والحجة: ما روي عن الرسول أنه كان يقول ذاك. فهذه أقاويل العلماء في اختيار الافتتاح للصلاة وكلها منقولة عن الرسول .
والمختار: ما ذكره الهادي واستحسنه لأوجه:
أما أولاً: فلأن هذا من ألفاظ القرآن وما كان من ألفاظ القرآن فهو أرجح على غيره من سائر الأدعية؛ لأن القرآن أفضل الأذكار؛ لأنه كلام رب العزة.
وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين كرم الله وجهه نقله عن الرسول وخبره لا يوازيه خبر غيره لما خصه الله تعالى من الورع والثقة في الرواية والثقة في الدين، إلى غير ذلك من الخصال التي خصه الله بها.
وأما ثالثاً:فلأنه فعله ودعا به، واستفتح الصلاة بفعله، واختاره لنفسه، فلهذا كان راجحاً على غيره.
وأما رابعاً: فلكونه مشاكلاً لحالة المصلي التي هو عليها من كونه مقبلاً إلى الله تعالى متوجهاً نحو القبلة راجياً للمغفرة من الله تعالى بتوجهه بالعبادة إليه بقوله: وجهت وجهي.
وأما خامساً: فلأنه مختص بزيادة بينة على العظمة والكبرياء بما أشار إليه من خلق السموات والأرض وفطرها، بخلاف سائر أذكار الصلاة فإنها ليست فيها إشارة إلى ما قلناه.
وأما سادساً: فلما فيه من الإشارة بالتحنف إلى الله تعالى والتقرب إليه بطاعته التي هي العبادة والخضوع والتذلل لجلاله.
وأما سابعاً: فلما فيه من ذكر الإسلام الذي هو أعظم الوسائل إلى الله تعالى في التقرب إليه وأقوى الأسباب في إحراز الرقبة عن القتل والمال عن السحت.
وأما ثامناً: فلما فيه من البرآءة عن الشرك والبعد عنه لقوله: وما أنا من المشركين.
وأما تاسعاً: فبما فيه من ذكر الإخلاص بالعبادة لوجه الله تعالى بقوله: إن صلاتي ونسكي.

وأما عاشراً: فبما فيه من الإشارة بالتسلم إلى الله تعالى في المحيا والممات بقوله: ومحياي ومماتي لله، فإنه مفوض أمره إلى الله تعالى في حياته ومماته لا تصرف له في نفسه وأنه متسلم منقاد. فهذه الوجوه كلها دالة على ترجيح هذا الاستفتاح على غيره من سائر الاستفتاحات التي أشرنا إليها.
الفرع الثالث: اعلم أن بعض المتفقهة من أصحاب الشافعي زعم أن قوله في الخبر المأثور عن رسول الله وهو قوله: ((والخير كله بيديك والشر ليس إليك )). يقتضي أن الخير من فعل الله وأن الشر ليس من فعل اللّه، وزعم أن أحداً من الأمة لم يفرق بينهما لأن أصحاب الحديث يقولون: إن الخير والشر من فعل اللّه، والمعتزلة يقولون: إنهما من فعل العبد. لكن الخبر له تأويلان:
التأويل الأول: ذكره المزني وحاصل كلامه أن معنى قوله: والشر ليس إليك أي: لا يضاف إليك وإن كنت خلقته لأنه لا يضاف إليه إلا الحسن من أفعاله، فيقال: ياخالق النور والشمس والقمر، ولا يقال: يا خالق القردة والخنازير وإن كان خالقاً لها، ولا يضاف إليه الشر وإن كان خالقاً له.
التأويل الثاني: محكي عن ابن خزيمة(1)
من أصحاب الشافعي أيضاً، وأراد: أن الشر لا نتقرب به إليك وإنما نتقرب إليك بالخير. هذا تقرير كلامه في تأويل الخبر.
__________
(1) محمد بن إسحاق بن المغيرة، أبو بكر السلمي المعروف بابن خزيمة، فقيه ومحدث واسع الشهرة، اخذ عن المزني، وقال عنه ابن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأنها بين عينيه إلا ابن خزيمة.
…وقال الدار قطني: كان إماماً ثبتاً معدوم النظير، وقال الحاكم: ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً سوى المسائل والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء، ولد سنة223، وتوفي سنة311، راجع ترجماته في (الأعلام)6/253، وطبقات الشافعية1/100 تحت رقم45، و(طبقات الفقهاء) للشيرازي ص86، و(البداية والنهاية)11/49.

واعلم أن ما ذكروه رمز منهم وإشارة إلى ما يهذون به في نصرة الخبر وإيضاح منهاجه وتقويم زيغه وأوده وإعوجاجه، يالها والله من عقيدة كاذبة ونحلة خبيثة وفرية على الله ما فيها مرية عنوانها الإنكار المحض وثمرتها العناد الصرف، يا لله لقد عموا عن طريق الحق واتباع مسالكه وتاهوا في غمرات الباطل فوقعوا في مهالكه {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}[المؤمنون:71]، ولنا معهم في إبطال هذه المقالة مقامات ثلاثة: المطالبة والرد والإلزام.
المقام الأول: في المطالبة، فنقول: ما حملكم على هذا التأويل الذي لفقتموه والإحتمال الذي اخترصتموه من غير دلالة عليه ولا عليه علم قائم يستند إليه.
قالوا: لا قائل بالتفرقة وظاهر الخبر دال على التفرقة.

قلنا: إن المقصود من الخبر هو أن ما كان من الخيرات من أفعال الله فإنها حاصلة من عنده ومضافة إليه وإفاضة الخيرات بيده، وأفعاله كلها حسنة وحكمة ومصلحة لا يتطرق إليها شيء من الخلل والنقصان والفساد والقبح، فالخيرات كلها بيده والشر من أفعال العباد من الكفر والفسق وسائر أنواع المعاصي من الشرك وعبادة الأوثان والأصنام وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي الكفرية والفسقية لاتضاف إليه ولا تكون متعلقة بقدره ولا منسوبة إليه، وإذا كان الأمر هكذا فلا حاجة به إلى التأويلات التي ليس لها حاصل ولا ثمرة لها ولا طائل، فأما قول المزني: إن الله تعالى خلق الشر ولكنه لا يضاف إليه. فهذا كلام من لم يغمس يده في أصابيغ المباحث الكلامية ولا شم رائحة منها، فكيف يقال بأنه خلقها ولكنها لا تضاف إليه؟ وليت شعري أيهما أبلغ خلقها وإيجادها أو إضافتها؟ فعرفت أنه لم يتحاش عن التصريح بهذه المناقضة، ولا نزه نفسه عن إطلاع النظار على خطئها وعوارها وما درى ولا أشعر نفسه أن بضاعة الفقهاء والإطلاع على أسرار الحيض والنفاس لا تكفي في الإحاطة بالمباحث الإلهية والأسرار الدينية، ولقد صدق من قال: ربما كان العمى خيراً من بصيرة حولا.
وأما قول صاحبه ابن خزيمة: إن الشر لا نتقرب به إليه وإن كان خالقاً له فقد ظهر فساده لأمرين:
أما أولاً: فلأن الله تعالى إذا كان خالقاً للشر من أفعال العباد فلا يعقل في حقه نفي القربة بها ولا إثباتها لأن القربة إنما يعقل ثبوتها ونفيها فيما كان فاعلاً له.

وأما ثانياً: فلأن هذا إنما يعقل على قول أهل العدل من الزيدية والمعتزلة لأن أفعال العباد إذا كانت موجودة بقدرهم وفاعلين لها، انعقل انتفاء التقرب بما كان شراً منها، فأما إذا كانت بقدرة الله تعالى وفاعليتها مضافة إليه لم يعرف نفي التقرب بهذه، فعرفت بما ذكرناه هاهنا ضعف كلام هذين الرجلين وبطلان ما ذكراه في تأويل هذا الحديث وأنهما لم يصنعا شيئاً في الإقدام على ما لا يحيطان بمعرفته، رميٌ في العمى وخبط في العشواء.

المقام الثاني: في الرد عليهم فيما زعموه وحاصله أن نقول: إن هذا التأويل مبني على أصل منهارٍ وهو أن أفعال العباد كلها طاعاتها ومعاصيها مخلوقة بقدرة الله تعالى وأنه لا تعلق لقدرة العبد بها. وهذا له من الفساد غرر وحجول فإن البراهين العقلية والسمعية قد دلت على اختصاص العبد بفعله وأنه قادر على إيجاده ومتعلق بقدرته وواقف على قصده وداعيته والأمر والنهي متوجهان إليه والمدح والذم متعلقان به وكل هذه الأمور دالة على تعلق أفعال العباد تعلق إيجاد وتحصيل، وعلى الجملة فالعلم بكون العبد موجداً وفاعلاً هو علم ضروري وإنكاره يكون عناداً وميلاً عن الحق. والمجبرة فهم متفقون على تعلق قادرية العبد بأفعاله ولكن اختلفوا في وجة التعلق فمنهم من تعلق بالكسب كما يحكى عن ابن أبي بشر الأشعري ومنهم من قال: التعلق بالقدرة لكونه طاعة ومعصية كما هو محكي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وهو من حُذَّاقهم، ومنهم من قال: التعلق بالعبد من جهة الوجود كما هو محكي عن عبدالملك الجويني. فهؤلاء قد أثبتوا هذه التعلقات حتى تكون مستنداً للأمر والنهي والمدح والذم وتكون واقعة على القصد والداعية، ويجوز في حق بعضهم أن يجعل وجه التعلق هو الوجود، وهذا لا مانع منه. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن دعوى الضرورة في تعلق أفعال العباد بهم صحيح لا يمكن دفعه ولا يسع إنكاره، وإذا كانت أفعال العباد متعلقة بهم بطل ما قالوه من إضافتها إلى قادرية الله تعالى.
المقام الثالث: في بيان ما يتوجه عليهم من الإلزامات. اعلم أن الإلزامات المتوجهة عليهم على القول بخلق الله تعالى لأفعال العباد كثيرة شنيعة.

فقولهم هذا يؤدي إلى بطلان المدح والذم والأمر والنهي؛ لأن هذه الأمور إنما تكون متوجهة على من له فعل تضاف إليه هذه الأحكام فأما من ليس له فعل فلا وجه لتوجهها إليه، ويؤدي إلى بطلان بعثة الأنبياء لأن الله تعالى إذا كان هو المتولي لفعلها فلا وجه لبعثة الرسل وإرسالهم لأن بعثتهم إنما تكون لطلب الطاعات من العباد والإنتهاء عن المعاصي فإذا كانت هذه الأفعال حاصلة بقدرة الله تعالى بطل الغرض بالبعثة لأن الله تعالى لا يبعث الرسل لأن يفعل فعلاً من الأفعال من جهته.
ويؤدي إلى بطلان الشرائع لأن حاصل الشريعة هو الأمر والنهي وهذا لا يتأتى إلا ممن يقدر على الفعل حتى يتعقل كونه مأموراً منهياً، فإذا كانت حاصلة من جهة الله تعالى بطل الشرع وكان لامعنى له.
ويؤدي إلى إفحام الرسول. وبيانه أن الله تعالى إذا بعث الأنبياء إلى الخلق كان للخلق أن يقولوا: إنا لا نصدقكم فيما قلتموه ولا ننقاد لكم فيما أمرتموه لأن الله تعالى لم يخلق فينا قدرة التصديق ولا قدرة الإنقياد لكم فلا وجه لدعائكم لنا. فهذا ما أردنا ذكره على ما قالوه في تأويل الخبر وهو أمر عارض وإنما أحوج إليه كلامهم في المخلوق وقد أودعنا الكتب العقلية ما يكفي ويشفي في إبطال مقالاتهم وما يتوجه عليهم من الإلزامات.
الفرع الرابع: في وقت الافتتاح وهل يكون قبل التكبير للصلاة أو بعده؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن وقت الافتتاح يكون قبل التكبير وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي ومحكي عن السيدين أبي طالب وأبي العباس.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}[الإسراء:110،111].

ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر عقيب هذا الافتتاح بالتكبير، وفي هذا ما نريده من أن الافتتاح مشروع وقته قبل التكبير وإلى هذا ذهب الناصر.
المذهب الثاني: أن وقت الافتتاح إنما هو بعد التكبير، وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر والصادق والمؤيد بالله، ومحكي عن الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان إذا افتتح الصلاة بالتكبير قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا المشركين. وفي هذا دلالة على أن وقته بعد التكبير.
والمختار: هو التخيير بين الافتتاح قبل التكبير أو بعده، فقد ورد في تقدمه على التكبير أحاديث، منها ما روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمدلله رب العالمين(1)،
وفي هذا دلالة على أن الافتتاح قبل التكبير، ومنها ما روي في سنن أبي داود أن الرسول قال: ((إذا قمت إلى الصلاة فارفع يديك وكبر واقرأ ما بدالك))(2).
فدل ظاهره على تقديم الافتتاح، ومنها ما روى أبو رفاعة(3)
عن الرسول أنه كان جالساً في المسجد فقال له الرسول : ((إذا قمت في صلاتك فكبر ثم اقراء ما بدالك)). فهذه الأخبار كلها دالة على أن الافتتاح مشروع قبل التكبير كما ذكره الهادي.
__________
(1) أخرجه الدارمي في سننه 308 عن عائشة، والبيهقي في السنن الكبرى 2/15، وجاء في سنن أبي داود 1/208، ومصنف ابن أبي شيبة1/360، ومصنف عبد الرزاق وغيرها.
(2) سنن أبي داود 1/226.
(3) أبو رفاعة العدوي تميم بن أسد، وقيل: ابن أسيد، وقيل: اسمه عبد الله بن الحارث بن أسد بن عدي، روى عن النبي وعنه: حميد بن هلال وصلة بن أشيم العدويان البصريان.
…قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: كان من فصحاء الصحابة بالبصرة، قتل بكابل سنة 44.

ووردت أحاديث دالة على كونه مشروعاً بعد التكبير، منها ما روى عبدالله بن رافع(1)
عن علي قال: كان الرسول إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والإرض )). ومنها ما روى زيد بن علي عن علي أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر وجهت وجهي. ومنها ما روي من طريق أبي رافع أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة قال: ((وجهت وجهي)). وظاهره دال على أن افتتاحه بعد التكبير وفيه دلالة على أن الافتتاح بعد التكبير. فهذه الأحاديث كلها متعارضة فيما دلت عليه وهي متقاربة في ترجيحها بالإضافة إلى المتن والسند فلهذا كان الأقرب التخيير. نعم يمكن أن يقال: إنما ذكره الهادي من الإستدلال بالآية الدالة على أن الافتتاح قبل التكبير راجح على ما ذكره المؤيد بالله ومن كان معه لأن الآية لا يوازيها شيء من الأخبار في القوة؛ لأنها مقطوع بأصلها ودالة على المقصود بظاهرها، فلا جرم كان ما ذكره الهادي راجحاً على غيره.
الفرع الخامس: في بيان محله. ومحله الفرض والنفل لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في الافتتاح بين الفرض والنفل لكنه في الفرض آكد في الاستحباب من النفل لأمرين:
أما أولاً: فلأن الإهتمام بالفرض أكثر وآكد في نظر الشرع من الإهتمام بالنفل لأن الشرع قد خفف في النوافل كثيراً من التخفيفات كالأداء على الراحلة وترك القيام في النافلة مع القدرة عليه.
وأما ثانياً: فلأن النوافل كثيرة يتسع فيها، فربما شق الافتتاح فيها مع كثرتها واتساعها، وسواء كان إماماً أو مؤتماً أو منفرداً في إستحباب الافتتاح، والإجماع منعقد على ذلك، وسواء في ذلك الرجال والنساء لأن الأدلة ما فصلت.
__________
(1) في (تهذيب) التهذيب)5/181 اثنان باسم عبد الله بن رافع، الأول: عبد الله بن رافع المخزومي مولى أم سلمة، والآخر: الحضرمي المصري، كلاهما روى عن بعض من الصحابة منهم أبو هريرة، ولعل الأول هو الأقرب إلى المقصود من كلام المؤلف.

الفرع السادس: في التعوذ. ويقع النظر في حكمه وصفته ووقته و الجهر به ومحله، فهذه أحكام خمسة نذكر ما يتعلق بكل واحد منها بمعونة الله:
الحكم الأول: في حكمه. وهل يكون مشروعاً في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مشروع في الصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وهو محكي عن الفريقين.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98].
الحجة الثانية: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه كان يتعوذ إذا أراد الصلاة فيقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرحيم )) (1).
المذهب الثاني: أن التعوذ غير مشروع في الصلاة وإنما يكون مشروعاً في قيام شهر رمضان وهذا هو المحكي عن مالك حكاه الأبهري(2)
عنه في شرح المختصر.
والحجة على هذا: هو أن التعوذ إنما كان مشروعاً في قراءة القرآن بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}[النحل:98]. ولم تدل دلالة على كونه مشروعاً في غير القراءة، ولا شك أن الصلاة غير القراءة فلهذا لم يكن مشروعاً فيها، وأما رمضان فإنما كان مشروعاً فيه لدلالة قامت عليه.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من كونه مشروعاً في الصلاة كما شرع الاستفتاح.
والحجة: ما ذكرناه عنهم. ونزيد هاهنا وهو أن الرسول كان يتعوذ قبل القراءة وما كان من الأخبار دالاً على الاستفتاح فهو دال عليه.
__________
(1) أخرجه البيهقي في الكبرى2/35، وعبدالرزاق في مصنفه 2/75.
(2) محمد بن عبدالله بن محمد بن صالح، أبو بكر التميمي الأبهري، شيخ المالكية في العراق، سكن بغداد، وسئل أن يلي القضاء فامتنع، له تصانيف في شرح مذهب مالك، والرد على مخالفيه، منها: (الرد على المزني) و(الأصول) و(إجماع اهل المدينة) و(فضل المدينة على مكة) وفي الحديث (العوالي) و(الأمالي). راجع (الأعلام)6/225، و(تاريخ بغداد)5/432.

173 / 279
ع
En
A+
A-