والسكتة الثانية: بعد القراءة قبل تكبير الركوع لما روى سمرة بن جندب أن الرسول كان يسكت سكتة إذا افتتح الصلاة بالتكبير قبل القراءة وسكتة أخرى إذا فرغ من القراءة فأنكر عليه عمران بن حصين هذه الرواية فكتبوا بذلك إلى أبي بن كعب فقال: صدق سمرة بن جندب، ويستحب أن يكبر للركوع فيبتدي بالتكبير قائماً ويمذ تكبيره حتى يكون انقضاؤه مع تمام ركوعه؛ لأن التكبير هيئة للركن فلهذا كان متصلاً به.
الحكم السابع: وإذا أراد الرجل أن يركع فركع حتى بلغت يداه إلى ركبتيه فأراد أن يرفع رأسه فسقط على وجهه أجزأه ركوعه؛ لأنه قد وفاه إلى حده وكان عليه أن ينتصب قائماً ثم يهوي ساجداً من غير استئناف ركوع، وتكره القراءة في حال الركوع لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن الرسول : ((نهى عن لبس القسي والمعصفر وعن التختم بالذهب وعن القراءة في الركوع))(1).
القول في الاعتدال من الركوع: ثم يرفع رأسه من الركوع ويعتدل، وهل يكون الاعتدال واجباً أو مستحباً مسنوناً؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي وأحد الروايتين عن مالك.
والحجة على هذا: قوله لمن علمه الصلاة: ((ثم ارفع حتى تعتدل قائماً )).
المذهب الثاني:أن الاعتدال غير واجب، وهذا هو رأي أبي حنيفة إحدى الروايتين عن مالك.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77]. ولم يأمر بالاعتدال وإنما أمر بمطلق الركوع والسجود.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم.
__________
(1) هذا الحديث يفهم من روايته أنه حديثان كلاهما عن علي الأول: جاء في (فتح الغفار)1/138، قال: نهى النبي عن لبس القسي والمعصفر، أخرجه الجماعة إلاَّ البخاري، والثاني: عن علي قال: ((نهاني رسول الله أن أقرأ القران وأنا راكع أو ساجد، ولا أقول: نهاكم)) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
…قال في (الجواهر)1/257: وفيه روايات أخر. اهـ.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى أبو مسعود البدري عن النبي أنه قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه " )) (1).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77] ولم يأمر بالاعتدال.
قلنا: الآية دالة على وجوب الركوع والسجود على الإطلاق واحد، وأخذنا وجوب الاعتدال من جهة الخبر. وإذا كان الأمر كما قلناه وجب العمل على ما دلاَّ عليه من غير مخالفة بينهما.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اعلم أن الاعتدال رجوع كل عضو إلى مستقره عند القيام من الركوع وأكمله الطمأنينة ورجوع كل عضو إلى محله ومستقره وروي عن حذيفة بن اليمان [أنه] رأى رجلاً يصلي ولم يرفع رأسه من الركوع بل انحط من ركوعه فقال: مذ كم تصلي هذه الصلاة؟ فقال: منذ ثلاثين سنة. فقال: ما صليت منذ ثلاثين سنة. ولا مخالف له من الصحابة فجرى مجرى الإجماع، فإذا ثبت هذا [فما] الذكر الذي يستحب له عند رفع رأسه من الركوع فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن يقول: إذا كان إماماً أو منفرداً سمع الله لمن حمده. والمأموم يقول: ربنا لك الحمد. وهذا هو رأي القاسم والهادي وإحدى الروايتين عن الناصر ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) (2).
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: ليس في حديث أبي هريرة: ((...وما تأخر...) وفيه بعد: ((فقولوا))((اللهم...)) وليس فيه ((غفر الله...)) وإنما ((...غفر له...)) والحديث مخرج في الصحيحين، ورواه الجماعة إلا ابن ماجة.

ووجه الاستدلال من الخبر: هو أن الرسول جعل لكل واحد من الإمام والمأموم وظيفة من الذكر ينفرد بها أحدهما دون الآخر والباب باب عبادة فيجب الاحتكام لقوله وهو في موضع التعليم.
المذهب الثاني: أن الإمام والمنفرد يجمعان بينهما والمأموم يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده. وهذا هو القول المشهور عن الناصر وهو محكي عن زيد بن علي وأبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول أنه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع: ((سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد " )) (1). وكان أبو هريرة يقول والذي نفسي بيده إن صلاة رسول الله كانت هكذا حتى فارق الدنيا، وعن عبدالله بن أبي أوفى، كان رسول الله إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ((سمع الله لمن حمده " اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد))(2).
وعن أمير المؤمنين أنه كان يقول: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد.
المذهب الثالث: أن الإمام يجمع بينهما والمأموم يقتصر على قوله: ربنا لك الحمد. وحده من غير زيادة، وهذا محكي عن الأوزاعي وسفيان الثوري.
والحجة على أن الإمام يجمع بينهما: ما جاء في حديث أبي هريرة أن الرسول كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ((سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد)). وروي: ((اللهم ربنا لك الحمد)). وروي بالواو أيضاً: ((ربنا ولك الحمد)) (3).
__________
(1) أخرجه النسائي.
(2) أخرجه مسلم وأبو داود.
(3) جاء بالواو في: ربنا ولك الحمد في أحاديث منها عن علي قال: كان النبي إذا رفع رأسه من الركوع قال: ((سمع الله لمن حمده ربنا ولك ا لحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)) أخرجه الترمذي.
…وعن أنس أن الرسول قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)) متفق علي.

والحجة على أن المأموم يقتصر على قوله ربنا لك الحمد: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده " فقولوا ربنا ولك الحمد)) (1).
المذهب الرابع: أن كل مصل فإنه يجمع بين قولنا: سمع الله لمن حمده. وبين قولنا: ربنا لك الحمد. إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً وهذا هو رأي الشافعي فإن المستحب عنده إذا استوى المصلي قائماً من ركوعه أن يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وإن قال:ربنا ولك الحمد ما يقوله العبد حق وكلنا لك عبد. وإن قال: اللهم ربنا لك الحمد والحمد لربنا. أو قال: من حمدالله سمع له، جاز ذلك لأن معنى الجميع واحد إلا أن الأولى أن يأتي بالأول لما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول كان يقول ذاك، ومعنى قوله سمع الله لمن حمده أي تقبل الله منه حمده وأجاب حمده ومعنى قوله: لا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ينفع ذا العظمة منك العظمة لأن العظمة يعبر عنها بالجد كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَاِ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً }[الجن:3]. أي عظمته. وقيل في معناه: لا ينفع ذا الغنى منك غناه والأول أقرب وأحق.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يقول ذلك وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
والمختار: ما رواه الترمذي في صحيحه عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول بعد فراغه من تسبيح الركوع في حال قيامه بعد قوله: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. وإنما كان هذا مختاراً لأن أمير المؤمنين رواه عن الرسول وروايته لا يشابهها في القوة رواية غيره لما فيها من مزيد القوة والوثاقة.
__________
(1) سبق آنفاً.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه وما جعلوه عمدة لهم فيما ذهبوا إليه، فإنما قرروه على سنن منقولة وأخبار مروية عن الرسول لكنها أخبار معرَّضة للإحتمال يمكن تأويلها على ما خترناه لكن ما اخترناه أصرح بالغرض وأتم للمطلوب.
قالوا: روى أبو هريرة عن الرسول : ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد)) فجعل لكل واحد من الإمام والمأموم ذكراً ينفرد به من غير زيادة على ذلك.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نقول بموجب الخبر فإنا نستحب للإمام أن يقول: سمع الله لمن حمده ويضم إليه ربنا لك الحمد، كما هو ظاهر الخبر من غير مخالفة.
وأما ثانياً: فلأن خبرنا دال على الزيادة وهي مقبولة من العدل لما فيها من مزيد التعظيم وملازمة الحال فلهذا كانت أحق بالقبول.
قالوا: الإمام والمنفرد يجمعان بينهما؛ والمأموم يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده.
قلنا: المشهور أن المشروع في التسميع إنما هو في حق الإمام والمنفرد فأما المؤتم فإن المستحب في حقه إنما هو التحميد لا غير والزيادة التي ذكرناها مشروعة في [حق] الإمام فيأتي بالتسميع والتحميد معاً. ويزيد تلك الزيادة التي رويناها.
قالوا: كل مصلٍ فإنه يجمع بين التحميد والتسميع إماماً كان أو منفرداً أو مأموماً كما أثر عن الشافعي.
قلنا: لسنا ننكر الجواز وإنما كلامنا في طلب الأفضل ولم يرد الجمع بين التحميد والتسميع إلا في الإمام فأما المأموم فإن المشروع في حقه التحميد لا غير، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن التسميع والتحميد والزيادة في الدعاء المأثور إنما يكون مشروعاً في حق الإمام فأما المأموم فيقتصر على التحميد واستماع الدعاء كما دلت عليه ظواهر الأخبار المنقوله عن الرسول والرواية المأثورة عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه.

الفرع الثاني: وإذا كانت الطمأنينة واجبة كما ذكرناه فلو سجد المصلي ثم شك هل رفع رأسه من الركوع أم لا؟ فإنه يجب عليه أن ينتصب فإذا انتصب سجد وإن أتى بقدر الركوع الواجب فاعترضته علة منعته عن الانتصاب فإنه يسجد عن ركوعه ويسقط عنه الرفع لتعذره فإن زالت العلة قبل أن يبلغ بجبهته إلى الأرض فإنه يرتفع وينتصب للإعتدال ثم يسجد لأن العلة قد زالت قبل فعله لركن وفعل مقصود وإن زالت العلة بعدما حصلت جبهته على الأرض ساجداً فإنه لا ينتصب ويسقط عنه الانتصاب لأن السجود قد صح فسقط ما قبله(1) فإن خالف فانتصب من السجود قبل تمامه نظرت، فإن كان عالماً بتحريمه بطلت صلاته وإن كان جاهلاً لم تبطل ويسجد للسهو، والمستحب إذا رفع رأسه من الركوع الأول والثاني والثالث والرابع في صلاة الخسوف والكسوف أن يكبر إماماً كان أو منفرداً وإن رفع رأسه من الركوع في الخامس فالمستحب أن يقول: سمع الله لمن حمده، إن كان إماما أو منفرداً وإن كان مأموماً فيقول: ربنا لك الحمد، والوجه في ذلك هو أن التسميع إنما يكون مستحباً في ركوع يتبعه سجود من غير فصل فأما إذا كان رفعاً من ركوع لا يتبعه سجود لم يكن التسميع مستحباً في حق الإمام والمنفرد والمأموم ولا يستحب له التحميد إلا في القيام من الركوع الخامس لأنه الركوع الذي يتبعه السجود.
الفرع الثالث: في القنوت، وإذا رفع المصلي رأسه من الركوع الثاني في صلاة الفجر وفي الثالثة من الوتر فالمستحب له أن يقنت.
واعلم أن القنوت مشتمل على أحكام عشرة نذكرها ونفصلها بمعونة الله تعالى:
الحكم الأول: في القنوت في صلاة الفجر ولا قائل بوجوبه في شيء من الصلوات. وهل يكون مسنوناً في صلاة الفجر أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: مقتضى كلام أصحابنا وجوب رجوعه؛ لأنه قدر على الأعلى فلم يكن معذوراً مع............مكان.

المذهب الأول: أنه مسنون فيها وهذا هو رأي طوائف من أهل العلم من الصحابة والأئمة والفقهاء:
الطائفة الأولى: الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم أمير المؤمنين وأبو بكر وعمر وعثمان وأنس بن مالك ذهبوا إلى كونه مشروعاً في صلاة الفجر.
الطائفة الثانية: الأئمة من العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وزيد بن علي وغيرهم من أئمة العترة[ذهبوا] إلى كونه مسنوناً.
الطائفة الثالثة: الفقهاء وهو محكي عن الشافعي ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح.
والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك قال: صليت خلف رسول الله فلم يزل يقنت في صلاة الفجر حتى فارقته، وصليت خلف أبي بكر فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وصليت خلف عمر فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته(1).
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان يقنت في صلاة الفجر وهذا إنما يكون تلقاه من جهة الرسول لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه.
الحجة الثالثة:ما روى سويد بن غفلة(2)
__________
(1) جاء في (الجواهر)1/258: هكذا في (الشفاء) ولفظه في (التلخيص) عن أنس قال: صليت مع رسول الله فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وخلف أبي بكر...إلخ، قال: والذي في (أذكار النووي) عن أنس أن رسول الله لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا، رواه الحاكم في كتاب الأربعين. اهـ.
(2) أبو أمية الجعفي الكوفي، أدرك الجاهلية، ومات سنة 80هـ، عن 128 سنة، راجع (طبقات الحفاظ)1/24، وفي (الجرح والتعديل)4/234: عن يحيى بن معين قال: سويد بن غفلة ثقة.
…وقال ابن حجر في ترجمته: وقد قيل: إنه صلى مع النبي ولا يصح لأنه قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله وهذا أضح،شهد فتح اليرموك، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبلال وأبي وأبي ذر وأبي الدرداء، والحسن بن علي، وروى عنه: أبو إسحاق وخيثمة وإبراهيم النخعي والشعبي وآخرون، ا هـ (تهذيب التهذيب) 1/244، قال في (الخلاصة): سويد بن غفلة بفتح المعجمة والفاء واللام.

أنه قال صليت خلف أمير المؤمنين فقنت وخلف أبي بكر فقنت وخلف عمر فقنت وخلف عثمان فقنت. فهذه الحجج كلها دالة على كونه مشروعاً في صلاة الفجر.
المذهب الثاني: أنه غير مشروع فيها وهذا هو المأثور عن طائفتين:
الطائفة الأولى: الصحابة العبادلة ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو الدرداء فهؤلاء ذهبوا إلى أنه غير مشروع في صلاة الفجر.
الطائفة الثانية: من الفقهاء وهم أبو حنيفة وأبو يوسف، وقيل لأبي يوسف: إذا قنت الإمام؟ قال: فاقنت معه. وقال أحمد بن حنبل: القنوت للأئمة يدعون للجيوش فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس.
والحجة على هذا: ما روت أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: نهى رسول الله عن القنوت في صلاة الفجر(1).
الحجة الثانية: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قنت رسول الله شهراً لم يقنت قبله ولا بعده(2).
الحجة الثالثة: قياسية وهو أنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها القنوت كسائر الصلوات.
والمختار: ما عليه الصحابة رضي الله عنهم وأئمة العترة ومن تابعهم من كونه مشروعاً في صلاة الفجر.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان يقنت في الركعة الثانية من الفجر وفي الركعة الثالثة من الوتر حين يرفع رأسه من الركوع وما روي أيضاً أنه قيل لأنس بن مالك: إنما قنت رسول الله شهراً؟ فقال: ما زال يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روت أم سلمة أن الرسول نهى عن القنوت في صلاة الفجر.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
__________
(1) أورده في (الجواهر) وقال: حكاه في (الشفاء) وضعفه وتأوله.
(2) ومثله عن أنس أن النبي قنت شهراً ثم تركه، رواه أحمد وفي لفظ: قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه، رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة، وفي لفظ: قنت شهراً حين قُتل القراء فما رأيته حزن حزناً قط أشد منه، رواه البخاري، هكذا جاء في (نيل الأوطار)2/347.

الجواب الأول: أن هذا الخبر غير مشهور لمخالفته ما عليه الصدر الأول من الصحابة وما عليه التابعون من الأئمة والفقهاء وما كان هكذا فهو غير مقبول.
الجواب الثاني: أنه محمول على أنه كان يدعو لناس من المسلمين غابوا بأمره فيقول: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد " (1)
وسلمة بن هشام(2)
__________
(1) الوليد بن الوليد بن المغيرة، له صحبة، وهو ممن دعا لهم النبي بالنجاة من قريش، وهو قرشي من بني مخزوم، أخو خالد بن الوليد، أسره عبد الله بن جحش، وقيل: سليط المازني يوم بدر كافراً، فجاء أخواه خالد وهشام لفدائه، فتمنع عبد الله بن جحش حتى بلغ فيه أربعة آلاف درهم، وخالد يزيد في الفداء، فلما افتكاه أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدى وأنت مع المسلمين؟ فقال: كرهت أن تظنوا أني جزعت من الأسر، فحبسوه بمكة، وجعل رسول الله يدعو له فيمن دعا لهم من مستضعفي المؤمنين بمكة حتى أفلت من أسارهم، ولحق برسول الله وشهد عمرة القضاء، وكتب إلى أخيه خالد فوقع الإسلام في قلب خالد، وكان سبب هجرته وإسلامه، انظر: (الثقات) 3/430، و(الاستيعاب)4/1558.
(2) سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي من قريش، ممن عُذب في الله (الجرح والتعديل) 4/146، وفي (الثقات)3/164، أن جده المغيرة من بني مخزوم بن يقظة بن مرة أخو تيم وكلاب، وكان سلمة ممن دعا له النبي بالنجاة يوم مرج، وقتل يوم مرج الصفر في المحرم سنة 14هـ، كان من مهاجرة الحبشة قديم الإسلام، احتُبس بمكة وعُذب في الله ولم يشهد بدراً لذلك، راجع (الاستيعاب)2/643 قال: وهو واحد من خمسة أخوة: أبو جهل، والحارث، وسلمة، والعاص، وخالد، فأما أبو جهل والعاص فقتلا ببدر كافرين، وأسر خالد يومئذٍ، ثم فدي ومات كافراً، وأسلم الحارث وسلمة فكانا من خيار المسلمين.

وعياش بن أبي ربيعة(1)،
اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر اللهم، اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) (2).
وروي أنه كان يلعن قبائل من العرب خالفوه: رعل وذكوان وعصية وبني هودة وجديم فترك الدعاء للمؤمنين فقيل له في ذلك فقال: ((أما تراهم قد قدموا)). وفي هذا دلالة على أنه ترك الدعاء لما ذكرناه.
الجواب الثالث: أنه إنما نهى عن القنوت في صلاة الفجر إما في الركعة الأولى وإما قبل الركوع في الثانية.
قالوا: روى ابن مسعود أنه قنت شهراً لا غير.
__________
(1) عياش بن أبي ربيعة، واسمه عمرو ذو الرمحين بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن المخزومي، كان أحد المستضعفين بمكة وهاجر الهجرتين، ومات بالشام في خلافة عمر، وقيل: يوم اليمامة، وقيل: يوم ا ليرموك، وهو أحد من كان يدعو له النبي بالنجاة من المستضعفين في القنوت، روى عن النبي ، وعنه: ابنه عبد الله وأنس بن مالك ونافع وغيرهم.
…قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب)8/146: قلت: أرخ ابن قانع والقراب وغيرهما وفاته سنة 15هـ.
(2) رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة.

184 / 279
ع
En
A+
A-