قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً }[النساء:103]. ولم يفصل بين أن يكون فيها ذكر أم لا. وقوله: {أقيموا الصلاة}. وقوله: ((صلوا الصلاة لوقتها )). ولم يوجب فيها قراءة فدل ذلك على أنها غير واجبة.
قلنا: عن هذا جوابان:
الجواب الأول: أن اسم الصلاة قد صار منقولاً بالشرع عن الأوضاع اللغوية إلى معان شرعية حتى صارت المعاني الشرعية حقائق في حقها سابقة إلى الفهم عند إطلاقها فإذا صدر اسم الصلاة من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله وجب حملها على ما تقتضيه المعاني الشرعية. والمعلوم أن هذه الصلاة عبارة عن هذه الأفعال المخصوصة من الأقوال والأفعال والهيئات المخصوصة، وإذا كان الأمر كما قلنا وجب حمل قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}[النساء:103]. وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}. وقوله : ((صلوا الصلاة لوقتها)). على موضوعاتها الشرعية المشتملة على الذكر والفعل فكيف يصح إخراج الذكر منها، وهو من جملة ما يطلق عليه اسمها عند إطلاقها.
الجواب الثاني: أن هذا معارض بما أوردناه من الآي والأخبار فإنها دالة على وجوب الذكر في الصلاة بظواهرها وصرائحها، وإذا تعارض الدليلان الشرعيان وجب العدول إلى الترجيح بينهما، ولا شك أن أدلتنا أرجح لظهورها وتصريحها بالغرض؛ ولأنها دالة على الزيادة والزيادة مقبولة فإن قال قائل: فهل يكون ابن عباس خارقاً للإجماع السابق من جهة الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم؟ أو للإجماع اللاحق من جهة التابعين وتابعيهم؟ فإنهم مجمعون على وجوب القراءة في الصلاة لا يختلفون في ذلك بحال.

قلنا: أما الصحابة فلم يؤثر عنهم خوض في المسألة ولا تصريح بوجوب القراءة فيكون خارقاً لإجماعهم، وإنما يعد خارقاً لو صرحوا بالوجوب، وأما الإجماع اللاحق من جهة التابعين وتابعيهم فإجماعهم بعد خلاف ابن عباس لا يعد إجماعاً؛ لأن التابعين وَمَن بعدهم [هم] بعض الأمة بالإضافة إلى هذه المسألة التي خالف فيها ابن عباس.
وهل يقال بأن حاله كحال نفاة الأذكار؟
قلنا: حاشا لفكرته الصافية وقريحته المتقدة أن يكون حاله مشبهاً لحالهم، فإنهم نفوا جميع أذكار الصلاة، وهو إنما خالف في جوب القراءة مع اعترافه بكونها مشروعة في الصلاة، وكيف لا وهو الغواص على أسرار الشريعة والمتبحر في علومها.
الفرع الثاني: هل تكون سورة الفاتحة متعينة في الصلاة بحيث لا تجزي إلا بقراءتها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها متعينة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومالك.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله أنه قال: ((لا صلاة مجزية إلا بقراءة فاتحة الكتاب )) (1).
وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله أنه قال: ((لاصلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب " )) (2).
وفي حديث آخر: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن )) (3).
وروى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: أمرني أن أنادي ((أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )).
__________
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى 2/380 بلفظ: ((ولا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها)) ومثله في مسند أبي حنيفة 1/130.
(2) تقدم تخريجه قريباً.
(3) جاء هذا الحديث في الكثير من الصحاح منها: صحيح مسلم 1/295، وصحيح ابن حبان5/87، وسنن البيهقي2/61، وسنن الدارقطني1/322، ومسند أحمد5/321، وكلها بلفظ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)).

المذهب الثاني: أن القراءة واجبة لكنها غير متعينة، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه، ثم اختلفوا بعد ذلك فيما يجزي منها، فالمشهور عن أبي حنيفة أن المجزي آية طويلة أو قصيرة، وفي رواية أخرى: أنه يجزي ما يقع عليه اسم القراءة.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن قرأ آية طويلة كآية الكرسي أو آية الدَّيْن أجزأه، وإن كانت قصيرة أجزأه ثلاث آيات.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ }[المزمل:20].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن قوله: {مَا تَيَسَّرَ}. عام في جميع القرآن فيجب أن يكون ما قرئ منه إجزاء في الصلاة من غير تعيين للفاتحة كما قلناه.
الحجة الثانية: قولهم: الفاتحة سورة من القرآن فيجب أن لا يتعين قراءتها في الصلاة كسائر السور.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن رسول الله أنه قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج )) (1).
وناقة خداج: وهي التي لم يتم حملها وما لم يتم فهو باطل، وعن الخليل: أخدجت الناقة إذا بطلت عن الولد فهي مُخدج والولد خديج إذا ألقته ميتاً، وأخدجت إذا ألقت دماً فهي خداج، والغرض من هذا أن الصلاة باطلة من غير قراءة سورة الفاتحة شبهها بالناقة المخدج التي بطل ولدها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]. عام في جميع القرآن فيجب أن يكون ما قرئ منه في الصلاة إجزاء من غير تعيين لشيء منه.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
__________
(1) رواه عن أبي هريرة مسلم ومالك في الموطأ والترمذي والنسائي، وهو في صحيح ابن حبان5/90، وسنن ابن ماجة1/274، ومصنف ابن أبي شيبة 1/317.

الجواب الأول: أن هذه الآية عامة، وما رويناه من الأخبار خاص، ومن مذهبنا بناء العام على الخاص وتنزيله عليه فيجب أن يكون المراد بالآية ما ذكر في الأخبار، وهذه هي فائدة بناء العام على الخاص، لا يقال: فلا حاجة بنا إلى بناء العام على الخاص. واجعلوه نسخاً؛ لأن الآية تقتضي التخيير في القراءة والأخبار مانعة من التخيير فإذا تناقضا كان نسخاً؛ لأنا نقول: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن القرآن لا ينسخ بالأخبار الآحاد وما ذكرتموه يؤدي إلى ذلك.
وأما ثانياً: فلأن النسخ لابد فيه من المناقضة ولا مناقضة هاهنا فإن حكم التخيير باقٍ فلا مناقضة هناك فكأنه قال: اقرأوا سورة الفاتحة واقرأوا ما تيسر منه بعد قراءتها.
الجواب الثاني: أن يكون المراد {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20] بعد الفراغ من الفاتحة فإن القراءة فيها مشروعة فله أن يقرأ بعدها ما شاء من القرآن.
الجواب الثالث: أن الآية محمولة على من لا يحسن قراءة الفاتحة فله أن يقرأ غيرها لأجل العذر.
قالوا: الفاتحة سورة من القرآن فيجب ألا تتعين قراءتها في الصلاة كسائر السور.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فكان هذا هو القياس لكن الآثار وردت على تخصيص الفاتحة بالقراءة في الصلاة فلم يمكن إبطالها.
وأما ثانياً: فلأن السور متفاوتة في الفضل وهكذا الآيات، ولهذا فإن الآيات الدالة على التوحيد ليست في الفضل كالآيات الدالة على الأحكام الشرعية من البيع والإجارة والطلاق والنكاح فلأجل ما اختصت به من الفضل جعلت شرطاً في صحة الصلاة ولأمرٍ ما يُسَوَّدُ من يسود.
قالو: قوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )). يحتمل نفي الإجزاء، ويحتمل نفي الكمال كقوله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فيه " ))(1).
لكن لا يمكن حمله على نفي الإجزاء؛ لأنه يؤدي إلى نسخ التخيير في الآية.
قلنا:عن هذا جوابان:
__________
(1) سيأتي في موضعه.

أما أولاً: فلأنه كما يحتمل نفي الكمال فهو محتمل لنفي الإجزاء فيصير مع الإحتمال مجملاً فلا يمكن الإحتجاج به لإجماله وافتقاره إلى بيان.
وأما ثانياً: فنحمله على نفي الإجزاء خاصة مع صحة نقل الأسماء بالشرع وإذا انتفى الإجزاء انتفى الكمال لأن ما لا يكون مجزياً فلا يكون كاملاً.
قوله: يؤدي إلى نسخ التخيير في الآية.
قلنا: الآية عامة والخبر خاص فيجب بناء العام على الخاص كما أشرنا إليه من غير حاجة إلى النسخ.
الفرع الثالث: هل يجب مع الفاتحة قراءة شيء من القرآن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب مع الفاتحة قراءة شيء من القرآن إما سورة وإما ثلاث آيات، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله خلا أن المؤيد بالله ربما اشترط ثلاث آيات وربما اشترط آية طويلة، وإلى وجوب قراءة شيء من القرآن ذهب عمر بن الخطاب وابن عمر وعثمان بن أبي العاص.
والحجة على هذا: ما في خبر أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ورفاعة فإنها كلها نصوص في وجوب ما زاد على قراءة الفاتحة.
الحجة الثانية قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) والمعلوم من حاله أنه يقرأ في صلاته بالفاتحة وسورة أخرى.
المذهب الثاني: أن قراءة ما عدا الفاتحة سنة وليس واجباً، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا قوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )). فنفى الصلاة بعدمها وأثبتها بوجودها، وفي هذا دلالة على أنه لا واجب سواها. وقوله : ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " )).
والمختار: ما قاله الإمام القاسم فإنه قال: وليس للقراءة عندي حد محدود من سورة أو غيرها، أراد بعد قراءة الفاتحة . وإلى هذا يشير كلام المؤيد بالله حيث قال: وإن قرأ آية طويلة أجزاه.

والحجة على هذا: هو أن الآية في قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]. وقوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ " }[المزمل:20]. وظواهر الأخبار كقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). وقوله: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها)). فهذه الآية والأخبار دالة على اعتبار شيء من القرآن قَلَّ أو كَثُرَ فيه كفاية وإسقاط لواجب القراءة في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره الشافعي وأصحابه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)). ولم يعتبر شيئاً آخر فدل ذلك على أنه لا يجب سواها من سور القرآن.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر هذا الخبر دال على اشتراط قراءة الفاتحة لا غير وليس فيه نفي لما عداها فلا يلزم مما ذكرتموه نفي لغيرها في الوجوب، كما أنه إذا قال: لا صلاة إلا بركوع،لاتدل على نفي السجود فهكذا هاهنا.
وأما ثانياً: فلأن ما رويناه من الأخبار دال على وجوب قرآن مع الفاتحة فلا وجه لردها وإسقاطها، فقد تقرر بما ذكرناه وجوب قرآن مع الفاتحة، وهو المطلوب.
الفرع الرابع: هل تجب القراءة في ركعة واحدة أو في أكثر؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن القراءة إنما تجب في ركعة واحدة لا بعينها، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل:20]. فهذا أمر والأمر إنما يقتضي الفعل مرة واحدة وما زاد احتاج إلى دلالة.
المذهب الثاني: أن الواجب القراءة في الركعتين الأوليين وهذا هو رأي الإمام الناصر ومحكي عن الإمام زيد بن علي، وهو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن القراءة إنما تجب في الركعتين الأولين على رأي هؤلاء فأما الركعتان الأخريان فالقراءة فيهما غير واجبة بل هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح؛ وقد قال : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)).

ووجه الدلالة من ظاهر الخبر: هو أنه نفى أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب(1)
وقد تقرر أن موضع القراءة هما الركعتان الأوليان فيجب حمل وجوب القراءة عليهما من غير زيادة.
المذهب الثالث: أن القراءة واجبة في كل ركعة، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت عن رسول الله قالا: أمرنا رسول الله أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة.
الحجة الثانية: ما روى رفاعة بن مالك(2)
أنه قال دخل رجل المسجد، فصلى بقرب الرسول فلما فرغ جاء فسلم على الرسول فقال له الرسول: ((أعد صلاتك فإنك لم تصل " )). فصلى مثل ما صلى من قبل فقال له الرسول : ((أعد صلاتك فإنك لم تصل " )). فقال: يارسول الله علمني كيف أصلي؟ فقال له: ((إذا أقمت الصلاة فكبر " ثم اقرأ فاتحة الكتاب ثم اركع حتى تطمئن)) وذكر الخبر إلى أن قال: ((وهكذا تفعل في كل ركعة))(3).
المذهب الرابع: أن القراءة إنما تجب في معظم الصلاة فإن كانت رباعية قرأ في ثلاث منها وإن كانت ثلاثية قرأ في اثنتين وإن كانت ركعتين قرأ فيهما؛ وهو المحكي عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية من الآي والأخبار بعضها دال على وجوب القراءة في كل ركعة وبعضها دال على وجوبها في ركعة أو ركعتين فأوجبنا القراءة في الأكثر من الصلاة عملاً بمقتضى الأدلة الشرعية فهذا تقرير مذاهب العلماء في هذه المسألة.
__________
(1) المقصود أنه نفى الصلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
(2) هو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، بدري، سبقت الترجمة له في (المجلد الثاني)، وله ترجمات في كتب الطبقات وأعلام الحديث، ومنها: (الثقات3/145) و(تقريب التهذيب1/210) و(تهذيب التهذيب3/243) و (الكاشف) و(الاستيعاب) وغيرها.
(3) أخرجه الستة إلاَّ الموطأ، ولم ينص فيه على الفاتحة، وجاء الحديث في صحيح ابن حبان5/88، ومسند الشافعي1/34، ومسند أحمد4/340.

والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والمؤيد بالله من وجوب القراءة في ركعة واحدة، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وداود من أهل الظاهر.
والحجة لهم: ما قررناه من قبل، ونزيد هاهنا وهو أن الأدلة الشرعية دالة على وجوب القراءة والمعلوم أنه يخرج من عهدتها بفعل القراءة مرة واحدة فيجب الاقتصار[عليها] حتى تدل دلالة على وجوب التكرار.
ومن وجه آخر: قياسي، وهو أن القراءة ذكر هو من شرط الصلاة فوجب أن يكون الفرض منه مرة واحدة كالتكبير والتشهد.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
فأما ما ذكره من أن القراءة واجبة في الركعتين الأوليين محتجاً بأن محل القراءة هو الركعتان الأوليان والأخريان هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا دلالة تدل على ما قاله من وجوب القراءة في الركعتين الأوليين، وإنما الواجب هو في ركعة واحدة.
وأما ثانياً: فلأن القراءة وإن كانت واجبة فإنما تجب في ركعة واحدة لا بعينها؛ لأن الأدلة الدالة على وجوب القراءة لم تخص ركعة دون ركعة فلهذا أوجبناها في ركعة واحدة على جهة البدلية.
وأما ما قاله الشافعي: من أن القراءة واجبة في كل ركعة محتجاً بما روي أنه أمر بالقراءة في كل ركعة فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ذلك إنما كان على جهة الاستحباب دون الوجوب ونحن لا ننكر ذلك، وإنما كلامنا فيما يكون واجباً لا يجوز الإخلال به.
وأما ثانياً:فلأن المقصود بالأمر في كل ركعة على جهة البدل لا على جهة الجمع ونحن لا ننكر ذلك، وإنما الشأن كله في كونها واجبة في كل ركعة على جهة الجمع ولا دلالة تدل على ذلك.
وأما ما قاله مالك: من أن الواجب في أكثر الركعات، ففي الرباعية ثلاث ركعات تجب فيهن القراءة، وفي الثلاثية في ركعتين. فعنه جوابان:
أما أولاً:فلأن ما ذكره تحكم لا مستند له.

وأما ثانياً: فلأنه إذا فعل ذلك عملاً بمقتضى الأدلة الشرعية فنحن نوجبها في ركعة واحدة عملاً بأقل ما قيل في الأدلة الشرعية، والأقل إنما هو إيجاب القراءة في ركعة واحدة، وهو المطلوب.
الفرع الخامس في وجوب الإبتداء في القراءة بـ{بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. وهو يشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: الذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية أن قولنا: {بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أنها مشروعة في الصلاة. وهل هي من كتاب الله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها آية من القرآن؛ وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوها في المصاحف في أول كل سورة إلا في سورة برآءة فلم يثبتوها فيها وهم لا يثبتون إلا ما كان من القرآن مقطوعاً بكونه قرآناً، ويؤيد هذا ويوضحه أن هذه المصاحف نقلت إليها بالنقل المستفيض المتواتر من جهة الصحابة رضي الله عنهم ولم يكونوا يثبتون إلا ما تواتر نقله وقطع بأنه قرآن ولهذا فإن عمر رضي الله عنه قال: لولا أن يقال إن عمر زاد في كتاب الله آية لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله)). وإنما لم تُكتب البسملة في أول سورة برآءة لأمرين:
أما أولاً: فلأنها لما نزلت قال الرسول : ((اثبتوها في آخر سورة الأنفال " )) فأثبتوها اتباعاً لأمره.
وأما ثانياً: فلأنها سورة غضب والبسملة آية رحمة فلهذا لم تكتب في أولها.
المذهب الثاني: أنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل فإنها بعض آية منها وفي سائِر السور إنما ذكرت تبركاً بها ولا تقرأ في الصلاة إلا في قيام رمضان فإنها تقرأ في ابتداء السورة بعد الفاتحة ولا تقرأ في إبتداء الفاتحة؛ وهذا هو رأي الأوزاعي ومحكي عن مالك، ورواية عن أبي حنيفة رحمه الله.

والحجة على هذا: هو أن القرآن عبارة عما كان بين الدفتين وكان منقولاً بالتواتر مقطوعاً به وهذه البسملة قد وقع فيها الخلاف والنزاع، فلو كانت من القرآن لم يقع فيها النزاع كسائر آيات المصحف وسوره.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أنها آية من كتاب اللّه.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو أن القرآن الذي يقطع بكونه قرآناً ويكفر من رده أو رد آية منه هو ما جمع صفات ثلاثاً:
الصفة الأولى: أن يكون منقولاً بالتواتر مقطوعاً بنقله.
والثانية: أن يكون مطابقاً لاصطلاح أهل الأدب من النحو واللغة.
والثالثة: أن يكون مطابقاً لخط المصحف الذي وضعه عثمان باتفاق الصحابة عليه، فما جمع هذه الخلال الثلاث كان قرآناً وكفر من رده، وهذه البسلمة فحالها ما ذكرناه فإنها منقولة بالتواتر ومطابقة للأوضاع اللغوية والمعاني الإعرابية وموافقة لما وضع بخط المصحف، فلا جرم قطعنا بكونها من جملة آي القرآن.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: لو كانت من جملة آي القرآن لما وقع فيها خلاف كما لم يقع في غيرها من السور والآيات.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لم يقع [تردد] في كونها مكتوبة في المصاحف كلها، وأن عثمان كتبها في مصحفه في كل السور إلاَّ في براءة، وأن جبريل: نزل بها وإنها مقروءة في المحاريب على ألسنة الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، وإنما وقع التردد هل تكون آية منفردة أو تكون آية مع أول كل سورة وهذا التردد لا يبطل كونها من القرآن فمثل هذا يقع فيه اللبس.
وأما ثانياً: فلأن خلاف ابن مسعود لا يبطل كون المعوذتين من القرآن، وخلاف أبيٍّ في أن الفاتحة لا تكتب في المصحف لا يبطل كونها من القرآن فتقرر بما ذكرناه أنها آية من كتاب الله.
المسألة الثانية: إذا تقرر أنها من كتاب الله فهل تكون آية منفردة برأسها أو تكون آية مع أول كل سورة؟ فيه مذهبان:

179 / 279
ع
En
A+
A-