وإبراهيم(1)
ابني عبدالله بن الحسن وأبيهما وعبدالله بن موسى بن عبدالله(2)
__________
(1) إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولد بالمدينة سنة 97هـ، قال عنه محقق (الفلك الدوار) (محمد يحيى سالم)ص (31): وكان عالماً شاعراً عارفاً بأيام العرب وأشعارها، رحل إلى العراق داعياً إلى بيعة أخيه محمد، دعا إلى نفسه حتى بلغه استشهاد أخيه، استشهد سنة 145هـ، ودفن بـ(باخمراء)، وقال عنه الزركلي في (الأعلام) 1/48: أحد الأمراء الأشراف الشجعان، خرج بالبصرة على المنصور العباسي، فبايعه أربعة آلاف مقاتل، وخافه المنصور فتحول إلى الكوفة، وكثر شيعة إبراهيم، فاستولى على البصرة وسيّر الجموع إلى الأهواز وفارس وواسط، وهاجم الكوفة، فكانت بينه وبين يجيوش المنصور وقائع هائلة إلى أن قتله حميد بن قحطبة.
…قال أبو العباس الحسني: ( حُز رأسه وأرسل إلى أبي الدوانيق، ودفن بدنه الزكي بـ(باخمراء)، وكان شاعراً عالماً باخبار العرب وأيامهم وأشعارهم، وممن آزره في ثورته الإمام (أبو حنيفة) أرسل إليه أربعة آلاف درهم لم يكن عنده غيرها، ترجم له ابن الأثير في (الكامل) 5/208، و(مقاتل الطالبيين) 315، والطبري 9/243، وغيرهم.
(2) عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن علي بن أبي طالب، أبو موسى، قال عنه الجنداري رحمه في تراجم رجال الأزهار ج3 ص (21): روى عن أبيه عن جده، وعنه ولده موسى ومحمد بن منصور (المرادي).
…قال ابن عنبة: وهو أكثر بني الحسن عدداً وأشدهم بأساً، وقال أبو العباس [الحسني]: كان ممن يُشار إليه ويفزع منه السلطان، واجتمع مع القاسم [بن إبراهيم الرسي] في بيت محمد بن منصور، وطلبه القاسم للبيعة فأبى، وبويع القاسم سنة 220هـ، وقال المنصور بالله [عبدالله بن حمزة]: -وما زال الكلام للجنداري- كان شيخ وحده ووحيد عصره، وله من الفضل والعلم ما تعرفه الفضلاء، توفي في السنة التي مات فيها أحمد بن عيسى [بن زيد بن علي بن زين ا لعابدين] سنة 247هـ، وفي (الطبقات) أن أحمد مات سنة 240هـ، وهذا هو الصحيح.

وأحمد بن عيسى؛ وهو محكي عن الناصر والهادي والقاسم والمؤيد بالله وعلى الجملة فإنه إجماع من أهل البيت.
والحجة على هذا:ما روى النعمان بن بشير عن رسول الله أنه قال: ((أمَّني جبريل عند باب الكعبة فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " )) (1).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله : ((كل صلاة لا يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم فهي أية اختلسها الشيطان " )) (2).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: صليت خلف رسول الله فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في كلتا السورتين حتى قبض، وصليت خلف أبي بكر فلم يزل يجهر بها حتى قبض، وصليت خلف عمر فجهر بها حتى قبض، ولن أدعها حتى أموت، فهذه الأخبار كلها دالة على ما ذكرناه من الجهر فيهما- أعني السورتين- بالبسملة.
المذهب الثاني: أنه يسر بها في كل صلاة والقائل بهذا طائفتان:
__________
(1) رواه الحاكم في المستدرك1/326، والدارقطني في السنن1/303، والطبراني في الأسوط1/15، والكبير 10/277.
(2) وفيه عن مسلم بن حيان وجابر بن زيد قالا: دخلنا على ابن عمر في داره فصلى بنا الظهر والعصر، ثم صلى بنا المغرب والعشاء فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في كلتا السورتين، فقلنا له: لقد صليت بنا صلاة ما تعرف بالمبصرة، فقال ابن عمر: صليت خلف رسول الله فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في كلتا السورتين حتى قبض، وصليت خلف أبي بكر فلم يزل بها في كلتا السورتين، وصليت خلف أبي عمر فلم يزل يجهر بها حتى هلك، وأنا أجهر بها ولن أدعها حتى أموت، هكذا حكاه في (أصول الأحكام) وذكر في (التلخيص) نحوه، وعزاه إلى الدارقطني وضعفه اهـ. من الجواهر هامش (البحر)1/248.

الطائفة الأولى: من الصحابة رضي الله عنهم، وهو إحدى الروايتين عن علي وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن عمر.
الطائفة الثانية:من التابعين، وهو مروي عن سفيان الثوري وأحمد بن حنبل فإنه قال: إنها من الصلاة ولكن يسر بها، فأما أبو حنيفة ومالك والأوزاعي فإنهم ذهبوا إلى أنها ليست من القرآن عندهم.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ " }[الأعراف:205]. وروي أنها نزلت في بسم الله الرحمن الرحيم، وروي عن قتادة عن أنس بن مالك قال صليت خلف الرسول وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم(1).
وروى عبدالله بن المغفل أنه رأى أمة تجهر بها فقال لها: إياك والحدث في الإسلام فإني صليت خلف النبي وأبي بكر وعمر ولم أسمع أحداً منهم يقولها(2).
وروى ابن مسعود رضي الله عنه: ما جهر رسول الله في صلاة مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم.
__________
(1) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى2/51، والدار قطني في سننه1/315، وفي مصنف ابن أبي شيبة 1/361.
(2) أخرجه ابن ماجة في سننه1/267، وفي جواهر الأخبار1/248 بزيادة فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: الحمد لله رب العالمين. قال: وهذه رواية الترمذي.

وروي عن ابن عباس أنه قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من قراءة الأعراب. وروى أبو وائل(1)
عن علي وعمار أنهم كانوا لا يجهرون بها فهذه الأخبار كلها دالة على ترك الجهر بها.
والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت والصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي ومحكي عن عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير من الجهر بها في الصلاة المجهورة والإسرار بها في الصلاة التي يسر بها.
والحجة: ما رويناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: من لم يجهر في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم فقد أخدج صلاته(2).
وعن عمار بن ياسر أنه قال: صلينا خلف رسول الله فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
واعلم أن ألأخبار قد تعارضت في هذه المسألة والناس فيها فريقان من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ والأخبار إذا تعارضت وجب الترجيح إذ لا يمكن إهمالها أجمع، ولا القول بها أجمع فلم يبق إلا ما ذكرناه من ترجيح بعضها على بعض، وهذه هي طريقة الأصوليين والحذاق من العلماء لكن الأخبار التي رويناها راجحة على غيرها من أوجه أربعة:
__________
(1) هو شقيق بن سلمة الأسدي، قال في (مشاهير علماء الأمصار 1/99):كان مولده سنة إحدى من الهجرة، أدرك النبي وليست له صحبة، وسمع من الصحابة، مات سنة 83هـ،اهـ. وفي (تهذيب التهذيب 4/317): أدرك النبي ولم يره، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وحذيفة وابن مسعود، وآخرين من الصحابة، منهم أبو هريرة، وعائشة وأم سلمة، وأسامة بن زيد، وعنه: الأعمش ومنصور وزبيد اليامي، وغيرهم كثيرون، إلى أن قال-ابن حجر-: قال عاصم بن بهدلة عنه:أدركت سبع سنين من سني الجاهلية، ثم أورد في (التهذيب) عن ابن حبان، ولد سنة إحدى من الهجرة، وعن ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة.
(2) أورده في كتاب (التحقيق في أحاديث الخلاف1/353) عن علي .

أولها: أن كل ما رويناه من الأخبار يفيد زيادة حكم شرعي وهو الجهر بها والخبران إذا تعارضا وأحدهما مختص بزيادة حكم شرعي كان المصير إليه أحق وأولى وكان راجحاً على غيره.
وثانيها: أن ما رويناه من الأخبار مستند إلى المشاهدة والعلم وما رووه يستند إلى نفي العلم، والخبران إذا تعارضا وكان أحدهما دالاً على الإثبات والآخر دال على النفي فالذي يكون دالاً على الإثبات أحق بالقبول؛ لأن التحقق فيه أكثر والقطع به أعظم وأوثق.
وثالثها: أن بعض أحاديثهم قد وقع فيه الإنكار كما حكينا في قصة معاوية لما صلى وترك البسملة في أول السورة الثانية فبادروه: أسرقت الصلاة يا معاوية أم نسيت؟ وأخبارنا لم يقع فيها شيء من الإنكار فدل ذلك على كونها صادقة.
ورابعها: أن ما رووه محمول على أنه لم يجهر بالبسملة على حد ما يجهر بالسورتين على حسب العادة فإن الإنسان إذا جهر بشيء من [القرآن] في أول قراءته فإنه لا يكون جهره في أول الأمر كجهره في آخره فيجب القضاء بكونها مجهوراً [بها] كالسورتين وإن كان الجهر مختلفاً، وهذا لا يبطل كونها مجهوراً بها. فحصل من مجموع ما ذكرناه رجحان أخبارنا على أخبارهم فيجب القضاء بها والحكم عليها.
الحكم الرابع: وإذا تقرركون الجهر بها مشروعاً فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الجهر بها واجب وأن صفة القراءة كالقراءة في الوجوب وبطلان الصلاة بتركه، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن محمد بن يحيى ومن الفقهاء من ذهب إليه كابن أبي ليلي.

والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}[الإسراء:110]. والأمر بابتغاء السبيل بين الجهر والمخافتة يقتضي أن يكون على الصفة المشروعة التي ذكرناها في الصلاة الرباعية والثلاثية وحمله على صلاة النهار في ترك الجهر وعلى صلاة الليل في ترك المخافتة لا يمنع من صحة حمله على ما ذكرناه لأن أحد الإحتمالين لا يمنع من الإحتمال الآخر فلهذا وجب حمله عليهما جميعاً وفيه حصول المقصود.
الحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وفعله بيان للمجمل وقد كان يجهر ويخافت في صلاته فيجب أن يكون واجباً.
المذهب الثاني: أن الجهر غير واجب في البسملة، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية.
والحجة على هذا: هو أن الجهر والمخافتة هيئتان لركن من أركان الصلاة، وهو القراءة فلا يكونان واجبين، دليله ترك التجافي في الركوع والسجود وتفريق الأصابع عند الركوع وضمها عند السجود إلى غير ذلك من الهيئات.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله؛ لأن المقصود من هذا الركن هو حصول الذكر وكونه مجهوراً به أو مخافتاً صفة تابعة فلا يكون الإخلال بها إخلالاً بالقراءة كسائر صفات الأذكار كلها.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وفعله يكون بياناً لما أجمل في هذا الخبر والمعلوم من حاله أنه كان يجهر بالبسملة فيجب القضاء بوجوبها.
قلنا: لا ننكر أنه كان يجهر في الصلاة ويخافت وأنه كان يجهر بالبسملة ولكنا نقول ليس كل ما كان يفعله في الصلاة فهو واجب فإن أفعال الصلاة منقسمة إلى واجب ومسنون والجهر والمخافتة قد دل الدليل على كونهما صفتين ليستا بواجبتين ولا يتعلق بهما سجود السهو كما سنوضحه في بابه بمعونة الله تعالى.

قالوا: قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا }[الإسراء:110]. ولا شك أن السبيل وجوب الجهر والمخافتة على الصفة المشروعة والبسملة من جملة ما يجب فيه الجهر؛ فلهذا كان واجباً فيها.
قلنا: ليس في الآية ما يدل على الوجوب، وإنما الآية [دالة] على كونهما مشروعين، فأما وجوب الجهر فلا يؤخذ من الآية بحال ولكنها تقتضي فعلها، فأما الوجوب فيؤخذ من دلالة آخرى غير الآية فبطل التعلق بظاهر الآية، وقد نجز غرضنا من أحكام البسلمة ونرجع إلى التفريع.
الفرع التاسع: المعوذتان من القرآن فمن قرأهما في صلاته أجزأه ذلك، ولم ينكر ابن مسعود أن جبريل نزل بهما ولا أنهما من القرأن وإنما أنكر كتبهما في المصحف وزعم أنهما عوذتان للحسن والحسين نزل بهما جبريل كما أنكر أبيٌّ كتبة الفاتحة في المصحف لظهورها واشتهارها، وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ((تعوذوا بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما " )) (1).
ومن قرأ القرآن بالفارسية في صلاته لم تكن مجزية له سواء أحسن العربية أو لم يحسن؛ لأن القرآن إنما كان قرآناً لإعجازه ولم يكن معجزاً إلا لما اشتمل عليه من الفصاحة في ألفاظه وللبلاغة في معانية وإذا حولت ألفاظه إلى الفارسية بطل أعجازه وبطل كونه قرآناً، وإذا قرأ المصلي من وسط السورة فهل تستحب له البسملة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها تستحب بعد قراءة الفاتحة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن هذه الآيات قائمة مقام السورة التي يجب قرأتها بعد الفاتحة ولابد فيها من البسملة، فهكذا هذه الآيات لابد فيها من ذكر البسملة لأنها قائمة مقامها في الوجوب.
المذهب الثاني: أنه لا يحتاج إلى ذكر البسملة إذا قرأ من وسط السورة وهذا هو رأي القُرَّاء وأهل الأداء.
__________
(1) أخرجه البيهقي وأبو داود في سننهما2/394،2/73، وهو في شعب الإيمان2/511، وفي الترغيب والترهيب2/251.

والحجة على هذا: ما روي من جهة الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا: ما كنا نفرق بين أوائل السور إلا بذكر البسملة، وفي هذا دلالة على أنه إذا قرأ من وسط السورة فلا بسملة هناك.
والمختار: ما قاله القُرَّاء؛ لأن الفقهاء هم أهل الفتوى والقُرَّاء فهم أهل الأداء وكلامهم فيما يتعلق بالقرآن وتأدية القرآن أرجح من غيرهم لاختصاصهم بالقرآن ومعرفة سننه وآدابه في القرآءات.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الآيات قائمة مقام السورة فتستحب فيها البسملة.
قلنا: إنما قامت مقامها في وجوب إجزاء القراءة في الصلاة، فأما في استحباب البسملة فلا، وإذا قرأ في صلاته من المصحف فذلك يكون على أوجه ثلاثة:
أولها: أن يكون محتاجاً إلى أن يرفع المصحف ويضعه في صلاته ويعد سطوره فهل تبطل صلاته أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة أنها تبطل؛ وحكي عن الشافعي وأبي يوسف ومحمد أنها لا تبطل.
والحجة على ما قلناه: هو أن ما هذا حاله عمل كثير فلهذا قضينا ببطلانها.
وثانيها: أن يكون حافظاً للقرآن والمصحف موضوع في مسجده، وهو ينظره ويقرأ منه لم تبطل صلاته، وهذا هو رأي أئمة العترة؛ ومحكي عن الشافعي ومحمد وأبي حنيفة، وهو الذي حصله الجصاص من مذهب أبي حنيفة.
والحجة على ما قلناه: هو أن ما هذا حاله عمل قليل، والنظر بمجرده لا يكون مفسداً للصلاة.

وثالثها: أن يكون القرآن مكتوباً في المحراب فينظر إلى آياته ويصلي بها فهل تصح صلاته أم لا؟ فالذي يأتي على رأي الأكثر من أئمة العترة أن صلاته لا تبطل، وهو محكي عن أبي الحسن الكرخي، وحكي عن السيد أبي طالب وأبي سعيد البرذعي(1)
أنها تبطل.
والحجة على ما قلناه: هو أن ما هذا حاله عمل قليل وهو مجرد النظر فلهذا قضينا بصحتها، ومن صلى بالتلقين من غيره بطلت صلاته؛ لأنه إنما قرأ تبعاً لغيره ولم يقرأه لصلاته فلهذا بطلت صلاته.
الفرع العاشر: في التأمين، وهو تفعيل واشتقاقه من قولهم أمَّن إذا قال: آمين. ويحكى فيه المد والقصر فإذا مد فهو بزيادة ألف وإذا قصر كان بحذفها وشاهد المقصور قوله:
تباعد مني فطحل وابن أمه ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وشاهد الممدود قوله:
يارب لا تَسْلُبَنِّي حبها أبداً ... ويرحم الله عبداً قال آمينا
فأما تشديد الميم فليس منه؛ لأنه بمعنى قاصدين قال الله تعالى: {وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ " }[المائدة:2]. ومعناه: اللهم استجب، وهل يكون سنة أو بدعة أو جائزاً؟ فيه مذاهب ثلاثة:
__________
(1) لم نجد في المصادر المتاحة البرذعي بكنية أبي سعيد، ولكن الراجح أن المقصود به أبو بكر البردعي لكونه معتزلياً من معاصري أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني الذي قرنه المؤلف به، واسمه: محمد بن عبد الله البردعي، توفي سنة 350هـ، وكان فقيهاً عالماً في الأصولين والفقه، والتفسير والحديث، جاء في ترجمة الزركلي له 6/224: قال ابن النديم: (رأيته في سنة 340هـ وكان بي آنساً، يظهر مذهب الاعتزال، وكان خارجياً وأحد فقهائهم، له عدة كتب منها: (المرشد) في الفقه، و(الجامع) في أصوله، و(الإمامة) و(الرد على من قال بالمتعة) و(تذكرة الغريب) فقه، و(الناسخ والمنسوخ في القرآن) و(نقض كتاب ابن الرواندي في الإمامة) اهـ. راجع (فهرست ابن النديم) 237 و(التراث) 476.

المذهب الأول: أنه بدعة تفسد الصلاة، وهذا هو قول أئمة العترة القاسمية ومن تابعهم.
والحجة على هذا: ما روى معاوية السلمي(1)
عن رسول الله قال: صليت معه صلاة فعطس رجل فقلت: يرحمك اللّه؛ فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وآثكل أماه أراكم تنظرون إليَّ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يُصَمِّتوني، فلما قضى رسول الله صلاته بأبي وأمي ما رأيت قبله ولا بعده أحسن تعليما منه والله ما كهرني ولا سبّني ولكنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتحميد وقراءة القرآن)).
والمذهب الثاني: أن التأمين جائز، وهذا هو شيء يحكى عن أحمد بن عيسى بن زيد.
والحجة على هذا: هو أن قولنا: آمين دعاء؛ لأن معناه: اللهم استجب. والدعاء غير ممنوع منه في الصلاة ولا في غيرها وقد قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر:60]. وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}[الأعراف:55] ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة، وفي هذا دلالة على جواز التأمين.
المذهب الثالث: أنه سنة يستحب فعله في الصلاة، وهذا هو رأي الفريقين الشافعية والحنفية.
__________
(1) هو معاوية بن الحكم السلمي كما سيأتي فيما بعد، صحابي من بني سليم حجازي، وهو كما في (الثقات 3/373): من قيس عيلان بن مضر. ا هـ، وفي (تهذيب الكمال) 28/170: روى عن النبي وعنه: عطاء بن يسار وابنه كثير بن معاوية، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.
…قال ابن عبد البر: كان ينزل المدينة ويسكن في بني سليم، له عن النبي حديث واحد حسن في الكهانة والطيرة و الخط وفي تشميت العاطس في الصلاة جاهلاً، إلى أن قال: (روى له البخاري في القراءة خلف الإمام، وفي أفعال العباد، ومسلم وأبو داود والنسائي، وأورد في (الإصابة) 6/148 قصة الحديث الذي أورده المؤلف عن تحريم الكلام في الصلاة.

181 / 279
ع
En
A+
A-