والحجة على هذا: ما روى وائل بن حجر عن رسول الله أنه لما فرغ من قراءة الفاتحة رفع بآمين صوته حتى سمع من يليه من الصف الأول، والسنة فيه عند الشافعي أن يجهر به إن كانت الصلاة مجهورة ويسر به إن كانت الصلاة إسراراً؛ لأنه تابع للقراءة فحاله يكون كحالها، وعن أبي حنيفة وأصحابه يؤمن الإمام والمأموم جميعاً ولكن يسران به وعن مالك روايتان:
الأولى منهما: لا يؤمن الإمام ولكن يؤمن المأموم.
والثانية: يخفيها الإمام ويكون تأمين الإمام سابقاً على تأمين المأموم؛ لقوله : ((إذا أمّن الإمام فأمّنوا )) (1).
فالفاء للتعقيب من غير مهلة، والسنة عندهم أن يكون التأمين بعد الفراغ من قراءة الفاتحة في الصلاة وغيرها لاشتمالها على طلب الهداية التي هي سبب في نيل السعادة الأخروية؛ ولقوله : ((إذا أمن الإمام فأمنوا فإن الملائكة تؤمن بتأمين الإمام فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)).
قال الشافعي: فإن آخر التأمين عن موضعه لم يأت به فيما بعد لأنه سنة مرتبة بعد قوله: {وَلاَ الضَّالّينَ}. فإذا لم يأت بعدها ودخل في غيره فقد فات موضعه فلا وجه لقضائه كالتشهد الأول إذا فات موضعه لم يقض بعده، وحكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: الأخبار الدالة على الإذن بالتأمين فيها دلالة قوية على أن لكل مصلٍّ أن يدعو في صلاته بما شاء وأحب من المنافع الدينية والدنيوية مع ما ورد فيه من الأخبار الخاصة؛ لأن معنى التأمين اللهم افعل لي ما سألتك. فدل ذلك على جواز الدعاء فيها، والمستحب عندهم أن لا يصل التأمين بقوله: {ولا الضالين} بل يفصل بينهما بسكتة يسيرة ليعلم بها أن التأمين ليس من كلام الله.
__________
(1) هذا الحديث رواه الجماعة إلاَّ الترمذي عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أمّن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه))اهـ، المصدر السابق 188.

والمختار تفصيل نشير إليه، وهو جواز فعله في الصلاة لما ورد فيه من الأخبار، وكراهة فعله لما وقع عليه الإجماع من أكابر أهل البيت على منعه في الصلاة، وإن فعله المصلي لم يكن مفسداً للصلاة؛ لأنه مفعول لإصلاحها وما فعل لإصلاحها، فلا يكون مفسداً لها، والمنع من إفساد الصلاة بالتأمين محكي عن الناصر، وما ذكرناه من هذه الأخبار فهو توفقه بين الأدلة وجمع بينها كما ترى.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذهبوا إليه من استحبابه، فإذا حملنا الأخبار التي رووها على جواز فعله وحملنا ما وقع من إجماع الأكابر من أهل البيت على كراهة فعله وأنه إذا فعل لم يكن مفسداً للصلاة بطل ما زعموه من الإستحباب ولم يكن لهم مستروح إليه؛ لأن إجماعهم حجة مقبولة معمول عليه في المسائل القطعية فضلاً عن المسائل الإجتهادية، والأخبار تتطرق إليها الاحتمالات ومعرضة للتأويلات بخلاف الإجماع فإنه بعيد عن الاحتمال، وهذه الطريقة التي أشرنا إليها كافية في المنع من استحباب التأمين من غير حاجة إلى إيراد الطعن على عدالة الرواة الذين رووا أخبار التأمين؛ لأنهم كما رووه فقد رووا غيره من أخبار الشريعة فالوجه قبولها وحملها على ما ذكرناه.
الفرع الحادي عشر: والمستحب في قراءة القرآن أن يكون قراءة مرتلة من غير عجلة ولا تمطيط لكل قارئ في الصلاة وفي غيرها لقوله تعالى: {وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}[المزمل:4]. والاستحباب في الصلاة أكثر؛ لأن القراءة واجبة في الصلاة دون غيرها، ويكره للإمام القراءة بالسور الطوال؛ لما روى أن معاذ بن جبل قرأ في صلاة مكتوبة سورة البقرة فقال له الرسول : ((أفتَّانٌ أنت يامعاذ صل بهم صلاة أضعفهم )) (1).
__________
(1) قال ابن بهران في تخريج أحاديث البحر1/251: هذه إحدى روايات البخاري ومسلم، وفي رواية لأبي داود فقال: ((يا معاذ لا تكن فتّاناً فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر)) وفيه روايات أخرى، وفي معناه أحاديث.

ولا يكره ذلك في النوافل ولا في الصلاة المفروضة إذا كان منفرداً؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه )) والمئنة: القوة. ويستحب في الفرائض أن يقرأ فيها بسور المفصل، والمفصل من سورة محمد إلى سورة الناس؛ لأن الرسول كان يقرأ بها في صلواته. ويكره الجمع بين السورتين في الصلاة المكتوبة في ركعة واحدة لما ذكرناه من كراهة التطويل إذا كان إماماً. ويستحب للمصلي إذا كان في صلاة الفجر تطويل القراءة لقوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً " }[الإسراء:78]. وأراد أن ملائكة النهار وملائكة الليل يشهدونه فيقرأ بطوال المفصل، وهو السبع الأخر من القرآن مثل قاف والحجرات وسورة الذاريات والطور والقمر. وإن كان في يوم الجمعة قرأ في الأولى: {الم تَنزِيلُ} السجدة وفي الثانية: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ }[الإنسان:1]؛ لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان يقرأ ذلك فيها يوم الجمعة(1)،
__________
(1) ومثله عن ابن عباس أن النبي كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح...إلخ، هكذا في روايتي ابن عباس وأبي هريرة.

فإن قرأ فيها أوساط المفصل وقصاره جاز ذلك نحو سورة كورت والبروج، لما روى عمرو بن حريث أنه قال كأني أسمع صوت رسول الله في صلاة الغداة: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ }[التكوير:14]. وروى رجل من جهينة أنه سمع رسول الله يقرأ في صلاة الصبح: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ}[الزلزلة:1]. وإن كان المصلي في صلاة الظهر فيستحب أن يقرأ شبهاً مما يقرأ في صلاة الصبح؛ لما روى أبو سعيد الخدري قال: حزرنا صلاة رسول الله فوجدنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية على قدر سورة (الجرز)(1) وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين منها على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك(2)،
ومعنى قوله: حزرنا أي قدَّرنا، ويستحب أن يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل؛ لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل، ويستحب أن يقرأ في صلاة العشاء بطوال المفصل مثل ما فعل في صلاة الظهر؛ لما روي عن الرسول أنه قرأ في صلاة العشاء الآخرة بسورة (الجمعة) و(المنافقين) فإن قرأ غيرهما جاز؛ لما روي عن الرسول أنه قرأ في العشاء الآخرة بـ{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}. {وَالتّينِ وَالزَّيْتُونِ}(3).
__________
(1) سورة الجرز هي السجدة، وآياتها 30 آية.
(2) هذه إحدى روايات مسلم، ولأبي داود والنسائي نحو من ذلك.
(3) جاء الحديث من حديثين: أحدهما عن البراء بن عازب أن النبي كان في سفر فصلى العشاء الآخرة فقرأ في الركعتين بـ: (التين والزيتون) فما سمعت أحسن صوتاً أو قراءة منه، هذه رواية الترمذي والنسائي، والآخر عن بريدة قال: كان رسول الله يقرأ في العشاء بـ (الشمس وضحاها)، ونحوها من السور، هذه رواية الترمذي، وللنسائي نحوه، (جواهر الأخبار)1/252.

وتجوز القراءة بغير هذه السور لما روي عن الرسول أنه قرأ في المغرب بسورة (الأعراف)(1)
وروى جبير بن مطعم(2)
أنه قرأ في صلاة المغرب بالطور(3)
وروت أم الفضل(4)
__________
(1) رواه النسائي عن عائشة بلفظ: أن النبي قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في الركعتين، قال الرباعي في (فتح الغفار)1/193: رواه النسائي بإسناد فيه بقية، وقد تابعه أبو حيوة، ويشهد بصحته ما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي من حديث زيد بن ثابت أن النبي قرأ في المغرب بطولى الطوليين،زاد أبو داود: قلت: وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف.
(2) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي، كنيته أبو سعيد، وكان من عظماء قريش في الجاهلية والإسلام معاً، كما جاء في (مشاهير علماء الأمصار)1/13، استقر بالمدينة ومات بها سنة59هـ وقيل:73هـ، وفي (تهذيب التهذيب) 2/56: قدم على النبي في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، روى عن النبي ، وعنه: سليمان بن صرد وابناه محمد ونافع ابنا جبير، وسعيد بن المسيب وغيرهم، وروي أنه توفي سنة 59هـ عن ابن البرقي، وقال المدائني: سنة 58هـ.
(3) رواه الجماعة إلاَّ الترمذي.
(4) هي لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية، زوجة العباس عم النبي وأم أولاده الرجال الستة النجباء، كما في (سير أعلام النبلاء) 2/314، وهي أخت أم المؤمنين ميمونة وخالة خالد بن الوليد، وأخت أسماء بنت عميس لأمها، جاء عنها في (الجرح والتعديل)9/465: روت عن النبي أحاديث، وروى عنها ابنها عبد الله بن عباس، وفي (تهذيب التهذيب)14/476: روت عن النبي وعنها ابناها عبد الله وتمام، ومولاها عمير بن الحارث، وأنس بن مالك، وآخرون.
…قال ابن عبد البر: يقال أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكانت من المنجبات، وكان النبي يزورها.
…قال ابن حبان في (الصحابة): ماتت قبل زوجها العباس بن عبد المطلب في خلافة عثمان، وصلى عليها. ا هـ.

وروى ابن مسعود أنه قرأ فيها بـ{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ}(1).
وروي عن رسول الله أنه خرج يوماً وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب فقرأ فيها بـ(المرسلات) فما صلاها حتى قبضه الله(2).
الفرع الثاني عشر: في حكم من يتعذر عليه قراءة القرآن.
اعلم أن كل من تتعذر عليه قراءة القرآن فله أحوال أربعة:
الحالة الأولى: أن تتعذر عليه قراءة الفاتحة وقراءة شيء من القرآن؛ فمن هذه حاله فهل يلزمه الإتيان بالذكر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يلزمه الإتيان بالذكر وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى رفاعة بن مالك عن رسول الله أنه قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله وليكبر فإن كان معه شيء من القرآن قرأ به وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبره)) (3).
المذهب الثاني: أنه لا يلزمه الإتيان بالذكر ويقوم ساكتاً وهذا رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنه معذور في الإتيان بالفاتحة وقرآن معها لأنه لا يحسنها وقد قال : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). فأوجبها ولم يوجب الذكر عند تعذرهما فدل ذلك على أنهما غير واجبين أعني التكبير والتحميد،وأما القيام فهو فرض واجب لابد من الإتيان به فلهذا قلنا:يقوم ساكتاً.
__________
(1) وفيه عن ابن عمرقال: كان النبي يقرأ في المغرب: قل ياأيها الكافرون وقل هو الله أحد، رواه ابن ماجة، وقال في (الفتح): ظاهر إسناده الصحة، إلاَّ أنه معلول، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب، ا هـ. (فتح الغفار) 1/193.
(2) عن ابن عباس أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ المرسلات عرفاً، فقالت: يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله يقرأ بها في المغرب، رواه الجماعة إلا ابن ماجة، المصدر السابق.
(3) هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، واللفظ له.

المذهب الثالث: أنه لا يلزمه الذكر ولا القيام، وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن الذكر لا دلالة على وجوبه وقد عذر عن الإتيان بالذكر لما كان لا يحسنه، والقيام إنما يجب لأجل القراءة، فلما سقطت القراءة لا جرم كان القيام غير واجب لأجل تعذر القراءة.
والمختار: أن هذه المسألة غير منصوصة لأحد من أئمة العترة لكن الذي يأتي على أصولهم وجوب الإتيان بالذكر عند تعذر القراءة.
والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن أبي أوفى أن رجلاً أتى الرسول فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزيني في الصلاة! فقال: ((قل سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله))(1)
فهذه الكلمات الخمس قائمات مقام الفاتحة والسورة. وهل يلزم إتمامها بذكر آخر حتى تكمل عدتها بعدة الفاتحة سبع آيات أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يلزم إتمامها بذكر آخر؛ لأن الرجل لما قال: علمني ما يجزيني في الصلاة؟ فعلمه الرسول هذه الكلمات ولم يأمره بالزيادة فدل ذلك على أن الزيادة غير واجبة، وقد روي أن الرسول لما فرغ من تعليمه هذه الكلمات قال الرجل: هذا لله فمالي؟ فقال الرسول قل: ((اللهم ارحمني وعافني وارزقني ))(2).
فإن لم يحسن شيئاً من القرآن ولا من الذكر وجب عليه القيام بقدر قراءة الفاتحة ويجب عليه أن يتعلم.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قال أبو حنيفة: يقوم ساكتاً.
قلنا: قد دللنا على وجوب الذكر عوضاً عن القراءة بما لا مدفع له فلا وجه للقيام بالسكوت لما ذكرناه.
__________
(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والدار قطني، قال في (فتح الغفار)1/190 ولفظه: فقال: إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فذكره، وقال الحافظ في (بلوغ المرام): الحديث صححه ابن حبان والدار قطني والحاكم.
…قال في (الخلاصة): وهو كما قال، وصححه ابن السكن. اهـ.
(2) هذا داخل ضمن الحديث السالف.

قال مالك: لا يجب الذكر ولا القيام.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد دللنا على وجوب الذكر عند تعذر القراءة فلا وجه لإعادته.
وأما ثانياً: فلأنه إذا تعذرت القراءة لأنها غير ممكنة فلم يتعذر الذكر لإمكانه فإذا كان الذكر غير واجب كما زعمت فلم يسقط وجوب القيام وهما فرضان أحدهما مخالف للآخر.
الحالة الثانية: أن يكون محسناً لنصف الفاتحة وإذا كان كذلك نظرت، فإن كان محسناً للنصف الأول منها فإنه يأتي بقراءته أولاً ثم يأتي بالبدل من الذكر بعده، وإن كان يحسن النصف الآخر منها فإنه يأتي بالبدل أولاً ثم يأتي بالنصف الآخر الذي يحسنه؛ لأن الترتيب شرط في القراءة، ولو تعلم الفاتحة في حالة إتيانه بالبدل فإنه يترك البدل ويشتغل بقراءة الفاتحة، ولو تعلم الفاتحة بعد فراغه من البدل فإنه لا يلزمه قراءة الفاتحة لأنه قد أتى ببدلها.
الحالة الثالثة: أن يكون محسناً لآية من الفاتحة فيلزمه الإتيان بها لأنه قادر عليها ويأتي بعدها من القرآن بقدر عددها إن كان يحسنه فإن لم يحسنه أتى بقدرها من الذكر الذي ذكرناه؛ لأن هذه الآية قد سقط فرضها بقراءتها ويأتي بغيرها بدلاً منها كما لو فقد بعض الماء فإنه يغتسل به(1)
ثم يتيمم.
الحالة الرابعة: ألا يحسن قراءة الفاتحة فإذا كان الأمر كذلك نظرت فإن كان يحسن غيرها من القرآن فإنه يقرأ سبع آيات من غيرها بقدر عددها سواء كانت من سورة واحدة أو سور وإن لم يحسن شيئاً من القرآن فليأت بالذكر الذي وصفناه عوضاً عن القرآن. فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه إن كان يحسن الفاتحة وجب عليه قراءتها وإن لم يحسن الفاتحة وأحسن شيئاً من القرآن وجب عليه [قراءته] وإن لم يحسن شيئاً من القرآن وجب عليه الذكر عوضاً عن القرآن.
__________
(1) المقصود: بما بقي من الماء كما هو و اضح، إلا أن عودة الضمير إلى كلمة بعض الماء تحتاج إلى تنبيه.

الفرع الثالث عشر: وهل يقوم تفسير القرآن بالعربية أو بالفارسية مقام القراءة ويكون مجزياً في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك لا يجزي، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومالك وعامة الفقهاء.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل:20] وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)).
المذهب الثاني: أن المصلي بالخيار إن شاء قرأ القرآن وإن شاء قرأ معنى القرآن وتفسيره بالعربية إن شاء أو بالفارسية أو غير ذلك سواء كان يحسن قراءة القرآن أو لا يحسنها، وهذا هو قول أي حنيفة، واختلف أصحابه في المصلي إذا قرأ معنى القرآن وتفسيره هل يكون قارئاً للقرآم أم لا؟ فمنهم من قال: إذا قرأ معنى القرآن فقد قرأ القرآن وعلى هذا يناظرون ويحتجون. ومنهم من قال: إذا قرأ معنى القرآن فلم يقرأ القرآن وإنما يكون في الحكم يقوم مقامه، وقال محمد وأبو يوسف: إن كان المصلي يحسن القرآن لم يجز له أن يقرأ معنى القرآن وإن كان لا يحسن القرآن جاز أن يقرأ معنى القرآن ويعتبر عن القرآن بعبارة كما قالا في التكبير.
والحجة على هذا: هو أن المقصود من القرآن معانية دون ألفاظه فلا عبرة بها، فإذا حصَّل المصلي معاني القرآن وتفسيره سواء كانت بالعربية أو بغيرها جازت صلاته.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)). وقوله : ((لا صلاة إلا بقرآن )).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: المقصود من القرآن معانيه فإذا قرأ القرآن بمعناه كانت صلاته مجزية.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد دللنا على وجوب قراءة القرآن في الصلاة بالأخبار التي رويناها فلا وجه لإعادتها.

وأما ثانياً: فلأنه لا يمتنع أن يكون المقصود من القرآن هو المعنى والعبارة خاصة والباب باب العبادة فلا يجوز الإخلال باللفظ.
ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بالقرآن إنما هو بيان إعجازه والإعجاز إنما يتعلق بألفاظه ومعانيه فيحصل من الألفاظ الفصاحة ويحصل من المعاني البلاغة؛ لأن الإعجاز حاصل بهما فلهذا لم يكن بد من إحراز لفظه ومعناه، وإذا كان الأمر هكذا بطل التعويل على المعاني بانفرادها كما قاله أصحاب أبي حنيفة، والله أعلم.
الفرع الرابع عشر: الركعتان الأخريان من الظهر والعصر والعشاء والركعة الثالثة من المغرب لا خلاف بين علماء العترة في كون قراءة الفاتحة والتسبيح مشروعة فيهما، خلافاً للشافعي فإنه أوجب القراءة فيهما وقد قدمنا الكلام عليه فيقرأ الفاتحة فيهما على الانفراد. والتسبيح أن يقال فيهما: سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر. ولكن الخلاف في أن القراءة فيهما أفضل أو التسبيح؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التسبيح فيهما هو الأفضل، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان يسبح فيما ذكرناه من هذه الركعات، وما هذا حاله فليس للاجتهاد فيه مجرى وإنما طريقه الأخذ من رسول الله .
المذهب الثاني: أن القراءة أفضل، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله؛ ومحكي عن أبي حنيفة. فأما الشافعي فإنه يقول بوجوب القراءة في الركعتين الأخريين.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة معها وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب لا غير.
والمختار: ما قاله الناصر والمؤيد بالله من أفضلية القراءة في الركعتين.
والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن القرآن فضله ظاهر في كل موضع على غيره من سائر الكلامات(1)
__________
(1) هكذا في الأصل مع أنه اسم جنس لا يجمع بحسب القاعدة اللغوية، والله أعلم.

182 / 279
ع
En
A+
A-