الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قوله: إن التعوذ لم يشرع إلا في القرآن بدليل الآية.
قلنا: عن هذا جوبان:
أما أولاً: فلا نسلم أنه لم يشرع إلا في القراءة فإنه قد ورد عن الرسول أنه كان يتعوذ في الاستفتاح للصلاة.
وأما ثانياً: فهب أنه لم يرد التعوذ إلا في حال القراءة فالاستفتاح هو نوع من القراءة فإنه آية من كتاب الله تعالى وهو قوله: {وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ }[الأنعام:79]..إلى آخره، فلهذا قضينا بكونه مشروعاً.
الحكم الثاني: في صفته. وفيه اختيارات أربعة:
الاختيار الأول: أن يقول فيه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98].وما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه كان يقول في تعوذه: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )).
الاختيار الثاني: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وهذا هو رأي الإمام الناصر، ومحكي عن الحسن بن صالح.
والحجة على هذا هو أن ما ذكرناه جمع بين الآيتين الواردتين في التعوذ وهو قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[فصلت:36]. وقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]. فما ذكرنا هو جمع بينهما.
الاختيار الثالث: محكي عن الإمام الهادي وهو قوله:أعوذ بالله السميع العليم.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]. فخص هذه العوذة بقوله:{السميع العليم}. ولم يذكر فيها الشيطان الرجيم.
الاختيار الرابع: محكي عن سفيان الثوري وهو قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم. فهذه الاختيارات كلها واردة في صفة التعوذ.
والمختار من هذه العوذ: ما عول عليه الناصر وإنما اخترناه لأن فيه الجمع بين ما ورد في الكتاب وما ورد في السنة فلهذا كان مختاراً وغير تعويل على أحدهما دون الآخر ولا شك أن الجمع بينهما أقوى وآكد وكلها مرشدة إلى المطلوب لكن هذا راجح على غيره.
الحكم الثالث: في بيان وقته. وفيه مذاهب:
أولها: أن وقت التعوذ قبل الاستفتاح وهذا هو رأي الهادي والقاسم في رواية أبي العباس.
والحجة على هذا قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]. أراد فإذا أردت القراءة. كقوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ }[المائدة:6]. والمعنى إذا أردتم.
وثانيها: أن وقته بعد الاستفتاح وقبل التكبير، وهذا هو رأي الناصر.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ}. والفاء دلالة التعقيب، والتوجه من القرآن، فلهذا كان التوجه بعده لظاهر الآية.
وثالثها: أن وقته بعد الاستفتاح وبعد التكبير، وهذا هو رأي الإمامين القاسم في النيروسي والمؤيد بالله وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يكبر للصلاة ثم يستفتح ثم يتعوذ.
ورابعها: أنه يتعوذ بعد القراءة وهذا شيء يحكى عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي.
وخامسها:أنه يتعوذ قبل القراءة وهذا محكي عن سفيان الثوري.
وسادسها: أنه لا يتعوذ [إلا في] قيام رمضان وهذا هو رأي مالك، يفعله بعد القراءة.
والمختار من هذه المذاهب: هو أن التعوذ يكون بعد الاستفتاح لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ }. والفاء للتعقيب والترتيب فظاهر الآية دال على أن التعوذ عقيب الاستفتاح من غير فصل وأنه مرتب عليه لا يفعل قبله.
الحكم الرابع: الجهر والمخافتة فيه، وحكي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يجهر به وحكي عن ابن عمر أنه كان يسر به. وعلى هذا أيهما فعل كان مجزياً في السنة، والذي يأتي على كلام الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة، وعلى هذا إذا كانت الصلاة سراً كان التعوذ سراً وإن كانت الصلاة مجهورة كان التعوذ جهراً.
وأما الشافعي فله قولان: قال في (الإملاء): أنه مخير بين الجهر والإسرار. وقال في (الأم): أن السنة أن يجهر بالتعوذ، وهذا هو الصحيح من مذهبه لما روي أن الرسول كان يتعوذ قبل القراءة فلولا أنه يجهر به لما سمع منه، وحكي عن أبي علي الطبري من أصحاب الشافعي أن السنة أن يسر بالتعوذ لأن السنة هو الجهر بالتأمين والقراءة دون غيرهما من الأذكار.
الحكم الخامس: في بيان محله، يستحب عند أئمة العترة أن يكون محله في الركعة الأولى، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه ذكر مشروع قبل القراءة وقبل الاستفتاح فلم يكن مسنوناً في غير الركعة الأولى كدعاء الافتتاح، وهل يستحب فيما سواها من الركعات أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه يستحب الإتيان [به]في كل الركعات لقوله تعالى: {{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]. ولم يفصل بين ركعة وركعة لأن في كل ركعة واحدة قرآناً.
وثانيهما: أنه لا يستحب لما ذكرناه أولاً، وإذا قلنا بأنه يستحب في الركعة[الأولى] لا غير فإذا تركه ناسياً أو جاهلاً أو عامداً لم يكن عليه الإعادة ولا يلزمه سجود السهو. وقد تمت المقدمات بما ذكرناه والحمد لله.
---
الفصل الثاني في بيان المقاصد للصلاة
ونعني بالمقاصد: فروضها وأركانها، وجملتها فروض عشرة: النية والتكبيرة والقراءة والقيام والركوع والإعتدال منه مع الطمأنينة فيهما والسجود والقعدة بين السجدتين مع الطمأنية والتشهد الأخير والقعود فيه والصلاة على الرسول والتسليمتان. ونحن نذكر كل واحد من هذه الفروض ونذكر ما يختص كل واحد منها بمعونة الله.
القول في النية: والإجماع منعقد على وجوبها في الصلاة إلا عن شذوذ نذكرهم في الفرع الثالث، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " }[البينة:5]. والإخلاص هو نية العبادة خالصة لله تعالى. وقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرءٍ ما نوى " )). وفي حديث آخر: ((لا قول إلا بعمل " ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة)).
واعلم أنه قد أشار في هذا الحديث إلى قواعد الإيمان وهي ثلاثة:
القاعدة الأولى: إحراز الاعتقادات الدينية بتحصيل المعارف الإلهية وهذا نحو العلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه، ونحو العلم بصدق الرسول فيما جاء به من أمور الديانة.
القاعدة الثانية: الإقرار بالشهادتين وبصحة ما جاء به الرسول من أمور الدين وأحكام الآخرة فإن هذه الإقرارات أصل في كمال الإيمان؛ لأن في الإقرار بها إحراز الرقبة عن القتل وإحراز الأموال عن الأخذ والسحت.
القاعدة الثالثة: العمل بتأدية هذه الأفعال التي ورد بها الشرع ودل على وجوبها العقل من العبادات وغيرها فمتى حصلت هذه القواعد فقد كمل الإيمان، فأشار إلى أن القول غير نافع إلا بانضمام العمل إليه وأن القول والعمل غير نافعين إلا بانضمام النية إليهما وأن الأقوال والأفعال والنيات غير مجزية إلا بإصابة السنة. والغرض بإصابة السنة: هو اعتقاد(1)
__________
(1) لعل الصواب هو: أداؤها كما جاءت به السنة، والله أعلم.
أن كل ما جاء به الرسول فهو حق وصدق. وهذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في حقيقة النية وجنسها.
أما حقيقتها فهي: الإرادة المقارنة التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه.
فقولنا: هي الإرادة، عام في سائر الإرادات.
وقولنا: المقارنة، نحترز عما تقدم من الفعل من الإرادات فإنه يكون عزماً ولا يكون نينة، والعزم مخالف للنية.
وقولنا: التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه، لأن هذا هو حكم النية وثمرتها والذي يؤتى بها لأجله ولهذا فإن السجدة الواحدة يمكن إيقاعها للصنم ويمكن إيقاعها لله تعالى ولا تميزها لأحدهما إلا النية، وهكذا حال الصلاة وجميع العبادات فإنه لا يمكن إيقاعها على جهة القربة والإخلاص لله تعالى إلا النية، ولهذا أشار إلى ما قلناه بقوله:((لا قول ولا عمل إلا بنية)) فنفى على جهة العموم أنه لا ثمرة للقول والعمل إلا بواسطة النية، وإعمالها في الأقوال والأعمال وأنها هي العمدة في إيقاع الأفعال على الوجوه المختلفة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تأثير مطلق الإرادة في وجوه الأفعال من كونها حسنة وقبيحة وكون الكلام أمراً ونهياً وخبراً. وأن النية مختصة من بين سائر الإرادات بالتأثير في كون الأفعال عبادة وقربة وخالصة لوجه الله تعالى.
وأما جنسها: فهي نوع مخصوص مخالف للعلم والظن والاعتقاد؛ لأن الاعتقاد ربط القلب على معتقده سواء كان معتقده مطابقاً أو غير مطابق فلا بد من الجزم بالاعتقاد.
وأما الظن فهو تغليب بالقلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز.
فقولنا: ظاهري التجويز: نحترز به عن اعتقاد التقليد فإن المقلد وإن كان يعتقد خلاف ما هو عليه لكنه ليس ظاهراً لأجل التصميم على ما هو عليه وإنما هو أمر خفي، يخلاف محتملي الظن فإنهما ظاهران، والظن ترجيح أحدهما على الآخر مع ظهورهما.
وأما العلم فهو اعتقاد مع سكون النفس واطمئنان القلب على معتقده، فحاصله أنه جزم مع سكون لا يتطرق إليه تجويز ولا احتمال بحال.
وأما الإرادة فهي مخالفة لهذه الأجناس الثلاثة في حقيقتها وفي تأثيرها كما أشرنا إليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ولو صلى الظهر وهو عالم بأنه ظهر فإنه لا يجوز أن يقال إن ذلك نية لأن العلم من جنس الاعتقاد. وهذا الكلام نشير به إلى ما لخصناه من كون النية مخالفة للعلم والظن والاعتقاد وأنه لا يؤثر في كون العبادة عبادة وقربة وخالصة لله تعالى إلا النية، وذكر الصلاة ليس نية فيها. وحكى المؤيد بالله أن بعض الناس(1)
قال: إذا كان ذاكراً لما يفعله فهو نية. ذكره في (الزيادات). قال: وهذا غير صحيح وإنما كان فاسداً لأن الذِّكرُ هو تجدد العلوم بما كان غافلاً عنه، وقد قررنا أن النية مخالفة للعلوم والاعتقادات. والنية مخالفة للكلام، وعلى هذا فاللفظ باللسان مجرداً لا يكون نية، فإن نوى بقلبه وتلفظ بالنية بلسانه أجزأه، وإن نوى بقلبه ولم يلفظ بلسانه كان مجزياً له وكان أفضل من الأول لأن الكلام بين الإقامة والتكبير يكره وإن لفظ بلسانه بالنية دون قلبه لم يكن مجزياً له لفقد النية التي اعتبرناها وكما أن النطق بالنية غير معتبر فهكذا تصور الحروف بالقلب وترتيبها في الذهن غير معتبر أيضاً من جهة أن النطق بالحروف لما كان غير معتبر في النية بصريحه، فهكذا حال تصور الحروف غير معتبر أيضاً لأنها تابع للنطق، ومحل النية القلب لأنه من جملة أفعال القلوب كالعلوم والاعتقادات والظنون ولأنها مؤثرة في الإخلاص والإخلاص إنما يكون بالقلب.
الفرع الثاني: النية هل تكون ركناً من أركان الصلاة أو تكون شرطاً كاستقبال القبلة وستر العورة؟ فيه لأصحاب الشافعي طريقان:
الطريق الأول: أنها ركن من أركان الصلاة وهذه طريقة أهل بغداد.
__________
(1) حاشية الأصل: قيل إنه الناصر ، وقيل أبو العباس الحسني.
الطريق الثاني: أنها شرط من شروط الصلاة وهذه طريقة أهل خراسان لأنها لو كانت ركناً لافتقرت إلى النية كسائر الأركان.
والمختار على مذهبنا وعليه الجلة من أصحاب الشافعي: أنها ركن بل هي أجلُّها وأعظمها ولا تنصلح الصلاة إلا بها وإنما لم تكن النية مفتقرة إلى نية لأمرين:
أما أولاً: فلانعقاد الإجماع على أنها غير مفتقرة إلى النية.
وأما ثانياً: فلأن النية إرادة مخصوصة تقصد لايقاع الأفعال على أوجهٍ مخصوصة، والإرادة لا تراد، إذ لا فائدة في إرادتها، والصلاة إنما تكون مفتقرة إلى نية في ابتدائها ولا يضر عزوبها بعد انعقادها في أولها، فلو نوى المصلي في صلاته قطعها والخروج منها مع كونه متلبساً بها فهل تبطل صلاته بهذه النية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته لا تبطل بمجرد نية الخروج إذا لم يفعل فعلاً يفسدها ويبطلها لكنه يبطل ثوابها عند الله تعالى، وهذا هو رأي الهادي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن حقائق هذه الأفعال موجودة وصورها ثابتة مع وجود نية الخروج منها، ولهذا فإن من قرأ القرآن ونوى به أنه غير قارئ، وهكذا من حج وصام وصلى وجاهد ونوى أنه غير فاعل لهذه العبادات فإنه لا يكون خارجاً عن فعلها بمجرد هذه النية، فهكذا في الصلاة لا يكون خارجاً عنها ولا مبطلاً بمجرد نية الخروج عنها.
المذهب الثاني: أن مجرد نية الخروج يكون مبطلاً لها، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة عبادة تفتفر إلى النية فيجب أن تكون نية الخروج منها مبطلاً لها كالوضوء.
والمختار: ما عول عليه الأئمة.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو قوله : ((لا يقطع الصلاة شيء " )). فيجب بحكم العموم أن لا تكون منقطعة بهذه النية.
ومن وجه آخر: وهو أن المصلي غير داخل في الصلاة بمجرد النية فيجب أن لا يكون خارجاً عنها بمجرد نية الخروج عنها، وقد وافقنا الشافعي على أن نية الخروج من الصوم لا تكون مبطلة له والتفرقة بينه وبين الصلاة هو أن حقيقة الصوم راجعة إلى الكف عن المفطرات وليس له عقد وتحلل ولكنه ينتهي بغروب الشمس مع الكف عما يفطر.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الصلاة عبادة تفتقر إلى النية فنية الخروج منها يجب أن تكون مبطلة لها كالوضوء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الوضوء وصلة، والصلاة هي المقصود فلا يلزم إذا كانت نية الخروج مبطلة للوضوء أن تكون مبطلة للصلاة لافتراقهما.
وأما ثانياً: فإن الوضوء يتعين فعله لأجل الصلاة بدليل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَة " }[المائدة:6]. فلهذا كان صرفه عما عين له مبطلاً له بخلاف سائر العبادات من الصلاة والصوم والحج فافترقا. نعم لو علق نية الخروج من الصلاة بدخول شخص أو خروجه فهل تبطل الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: البطلان لأن هذا الشرط يبطل الجزم بالصلاة ويقطع الاستمرار عليها.
وثانيهما: أنها لا تبطل، وهذا [هو] المختار لأنه مستمر في الصلاة ولسنا على قطع في وقوع الدخول والخروج فلهذا لم تكن باطلة بهذه النية.
الفرع الثالث: قد ذكرنا من قبل أن النية جنس الإرادات وأنها إذا تقدمت فهي عزم، وإن قارنت الفعل فهي قصد، وإن أثَّرت في وجوه الأفعال فهي نية، فإذا تقرر ذلك فهل تكون واجبة في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن فقهاء الأمة الشافعية والحنفية والمالكية لا يختلفون في ذلك ولم يحك الخلاف في وجوب النية في الصلاة عن أحد من العلماء من الصدر الأول من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إلى أن نبغ الخلاف من هؤلاء المخالفين(1).
__________
(1) أصحاب المذهب الثاني.
والحجة على ذلك: ما قررناه من الآية والأخبار التي رويناها فإنها دالة على وجوبها، ثم [إن] الإجماع في كل وقت من جهة العلماء فيه دلالة كافية على الوجوب وهي من الأدلة الشرعية المعتبرة في تقرير الأحكام الشرعية.
المذهب الثاني: محكي عن الأصم وإسماعيل بن عُلَّيه(1) فإنهما زعما أن النية غير واجبة وأن الذكر في الصلاة غير واجب وإنما الواجب ليس إلا الأفعال كالقيام والقعود والركوع والسجود.
والحجة على ما زعموه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا " " }[الحج:77].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بهذه الأفعال الشرعية في العبادة ولم يوجب غيرها من النية وسائر الأذكار في الصلاة فلهذا كان الوجوب مقصوراً عليها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعلماء الأمة من إيجاب النية والذكر في الصلاة. وسنقرر وجوب الأذكار في الصلاة في مواضعها اللائقة بها، وأما النية فقد دللنا عليها بالآية والخبر فلا فائدة في تكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من أوجه ثلاثة:
الجواب الأول: أن هذه الآية(2)
وإن دلت على وجوب هذه الأفعال فقد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على وجوب النية وسائر الأذكار فليس في الآية ما يدل على أنه لا واجب في الصلاة إلاَّ ما دلت عليه الآية فيلزم ما قالوه.
__________
(1) إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة،قال في (الجرح والتعديل): ابن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر الأسدي، وأمه عُلَيَّة. روى عن أيوب وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل، وروى عنه شعبة وأحمد بن حنبل. اهـ. 2/153، وثقه عدد من رجال الحديث، ووصفوه بأنه ثبت، ومنهم يحيى بن معين، ويحيى القطان، واحمد، وغيرهم.
(2) في الأصل: النية. ولعله سهو أو خطأ من الناسخ؟
الجواب الثاني: أن الإجماع منعقد من جهة علماء الشريعة أهل الحل والعقد من أئمة العترة وفقهاء الأمة، على بطلان هذه المقالة وأن خلافهم ساقط للإجماعات السابقة لهم من الصدر الأول إلى أن نبغ الخلاف منهم ثم الإجماعات اللاحقة بعدهم على سقوط مقالتهم وبطلانها.
الجواب الثالث: أن من هذه حاله في الغباوة والجهل بمقاصد الشريعة وعلومها لا يعتد بخلافه بل يكون من جملة العوام الذين لا عبرة بكلامهم ولا يعتد كلامهم، وإذا كان نفاة القياس لا يُعَدُّون من علماء الشريعة المطلعين على أسرارها والمتبحرون في علومها لإنكارهم القياس وإنما تعويلهم على الظواهر القرآنية والأخبار المروية فهؤلاء الذين نفوا الأذكار أدخل منهم في الغباوة وأكثر جرأة في الإنكار لما ظهر أمره في الصلاة واشتهر حاله.
الفرع الرابع: في وقت النية، وهو وقت التكبير وفيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: جواز المخالطة بالنية للتكبير، وجواز التقديم على التكبير إما بأوقات يسيرة كما ذكره المؤيد بالله، وتقديره: إما بقدر عطاس أو سعال يعرض قبل التكبير، وإما بأوقات كثيرة كما ذكره السيد أبو طالب، ومقداره: ألاَّ يحول بينها وبين التكبير قول أو فعل ليس من الصلاة فلا بأس بقدر التوجه، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله والسيد أبي طالب. فأما أبو حنيفة فقد حكى عنه الطحاوي وجوب المقارنة للتكبيرة وكان الجصاص ينكر ذلك ويقول: أن مذهبه جواز التقديم؛ فإذن الظاهر أن مذهبه كمذهبنا في جواز التقديم والمقارنة.
والحجة على ذلك: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " )). فاقتضى ظاهر هذا الخبر أن النية متى وقعت على منويها كانت مطابقة ولم يفصل بين أن تكون مقارنة له أو متقدمة عليه.
المذهب الثاني: أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده ولكن تكون مخالطة للتكبير، وهذا هو رأي الشافعي ويقع على أوجه ثلاثة: