وسائر أنواع الذكر فلهذا كان أفضل من التسبيح هاهنا.
ومن وجه آخر: وهو أن التسبيح إذا كان مسنوناً فيهما كانت القراءة أفضل بأن تكون مسنونة فيهما.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي ذلك عن زيد بن علي عن علي" أنه كان يسبح في الركعتين الأخريين فدل ذلك على الأفضلية فيهما؛ لأنه لا يفعل لنفسه إلا ما كان أفضل وأدخل في الثواب والأجر.
قلنا: ليس كلامنا في الجواز فإنهما أعني القراءة والتسبيح مستويان في الجواز وإنما كلامنا في طلب الأفضل؛ والمعلوم أن القرآن أفضل من كل كلام؛ لأنه كلام الله وله من الشرف على غيره من سائر التسابيح والتهاليل[ما لا يخفى] فلهذا كان مستبداً بالأفضلية. فأما الشافعي فله قولان، والأصح منهما أنه يقرأ فيهما فاتحة الكتاب وشيئاً من القرآن فيكونان كالأوليين في تمام الذكر، وهذا قول لم يؤثر عن غيره ولا قال به قائل من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أيامه وزمنه.
دقيقة: اعلم أن القراءة عبارة عن هذه الأحرف المسموعة والأصوات المقطعة، فمتى حصلت على هذا التأليف والنظام المخصوص فهي قراءة وأجزت في الصلاة، فإن قرأ بقلبه أو أمرَّ الأحرف على فكرته من غير نطق بها لم تكن مجزية له، وإن أمرها على لسانه ولم يسمعها لشغل في قلبه كانت مجزية. وقد نجز غرضنا من الكلام في القراءة.

---
القول في الركوع
وهو واجب بنص الكتاب كقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا }[الحج:77]. ومن جهة السنة: كقوله : ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً )). والإجماع منعقد على وجوبه، وهو معلوم بالضرورة من دين صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: وأقل ما يجزئ من الركوع أن ينحني المصلي إلى حد لو أراد أن يقبض بيديه على ركبتيه أمكنه ذلك ويطمئن بحيث ينفصل هوية من ارتفاعه، وتحقيقه أن يلبث بعد أن بلغ حد الإجزاء لبثاً ما هذا أقله، وأما الأكمل من الركوع فهو أن يقبض على ركبتيه ويفرق بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه ويمد ظهره وعنقه ولا يقبع رأسه ولا يخفضه ولا يطبق يديه بين ركبتيه فإن رفع رأسه من الركوع وشك هل بلغ ركوعه إلى حد الإجزاء لم يجزه وعليه الرجوع إلى حد الإجزاء لأن الأصل هو بقاء الفرض في ذمته فلا يسقط إلا بيقين أو غالب ظن. وهل تجب الطمأنينة في الركوع أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي في خبر الأعرابي الذي أساء في صلاته فقال له الرسول : ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)) إلى أن قال في آخر صلاته: ((فإذا قعدت فقد تمت صلاتك)).
المذهب الثاني: أنها غير واجبة، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الواجب إنما هو الانحناء لا غير بدليل قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا " }. ومهما حصل الانحناء فإنه يسمى راكعاً وفي هذا حصول المقصود الشرعي.
والمختار: ما اعتمده علماء العترة ومن تابعهم، وهو وجوب الطمأنينة.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى أبو مسعود البدري عنه أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة رجل حتى يقيم صلبه في ركوعه " وسجوده)) (1)؛
ولأن الرسول كان إذا ركع اطمأن في ركوعه، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الواجب إنما هو الانحناء بدليل قوله: {ارْكَعُوا}. وهو يسمى راكعاً بانحنائه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما يأمر بالركوع الشرعي، والركوع الشرعي هو ما بيناه بدليل قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وأما ثانياً: فلأن الطمأنينة غير الإنحناء، والأمر إنما وقع بالطمأنينة؛ لأنه قال: ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)). فالأمر خاص بالطمأنينة فيجب حصولها وهو مطلوبنا.
الفرع الثاني: هل يستحب تسبيح الركوع أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مستحب غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، وهو قول عامة الفقهاء.
والحجة على هذا: قوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} ولم يأمر بتسبيح في الركوع؛ ولأن الأصل هو عدم الوجوب فلا يشغل الذمة بالوجوب إلا بدليل شرعي ولا دلالة على ذلك.
المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو المحكي عن إسحاق ومحمد بن خزيمة وداود وطبقته من أهل الظاهر، ومحكي عن أحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً " }[الأحزاب:42]. ولا خلاف أن التسبيح لا يجب في غير الصلاة فيجب أن يكون المراد به فيها.
والمختار: ما قاله علماء العترة ومن تابعهم.
__________
(1) رواه الخمسة وصححه الترمذي، ومثله عن علي بن شيبان، رواه أحمد وابن ماجة بإسناد رجاله ثقات، وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي بلفظ: ((لا تجزئ صلاة أحدكم حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود)) هـ.

وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال للذي علمه الصلاة: ((ثم اركع واسجد )). ولم يأمر بالتسبيح، وفي هذا دلالة على كونه غير واجب، لأنه في محل التعليم ولو جاز تأخير الخطاب بالبيان عن وقت الخطاب بالمجمل فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا موضع الحاجة ولو كان واجباً لذكره.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ} وهذا أمر وظاهر الأمر للوجوب.
قلنا: لا ننكر أن ظاهر الأمر للوجوب ولكنا نخصه بالأدلة التي ذكرناها جمعاً بين الأدلة وتوفقة بينها لئلا تتاقض وهذه طريقة مرضية.
الفرع الثالث: في بيان أحكام الركوع. ويشتمل على أحكام:
الحكم الأول: هل يستحب التكبير في كل رفع وخفض أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب التكبير في كل خفض ورفع وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عن الرسول أنه كان يكبر في كل رفع وخفض.
المذهب الثاني: أنه لا يستحب التكبير في كل ركوع ولا سجود، وهذا هو المحكي عن عمر بن عبدالعزيز وسعيد بن جبير.
والحجة على هذا: هو أن جميع ما ورد من الأمر بالتكبير فإنه محمول على تكبيرة الافتتاح فأما ما عداها فلم تدل عليه دلالة فلهذا قصرنا التكبير عليه.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وعامة الفقهاء من استحباب التكبير في الرفع والخفض.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه[ ] كان يكبر في كل رفع وخفض وكذلك أمير المؤمنين وأبو بكر وعمر، وروى عكرمة قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة فأتيت ابن عباس فقلت: إني صليت خلف شيخ أحمق فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة! فقال: ثكلتك أمك تلك صلاة أبي القاسم .
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: كلما ورد من الأخبار دال على التكبير فإنه محمول على تكبيرة الافتتاح من غير زيادة.

قلنا: ما رواه زيد بن علي وابن مسعود من أنه كان يكبر في كل رفع وخفض يبطل ما قالوه، وقد تكررت الأخبار على استحبابها فلهذا قضينا بها.
الحكم الثاني: التطبيق في الركوع ليس مشروعاً في الركوع وصفته أن يطبق يديه ويجعلهما بين ركبتيه عند الركوع وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مشروع في الركوع، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن فقهاء الأمة.
والحجة على هذا: ما روى أبو حميد(1)
في وصف صلاة رسول الله بمحضر من الصحابة فذكر فيها وضع اليدين على الركبتين في حال الركوع فقالوا له: صدقت، وأقرُّوه على ذلك(2).
__________
(1) اختلف في اسمه فقيل: عبد الرحمن بن المنذر من بني ساعدة بن كعب كما في (مشاهير الأنصار)1/20، وفي (تهذيب الكمال)33/264 و(الاستيعاب)4/633، قيل: اسمه: المنذر بن سعد بن عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد الساعدي الخزرجي الأنصاري، ويقال: إنه عم سهل بن سعد الساعدي، كان من صالحي الأنصار وقرائهم، وممن واضب على حفظ الصلاة عن النبي روى عنه من الصحابة جابر بن عبد الله، ومن التابعين عروة بن الزبير، وعمرو بن سليم الزرقي، والعباس بن سهل بن سعد، وخارجة بن زيد بن ثابت، توفي بالمدينة في آخر حكم معاوية.
(2) هذا طرف من حديث طويل أورده ابن بهران في (الجواهر)1/253، وقال: هذه إحدى روايات أبي داود.

المذهب الثاني: أن التطبيق مشروع في الركوع وهذا هو رأي ابن مسعود؛ وروى عنه صاحباه الأسود بن يزيد(1)
وعبدالرحمن بن الأسود(2)
قالا: كان يطبق يديه ويجعلهما بين ركبتيه.
والحجة على هذا: هو أن الصحابي إذا فعل فعلاً لا مدخل للاجتهاد فيه، ففيه دلالة على أنه سمعه من جهة الرسول ورءاه يفعله، فلما فعل ابن مسعود ما ذكرناه دل على أنه فعله الرسول .
والمختار: ما عليه علماء العترة من كراهة ذلك في الركوع وأنه غير مشروع فيه.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص(3)
__________
(1) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أبو عمرو، قال في (الجرح والتعديل)2/291: روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وروى عنه ابنه عبد الرحمن بن الأسود وإبراهيم النخعي، وفي (الثقات)1/229: تابعي ثقة، كان من أصحاب عبد الله الذين يقرؤون ويفتون، وفي (تهذيب التهذيب)1-299: روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وبلال وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه عبد الرحمن وأخوه عبد الرحمن وأبو بردة بن أبي موسى، توفي الأسود بن يزيد في الكوفة سنة 75هـ، وقيل:سنة 74هـ.
(2) عبدالرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي،أبو حفص، أدرك عمر وروى عن أبيه وعائشة وأنس وغيرهم، وعنه: أبو إسحاق السبيعي وأبو إسحاق الشيباني، ومالك بن مغول وغيره.
…قال ابن معين والنسائي والعجلي وابن خراش: ثقة، مات قبل المائة هجرية، وذكره ابن حبان في (الثقات)، انظر: (تهذيب التهذيب) 6/127.
(3) مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، روى عن أبيه وعلي وطلحة وعكرمة وعدي بن حاتم، وابن عمر وغيرهم.
…قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب)10/145: وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وروي عن العجلي: تابعي ثقة، وقال البخاري في (الصغير): لم يسمع من عكرمة، توفي سنة 103هـ، اهـ، وفي (تهذيب الكمال) 28/24: روى عنه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وابن أخيه إسماعيل بن محمد بن سعد والزبير بن عدي وغيرهم، وذكر آخرين.

قال: صليت إلى جنب أبي فطبقت يدي وجعلتهما بين ركبتي فضرب أبي في يده فلما انصرف قال: يابني إنا كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا بأن نضرب بالأكف على الركب. وفي هذا دلالة على كونه منسوخاً.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إذا فعل الصحابي فعلاً دل على كونه من جهة الرسول في باب العبادات وفي هذا دلالة على أن التطبيق سنة لما فعله ابن مسعود.
قلنا: لا ننكر أن ابن مسعود قد فعله، ولكنا دللنا على كونه منسوخاً كما روى مصعب عن أبيه ففيه دلالة على ما قلناه من نسخه.
الحكم الثالث: في صفة التسبيح في الركوع، وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الأفضل في صفة تسبيح الركوع (سبحان الله العظيم وبحمده) وهذا هو رأي الصادق والقاسم والهادي.
والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن رسول الله أنه قال: ((من صلى ركعتين يقرأ في إحداهما {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجا}[الفرقان:61] إلى آخر السورة، ويقرأ في الثانية صدر سورة المؤمنين إلى قوله: {أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} ويقول في ركوعه: سبحان الله العظيم وبحمده أعطاه الله كذا وكذا)) (1).
فصح بهذا أن لهذا التسبيح مزيَّة على غيره في الفضل والكمال.
المذهب الثاني: أن الأفضل أن يقال فيه: (سبحان ربي العظيم) وهذا هو رأي زيد بن علي وأحمد بن عيسى والمؤيد بالله؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روى عقبة بن عامر الجهني أنه لما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }[الواقعة:74] قال الرسول : ((اجعلوها في ركوعكم))(2).
__________
(1) رواه ابن بهران في (الجواهر) 1/255، كما حكاه في (أصول الأحكام) عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي.
(2) تمامه: ((...فلما نزلت {سَبِّحْ اسْم رَبكَ الأَعْلَى} قال : ((اجعلوها في سجودكم)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وابن حبان في صحيحه.

وهذا تصريح بما ذكرناه في صفة تسبيح الركوع، وكل من قال: سبحان الله العظيم في الركوع زاد قوله وبحمده، وكل من قال: سبحان ربي العظيم حذف هذه الزيادة.
المذهب الثالث: مروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول في ركوعه مع تسبيح الركوع الذي رويناه عنه: اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك آمنت، أنت ربي خشع لك سمعي وبصري وعظامي وشعري وبشري وما استقلت به قدمي لله رب العالمين(1).
المذهب الرابع: مروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يقول في ركوعه: ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح )) (2).
فهذه المذاهب كلها قد نقلت عن الرسول لكن الأفضل منها ما هو، والمختار من هذه الأقاويل: وهو أن الأكمل والأفضل ما حكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الركوع فإنه لا مجال للاجتهاد فيما ذكره وإنما أخذه من عين صافية من جهة الرسول فإنه روي عنه أنه قال:علمني رسول الله ألف باب فانفتح لي من كل باب ألف باب؛ ولأنه كان في حجر رسول الله وكان يعلمه العلم، وهم يقولون: العلم في حال الصغر كالنقش في الحجر، وكان الرسول في غاية الحرص على تعليمه وكان في غاية القبول لما ألقي إليه من جهة الرسول.
الانتصار: وهذه المذاهب كلها منقولة من جهة الرسول ولا خلاف في جوازها ولكن الشأن كله في طلب الأفضل منها وقد أوضحناه.
الحكم الرابع: في عدد تسبيحات الركوع وفيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن أدناه في الكمال ثلاث مرات وتجوز الزيادة على الثلاث فتكون خمساً أو سبعاً أو تسعاً ولا يزاد على ذلك، وهذا هو رأي الصادق والباقر والناصر ولا يزاد على هذه الأوتار الثلاثة.
__________
(1) أخرجه مسلم والترمذي.
(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان يقول في ركوعه وسجوده: ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح)).

المذهب الثاني: أنه لا يتجاوز على الخمسة، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن سفيان الثوري وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجاوز الخمسة والسبعة.
المذهب الثالث: أنه لا يزاد على الثلاثة، وهذا هو رأي زيد بن علي ومحكي عن القاسم.
والمختار في الاستحباب: هو الاقتصار على الثلاث من غير حاجة إلى الزيادة بهذه الأوتار التي رويناها عن الأئمة والفقهاء؛ لما روى ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: ((إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه))(1).
الانتصار: اعلم أن الذي وردت به الأحاديث عن الرسول أنه لا يزاد في تسبيح الركوع على ثلاث مرات وإنما زاد من زاد في هذه الأوتار التي ذكرناها من الخمس والسبع والتسع لأغراض تعرض إما لإدراك الرجل للإمام في حال الركوع وإما لأن يستوفي المأموم إكمال الثلاث خلف الإمام إلى غير ذلك من الأغراض ولا يستحب النقصان من الثلاث من غير عذر.
__________
(1) بقيته: ((...وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه)) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة.
…قال في (فتح الغفار)1/198: وقد أعله البخاري وغيره بالإرسال، وأورد ما جاء في (التلخيص) من رواية أبي داود عن حديث عقبة بن عامر، وفيه: فكان رسول الله إذا لاكع قال: ((سبحان ربي العظيم وبحمده)) ثلاث مرات، وإذا سجد قال: ((سبحان ربي الأعلى)) ثلاث مرات.
…قال أبو داود: وهذه الزيادة [وبحمده] نخاف أن لا تكون محفوظة.

الحكم الخامس: في بيان معنى تسبيح الركوع، ومعنى قولنا: سبحان اللّه: البراءة والتنزيه عما لا يليق بذاته من العجز والجهل وعما لا يليق بأفعاله من الظلم والكذب والجور وإخلاف الوعد وعقوبة من لا يستحق العقوبة وترك الثواب لمن يستحقه. ومعنى الرب هو المالك، ولهذا رب الدار ورب العبد ورب الإبل لمن يملكها؛ لأن الله تعالى هو المالك للخلق والمدبر لأمورهم كلها. ومعنى العظيم: المختص بالكبرياء والعظمة على الإطلاق حتى لا قدر من العظمة إلا وهو مستحق له في السموات والأرض. ومعنى قولنا: الله -على الرواية الثانية- أن هذا الإسم هو المختص بذات الله تعالى، وباقي الصفات كلها تابعة لها من قولنا: الخالق البارئ المصور القدوس الحكيم، وهو الدال على الوحدانية والمنفرد بالإلهية واشتقاقه من قولهم إله إذا تحيَّر؛ لأن العقول والأحلام كلها متحيرة في كنه ذاته؛ أو من قولهم لأهل العروش إذا احتجبت؛ لأن الله تعالى محتجب عن جميع الإدراكات كلها فهذه فائدة قولنا في الركوع: سبحان الله العظيم أو سبحان ربي العظيم، ومعنى قولنا: وبحمده في الرواية الثانية: أي أنه تعالى يستحق البراءة والتنزه والحمد والمدح كما قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ }[غافر:7]. وقوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ }[البقرة:30]. أي نمدحك بما تستحق من الممادح ونحمدك على ما تستحق من النعم.
الحكم السادس: والمستحب في حال القيام سكتتان:
فالسكتة الأولى: إذا فرغ من تكبيرة الافتتاح سكت سكتة خفيفة قبل القراءة.

183 / 279
ع
En
A+
A-