الحكم الرابع: في رفع اليدين عند التكبير ووضعهما وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في حكمه، وهل يستحب رفع اليدين عند التكبير أم لا؟ وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنه يستحب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة بالتكبير في كل صلاة فريضة كانت أو نافلة وفي صلاة الجنازة، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي، وإحدى الروايتين عن القاسم ومحكي عن المؤيد بالله وأبي حنيفة والثوري وأبي ليلى ولا يستحب في غير ذلك من ركوع ولا الرفع منه.
والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول أنه كان يرفع يديه عند افتتاح الصلاة بالتكبير ولا يعود إلى رفعهما بعد ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يستحب رفع اليدين في شيء من الصلوات، وهذا هو رأي الهادي، وإحدى الروايتين عن القاسم، وعن مالك روايتان أيضاً.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة))(1).
المذهب الثالث: أنه يستحب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة في كل صلاة فريضة كانت أو نافلة إلا صلاة الجنازة، وهذا هو المحكي عن الناصر.
والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، فأما صلاة الجنازة فلا يستحب فيها رفع اليدين لأن المقصود منها الدعاء للميت وليس فيها ركوع ولا سجود ولا قعود ولا تشهد فلهذا لم يسن فيها رفع اليدين؛ لأنها تكبيرات متوالية فأشبهت تكبيرات العيد.
__________
(1) عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله والناس رافعوا أيديهم، قال: ((مالي أرى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس...))الحديث، أخرجه مسلم في صحيحه 1/322، وابن حبان 5/197، وأبو داود 1/262، وهو في مصنف ابن أبي شيبة 6/86، ومسند أحمد وغيرها.
المذهب الرابع: أنه يستحب رفع اليدين عند الافتتاح للصلاة وعند الركوع والرفع منه ولا يستحب في غير ذلك وهذا هو المحكي عن الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق والليث ورواه ابن وهب(1)
عن مالك.
والحجة على هذا ما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال رأيت الرسول إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع رفع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع ولا يرفع بين السجدتين.
والمختار: ما قاله الإمامان زيد بن علي والمؤيد بالله ومن تابعهما على هذه المقالة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يرفع يديه قبل النطق بتكبيرة الافتتاح ثم يرسلهما ويقول: ((اللّه أكبر)). وزعم الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني أن أحداً من الزيدية لا يقول برفع يديه في شيء من الصلوات وهذا خطأ في هذا الإطلاق فإنا قد حكينا على أئمة الزيدية زيد بن علي والناصر والمؤيد بالله ما حكيناه عنهم من استحباب رفع اليدين عند الافتتاح ولم يحك منع الإستحباب في الرفع إلا عن الهادي من أئمة أهل البيت، فهذا الإطلاق خطأ لا ينبغي من مثله لما عهد من حاله من التحرز في نقل المذاهب ونخل المقالات وانتقاد الأخبار والسبب في ذلك عدم الإحاطة بمذاهبهم وعلى الجملة فهي هفوة لو صدرت من غيره لفوقت إليها سهام التقريع.
__________
(1) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري، أبو محمد، فقيه من الأئمة، من أصحاب الإمام مالك، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، له كتب منها: (الجامع) -ط- في الحديث مجلدان، و(الموطأ) في الحديث كتابان، وكان حافظاً ثقة، مجتهداً، عرض عليه القضاء فخبأ نفسه ولزم منزله، ووفاته بمصر145سنة -197هـ (الأعلام)4/144،(تهذيب)6/71هـ (الوفيات) 1/249.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالف ما اخترناه، أما مقالة الهادي من كونه غير مستحب في شيء من الصلوات محتجاً بقوله : ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس)). فظاهره الإنكار على من رفع يديه في الصلاة فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على من يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع.
وأما ثانياً: فلأنهم كانوا إذا سلموا في الصلاة على اليمين واليسار أشاروا بالمسبحة عن اليمن واليسار فنهاهم الرسول عن ذلك وقال: ((اسكنوا في الصلاة )). أراد عن الإشارة بالأصبع، وأما ما قاله الناصر من أن الرفع إنما يكون في جميع الصلوات الفرض والنفل إلا في صلاة الجنازة فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه صلاة واجبة فيجب أن يسن فها الرفع كالصلاة المفروضة على الأعيان.
وأما ثانياً: فلأنها وإن لم يكن فيها ركوع وسجود وتشهد وقعود فقد فرض فيها القيام، ورفع اليدين إنما يستحب في حال القيام فلهذا كان مستحباً فيها كسائر الصلوات، وأما ما قاله الشافعي من كونه يسن في الركوع وفي القيام من الركوع فعنه جوابان:
أما أولاً: فلما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه رفع يديه عند التكبير للصلاة في افتتاحها ثم أنه لم يعد إلى رفع اليدين بعد ذلك.
وأما ثانياً: فلأن ما رويناه من الأخبار أكثر وأشهر ورواياتها ظاهرة بين أهل الحديث فلهذا كانت أحق بالقبول، ويؤيد ما ذكرناه أن القياس يقتضي ألا ترفع الأيدي في شيء من الصلوات لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ " }[النساء:77].(1)
__________
(1) ولا يبدو الاستدلال بها وارد هنا كون المقصود بها كما في الكشاف للزمخشري: أي كفوها عن القتال، وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة) يؤيد هذا أن بقية الآية الكريمة: {فلما كتب عليهم القتال...} إلخ، 1/543، والله أعلم.
ولقوله : ((أسكنوا في الصلاة )). لكنا قضينا باستحباب رفع اليد عند تكبيرة الافتتاح دون ما سواها جمعاً بين الآي والأخبار فما ورد من الأخبار في الرفع فهو محمول على تكبيرة الافتتاح وما ورد من المنع عن ذلك فهو محمول على ما عداه توفقة بين الأدلة الشرعية.
المسألة الثانية: في بيان مقدار الرفع وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنه يرفع إلى حذاء أذنيه، وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روى وائل بن حجر(1)
__________
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى2/24، والحديث مروي من طريق آخر عن علي وعن عائشة أن رسول الله كان يرفع يديه عند افتتاح الصلاة بالتكبير ولا يعود إلى رفعهما بعد ذلك.
…وائل بن حجر بن سنان الحضرمي، جاء في (التأريخ الكبير8/175): له صحبة، سكن الكوفة، ثم روى بسنده عنه: بلغني ظهور النبي فتركت ملكاً عظيماً وطاعة عظيمة، فهبطت إلى النبي...إلى أن قال: ثم لقيته فقرب مجلسي وأدناني... إلى آخر ما قاله من أن النبي صعد المنبر وأصعدني معه، ثم خطب وقال: ((هذا وائل بن حجر أتاكم من بلاد بعيدة من حضرموت، راغباً في الله وفي رسوله وفي دينه...إلخ، انتهى بتصرف، وفي (مشاهير علماء الأمصار1/44) نحواً من هذا، وأن رسول الله أقطعه أرضاً، وبعث معه معاوية بن أبي سفيان يسلمها له، وكتب له كتاباً ولأهل بيته بماله... إلى آخره.
…قال في (الثقات3/484): مات وائل بن حجر في إمارة معاوية بن أبي سفيان، وذلك يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة 44هـ، ودفن في الحضارمة، وكنيته أبو هنيدة، وكان قد قصد معاوية لما تولى، فتلقاه معاوية وأقعده على سريره.
…قال في (الثقات3/424): مات وائل بن حجر في إمارة معاوية بن أبي سفيان، وذلك يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة، سنة (44)، ودفن في الحضارمة، وكنيته أبو هنيدة، وكان قد قصد معاوية لما تولَّى، فتلقاه معاوية وأقعده على سريره.
قال: رأيت النبي افتتح الصلاة ورفع يديه إلى حذاء أذنيه حتى بلغ بهما فروع أذنيه.
المذهب الثاني: أنه يرفع يديه حتى تجاري كفاه منكبيه، وهذا هو قول الشافعي ومحكي عن مالك، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: ما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه افتتح الصلاة وكبر ورفع يديه حذاء منكبيه(1).
المذهب الثالث: أنه يستحب رفع اليدين إلى الهامة وهذا شيء حكاه الشيخ أبو جعفر من المحصلين لمذهب الناصر عن قوم لم أعرف أسماءهم، ولعل الحجة لهم [ما] حكاه الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مداً، وفي حديث آخر عن أبي هريرة عن الرسول [أنه] كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً.
المذهب الرابع: استحباب رفع الدين إلى الصدر وهذا مذهب قوم لما روى وائل بن حجر في خبر فرجعت إليهم يعني الصحابة فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم.
والمختار: تفصيل نشير إليه يكون جامعاً لهذه الأحاديث التي رويناها، وتقريره هو أنه إذا كان رافعاً ليديه حتى يحاذي بهما أذنيه كان مطابقاً لما رواه وائل بن حجر وعلى هذا تكون كفاه محاذيتين لمنكبيه فيكون مطابقاً لما رواه ابن عمر. والرواية الثانية: عن وائل بن حجر أنه رجع إليهم وهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم فإنما كان رجوعه إليهم في الشتاء وكانت عليهم برانس(2)
__________
(1) أخرجه أبو داود، وقال: هذا الحديث ليس بصحيح.
(2) جمع برنس، قال في اللسان: كل ثوب رأسه منه ملتزق به...إلخ، والبرنس: قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وقد تبرنس الرجل إذا لبسه، وهو من البرس بكسر الباء: القطن، والنون زائدة، وقيل إنه غير عربي. اهـ (لسان) 6/26.
والثياب من الصوف الثقال فلم يمكنهم رفع أيديهم إلى حذاء الآذان ولا إلى حد المناكب لثقل ما عليهم من الثياب فلهذا رفعوها إلى صدورهم، فظهر بما حققناه اتفاق هذه الأحاديث على مقصود واحد وهذه طريقة سديدة لما فيها من الجمع بين الأحاديث واتفاقها على الصحة والكمال، ويزيد ما ذكرناه وضوحاً وبياناً أن الشافعي رضي الله عنه لما دخل العراق جاءه أبو ثور والكرابيسي وكانا شيخي العراق والعالمين فيه فأرادا أن يستعلما ما عنده من الفضل فقالا له: تكلم. فقال: تكلما. فقالا له: ما تقول في رجلين اصطدما ومع كل واحد منهما بيضة فانكسرت البيضتان؟ فقال الشافعي هذا سهل على كل واحد منهما نصف قيمة بيضة صاحبه، ولكن ما تقولان في رفع اليدين عند الافتتاح؟ فقالا: نرفع اليدين إلى المنكبين؛ لما روى ابن عمر أن النبي رفع يديه حذو منكبيه. فقال: ما تقولان فيما روى وائل بن حجر أن الرسول رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه؟فقالا: نرفع اليدين إلى الأذنين، فقال: فما تقولان فيما روى وائل بن حجر في خبر فرجعت إليهم يعني الصحابة رضي الله عنهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم؟ فقالا: لا نعلم شيئاً. فقال الشافعي لهما: أما رواية وائل بن حجر فأراد به رفع أطراف الأصابع إلى أذنيه. وأما رواية ابن عمر فأراد به رفع الكفين إلى المنكبين، وأما الرواية الأخرى عن وائل بن حجر فلأنه كان في زمن الشتاء وكان يلبسون الثياب الغليظة من الصوف البرانس والجباب وكان يثقل عليهم رفعها إلى الأذان والمناكب فلا جرم رفعوها إلى صدورهم. فأعجبهما ما رأيا من فضله وجمعه بين هذه الأحاديث المروية واستحسنا ما ذكره.
فأما ما روي عن قوم أنهم يرفعون أيديهم إلى الهامة، فقد أورد الترمذي في صحيحه هذه المقالة، وذكر أن الراوي لها أبو هريرة، ولا مشروح لهم فيها، فإن القصد أنه لم يكن ينشر أصابعه وإما يمدها، أو يكون المراد أنه كان يمد يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا كان الأمر كما قلناه بطل ما حملوا عليه من أنه كان يرفعهما إلى الهامة.
الانتصار: قد ذكرنا أن هذه الأحاديث دالة على مقصود واحد وأنه لا اختلاف فيها كما أوضحناه فلا حاجة بنا إلى تأويلها لأجل اتفاقها ورددنا مقالة من زعم أنه كان يمد يديه فوق الهامة.
المسألة الثالثة: في بيان وقت الرفع وله حالتان نذكرهما:
الحالة الأولى: أن يرفع يديه حذو منكبيه غير مكبر ويرسلهما غير مكبر ويكون تكبيره ويداه حذو منكبيه قارتان، وهذه رواية ابن عمر.
الحالة الثانية: أن يرفع يديه غير مكبر ثم يرسلهما مكبراً فيكون انتهاء التكبير مع انتهاء اليدين إلى مقرهما، وهذه رواية وائل بن حجر، وهذا هو المختار؛ لأن رفع اليدين هو هيئة للتكبير فلهذا يرفع عند [أن] يكبر، فإذا كبر كان الفراغ من التكبير بانتهاء اليدين إلى مقرهما ثم إن التحقق أن هذا ليس اختلافاً بين العلماء؛ لأنه يمكن العمل على صحة الروايات كلها فنقبل الكل ونجوزها على نسق واحد كما أشرنا إليه من قبل.
وحكي عن الشيخين إبي إسحاق المروزي وأبي علي الطبري من أصحاب الشافعي أنه يبتدئ بالرفع مع ابتداء التكبير ويفرغ بفراغه منه وهذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن من سنة التكبير أن يأتي به مبيناً مرتلاً ولا يمكنه أن يأتي به على هذه الصفة في حال رفع اليدين؛ لأن رفعهما يحصل في وقت يسير لا يتمكن فيه من بيان التكبير وترتيله.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكراه مخالف لما رواه ابن عمر ووائل بن حجر فإن روايتهما متفقة على أن يرفع يديه غير مكبر فلا وجه لما قالاه.
المسألة الرابعة: والمستحب أن يرفع يديه في كل فريضة ونافلة، ولا فرق بين الإمام والمأموم، ولا فرق بين أن يصلي قائماً أو قاعداً في استحباب الرفع، فإن ترك رفع اليدين حيث أمر به كره له ذلك ولا إعادة عليه ولا يلزمه سجود السهو، وينشر أصابعه عند التكبير لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان إذا كبّر للصلاة نشر أصابع يديه(1)
فإن نسي الرفع حتى فرغ من التكبير لم يسن له الإتيان به؛ لأن محله قد فات وإن ذكره في أثناء التكبير أتى به؛ لأن محله باقٍ فيستحب له الإتيان به وإن كان بيديه علة لا يمكنه رفعهما إلى المنكبين فإنه يرفعهما إلى حيث أمكنه لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما ستطعتم)). وإن كانتا قائمتين لا يمكنه رفعهما إلى المنكبين إلا بأن يعلوا على المنكبين رفعهما إلى أعلى المنكبين وإن كان يتعذر عليه الرفع إلى المنكبين ويمكنه الرفع إلى ما دونهما وإلى ما فوقهما فإنه يرفع يديه إلى ما فوقهما أولى، لأنه أتى بزيادة هو مغلوب عليها، وهو أتى بالمسنون وزاد زيادة هو معذور فيها، وإن كانت إحد ىيديه صحيحة والأخرى عليلة فإنه يرفع الصحيحة إلى المنكب ويرفع العليلة إلى حيث يمكنه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
المسألة الخامسة: وإذا فرغ من التكبير وحط يديه فهل يستحب وضع اليد على اليد في الصلاة أو يكره؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكره، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية.
__________
(1) هذه إحدى روايات الترمذي في سننه 2/5، ورواه البيهقي في سننه 2/27، والسيوطي في الجامع الصغير 1/195.
والحجة على ما قلناه: من الكراهة قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون:1،2]. ولا شك أن رفع اليد على اليد ينافي الخشوع، وقوله : ((اسكنوا في الصلاة )). ومن وضع اليد على اليد فليس ساكناً في الصلاة، فظاهر هذه الأدلة المنع من ذلك، وأدنى المنع هو الكراهة الشرعية(1)،
وإذا حكمنا عليه بالكراهة لما ذكرناه، فإذا فعل فهل تبطل الصلاة أو لا؟ فظاهر كلام الهادي والقاسم فساد الصلاة بفعله، وهو اختيار السيد أبي طالب، وحكي عن المؤيد بالله أنه يكره ولا تبطل الصلاة بفعله، وحكي عن الناصر أنه إذا رفع يديه ثم أرسلهما، ثم وضعهما بطلت صلاته في المرة الثالثة؛ لأنه يكون فعلاً كثيراً، وحكي عن الباقر أنه قال: إن فعله فلا يعود إليه، ولم يذكر حديث الصلاة هل تبطل أو لا تبطل؟
والحجة على بطلان الصلاة بفعله قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}[النساء:77]. ومن رفع يديه ثم وضعهما في كل ركعة فلم يكفهما فصار [ما يفعل] منهياً عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه لأن القربة معتبرة فيها والنهي يضاد القربة.
الحجة الثانية: هو أن وضع اليد على اليد مرة بعد مرة في كل ركعة عمل كثير، وما كان من الأفعال الكثيرة فإنه يكون مبطلاً للصلاة كالأكل والشرب.
__________
(1) لا يبدو الاستدلال هنا في محله من حيث أن وضع اليد على اليد حتى عند عدم القول به ينافي الخشوع، ولعل القائلين بهذا أرادوا أن المصلي يظهر مشغولاً بقبض اليدين عن الإرسال والاسترسال في فعل غير متسق مع هيئة المصلي، والله أعلم.
المذهب الثاني: أنه مستحب فإذا أرسل يديه بعد التكبير وضع إحداهما على الأخرى تحت صدره وفوق سرته ويأخذ الكوع من يده اليسرى بيمناه ويبسط أصابع اليمنى في عرض المفصل أو في طول ساعده، واليمنى مكرمة بكونها عالية، وهذا هو رأي الفقهاء الحنفية والشافعية، ثم اختلفوا بعد ذلك فقال الشافعي في (الأم): القصد هو سكون يدي المصلي فإن أرسل يديه ولم يعبث بهما فلا بأس(1)،
وحكي ذلك عن ابن الزبير وقال الليث إن اشتغل في الصلاة فعلَه وإلا فلا يفعله.
وقال الأوزاعي: من شاء فعله ومن شاء تركه. وقال أبو إسحاق المروزي: يضع إحدى يديه على الأخرى تحت السرة. وعن أبي حنيفة وإسحاق بن راهويه مثله.
والحجة على هذا: ما رووه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }[الكوثر:2]. قال وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت النحر(2)،
ومثل هذا لا يقوله عن توقيف من جهة الرسول .
الحجة الثانية: روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أمرنا معاشر الأنبياء أن نعجل الفطور ونؤخر السحور ونأخذ بأيماننا على شمائلنا في الصلاة)) (3).
وروى وائل بن حجر أنه رأى رسول الله فعل ذلك.
__________
(1) المفهوم من رأي الشافعي رحمه الله واضح، وهو أن الغرض من الضم أن لا يعبث المصلي بيديه، فإذا ضمن عدم العبث فلا بأس بإرسالهما، وبالتالي فإن الإرسال ليس مخالفة لسنة أو إخلالاً بهيئة، والله أعلم.
(2) رواه البيهقي2/29، والدار قطني1/285، وابن أبي شيبة 1/343.
(3) قال في (جواهر الأخبار) قال في (التلخيص): ورواه ابن حبان، والطبراني في (الأوسط) من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحرث، أنه سمع عطاء يحدث عن ابن عباس، سمعت رسول الله.....الحديث. ا هـ 1/242، ورواه البيهقي في السنن الكبرى 4/238، والدارقطني في سننه1/284.