المذهب الأول: أن انعقادها إنما يكون بمجموع الأمرين، التكبير مع النية، وهذا هو رأي أئمة العترة وعلماء الأمة لا يختلفون فيه. أما النية فقد تقدم الدليل على وجوبها، وأما التكبيرة فالدليل على وجوبها قوله : ((مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)).
والحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). وفعله بيان لما أجمل من خطابه، والمعلوم من حاله أنه كان لا يفتتح الصلاة إلا بالتكبير، وفي هذا دلالة على أنها لا تنعقد إلا به مع النية.
المذهب الثاني: أن انعقاد الصلاة إنما يكون بالنية لا غير، وهذا شيء يحكى عن الزهري.
والحجة على ذلك: قوله : ((الأعمال بالنيات )). وقوله: ((لا عمل إلا بنية)). وظاهر هذين الخبرين دال على أن النية كافية في كل عمل وهذا هو المراد.
والمختار: ما عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من أن انعقاد الصلاة إنما يكون بمجموع الأمرين التكبير مع النية.
وحجتهم: ما ذكرناه،ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى في تعليم الاستفتاح للصلاة: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } إلى قوله: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإسراء:111].
ووجه الدلالة: هو أنه تعالى أمر بالتكبير عقيب التوجه والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة تدل على خلافه ولأن التكبير أمر يتوصل به إلى صحة الصلاة فيجب القضاء بوجوبه كالطهارة وستر العورة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى)). فظاهره دال على أن النية كافية في الأعمال للصلاة من غير حاجة إلى التكبير.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإن هذا إنما يدل على وجوب النية ونحن نقول بموجبه فإن النية أصل في العبادات كلها وليس في الخبرين دلالة على أنه لا يشترط إلا النية لا غير، فأوجبنا النية لدلالة وأوجبنا التكبير لدلالة أخرى شرعية.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكره من الإستدلال يُبطل عليه بالقراءة فإنه يقول بوجوب الأذكار كلها والزهري ممن لا يقول بإبطال أذكار الصلاة، فكان يلزم أن لا تجب القراءة وتكون النية كافية، وأيضاً فإن قوله هذا مخالف لما قد وقع من الإجماع السابق قبله واللاحق بعده على بطلان مقالته هذه فلا يعتد بها فبطل ما قاله الزهري. ونحن لا ننكر روايته لحديث رسول الله وتفقهه في الحديث لكن إن صح ما روي عنه أنه كان ممن حرس خشبة زيد بن علي فما هذا حاله يحط من مرتبته ويوقع التهمة في روايته ويسقط فضله؛ لأن ما هذا حاله من الأفعال الركيكة والهمم النازلة لا ينسب إلى من له أدنى مسكة في الدين وتعلق بفضل الرواية لحديث رسول الله .
الفرع الثالث: هل يكون التكبير من الصلاة أو يكون خارجاً عنها؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه معدود من جملة فروض الصلاة وركن من أركانها وهذا هو رأي الإمامين الهادي والناصر والسيد أبي طالب ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا:حديث الأسلمي(1)
لما فعل في الصلاة ما ليس منها[فقال الرسول ] (( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). فظاهر الخبر دال على أن التكبير فيها كالقراءة.
الحجة الثانية: من جهة القياس، وهي أن التكبير ذكر من أذكار الصلاة متصل بها فوجب أن يكون منها كالقراءة.
المذهب الثاني: أن التكبير ليس من الصلاة وإنما يدخل به فيها، وهذا هو رأي الإمام المؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة والكرخي من أصحابه، وما حكيناه عن أبي حنيفة فقد رواه الثقاة من أصحاب الشافعي عنه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}[الأعلى:15]. فظاهره دال على أنه جعله مصلياً عقيب الذكر والذكر الذي يكون عقيبه الصلاة هو تكبيرة الافتتاح فلو كان التكبير منها لكان مصلياً معها.
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 2/35، وابن حبان 2/24، ومسلم وأبو داود والنسائي.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه ذكر يتقدم أذكار الصلاة فوجب أن لا يكون منها كالخطبة والأذان والإقامة.
والمختار: ما قاله الهادي والناصر.
والحجة:ما ذكرناه عنهما، ونزيد هاهنا وهو أن التكبير ركن من أركان الصلاة فوجب أن يكون منها كالقراءة والقيام.
ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة عبادة فيجب أن يكون الشروع فيها بجزء من أجزائها كالصوم.
ومن وجه آخر: وهو أنها عبادة ذات تحليل وتحريم فوجب أن يكون التحريم جزءاً من أجزائها كالإحرام في الحج.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الآية في قوله: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}[الأعلى:15]. دالة على أنه يكون مصلياً بعد الذكر وهو التكبير وفيه دلالة على ما قلناه من أن التكبير ليس من الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه الآية إنما ذكرها عقيب قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}[الأعلى:14،15]. والمعنى أنه قد أفلح من زكى بالدين والإسلام والإقرار بالتوحيد وذكر اسم ربه بالشهادة لله بالوحدانية ثم عقبه بالصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام فهذا هو المراد دون ما قالوه.
وأما ثانياً: فلأنا نحمله على الأذكار المتقدمة قبل الصلاة من الخطبة والأذان والإقامة فإن كلها أذكار متقدمة على الصلاة.
قالوا: ليس يخلو الحال إما أن يدخل في الصلاة بابتداء التكبير أو بالفراغ منها ولا يصح أن يكون بابتدائه؛ لأن الإجماع منعقد على أنه لا يكون داخلاً في الصلاة إلا بمجموعها وكمالها وإن دخل في الصلاة بالفراغ منها فابتداء التكبير يكون واقعاً خارج الصلاة فلا يصير ما بعده من الصلاة.
قلنا: إنه لا يمتنع ألا تنعقد صلاته بأول جزء من التكبير؛ لأنه لا يكون له حكم على انفراده، ثم إذا انضاف إليه غيره من أجزائها يصير له حكم وتنعقد صلاته بكماله كما أن المصلي لا يخرج بأول جزء من التسليم من الصلاة، فإذا كمل التسليم كان خارجاً به ولهذا نظائر كثيرة في الطلاق والعتاق والأنكحة وسائر العقود مما يكون مفتقراً إلى العقود فإنه لا يتم ولا يثمر الحكم إلا إذا كمل بأجزائه، وهذا عام في الحقائق المفردة والمركبة فإنه يحصل في المركبات ما لا يحصل في المفردات من الأحكام العقلية والشرعية.
قالوا: لو كان التكبير من الصلاة لوجب أن يتحمل عنه الإمام إذا أدركه في حال الركوع.
قلنا: إن الإمام إنما يتحمل عن المأموم سائر أجزاء الركعة بعد شروعه فيها وهو لا يدخل فيها إلا بتكبيرة الافتتاح فلا يتحمل عنه شيئاً ما لم يدخل فيها، وفائدة الخلاف بين الإمامين هو أن المصلي لو وقعت عليه نجاسة أو وضع رجله على نحاسة ثم طرحها أو طرحت عنه أو رفع رجله عن النجاسة في تلك الحالة فعلى قول المؤيد بالله تصح صلاته؛ لأنها ليست من الصلاة، وعلى قول الهادي والناصر تفسد الصلاة، وهكذا الحال لو عمل عملاً في تلك الحالة ليس من الصلاة فالحكم فيه يكون على ما ذكرناه من الخلاف، وهكذا لو انكشفت عورته في تلك الحالة كان جارياً على ما ذكرناه من الخلاف بينهما.
الفرع الرابع: في بيان صفة التكبير. وفيه أحكام:
الحكم الأول: في بيان الصيغة التي تنعقد بها الصلاة، وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الصلاة إنما تنعقد بقولنا: الله أكبر. فهذا هو رأي الهادي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي يوسف.
والحجة على هذا: قوله : ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )). فظاهر هذا الخبر دال على أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذه اللفظة دون ما سواها كما أن لفظة التسليم تختص دون ما سواها.
الحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). وقد بين قوله بفعله والمعلوم من حاله [أنه] طول عمره لا يفتتح الصلاة إلا بقوله: الله أكبر. دون غيرها من سائر الألفاظ الدالة على التعظيم والتمجيد.
المذهب الثاني: أن الصلاة تنعقد بكل اسم لله تعالى دال على التعظيم والتمجيد، كقولنا: الله أكبر والله الكبير والله العظيم والله الجليل. وتنعقد بقولنا: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله إلى غير ذلك من الألفاظ الدالة على تمجيد الله وتعظيمه بأسمائه الحسنى وتقديسه بأوصاف العظمة والكبريا،فأما الألفاظ الدالة على الدعاء نحو قولك: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني، فلا تنعقد الصلاة بها وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي، ومحكي عن أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن التكبير معناه التعظيم بدليل قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}[يوسف:31]. أي عظمنه فكل واحدً من اللفظين قائم مقام صاحبه، وإذا كان الأمر كما قلناه فإذا انعقدت الصلاة بقوله: الله أكبر انعقدت الصلاة بقولنا: الله الأجل والله الأعظم، والجامع بينهما أن كل واحد منهما دال على التمجيد والتعظيم.
الحجة الثانية: هي أن التكبير جعل شرطاً في صحة الصلاة والإعتبار إنما هو بمعناه دون لفظه وإذا كان الأمر كما قلناه فكلما شاركه في معناه جاز افتتاح الصلاة به وهذا هو مطلوبنا فهذه حجج الفريقين كما ترى.
المذهب الثالث: أنه إنما ينعقد بما فيه أفعل التفضيل فقط نحو الله أعظم وأجل وأعزّ وهذا هو رأي أحمد بن يحيى وأبي العباس.
المذهب الرابع: أنه ينعقد بالتهليل دون التسبيح، وهذا هو رأي السيد أبي طالب فعنده أنها تنعقد بما فيه أفعل التفضيل وبالتهليل دون التسبيح.
والمختار: تفصيل نشير إليه، وحاصله أن المصلي إذا أتى بالأسم معرفة والخبر نكرة فقال: الله أكبر على صورة أفعل التفضيل فإن الصلاة تنعقد به بلا خلاف فيه، فإن قال: الله الأكبر انعقدت الصلاة أيضاً؛ لأنه زاد فيه زيادة لا تخل بالمعنى، فإن قال: الله العظيم الخالق أكبر، أجزاه ذلك؛ لأن زيادة هذه الأوصاف لا تخل بالمعنى فلهذا كان جائزاً، وإن قال: الله أكبر وأجل وأعظم أجزاه ذلك لأنه زاد زيادة لا تخل بالمعنى وإن قال: الله أكبر كبيراً أجزاه؛ لأن هذه الزيادة غير مخلة بالمعنى وإن قال: الله أكبر من كل شيء وأعظم، ونوى به التكبير دخل به في الصلاة بقوله: الله أكبر، وكان ما زاد على جهة النافلة غير مغير للمعنى، وإن قال: الله الكبير والكبير الله لم تجزه ولم تنعقد به الصلاة لأنه لا يعد تكبيراً على الصفة المشروعة، وإن قال: أكبر الله أو الأكبر الله فهل يكون مجزياً أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه غير مجز لأنه غير ترتيبه فلم يكن مجزياً للصلاة كما لو غير ترتيب الفاتحة، ومن جهة أن للنظم حظاً في تقرير المعنى والمبالغة فيه فلا يجوز إسقاطه خاصة في العبادات وإنما اخترنا ما قررناه لما فيه من ملاحظة المعاني وما يحصل فيه من التغيير بالزيادة غير مخل بالمعاني، فلهذا كان مغتفراً وليس فيه خروج عن مراسم الشرع في اعتبار صيغة التكبير ولفظه كما ذهب إليه من خالف وعول على اعتبار المعاني.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: التكبير معناه التعظيم بدليل قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ }[يوسف:31]. أي عظمنه.
قلنا: لا ننكر ما قلتموه من المعاني اللغوية وإنما الشرع قد غيره فيجب الإحتكام لمعاني الشرع ومراسمه خاصة في العبادات فإن مبناها على التحكمات الجامدة التي لا تعقل معانيها، وقد أشار إليه صلى الله عليه وآله بقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي )).
قالوا: التكبير جعل شرطاً في الصلاة والإعتبار إنما هو بمعناه دون لفظه فكلما شاركه في معناه جاز افتتاح الصلاة به.
قلنا: لا نسلم أن الإعتبار بالمعاني وحدها في هذه العبادة بل نقول لا يمتنع أن يكون الشرع قد قصد اجتماع اللفظ والمعنى مع أن المعاني منسدة في العبادات فلا تجري الأقيسة فيها، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأولى والأحق هو الجمود على تقريرات الشرع وأوضاعه في اعتبار صيغة التكبير من غير تغيير لصيغته ولفظه، ثم أقول قولاً كلياً: إن لله سراً ومصلحة استأثر بعلمها في افتتاح الصلاة بالتكبير، وإن كل من قال إن غيره قائم مقامه في تحصيل هذه المصلحة فقد أهمل رعاية النظر في تحكمات الشرع وتعداته ورام الإطلاع على أسرار غيبية استأثر الله بالإطلاع عليها والإحاطة بعلمها وسد على الخلق الإطلاع على فجها والاقتحام على سددها(1)
ويتأيد ما ذكرناه بوجهين:
أحدهما: هب أنا سلمنا أن قولنا: سبحان الله ولا إله إلا الله يشارك قولنا: الله أكبر في التعظيم والتمجيد فما برهانكم على أن افتتاح الصلاة يشترط فيه التعظيم والتمجيد فهذا أمر غيبي لا يعلمه إلا اللّه.
وثانيهما: أن كل من قال لعبده إن كبَّرت فأنت حر فقال العبد: لا إله إلا الله وسبحان اللّه. فإنه لا يعتق وهكذا لو قال لامرأته: إن كبَّرت فأنت طالق فقالت هذا القول(2)
فإنها لا تطلق، وفي هذا دلالة على أن هذه الألفاظ الدالة على التمجيد والتعظيم لا تقوم مقام التكبير في إفتتاح الصلاة والدخول فيها وانعقادها وما ذاك إلا لما حققناه من السر والمصلحة التي لا يطلع عليها إلا اللّه.
__________
(1) يقصد بالفج: الطريق الواسع بين جبلين، والسدد جمع سدة، وهي باب الدار أو فناؤه، ا هـ لسان العرب 2/338 و3/208.
(2) أي: لا إله إلا الله وسبحان الله.
الحكم الثاني: وإن كبر بالفارسية نظرت فإن كان لا يحسن العربية أجزاه لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأْتوا به ما استطعتم )). وإن كان يحسن العربية وكبر بالفارسية فهل يجزيه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجزيه لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) والمعلوم من حاله أنه ما افتتح الصلاة إلا بالتكبير بالعربية دون الفارسية، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومحمد وأبي يوسف.
والحجة: ما رويناه من الخبر فإنه دال على عدم الإجزاء بالفارسية.
المذهب الثاني: أنه يجزيه مع القدرة بالعربية وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن التعويل إنما هو على المعاني دون الألفاظ ولا شك أن من كبر بالفارسية فقد أتى بمقصود المعاني وإنما خالف في العبارة لا غير.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من أنه لا يجزي مع القدرة على التكبير بالعربية؛ لأن الرسول عربي اللسان، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: التعويل إنما هو على المعاني دون الألفاظ ولا شك أن المعاني متفقة بالعربية والفارسية.
قلنا: المقصود من هذه العبادة هو اتفاق اللفظ والمعنى فيجب الإتيان باللفظ المعتبر في الشرع ويجب على القاريء أن يتعلم كلمة التكبير؛ لأنها من فروض الصلاة الواجبة على الأعيان فإن اتسع الوقت للتعلم فلم يفعل وكبر بالفارسية لم يجزه؛ لأنه ترك الفرض مع القدرة عليه وإن لم يتسع الوقت للتعلم وكبر بالفارسية أجزاه لضيق الوقت، فإن لم يمكنه التعلم إلا بأن يقصد بلدة لإحكام كلمة التكبير وجب أن يقصدها ولا يلزمه ذلك لقصد الماء لأجل الوضوء، والتفرقة بينهما هو أن التعلم يبقى وحاله والوضوء معرض للإنتقاض فافترقا، وإن كان المصلي عربياً وكان في لسانه اضطراب والتواء يمنعه عن أن يفصح بالتكبير أو كان مقطوع اللسان فإنه يجب عليه أن ينوي التكبير وأن يحرك لسانه وشفتيه بقدر ما يمكنه، وكذلك في جميع الأذكار الواجبة لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأْتوا به ما استطعتم)).
الحكم الثالث: وينبغي مراعاة خصال في التكبير:
الأولى منها: الجهر بالتكبير في حق الإمام والمأموم؛ لأن الرسول كان يجهر به في صلاته والمسلمون بعده وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وأقل الجهر في حق الإمام [أن] يسمع المسلمين تكبيره ليقع الإقتداء به، وأقل الجهر في حق المأموم أن يسمع من بجنبه لأنه يقتدي به، ولا حاجة إلى الزيادة في الجهر على ما ذكرناه؛ لأنه يكون أعتداء وخروجاً عن الحد المشروع في الصلاة برفع الصوت والإعتداء من غير حاجة إليه.
الثانية: يجب بيانه وجزمه، أما بيانه فيكون بفتح الهمزتين في الإسم والصفة ولا يجوز كسر همزة الجلالة ولا ضمها ولا يجوز إسقاط همزة أكبر بالتخفيف والقاء حركتها على ما قبلها بل يجب إيضاحها وقطعها ويجب رفع الجلالة وخلافه لحن بالفتح والكسر، والوقف على الراء في أكبر من غير إعراب فيها، وأما جزمه فلقوله : ((التكبير جزم " )). وأراد بالجزم القطع فلا يغيره بالزيادة عليه والنقصان منه، إما الزيادة بالتمطيط(1)
وزيادة المد فيه كأن يمد همزة الجلالة ولا يجزيه؛ لأنه يصير استفهاماً ونحو أن يمد الصوت في ألف إلاه حتى يخرجه عن الحد فإنما هو لين لا غير فإذا تجاوز الحد بطل ونحو أن يزيد ألفاً في نحو أكبر فيقول: أكبار لأن الأكبار جمع كبر وهو الطبل(2)
وما هذا حاله يفسد التكبير، وأما النقصان فنحو أن يقصر الصوت عن بيان ألف إلاه أو ينقص بعض حروف الإسم والصفة فالنقصان مفسد لها لا محالة.
الثالثة: محله القيام فإن كبر قائماً وبقي من التكبير حرف فأتى به وهو منحنٍ للركوع لم يكن داخلاً في الصلاة المفروضة فإن كان في نافلة جاز لأنها قد علم من دأب الشرع الخفة والتساهل فيها.
الرابعة: ويجب التفخيم في اسم الله تعالى فلا يجوز ترقيقه فإن رققه فقد نقص من حروفه حرفاً فيجب الحكم بفسادها وقد جرت عادة الرسول والمسلمين بالتفخيم وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وإذا كبر المصلي وقف على الراء بالسكون ولا يقف عليها بالحركة فإن حرك كان لاحناً، ولا ينبغي أن يصل التكبير بالقراءة لقوله : ((التكبير جزم)) ولم يفصل في الجزم بين ترك التمطيط فيه وبين الوقف في آخره فكله جزم، وإن أبدل من هاء الجلالة واواً كان لاحناً ولا تبطل به الصلاة؛ لأنها زيادة لا تغير المعنى كما لو قال الله هو أكبر.
__________
(1) مط الشيء يمطه مطاً: مده، اهـ لسان 7/403.
(2) في اللسان: الطبل ذو الوجه الواحد. اهـ 5/130.