والمختار: أنه مكروه غير مفسد للصلاة، وإنما قلنا أنه مكروه فلقوله لما رأى رجلاً يعبث بلحيته فقال: ((أما هذا فلو خشع قلبه لخشعت جوارحه " ))(1).
والمعلوم من حال من يرفع يديه ويرسلهما في كل ركعة أنه ليس خاشعاً؛ لأنه مشتغل بهذه الأفعال فإذا كان العبث باللحية يخرجه عن الخشوع مع أنه يفعله مرة واحدة فلأن يكون من يرفع يديه ويضعهما مراراً في كل الركعات يكون أحق بترك الخشوع. وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من الكراهة، وإنما قلنا: إنه ليس مفسداً للصلاة فلأنه لا يمكن الإقدام على فساد الصلاة وبطلانها إلا بدلالة؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ }[محمد:33]. وهو الذي يشير إليه كلام المؤيد بالله.
ومن وجه آخر: وهو أنهم قد رووا فيه أخباراً وأفعالاً من جهة الصحابة رضي الله عنهم ولو ضعفت في الرواية والنقل فقد أوردوها وتعلقوا بها، فلأجل هذا قضينا بكونه مكروهاً لضعف الرواية ولم نقطع بالفساد لعدم ما يدل عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) هذا من مشاهير الأحاديث، رواه عبد الرزاق في المصنف2/266، والبيهقي 2/285، وهو في شرح سنن ابن ماجة1/95 وغيرها.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجه في تفسير قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }[الكوثر:2]. أنه وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت النحر، وروى جرير الضبي(1) قال: رأيت علياً يمسك شماله بيمينه في صلاته فوق السرة(2).
قلنا:عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأنه لا يظن بأمير المؤمنين مخالفة قوله تعالى:{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون1،2] وليس من الخشوع أن يرفع يديه أربع مرات في الصلاة الرباعية ثم يشد ويمسك ثم يرسل، ولا يخالف قوله : ((مالي أرى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة)). فالمظنون بحاله مع تفقهه في الدين وإحاطته بعلوم الشريعة أنه لا يخالف خبراً واحداً من هذه الأخبار فكيف يخالف مجموعها وظواهر الآي أيضاً.
وأما ثانياً: فلأن المراد بقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر:2]. هو الأمر بالذبح للحيوان الذي ينحر كالأبل فأمر بالصلاة في عيد الأضحى ثم بالنحر بعدها، فأما تفسير الآية بقوله: ((اجعل يديك تحت نحرك " )) فتأويل بعيد لا تدل عليه دلالة لغوية ولا شرعية.
__________
(1) جرير الضبي مولاهم الكوفي، ترجم له ابن حجر في (تهذيب التهذيب2/67) قال: وهو جد فضيل بن غزوان، روى عن أبيه عن علي من فعله في الصلاة، قال: رأيت علياً يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة، وعنه ابنه، وقد ذكره ابن حبان في (الثقات)، وأخرج له الحاكم في (المستدرك)، وعلق البخاري حديثه هذا في الصلاة مطولاً بصيغة الجزم عن علي، ولا يعرف إلاَّ من طريق جرير هذا، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد ولم يسمه.
(2) أخرجه أبو داود في سننه 1/201، وهو في تهذيب التهذيب 2/67.
وأما ثالثاً: فيمكن أن يقال: إن المراد بقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر:2]. أي قابل صدرك نحو القبلة تشبهاً باستقبال ما ينحر إلى القبلة من الحيوان أخذاً من قولهم دور متناحرة(1)
أي متقابلة متواجهة.
ومن وجه آخر: هو أن هذا لو كان مذهباً لأمير المؤمنين كرم الله وجهه لم تجتمع العترة على خلافه، وهم قد أجمعوا على كراهة هذا الفعل وفساده للصلاة(2).
قالوا: روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أمرنا معاشر الأنبياء أن نعجل الإفطار ونؤخر السحور ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة)).
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على وضع الأيمان على الشمائل قبل افتتاح الصلاة وهذا فلا مانع منه.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأدلة الدالة على كراهة ذلك في الصلاة وعند التعارض فلابد من الترجيح وأخبارنا راجحة على ما ذكروه لقوتها وكثرتها ولكونها موافقة للقياس فإن الأصل والقياس هو المنع من حدوث الأفعال في الصلاة وأخبارنا موافقة لهذا القياس فلهذا كانت راحجة.
قالوا: روينا عن الرسول من طريق وائل بن حجر أنه وضع يمينه على شماله فجعلها تحت صدره.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأنه محمول على أنه وضع يمينه على يساره تحت صدره لوجعٍ أصابه ليسكنه من التألم.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه حكاية فعل مجملة لا ندري على أي وجه وقعت، وإذا كانت مجملة لم يحصل لهم منها غرض في الاحتجاج لأجل الإجمال فيحتاج إلى البيان.
__________
(1) يقال: منازل بني فلان تتناحر، أي تتقابل، ا هـ. لسان 5/197.
(2) مما سبق ومن رأي المؤلف في المختار: أن لا إجماع على إفساده للصلاة، فليتأمل، وفي البحر 1/142: يكره ولا تفسد، إذ لا دليل، قلنا: الكثرة. ا هـ.
وأما ثالثاً: فلأن ما ذكروه خبر واحدٍ وخبرُ الواحدِ إذا ورد بخلاف الكتاب والسنة والإجماع وجب رده، أما مخالفته للكتاب فلأن الله تعالى أمر بالخشوع في الصلاة وهذا منافٍ للخشوع والسكون فيها مضاد لهما، وأما مخالفة السنة فلقوله : ((أسكنوا في الصلاة )). وهذه أفعال تضاد السكون، وأما مخالفة الإجماع فلأن الأمة مجمعة على تحريم الأفعال في الصلاة والنهي عنها وهذا عمل كثير فيجب منعه.
ومن وجه آخر: وهو أن القائلين بهذه المقالة أقاويلهم فيها مضطربة ومذاهبهم فيما زعموه مختلفة، فحكي عن الشافعي أنه قال: القصد هو سكون يدي المصلي فإن أرسل يديه ولم يعبث بهما فلا بأس(1).
فكلامه هذا مشعر بأنه غير مسنون ولا مستحب، وعن مالك: أنه مسنون في النافلة دون الفريضة.
وقال الأوزاعي: من شاء فعله ومن شاء تركه، وما كان مسنوناً فليس هذا حاله. وقال الليث: إن اشتغل في الصلاة فعله وإلا لم يفعله، فهذه كلها في غاية الاضطراب لا تثبت على حالة واحدة ولا هي جارية على قياس واحد، وما هذا حاله فلا يكون معدوداً من السنن ولا يقال أنه من المستحبات في الصلاة.
المسألة السادسة: في المرأة هل ترفع يديها في تكبيرة الافتتاح أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة نذكرها:
المذهب الأول: أن رفع يديها عند التكبير غير مشروع في حق النساء ولا يكون مستحباً، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم.
والحجة على هذا هو أنه غير مشروع في حق الرجال فتركه في حق النساء أحق وأولى؛ لأنهن مأمورات في جميع أحوالهن بالتستر والخفارة في جميع أحوال الصلاة ورفع اليد مخالف لما ذكرناه.
المذهب الثاني: أنها ترفع كرفع الرجل، وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية.
__________
(1) جاء في هامش الأصل ما لفظه: قال صاحب (الفصيح) لثعلب: عهدة هذا تفسير على قائله، وأنكره على الشافعي جداً وزينه.
والحجة على هذا: هو أن الرجال والنساء مستوون في أحوال العبادات كلها إلا ما خرج بدلالة، ورفع اليد في حال التكبير لم تدل دلالة على إخراجهن عنه فيجب أن يكون مشروعاً في حقهن.
المذهب الثالث: محكي عن بعض الفقهاء من أصحابنا(1)
وهو أنها ترفع يديها إلى صدرها ولا ترفع كرفع الرجل.
والحجة على هذا: هو أن ركوعها وسجودها وقعودها للتشهد مخالف لما ذكرناه في حق الرجال من الستر والانضمام، فيجب أن يكون حالها في الرفع للتكبير إلى الصدر دون رفع الرجال، فيكون فيما ذكرناه وفاء بالغرضين بالخفارة في حقها وبالمشروع في حق التكبير.
والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله والفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو أن سنن الصلاة كلها مشروعة في حق النساء إلا ما خرج بدلالة، ورفع اليدين من جملة السنن الواردة في التكبير فلهذا كان مشروعاً في حقهن.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: رفع اليدين في التكبير غير مشروع في حق الرجال فيجب أن لا يكون مشروعاً في حق النساء.
قلنا: قد أقمنا البرهان الشرعي على كونه مشروعاً في حق الرجال فيلزم ألا يفترق الحال في ذلك بين الرجال والنساء إلا لدلالة خاصة ولا دلالة هناك على التخصيص.
قالوا: لا ترفع كرفع الرجال ولكن يكون رفعها إلى صدرها.
قلنا: الرفع إلى الصدر لا يكون إلا لعذر في حق الرجال فإذا قامت الدلالة على الرفع في حقهن كان على ما هو في حق الرجال إما إلى المنكب أو إلى فروع الأذن كما قررناه من قبل. وقد تم غرضنا في الرفع في التكبير.
__________
(1) وفي بعض المراجع التعبير عن أصحاب هذا الرأي بكلمة (قيل) دون تحديد، وقوله هنا (من أصحابنا) أي من فقهاء الزيدية.
الفرع الخامس: إذا [كبر] المصلي مع نية الصلاة ثم كبر ثانياً من غير نية لم تبطل الأولى لأن زيادة التكبير في الصلاة لا تفسدها، وإن كبر أولاً من غير نية ثم كبر ثانياً مع النية كانت الأولى لغواً وانعقدت الصلاة بالثانية وإذا كبر أولاً ينوي به إفتتاح صلاة الأداء ثم كبر ثانياً ينوي به افتتاح صلاة القضاء، فهل يكون داخلاً في الثانية وخارجاً عن الأولى أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون خارجاً عن الأولى وداخلاً في الثانية بالنية مع التكبير، وهذا هو رأي المؤيد بالله فإنه قال: لو افتتح صلاة الظهر وكبر لها ثم ذكر أن عليه فائتة العصر فكبر تكبيرة أخرى ونوى بها الدخول في العصر كان خارجاً بهذه التكبيرة من الظهر وداخلاً في العصر.
المذهب الثاني: أنه لا يكون داخلاً في الثانية وخارجاً في الأولى بالتكبير مع نية الخروج بل لابد من إنضمام شيء آخر يكون خارجاً به، ومنشأ الخلاف في المسألة هو أن الشيء الواحد هل يكون خارجاً به عن الأولى وداخلاً في الثانية أم لا؟ فعلى رأي المؤيد بالله يصح ذلك، وعلى رأي أصحاب الشافعي يمتنع ذلك، ثم اختلفوا فيما يزاد على قولين:
فالقول الأول: محكي عن ابن القاص فإنه قال: تبطل الأولى ولا تصح الثانية؛ لأن الشيء الواحد لا يكون صالحاً للدخول في الثانية والخروج من الأولى فلابد من تكبيرة ثالثة حتى تصح صلاته.
القول الثاني: محكي عن الصيدلاني، فإنه قال: إن الأولى لا تبطل بالثانية بل لابد أن ينوي بطلان الأولى حتى تصح الثانية.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأمرين:
أما أولاً: فلقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى)). فإذا انضمت النية مع التكبير كان خارجاً عن الأولى وداخلاً به في الثانية.
وأما ثانياً: فلأنه إذا كان داخلاً في الصلاة بالنية مع تكبيرة الافتتاح جاز أن يكون خارجاً عنها بالنية مع التكبير من غير فرق بينهما. وبتمامه يتم الكلام على ركن التكبير.
القول في القيام: وهو ركن من أركان الصلاة واجب والدلالة على وجوبه قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }[البقرة:238]. والأمر للوجوب والإجماع على أنه لا يجب القيام إلا في الصلاة. وقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ}[النساء:102]. وقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ}. وقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ " }[هود:114]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب القيام في الصلاة والإجماع منعقد على وجوبه في الصلاة، وهو معلوم ضرورة من دين صاحب الشريعة صلوات الله عليه، وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}. وهذا خطاب مجمل وبيانه على لسان الرسول قولاً وفعلاً وقد كان يقوم في الصلاة وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فتقرر وجوبه بما ذكرناه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الحد المجزي من القيام في حق الصحيح هو الإنتصاب مع الاستقلال فلو انحنى لم يعتد به ولو اتكى على شيء لم يجزه أيضاً، فإن عجز عن الإستقلال لعلةٍ انتصب متكئاً، وإن عجز عن الانتصاب قام منحنياً، فإن عجز عن القيام قعد، وإن عجز عن القعود اضطجع وأومأ برأسه، وإن عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بالحاجبين، وإذا قعد فليتجنب الإقعاء، وهو أن يقعد على وركيه وينصب فخذيه وركبتيه وساقيه؛ لقوله : ((لا تقعوا إقعاء الكلب " ))(1)
__________
(1) روي هذا الحديث عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله أن يقعى إقعاء القرد.
…وعن علي أن رسول الله قال له: ((يا علي إني أحب لك ما أحب لنفسي و أكره لك ما أكره لها، لا تُقْعِ بين السجدتين)) أخرجه الترمذي.
…وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يديه، أخرجه أبو داود، انتهى بلفظه من (جواهر الأخبار) 1/270، وهو مروي بألفاظ مختلفة في مجمع الزوائد 1/271 ((لا تقع إقعاء الكلب)) أو قال: ((... الثعلب))، ومثله في مسند أبي يعلى 6/308، وفي سنن ابن ماجة 1/289 ((...إقعاء الكلب)).
.
وهل يكون القعود بالافتراش أو بالتورك؟ قد ذكرنا في صلاة المعذورين فأغنى عن الإعادة.
وعن بعض أصحاب الشافعي: أن القعود يكون بأن يضع ركبته اليسرى على الأرض وينصب اليمنى ويفضي بمقعدته إلى الأرض كما يفعله القارئ بين يدي استاذه للقراءة.
الفرع الثاني: في بيان أقله. اعلم أن أقل المفروض من القيام في الصلاة هو مقدار ما يؤدي فيه فاتحة الكتاب وثلاث آيات كما سنقرره في مفروض القراءة على أثر هذا بمعونة الله تعالى، فإن فرقها على الركعات فهو المعيار في أقله وإن قرأها في الركعة الأولى كما هو المسنون كان أقل القيام في باقي الركعات الانتصاب فلا ينحني، والاستقلال فلا يعتمد على شيء.
الفرع الثالث: هذه الأحوال مرتبة فلا يصلّ قاعداً إلا إذا عجز عن القيام ولا يصلّ مضطجعاً إلا إذا عجز عن القعود كما في حديث عمران بن حصين: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب " )). ولقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " )). فالخبران دالان على أنه لا يجوز العدول إلى الأدنى إلا عند تعذر الإتيان بالأعلى فإن فعل ذلك المصلي لم تجزه الصلاة لاخلاف فيه.
الفرع الرابع: رعاية الترتيب بين القيام وفاتحة الكتاب وتكبيرة الافتتاح هل يكون واجباً أم لا؟ فيه تفصيل. فإن قلنا: إن التكبيرة ليست من الصلاة كما هو رأي المؤيد بالله فلا ترتيب بينهما فيجوز على هذا أن يكبر قاعداً ويمد التكبير حال قيامه حتى يتصل آخر التكبير بالقيام ويجوز أن يقوم ثم يكبر، وإن قلنا: إنها من الصلاة كما يقوله الهادي والناصر، وهو المختار، فالترتيب بينها وبين القيام واجب، وعلى هذا فالواجب الإتيان بالقيام ثم التكبير بعده لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهذا خطاب مجمل وبيانه بفعله والمعلوم من حاله أنه كان لا يكبر إلا بعد القيام.
الفرع الخامس: الموالاة بين القيام وتكبيرة الافتتاح هل يجب أم لا؟ ولا تجب الموالاة على رأي الإمامين، أما على رأي الهادي فلأن التوجه قبل التكبير بعد القيام، وأما على رأي المؤيد بالله فلأنه إذاً قام للصلاة جاز أن يشتغل بتسبيح أو تهليل قبل التكبير فإذاً لا تجب الموالاة، وفائدة الترتيب أن يكون هذا بعد هذا، وفائدة الموالاة ألاَّ يفصل بين الشيئين فاصل.
القول في القراءة: وهي ركن من أركان الصلاة ولا خلاف في وجوبها بين أئمة العترة وفقهاء الأمة، وإنما يحكى الخلاف فيها عن نفاة الأذكار الحسن بن صالح والأصم وإسماعيل بن عُليَّة فإنهم نفوا الوجوب في أذكار الصلاة وزعموا أن الواجب إنما هي الأفعال من القيام والقعود والركوع والسجود، وقد أوضحنا أن خلافهم ساقط وأنهم مخالفون للإجماع السابق لهم واللاحق بعدهم، والدلالة على وجوبها قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " }[المزمل:20]. ولا خلاف أن القراءة لاتجب إلا في الصلاة، وقوله : ((لا صلاة إلاَّ بفات " حة الكتاب وقرآنٍ معها " )) (1).
وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها " )) (2).
وما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: أمرني رسول الله أن أنادي أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد(3)
والإجماع منعقد على وجوب الذكر في الصلاة.
التفريع على هذه القاعدة:
__________
(1) روي هذا الحديث عن عبادة بن الصامت بلفظ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) أخرجه الستة إلا الموطأ، وزاد أبو داود: ((...وقرآن معها)) وفي مجمع الزوائد 2/115: ((...وآيتين معها))، وكذا في المعجم الأوسط للطبراني 2/372، وفي سنن البيهقي 2/380: ((...ومعها غيرها)) وكذا في مسند أحمد 1/130.
(2) الحديث بهذا اللفظ حكاه في (الشفاء) عن النبي وهو في (الفردوس بمأثور الخطاب) 4/155.
(3) رواه ابن حبان في صحيحه 5/94، والبيهقي في السنن 2/37.
الفرع الأول: القراءة مشروعة في الصلاة لا خلاف فيه وإنما الخلاف في وجوبها، فنفاة الأذكار نفوا جميع أذكار الصلاة كلها القراءة وغيرها عن الوجوب وقد مضى الكلام في إبطال هذه الخارجة عن الإجماع. والذي نذكره هاهنا هو وجوب القراءة على الخصوص فهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية وهو محكي عن علماء الأمصار لا يختلفون فيه.
والحجة على هذا قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]. وقوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}[الإسراء:110]. وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها )). إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على وجوب القراءة.
المذهب الثاني: أن القراءة في الصلاة غير واجبة، وهذا شيء يحكى عن ابن عباس رضي الله عنه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً }[النساء:103]. ولم يفصل بين أن يكون فيها ذكر أو لا يكون فيها، وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}. ولم يفصل بين أن تكون فيها قراءة أو لا، وقوله : ((صلوا الصلاة لوقتها)) (1).
فذكر الوقت لما كان شرطاً ولم يذكر القراءة، وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وعلماء الأمة من وجوب القراءة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي }[طه:14]. والمعنى لأن تذكرني فيها، وفي هذا دلالة على وجوب الذكر فيها ولم يفصل بين القراءة وغيرها من سائر أذكار الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
__________
(1) رواه مسلم 1/317،449، وابن خزيمة 3/9، والبيهقي 2/295، و هو في مصنف ابن أبي شيبة8/154،385، وفي مصنف عبد الرزاق 1/192.