أولها: أن يبسط النية على التكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره.
وثانيها: أن تقترن النية بالهمزة. وهل يشترط استدامتها إلى آخر التكبير أم لا؟ فيه وجهان.
وثالثها: أن يكون المصلي مخيراً بين البسط للنية على التكبير وبين تقديم النية.
والحجة على هذا: هو أن النية من حقها أن تكون مطابقة لمنويها ولا تعقل المطابقة إلا إذا كانت على وفق منويها من غير تقدم لأوله ولا تأخر عن آخره.
المذهب الثالث: وجوب تقديم النية على المنوي، وهذا هو المحكي عن داود.
والحجة على هذا: هو أن النية إذا كانت متقدمة على منويها كان محرزاً لأن لا يمضي شيء من التكبير من غير نية. فهذا تقرير المذاهب.
والمختار: تفصيل نشرحه ونشير إليه، وحاصله: أن النية حضرة في القلب يحصل فعلها على القرب تؤثر في كون المنوي قربة وعبادة وظهراً وأداءً. وهذا أمر يحصل على القرب والسهولة، ولقد عرفنا من حال صاحب الشريعة صلوات الله عليه، ودأب الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم، التساهل في أمرها حذراً عن المشقة وميلاً عن استدعاء الشكوك وبعداً عن الوسوسة، وكان من عادتهم أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة. أمرهم بتسوية الصفوف ثم أقبل إلى محرابه وكبر على الخفة وكبر المسلمون خلفه على أسرع ما يكون وأقرب، وفي هذا دلالة على التساهل في حال أمر النية وبناء الأمر على الخفة فيها، سواء كانت مخالطة للتكبير أو متقدمة عليه، فالأمر فيها مبني على التيسير والسهولة. وإلى ما ذكرناه يشير كلام أئمة العترة إذا تصفحت كلامهم في مصنفاتهم وجدتها مبنية على الإنشراح من غير اشتراط مشقة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالف ما ذكرناه.
فنقول: اشترط الشافعي أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده وتكون مخالطة للتكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره أو تكون النية مقترنة بالهمزة ويشترط إدامتها إلى آخر التكبير أو يكون المصلي مخيراً بين البسط وبين التقديم على ما أثر من اختلاف أقواله في وقت النية.
قلنا: النية من أعمال القلب وفعلها يحصل على القرب والسهولة وتأثيرها فيما ذكرناه في كون الصلاة عبادة وقربة وظهراً وأداءً. وهذا أمر يسهل تحصيله بالتقدم والمخالطة من غير حاجة إلى اشتراط ما ذكره من انطباق أولها على أول التكبير وآخرها على آخره وأنها لا تكون قبل التكبير ولا بعده، فما هذا حاله فيه صعوبة وعسرة وربما أورث الوسوسة وحصول الشك وتغير الحالة وكان شاغلاً للقلب عن الإقبال والخشوع، ولقد رأينا من أغرق في ملاحظة الإنطباق وأن النية لا تتقدم ولا تتأخر حتى خرج إلى البدعة في تكرير التكبيرات الكثيرة والخروج إلى اللحن بمدها وتطويلها حتى أخرجها عن قانونها الشرعي الذي أشار إليه صاحب الشريعة صلوات الله عليه بقوله: ((التكبير جزم والتسليم جزم " )). وأراد: أنه يكون قطعاً وحتماً من غير مدٍ فيه ولا تطويل.
وما قاله داود أيضاً من اشتراط التقدم للنية على التكبير لا وجه له ومقصوده المحاذرة عن أن يمضي جزء من التكبير من غير مصادفة النية فلا تكون الصلاة مجزية.
قلنا: الأمر كما يحصل بالتقدم بأوقات يسيرة فهو حاصل بالمخالطة فلا وجه لإيجاب التقدم فالإجزاء حاصل بهما جميعاً فيبطل اشتراط التقدم كما زعم. فتنخل من مجموع ما ذكرناه: أن وقت النية التكبير، وأن الإجزاء يحصل بتقدمها ومخالطتها على أيسر حال وأسهله من غير تعمق ولا تعسير كما لخصناه.
الفرع الخامس: في بيان كيفية النية، ويشتمل على أحكام [عشرة] نفصلها:
الحكم الأول: اعلم أن النية تتعلق بالفرض والنفل. فأما الفرض فالنية المجزية في إسقاطه عن الذمة: أن ينوي المصلي بالصلاة ظهراً أو عصراً فيخرج بنية الظهر عن العصر وعن النفل، ولا يحتاج في كونه مجزياً إلى نية الفرضية ولا إلى نية الإضافة إلى الله تعالى ولا إلى نية عدد الركعات. وأما النفل فرواتب الصلاة لا بد فيها من التعيين نحو سنة الظهر وسنة المغرب، وأما غير الرواتب فلا بد من الإضافة إلى أسبابها نحو صلاة الكسوف وصلاة الإستسقاء وصلاة الرغائب وصلاة شعبان، فإذا كانت مبتدأة لا سبب لها فإنه يكفي فيها نية الصلاة مطلقاً.
قال الإمام المؤيد بالله: النية ضربان:
نية تسقط بها العبادة عن الذمة وهي التي لا يحفظ الخلاف في أن القدر الكافي منها أن ينوي الصلاة ظهراً أو عصراً.
ونية يحرز بها الفضل وزيادة الأجر نحو أن ينوي بالصلاة مصلحة في الدين وقربة إلى الله تعالى واعترافاً بعظمته وجلاله.
ثم اختلف أصحاب الشافعي فيما يجب اشتراطه في النية وما لا يشترط على مذاهب خمسة:
أولها: أنه لابد من اشتراط نية الأداء في كون الصلاة مجزية، وهذا هو رأي الشيخ أبي حامد الغزالي. وهو غير لازم لأمرين:
أما أولاً: فلأن ما هذا حاله فلا تأثير للنية فيه فإنه إذا أدَّى الفريضة في وقتها نوى أو لم ينو.
وأما ثانياً: فلأن قرينة التأدية في الوقت كافية في الأداء فلا يحتاج إلى شرطه.
وثانيها: نية الفريضة، وهذا هو رأي المروزي. وهذا أيضاً غير لازم لأن نية كونها ظهراً كافية في الفرضية لأن الظهر لا يكون إلا فرضاً فلهذا لم يكن مفتقراً إلى نية الفرضية.
وثالثها: نية عدد الركعات، وما هذا حاله فهو غير لازم فإنه إذا أدَّى الظهر أربع ركعات فإنه يكون أربعاً، نوى أو لم ينو، وإن صلاها ثلاثاً ونواها أربعاً لم تكن أربعاً، وفي هذا دلالة على أنه لا تأثير للنية في عدد الركعات.
ورابعها: نية استقبال القبلة. فمنهم من اشترطه، وهو غير لازم أيضاً فإن ما هذا حاله لا تأثير للنية فيه.
وخامسها: إضافة العبادة إلى الله تعالى، فمنهم من اشترطها [وهو] غير لازم أيضاً فإن الإيمان بالله كافٍ في هذا الشرط فإن المصلي إذا كان مؤمناً فصلاته لله وعبادته له فلا وجه لاشتراطه.
وذكر الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني في كتابه (البيان): أن الإرادة ليست من قبيل الكلام وإنما هي من قبيل الاعتقاد، وهذا خطأ فإنا قد أوضحنا فيما سبق أن النية من قبيل الإرادات وأنها مخالفة في حقيقتها للاعتقاد والظن والعلم. وإنما أُتِيَ في هذه المقالة من جهة أنه لم يأنس بشيء من المباحث الكلامية فلهذا لم يميز بين الاعتقاد والإرادة.
الحكم الثاني: والمصلي إذا أراد أن يصلي الفائتة فهل تلزمه نية القضاء أم لا؟
فحكي عن بعض أصحاب الشافعي: أن نية القضاء غير لازمة، والذي اختاره السيدان الأخوان: أنه لابد من نية القضاء، وهو الأصح من قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة منقسمة إلى قضاء وأداء لكن الأداء غير مفتقر إلى النية لما قدمنا من أن قرينة الوقت كافية عن نية الأداء بخلاف القضاء فإنه صفة زائدة لا تتقرر ولا تنفصل عن الإحتمال إلا بالنية. قال الإمام المؤيد بالله: والأصح أن ينوي في القضاء من أول ما عليه أو من آخر ما عليه أيهما شاء فعل. وهذا جيد لأن وقت الأداء قد سقط بالفوات فصارت في الذمة على جهة الإستواء كمن إدَّان دراهم على ذمته شيئاً بعد شيء ثم قضاها فإن شاء قضى من أول ما عليه أو من آخر ما عليه.
الحكم الثالث: ولو فاته الظهر والعصر جميعاً فدخل في الصلاة ينويهما جميعاً لم يجزه لأن التعيين واجب في العبادة، وتشريكه بين الصلاتين يمنع وقوعها لأحدهما. ولو دخل بنية أحدهما ثم شك ولم يدر أيهما نوى لم تجزه هذه المفعولة عن أحدهما حتى يتيقن أيهما نوى، وإن قيد النية بمشيئة الله. بأن يقول: أصلي هذه الصلاة إن شاء الله نظرت؛ فإن قصد به الاستثناء بطلت الصلاة لأنه أدخل في النية ما ينافيها ويرفعها فلهذا كانت باطلة؛ وإن أراد إيقاعها بمشيئة الله أجزأه ذلك؛ لأن أفعال الطاعات كلها مرادة لله تعالى واقعة بمشيئته. وإن نوى الفرض والنفل جميعاً لم تنعقد صلاته، وحكي عن أبي حنيفة: أنه ينعقد الفرض ويبطل النفل.
والحجة على ما قلناه: هو أنه نوى صلاتين مختلفتين فلا تصح كما لو نوى الظهر والعصر جميعاً.
الحكم الرابع: وإن نوى ظهر وقته نظرت، فإن لم يكن عليه ظهر فائت أجزأه لأن الوقت هو وقت الأداء، وإن كان عليه ظهر فائت فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزيه إلا أن يكون صلى في آخر الوقت بحيث لم يبق من الوقت إلى غروب [الشمس] إلا ما يتسع للعصر فحينئذ تجزيه وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب.
والحجة على هذا: هو أن هذا الوقت كما هو صالح للأداء فهو صالح للقضاء فلا ينصرف إلى أحدهما دون الآخر فلهذا لم تكن مجزية مع الإحتمال إلا أن يكون لم يبق من الوقت إلا ما يتسع للعصر فعند هذا قد تعين الوقت للظهر فلهذا كانت مجزية فأما قبل ذلك فالإحتمال قائم.
وثانيهما: أنه يجزيه وإن كان في أول الوقت وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أن الوقت هو وقت الأداء ولا ينصرف إلى القضاء إلا بالنية فإذا أطلق انصرف إلى المؤداة بكل حال.
هذا هو المختار من جهة أن الوقت هو وقت للظهر بدليل الشرع وليس وقتاً للمقضيَّة إلا بالنية لأنه صالح لهما فلا ينصرف إلى المقضية إلا بالنية.
الحكم الخامس: قال المؤيد بالله: ومن كان عليه ظهر فائت، وهو في وقت الظهر نظرت فإن نوى ظهر يومه صح ذلك وانصرف إلى المؤداة؛ لأنها ظهر اليوم، وإن نوى ظهر وقته فعلى رأي المؤيد بالله يصح ذلك وتنصرف إلى المؤداة، وعلى رأي السيد أبي طالب يجزيه ذلك، كما مر بيانه من قبل، فلا وجه لتكريره، وإن نوى الظهر مطلقاً فذكر المؤيد بالله أنه لا يصح؛ لأنه كما يصح عن المؤداة فهو صحيح على المقضية، ومع الإحتمال تبطل إلا أن يخص بالنية أحدهما دون الآخر، وهذا فيه نظر فإنه إذا كان لا ينصرف إلى القضاء إذا قيدنا بالوقت مع أن الوقت صالح للمؤداة والمقضية كما أشار إليه الرسول بقوله: ((فوقتها حين يذكرها " )). فهكذا نية الظهر مطلقاً لا تنصرف إلى المقضية؛ لأن قرينة الوقت [أقرب] فلهذا انصرف إلى المؤداة مع الإطلاق.
الحكم السادس: قال المؤيد بالله: إذا اشتبه عليه بقاء الوقت وخروجه نوى عصر يومه أو فجر يومه، وهذا محمول على أن المصلي غلب على ظنه بقاء الوقت فلهذا أجزأه نية فرض اليوم، فأما إذا غلب على ظنه خروج الوقت لم يكفه نية عصر اليوم وفجر اليوم بل لابد من نية القضاء لما أوضحناه من وجوب نية القضاء في كل ما فات وقته، وقال أيضاً: ومن صلى خلف إمام أدركه في صلاته ولم يعلم أنه يصلي الجمعة أو الظهر فنوى أنه يصلي ما يصلي الإمام صحت صلاته؛ لأنها تختص بوجه واحدٍ وهذا محمول على جمعة ليس لها شعار ولا ظهور ولا علو شنار، فإن أمر الجمعة لا يخفى فإنها متميزة عن سائر الأيام بما يظهر فيها من الأحكام الشرعية، فإذا كانت هذه الصورة ممكنة أو مقدرة صح ما قاله الإمام.
فأما قوله: أنها تختص بوجه واحد فإنه يحتمل أوجهاً ثلاثة:
أولها: أن المصلحة هي الجمعة عند تكامل شروطها فإن لم تكن كاملة فالمصلحة هي الظهر فأحدهما ساد مساد(1)
الآخر في المصلحة على جهة البدلية.
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: ساد مسدَّ. والله أعلم.
وثانيها: أن يقال: الأصل في يوم الجمعة هو الظهر أو الجمعة على اختلافٍ بين العلماء، فمنهم من قال الأصل هو الظهر والجمعة طارئة، ومنهم من قال الأصل في يوم الجمعة هو الجمعة إلا أن يختل شرط من شروطها كانت ظهراً.
وثالثها: أن يقال الخطاب في يوم الجمعة هل يكون متعلقاً بالجمعة أو الظهر؟ فهذه الأوجه كلها دالة على اختصاصها بوجه واحد، ويزيد ما ذكره المؤيد بالله في أصل المسألة وضوحاً ما روي أن الرسول لما حج حجة الوداع وكان علي غائباً في اليمن فلما وصل قال له الرسول: ((بأي شيء أهللت " ))؟ فقال: أهللت بما أهل به رسول اللّه. فقال: ((إني سقت الهدي " ))(1)
فأشركه في هديه.
الحكم السابع: قال المؤيد بالله: ومن صلى فرض وقته ثم اعترضه الشك فأراد أن يعيدها احتياطاً فإنه ينوي آخر ما عليه من تلك الصلاة فإن لم تصح صلاته المفعولة أولاً فالثانية تكون لوقته وإلا فهي آخر ما عليه من فائتة وهذا جيد أيضاً، فإن قوله: آخر ما عليه إذا كانت الصلاة المفعولة أولاً صحيحة تكون واقعة عن القضاء وإن لم ينو كونها قضاء، ولهذا فإنه لو صلى بعد صلاة الأداء ونوى فيها آخر ما عليه فإنها تكون واقعة عن القضاء؛ لأنه لا معنى لكونها آخر ما عليه إلا القضاء. وهذه المسألة مبنية على دخول الشرط في النية هل تكون صحيحة أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية، صحة دخول الشرط في النية.
والحجة على هذا هو أن النية إرادة ومن حقها أن تكون مؤثرة في وجوه الأفعال وفي وقوعها على وجه دون وجه ومن جملة الوجوه كونها مشروطة، فلهذا جاز دخول الشرط في متعلقها ويحكى عن السيد أحمد بن عيسى وأبي عبدالله الداعي، وهو رأي أبي حنيفة ومالك أنه لا يجوز دخول الشرط في النية؛ لأن النية جزم والشرط يورث الشك.
والمختار: ما قاله أئمة العترة، وهو رأي الشافعي.
__________
(1) سيأتي في موضعه في الحج.
والحجة على ذلك: هو أن النية تابعة للعلم والاعتقاد والظن فلا تفعل إلا تبعاً لهذه الأمور فإذا جاز دخول الشرط في المتبوع جاز دخولها في التابع أحق وأولى.
الحكم الثامن: قال المؤيد بالله: ومن كان عليه قضاء صلاة المغرب واحدة أو أكثر فصلى ثلاث ركعات ينوي بها قضاء ما عليه جاز وإن لم ينو المغرب لأن ثلاث ركعات فريضة لا يكون غيرها، وفي سائر الصلوات لا يصح ذلك ما لم ينو ما عليه من الفريضة بعينها وهكذا الكلام في صلاة الفجر فإنه لو صلى ركعتين ينوي بهما قضاء ما عليه جاز وإن لم ينو الفجر؛ لأن ركعتين فريضة لا تكون إلا إياها. قال أيضاً: ولو كان شاكاً هل عليه فائتة فقضاها بنية مشروطة ثم ذكر أنها كانت فائتة عليه صح القضاء ولا إعادة عليه مع التحقق وهذا مبني على صحة النية المشروطة وقد قررناه.
وقوله بعد ذلك: ويقصد في ذلك أنه يقضي الصلاة التي شك فواتها زيادة إيضاح وبيان؛ لأن المقصود أنه أدَّى القضاء بنية مشروطة وتحققه بعد ذلك لا يطرق خللاً فيما شرطه في نيته.
الحكم التاسع: ويستحب إذا كان إماما أن ينوي الإمامة فإن لم ينو لم يحصل له فضيلة الإمامة لأن الأعمال بالنيات، وتجوز نية الإمامة بعد التكبير وقبله لأن المقصود هو إحراز فضيلة الإمامة وهذا حاصل قبل التكبير وبعده، وإن كان مأموماً فعليه أن ينوي الإقتداء لإحراز فضيلة الجماعة. وهل يجب على الإمام أن يكون إماماً لغيره، أو يجب على المأموم أن يكون مقتدياً بغيره أم لا؟ فيه تفصيل نذكره في صلاة الجماعة ونذكر المختار بمعونة الله تعالى.
الحكم العاشر: قال السيد أبو طالب وإن نوى المصلي القضاء في الصلاة المؤداة لم تكن مجزية وإن نوى الأداء في الصلاة المقضية لم تكن مجزية أيضاً كما لو صلى الظهر بنية العصر وصلى العصر بنية الظهر، والوجه في هذا هو أن الإشتراك موجب للفساد في العبادة بل يجب أن تكون كل صلاة واجبة كانت أو نفلاً قضاءً كانت أو أداء مخصوصة بنية على حيالها وانفرادها حتى تكون مطابقة للوجه الذي شرعت من أجله، وليكون الإخلاص متحققاً في العبادة، وقد تم غرضنا من الكلام في النية.
---
القول في التكبير
وهو المشروع في الصلاة لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). ولقوله : ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). ولا خلاف في كون التكبير مشروعاً في الصلاة بيننا وبين نفاة الأذكار فإنهم لا يخالفون في كونه مشروعاً وإنما خلافهم في أنه غير واجب في الصلاة كما سبق تقرير الكلام عليهم.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا تقرر كونه مشروعاً فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التكبير واجب وأنه فرض مفروض وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن فقهاء الأمة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ }[المدثر:3]. وهذا أمر والأمر للوجوب.
الحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). والمعلوم أنه كان يكبر في أول الصلاة ولا يفتتح الصلاة إلا بالتكبير.
المذهب الثاني: أن التكبير غير واجب في الصلاة، وهكذا سائر الأذكار، وهذا هو رأي نفاة الأذكار في الصلاة وهو معزو إلى الأصم وإسماعيل بن عُلَيَّة وهؤلاء محجوجون بالإجماع كما أسلفنا الكلام عليهم في النية.
والمختار: هو ما اعتمده علماء العترة وفقهاء الأمة من القول بوجوب التكبير.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}[الإسراء:111]. ولا خلاف أنه لايجب التكبير إلا في الصلاة. وقوله للأعرابي:((توضَّ كما أمرك الله تعالى)). ثم قال له: ((ثم استقبل القبلة وكبر)).
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه في بطلان الذكر في الصلاة وقد مر احتجاجهم وإبطاله فلا حاجة إلى تكرير الكلام على من بلغ في العناد هذا المبلغ في إنكاره على السلف الصالح من أكابر أهل البيت وعلماء الأمة.
الفرع الثاني: إذا تقرر وجوب التكبير بما ذكرناه من الأدلة الشرعية فهل يكون انعقاد الصلاة بالتكبير مع النية أو يكون انعقادها بالنية؟ فيه مذهبان: