] حرملة.
والحجة على هذا: ما روى ابن عمر وأبو هريرة والبراء بن عازب وأنس بن مالك أن الرسول كان يقنت بعد الركوع.
الحجة الثانية: ما روي عن علي أنه كان يقنت في صلاة الصبح وفي الوتر بعد الركوع في الركعة الأخيرة منها.
المذهب الثاني: أن محله فيهما قبل الركوع، وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى والأوزاعي.
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس وابن مسعود عن الرسول أنه قنت قبل الركوع.
والمختار: ما عليه أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ لأن القنوت إذا كان بعد الركوع حصل الفصل بين القراءة والقنوت إذا كان القنوت بآي القرآن وإذا كان قبل الركوع لم يكن هناك فصل، وعلى الجملة فالكل جائز لكن الغرض في طلب الأفضل، وقد روي عن الرسول أنه قنت في صلاة الصبح بعد الركوع وقنت في الوتر قبل الركوع، وروي أن أمير المؤمنين وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقنتون بعد الركوع إلا أن عثمان لما كان في آخر عمره قدمه على الركوع طلباً للتخفيف على الناس ليدركوا معه الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: قنت رسول الله قبل الركوع في رواية ابن عباس وابن مسعود.
قلنا: قد ذكرنا أن الأمرين جائزان وإنما كلامنا في طلب الأفضل وما قلناه هو الذي عمل عليه أكثر الصحابة وكثرت فيه الأخبار فلهذا كان التعويل عليه وما نقل عن ابن عباس وابن مسعود فإن ذلك كان محمول على أن ذلك كان في مبدأ الأمر فلا يبعد كونه منسوخاً.
قالوا: القنوت ذكر يفعل في حال الإستقرار فأشبه الاستفتاح والقراءة فإنهما يفعلان قبل الركوع.
قلنا: نقول بموجب هذه العلة مع الإستمرار على الخلاف فإن القنوت يفعل في حال القيام والاستقرار لأنه إذا رفع رأسه من الركوع واستوى قائماً فقد استقر.
الحكم الرابع: هل يسن القنوت فيما عدا الفجر والوتر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يسن القنوت في غيرهما من الصلوات، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي عن الفريقين الشافعية والحنفية.
والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقنت في الفجر والوتر ولم يؤثر عنه أنه قنت في غيرهما إلا لأمر عارض، وفي هذا دلالة على أنه لا يسن القنوت إلا فيهما.
المذهب الثاني: أن القنوت مشروع في كل صلاة مجهورة، كالمغرب والعشاء والفجر والجمعة وهذا هو رأي الناصر، وروي عنه أنه رجع عن القنوت في العشاء الآخرة لما رجع إلى طبرستان وكان يقنت في العشاء الآخرة حين خرج إلى خوستان بن مانا.
والحجة على هذا: ما روى ابن عمر والبراء بن عازب وأنس بن مالك أن الرسول قنت في المغرب والصبح، وعن عطاء وطاووس أن الرسول قنت في الفجر والمغرب.
المذهب الثالث: جواز القنوت في جميع الصلوات ليلاً ونهاراً، وهذا هو المحكي عن الصادق والباقر وهو مروي عن الإمامية.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}[البقرة:238]. ولم يفصل بين صلاة وصلاة وفي هذا دلالة على جواز القنوت في جميع الصلوات.
والمختار: تفصيل نشير إليه وحاصلة أن القنوت في الفجر والوتر قد حصل فيه النقل عن الرسول وعمل عليه الصحابة والتابعون فأما ما عداهما من الصلوات فلم يؤثر عنه وإن أثر فإنما كان لأمور عارضة وأسباب متجددة. ويؤيد ما قلناه ما روى أنس بن مالك قال: قنت رسول الله شهراً ثم تركه وروى ابن مسعود أن الرسول لم يقنت إلا شهراً لم يقنت قبله ولا بعده، وفي خبر أبي هريرة أن الرسول كان يقنت فأنزل الله عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}[آل عمران:128]. فهذه الأخبار كلها دالة على أن قنوته كان بالدعاء على من خالفه ولم يتبع أمره وأنها منسوخة لأنه لا معنى للنسخ إلا الإزالة بعد الثبوت ومعنى الإزالة هو ألا يثبت مثل الحكم الذي كان ثابتاً من قبل.
الانتصار:يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روى ابن عمر وابن مسعود أنه قنت في صلاة المغرب والفجر.
قلنا: إنما كان ذلك من أجل أمور عارضة يدعو فيها على أحياء من العرب وقبائل.
قالوا: قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }[البقرة:238]. فدل على جواز القنوت في كل صلاة ليلية أو نهارية كما زعمته الإمامية وغيرهم.
قلنا: لا ننكر أنه قد وقع في بعض الصلوات لأمور عارضة لكنه نسخ بعد ذلك فلم يبق له حكم والمراد بقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }[البقرة:238]. فإنما أراد بالقنوت فيما دل عليه الشرع من الصلوات التي شرع فيها القنوت ويحتمل أن يكون المراد بالقنوت الخشوع في الصلاة.
الحكم الخامس: في صفة القنوت، اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في جواز القنوت بالقرآن في الفجر والوتر والآيات المشروعة للقنوت من القرآن ما كان مشتملاً على الدعاء.
وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده أن أمير المؤمنين كان يقنت بقوله تعالى: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136].(1)
وروى الصادق رضي الله عنه عن الرسول أنه كان يقول في قنوته: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[آل عمران:8]، {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا }[البقرة:286]..إلى آخر الآيات. وحكي عن الناصر أنه قال: ولا أحب القنوت في الفجر والوتر بغير آي القرآن كقوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[البقرة:286] إلى آخر الآيات. ويكره القنوت بالآيات التي لا دعاء فيها لأن القنوت موضع الدعاء وليس موضعاً للقراءة.
وهل يجوز القنوت بالدعاء في الوتر أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أورده في (جواهر الأخبار) وهو في (مجموع الإمام زيد) و(أصول الأحكام) و(الشفاء).
المذهب الأول: أنه لا يجوز القنوت في الوتر بغير القرآن وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي فإنه قال: وكل قنوت بغير القرآن فإنه غير جائز ولا يرى القنوت في الفرض وغيره إلا بالقرآن.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما [هي] تكبير وتسبيح وقراءة القرآن)).
المذهب الثاني: جواز ذلك وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي أنه قال: كلمات علمهن جبريل رسول الله يقولهن في قنوت الفجر: ((اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك ولا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت)).
والمختار: ما قاله الناصر والمؤيد بالله.
وحجتهم:ما ذكرناه، ونزيد هاهنا ما روى الحسن بن علي عن الرسول أنه قال: علمني رسول الله كلمات أقولهن في قنوت الوتر وهي قوله: ((اللهم اهدني...)) إلى آخرها. وزاد بعض أهل العلم فيها قوله: ((فلك الحمد على ما قضيت استغفرك وأتوب إليك)). وهي زيادة حسنة، وروي عن الرسول أنه كان يقول في آخر وتره: ((اللهم، إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك)). فإذا فرغ من القنوت فالمستحب أن يقول: سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح، لما روي عن رسول الله أنه كان يقول ذاك ثلاثاً ويمدَّ بها صوته، فإذا فرغ مسح وجهه بيديه(1).
__________
(1) هذا الحديث روي عن علي ، رواه الخمسة والبيهقي والحاكم، وصححه مقيداً بالقنوت، وأخرجه الدارمي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود في كتبهم.
…قال في (فتح الغفار): وليس فيه ذكر الوتر. ا هـ 1/258.
وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه في أيام حربه لمعاوية قنت في الوتر قبل الركوع يقول في قنوته: ((اللهم، إليك رفعت الأبصار، وبسطت(1)
الأيدي وتحركت بالأعمال الصالحات، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين نشكوا إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وقِلَّة أنصارنا وتظاهر الفتن وشدة الزمان علينا، اللهم أعنا بفتح تعجله ونصر تعز به أولياءك وتذل به أعدائك وسلطان حق تظهره إله الحق آمين. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يلعن الكفرة في وتره ويقول: قاتل الله الكفرة اللهم العنهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)).
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: أن الصلاة حقيقتها الدعاء وأولها دعاء وآخرها دعاء ووسطها دعاء فكيف ننكر فيها الدعاء أم كيف يفسدها دعاء وهي آيلة إليه ومتضمنة له.
الجواب الثاني: أن الدعاء المشروع ليس من كلام الناس وإنما كلام الناس الذي يفسدها قولك: أدخل أخرج كُلْ أشرب فما هذا حاله هو الذي يفسدها.
الجواب الثالث: أنا قد أوضحنا الأدعية التي كان الرسول يدعو بها في الصلاة في الوتر فلا وجه لإنكاره ولا نقضي بكونها مفسدة لها.
الحكم السادس:هل يصح القنوت في صلاة الفجر بالدعاء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول:أن ذلك غير جائز وأنه مفسد للصلاة، وهذا هو رأي الهادي والظاهر من مذهب الناصر والمؤيد بالله؛ لأن المحكي عن الناصر أنه قال: ولا أحب القنوت في الفرض بغير آي القرآن وعن المؤيد بالله أنه قال: ويقنت في صلاة الفجر بعد الركوع بشيء من القرآن.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير والقراءة)).
__________
(1) في الأصل: وسقطت الأيدي.
المذهب الثاني: جواز الدعاء في قنوت صلاة الفجر وهذا هو رأي الناصر في كتاب (الألفاظ) والقاسم ورأي الفريقين الشافعية الحنفية.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً }[الأعراف:55]. ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها. وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}[الإسراء:110]. ولم يفصل في ذلك فما هذا حاله دال على جواز الدعاء في الصلاة.
والمختار: ما ذكره الناصر في كتاب (الألفاظ) من جواز الدعاء في الفرائض على الظلمة، وكان يقنت بالدعاء عليهم، وذهب إليه الفريقان الشافعية والحنفية، ويدل على ذلك ما روي عن الرسول أنه كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع يقول في قنوته: ((اللهم، العن العصاة والغواة من قريش الذين عادوا نبيك وجهدوا ألا يقال: لا إله إلا الله، محمد رسول اللّه)). وما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قنت في صلاة الصبح بعد الركوع يقول في قنوته: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ولك نسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك الجد، إن عذابك بالكفار ملحق، اللهم عذب الكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياء، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألِّف بين قلوبهم وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأنصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم. قوله نحفد: أي نخدم والحفد: الخدمة، ومنه قوله تعالى: {بَنِينَ وَحَفَدَةً}. قيل: الحفدة: الخدم. وقوله: عذابك الجد أي الذي لا يلحقه الهزل، وقوله بالكفار ملحق أي لاحق(1) فما هذا حاله إذا صدر من جهة الصحابي فإنما يكون عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل للإجتهاد فيما يختص بجانب العبادات وبما كان يفسد الصلاة ويصلحها.
__________
(1) في حاشية الأصل: ملحق بكسر الحاء على المشهور، ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيره.