أما أولاً: فمن جهة الفرق، وهو أنا لا نسلم أن ستر العورة كالنجاسة بل هما مختلفتان من جميع الوجوه، وبيانه: أن الإنسان إذا كان معه ثوب جميعه نجس وهو لا يجد ثوباً غيره فإنه يصلي فيه ولا يصلي عارياً لأن حكم العورة آكد من حكم النجاسة على ما قررناه من قبل، وهكذا فيمن وجد ثوباً ديباجاً ولم يجد غيره فإنه يصلي فيه ولا يصلي عارياً لأن تحريم كشف العورة أشد من تحريم لبس الديباج على الرجال. وإذا تقرر هذا فلا يمتنع أن يعفى عن يسير النجاسة، ولا يعفى عن يسير العورة فافترقا.
وأما ثانياً: فمن جهة الجمع، وهو أنا لو خلينا والقياس لسوينا بينهما ولم نعف عن يسيرهما جميعاً لأنهما من شرط صحة الصلاة خلا أن الدلالة الشرعية وردت بتخصيص يسير النجاسة، فلا جرم استحسنا جوازه لعموم البلوى فيه وشدة الحاجة، ولم تقم دلالة على العفو عن يسير العورة فلهذا بقي على أصل القياس في التحريم.
قالوا: العورة لا يتعدى حكمها عن موضع كشفها فصارت كالنجاسة فإنه لا يتعدى حكمها عن محلها إلى غيره.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن النجاسة لا يتعدى حكمها عن محله، ولهذا فإن من بال وجب عليه تجديد الوضوء في غير محل النجاسة وهكذا خروج المني فإنه يوجب الغسل في غير محل النجاسة ونحو قطرات الحيض والنفاس فإنهما يوجبان الغسل في غير محل النجاسة.
وأما ثانياً: فلأنا لا نقول: بأن النجاسة نجاستان مغلظة ومخففة. ولا نقول في العورة: عورتان مغلظة ومخففة. بل نقول: إن جميعها عورة يجب سترها بكل حال وجميع النجاسات يجب إزالتها من غير تفصيل كما ذكروه، وإذا تقرر هذا وجب أن يكون حال العورة كحال النجاسة في مساواة القليل للكثير.

الحكم الرابع: ذكر السيد أبو العباس، أن المصلي إذا انكشفت عورته وقد أدى من الركن مقدار الفرض ثم أعاد سترها قبل أن يأخذ في ركن آخر أجزته صلاته، وإن لم يكن قد أدى من الركن قدر الفرض أو لم يعده حتى أخذ في ركن آخر لم تجزه الصلاة وعليه الإعادة، وما ذكره محكي عن أصحاب أبي حنيفة وهو نظر دقيق حسن وحملوا ما حكي أن أبا جهل(1)
القى جيفة على الرسول وهو يصلي فجاءت فاطمة فأزالتها عنه ومر في صلاته ولم يقطعها على هذا التفصيل(2).
وحاصل ما قالوه، وهو أن النجاسة وقعت بعد إكمال الركن فلا يؤثر طريانها بعد كماله وقبل الشروع في الركن الثاني حتى لا يقع من أوله على فساد، فإن وقعت على خلاف هذين الوجهين إما قبل تمام الأول وإما بعد الشروع في الثاني كانت مفسدة للصلاة لا محالة.
فأما الإمامان الأخوان، فلم يفصلا هذا التفصيل بل قالا: إن إنكشاف العورة مبطل للصلاة قليلها وكثيرها(3)
__________
(1) هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشد الناس عداوة للنبي في صدر الإسلام [وحتى قتل مع المشركين في معركة بدر في السنة الثانية للهجرة 624م] وأحد سادات قريش وأبطالها في الجاهلية، قال صاحب عيون الأخبار: سودت قريش أبا جهل ولم يغض شاربه فأدخلته دار الندوة مع الكهول، أدرك الإسلام، وكان يقال له أبا الحكم، فدعاه المسلمون أبا جهل، ضل على عناده وتحريضه لقريش ولقبائل العرب ضد الإسلام رغم ما ظهر من يقينه بصدق رسول الله ، واستمر على هذا الحال حتى قتل في وقعة بدر الكبرى. ا ه‍الأعلام للزركلي 5/86 بتصرف.
(2) وهو قياس كشف عورة المصلي إذا عاد وسترها على وقوع النجاسة عليه أثناء الصلاة فأزالها بحكم أن كليهما مفسد لها إذا لم يفعل ذلك، والله أعلم، وهذا طرف من حديث أخرجه بكماله البخاري ومسلم.
(3) يقصد: قليل العورة وكثيرها.

على أي وجه وقعت وهذا هو الأقيس والأحسن. وما قاله أبو العباس هو الأدق والأغوص. فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المتعلقة بالعورة ونرجع إلى التفريع.
الفرع السابع: وأقل ما يجزي المرأة في ستر العورة من الثياب: الدرع والخمار إذا كان الدرع سابغاً لما روت أم سلمة قالت: يا رسول الله فالمرأة، لما ذكر الإزار، قال: ((ترخي شبراً لا تزيد عليه " )). قالت: إذاً ينكشف عنها. قال: ((فذراع))(1).
ولما ذكرناه من حديث عائشة: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " )).
والمستحب أن تصلي المرأة في ثلاثة أثواب قميص سابغ يغطي بدنها وقدميها، وخمار يغطي رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار.
روي ذلك عن عمر وابن عمر وعائشة ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف من جهة الرسول ، ويستحب أخذ الجلباب فوق الدرع والخمار لما فيه من زيادة الستر والحفظ على العورة ولقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59].
قال أبو عبيد: الجلباب: هو الخمار والإزار.
وعن الخليل بن أحمد: الجلباب أوسع من الخمار وألطف من الإزار، وهذا هو الأصح؛ لأنه زيادة عليهما فيجب أن يكون مغايراً لهما.
ويستحب أن يكون الجلباب كتافاً أي موضوعاً على كتفيها أو يكون كفاتاً أي جامعاً لثيابها أخذاً من قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً " }[المرسلات:25]. أي: تكفت الأحياء في البيوت وتكفت الأموات في القبور.
__________
(1) جاء بلفظه في (الشفاء) و(الأحكام).

الفرع الثامن: وأقل ما يجزي الرجل أن يصلي فيه ثوب واحد فإذا صلى فيه وحده فالمستحب أن يستر منكبيه وهما رأسا الكتف وهما من الإنسان المنكب ومن الفرس المنسج ومن الجمل الجارك(1) والغارب. ويستر هبريتيه. والهبرية: هي القطعة من اللحم، وهما عبارة عن اللحمتين اللتين على لوح الإنسان. ويستر ظهره والظهر معروف لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " ))(2).
ويروى: ((على منكبه)). والقميص الواحد يجزي، فإن كان فتحه واسعاً فإنه يزره بشوكة وإن كان ضيقاً لم يزره لما روى سلمة بن الأكوع(3)
قال: قلت يا رسول الله إنا نكون في الصيد أفيصلي أحدنا في القميص الواحد؟ قال: ((نعم وليزره ولو لم يكن إلا أن يخله بشوكة )). وإن كان في القميص خرق وستره بيده جاز ذلك لأنه ستر طاهر فأشبه الثوب فإن لم يجد إلا الإزار فإنه يأتزر به على حقويه، ويستحب أن يجعل على عاتقه شيئاً فإن لم يجد طرح عليه حبلاً فإن لم يجد إلا السراويل فإنه يصلي فيه ويجعل على عاتقه شيئاً لما ذكرناه. هذا كله كلام في أقل ما يجزي.
__________
(1) المنسج بكسر الميم: للفرس بمنزلة الكاهل للإنسان، والجارك من البعير. ا ه‍لسان 2/377.
(2) أخرجه الستة إلا الموطأ والترمذي عن أبي هريرة بلفظه.
(3) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي، صحابي من الذين بايعوا تحت الشجرة، غزا مع النبي غزوات منها: الحديبية وخيبر وحنين، وكان شجاعاً بطلاً رامياً عداءً، وهو ممن غزى إفريقية أيام عثمان، له 77 حديثاً، توفي بالمدينة عام 74ه‍693م. ا ه‍(الأعلام) 3/113، عن طبقات ابن سعد وطبقات أفريقية والروض الآنف، وتهذيب ابن عساكر وغيرها.

وأما ما يستحب، فالمستحب للرجل أن يصلي في قميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل أو إزار ورداء. لما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له))(1).
فإن اجتمع قميص وثوب وأراد أن يصلي في أحدهما فأيهما يكون أولى؟ فالقميص أولى لما روي أنه كان أحب الثياب إلى الرسول القميص، ولأنه أعم في الستر وأصون للعورة، فإن لم يكن هناك قميص واجتمع إزار ورداء وأراد الصلاة في أحدهما فأيهما يكون أولى؟ فالرداء أولى لسعته فليحتف ويخالف بين طرفيه على عاتقيه. وإن اجتمع إزار وسراويل فأيهما يكون أولى؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الإزار أحق لأن السراويل تصف العورة بخلاف الإزار.
وثانيهما: أن السراويل أحق لأنها أجمع للستر.
والمختار: أنهما سواء.
ويكره اشتمال الصماء لما روي عن الرسول أنه نهى عن اشتمال الصماء. واختلف في صفتها على تفسيرين:
فالتفسير الأول: رأي أهل اللغة، وصفتها: أن يشتمل الرجل في ثوب واحد فيجلل به جسده ويدخل يديه من داخل الثوب ولا يترك ليديه منفذاً من أحد الجانبين يخرجهما منه. وإنما سميت صماء؛ لأنه سد على يديه المنافذ مأخوذ من الصخرة الصماء التي ليس فيها صدع. ولم يذكر ابن الصباغ في تفسيرها في كتابه الشامل إلا هذا الوجه.
التفسير الثاني: حكاه أبو عبيد عن الفقهاء. وصفتها: هو أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجة.
قال أبو عبيد: والفقهاء اعلم بالتأويل.
والمختار: أن ما قاله أهل اللغة أحسن من جهة الإشتقاق، وما قاله الفقهاء أجود من جهة الفتوى لمطابقته للنهي من جهة الرسول لما فيه من ظهور العورة.
ويكره السدل وأن يغطي فاه في الصلاة لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه نهى عن السدل وأن يغطي فاه في الصلاة.
__________
(1) حكاه في (المهذب) عن ابن عمر.

قال أبو عبيد: والسدل أن يرخي الرجل إزاره من جانبيه ولا يضم طرفيه بيده. ويقال لإرخاء الستر: سدل.
ويكره للمرأة أن تتنقب في الصلاة لأن وجهها ليس عورة، والنقاب: هو شيء من الثياب ترخيه المرأة على وجهها فيه ثقبان لموضع العينين، ويكره البرقع للمرأة في الصلاة لمثل ما ذكرناه في النقاب. والبرقع: هو شيء رقيق ترخيه المرأة على وجهها تبصر من ورائه لرقته.
الفرع التاسع: فإن لم يجد ما يستر عورته إلا ورق الأشجار والحشيش فإنه يلزمه أن يستتر بذلك لأنها سترة طاهرة يمكنه الستر بها فوجب عليه استعمالها في ستر العورة كالأثواب، فإن لم يجد إلا طيناً طاهراً فهل يلزمه أن يستتر به أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: وجوبه، وهو الأصح من قولي الشافعي؛ لأنها سترة طاهرة فأشبه الثوب. ذكره المحاملي من أصحاب الشافعي، وعلى هذا يلزم استعماله سواء كان غليظاً أو رقيقاً إذا كان ساتراً للعورة ويلصق بجسمه، فإن لم يجد من الأثواب إلا ما يستر بعض العورة فإنه يستر القبل والدبر لأنهما أغلظ من غيرهما وأفحش في الإنكشاف، فإن لم يجد إلا ما يستر به أحدهما فأيهما يكون به أحق؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن القبل أحق لأنه لا يستتر بغيره والدبر مستور بالإليتين ولأنه يستقبل به القبلة.
وثانيهما: أن الدبر أحق لأنه أفحش في العورة في حال الركوع والسجود.
والمختار: أنهما سواء فيكون مخيراً في ستر أيهما شاء، ويؤيد هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((احفظ عورتك إلا عن زوجتك )) ولم يفصل بينهما، فإن خالف وستر بذلك فخذه أو سائر عورته غير الفرجين جاز ذلك لأن حكم الجميع واحد في وجوب الستر ولكنه قد خالف المستحب من ذلك.

الفرع العاشر: قال الإمام الهادي في الأحكام: ومن ابتلي بالعري صلى قاعداً متربعاً ويضع على عورته ما أمكن وقدر عليه من الحشيش وغيره فإن لم يجد ذلك ستر عورته بيده اليسرى ويومئ كإيماء المريض ولا يستقل من الأرض، واعلم أن هذا الفرع قد اشتمل على أحكام تتعلق بالعورة نفصلها بمعونة الله تعالى:
الحكم الأول: إذا كان عارياً فهل يصلي قائماً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يصلي قاعداً متربعاً، وهو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله ومحكي عن مالك والأوزاعي والمزني من أصحاب الشافعي وحكاه المسعودي عن الشافعي.
والحجة على هذا، هو أن القيام والقعود والركوع والسجود لها أبدال يرجع إليها عند تعذر الإتيان بها بخلاف ستر العورة فإنه لا بدل له فلهذا كان أحق بالتقديم.
ومن وجه آخر: وهو أنه قادر على ستر العورة المغلظة بالقعود فلا يجوز له تركه كما إذا وجد ثوباً.
المذهب الثاني: أنه يصلي قائماً وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن زفر.
والحجة على هذا: قوله : ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً )). ولم يفصل بين العريان وغيره.
ومن وجه آخر: وهو أنه قادر على القيام فلا يجوز له تركه كما لو كان لابساً.
المذهب الثالث: أنه مخير بين أن يصلي قائماً أو يصلي قاعداً، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن ستر العورة فرض واجب على المصلي والقيام فرض من فروض الصلاة وقد دفع العريان إلى ترك أحدهما ولا مزية لأحدهما على الآخر فلهذا كان مخيراً بينهما ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.
والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله ومن تابعهما على هذه المقالة.
والحجة لهم ما ذكرناه من قبل. ونزيد هاهنا وهو أنا وجدنا نظر الشرع إلى تأكيد المحافظة على ستر العورة وصيانتها عن الظهور والإطلاع عليها شديد وأن الوعيد على إبرازها عظيم ولو لم يكن إلا ما نزل في سورة (النور)(1)
وما ورد في الأخبار من التأكيد على حفظها.
__________
(1) النور: 30-31.

ومن وجه آخر: وهو أنا نرى الشرع قد واضب على ستر العورة وأسقط القيام، فلهذا فإنه يجوز تأدية النوافل على الراحلة مع القدرة على القيام ولم يرخص في سترة العورة في سفر ولا حضر ولا نافلة ولا فريضة مع القدرة عليها.
ومن وجه آخر: وهو أن ستر العورة يحتاج إليه في جميع الصلاة بخلاف القيام، فإنه إخلال بركن من أركانها وفرض من فروضها للعذر.
ومن وجه آخر: وهو أن القيام له بدل يقوم مقامه بخلاف ستر العورة فإنه لا بدل له. فهذه الأوجه كلها دالة على أن ستر العورة أحق بالمحافظة من القيام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي أنه قال لعمران بن حصين: ((صل قائماً)). فأمره بالقيام فدل على وجوبه إذا كان عارياً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على ما إذا كان مستور العورة.
وأما ثانياً: فلأن هذا مُعَارض بما ذكرناه من التفات الشرع إلى المحافظة على ستر العورة بما لا مطمع في إنكاره.
قالوا: العاري مستطيع للقيام والقعود والركوع والسجود فيجب الإتيان بها ولا يعذر في تركها.
قلنا: العاري لا يمكنه الإتيان بجميع الفروض ولا بد له من ترك بعضها لأجل العذر والإتيان بالبعض، فيجب أن يأتي بآكدها ووجدنا ستر العورة آكد من الجميع فلهذا وجب الإتيان به كما قررناه من قبل.
قالوا: القيام والقعود والركوع والسجود أركان الصلاة فلا يجوز إسقاطها بالعجز عن ستر العورة كسائر الأركان.
قلنا: إنما لا يجوز الإخلال بهذه الأركان مع كون العورة مستورة، فأما مع العذر في كشفها فيجوز الإخلال بها لما ذكرناه من الترجيح الذي أوضحناه من قبل.
قالوا: إذا صلى قائماً فقد حصل له الوفاء بثلاثة أركان، القيام والركوع والسجود. وإذا صلى قاعداً فإنما يحصل له سترة العورة لا غير.
قلنا: إذا صلى قاعداً حصل له ستر العورة المغلظة التي يحتاج إليه في جميع أفعال الصلاة وما عداها فحكمه أخف فلهذا كانت المحافظة عليها أحق من غيرها.

وأما من قال بالتخيير كما حكي عن أبي حنيفة فقد قال: هما فرضان واجبان لا تصح الصلاة إلا بفعلهما فلا ترجيح لأحدهما على الآخر.
قلنا: إنه لا مقال في كونهما واجبين وفرضين من فروض الصلاة لكنا قد دللنا على أن ستر العورة أحق بالمحافظة وأولى بالمواضبة فلهذا كان أحق.
الحكم الثاني: أن الواجب أن يصلي قاعداً متربعاً، وقد قررنا صفة التربيع في صلاة العليل والمعذور فأغنى عن الإعادة، ويضع على عورته شيئاً من حشائش الأرض لأن الواجب ستر العورة بكل ممكن، فإذا تعذر اللباس لم تتعذر الحشائش ويومئ للركوع والسجود، يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما ورد في الخبر عن الرسول فيمن علمه ممن لا يقدر على القيام. فإن صلى عرياناً قاعداً فهل تجب عليه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تجب عليه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر كما لو لم يكن له عذر.
وثانيهما: أن الإعادة غير واجبة عليه وهذا هو المختار. لقوله : ((لاظهران في يوم )). ولأن العري عذر عام وربما اتصل ودام وقد يعدم اللباس في السفر والحضر فلو ألزمناه الإعادة لكان في ذلك مشقة وحرج.
الحكم الثالث: في المصلي إذا لم يجد سترة فدخل في الصلاة وهو عريان ثم وجد السترة في أثناء الصلاة. أوصلت الأمة مكشوفة الرأس فأعتقت في أثناء الصلاة ثم وجدت ما تستر به رأسها، فإن كانت السترة قريبة منهما فالواجب عليهما تناولها واستتارهما بها ويتمان صلاتهما لأن ذلك عمل قليل يفعل لإصلاح الصلاة، وإن كانت السترة بعيدة منهما تحتاج إلى أن يمشي إليها خطوات فإن كان هناك من يناولهما السترة فإن ناولهما سريعاً صحت صلاتهما، وإن طال الإنتظار فصبرا إلى أن ناولهما الغير فهل تبطل صلاتهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تبطل الصلاة لأنه انتظار واحد فلم تبطل به الصلاة كالإمام إذا انتظر المأموم في الركوع.
وثانيهما: أنها تبطل لأنهما تركا السترة مع القدرة عليها.

وإن لم يكن هناك من يناولهما السترة فهل تبطل صلاتهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: بطلان الصلاة لأنهما يحتاجان إلى عمل كبير وذلك ينافي أعمال الصلاة.
وثانيهما: أنها لا تبطل ويلزمهما المسير إلى السترة ويستتران لأن هذه أفعال يقصد بها إصلاح(1)
الصلاة فلا تكون مفسدة لها.
وإن اعتقت الأمة ولم تعلم بالعتق حتى فرغت من الصلاة أو علمت بالعتق وجهلت وجوب السترة عليها فهل تلزمها الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تجب عليها الإعادة لأنها قد أخلت بشرط من شروط الصلاة وهو السترة.
وثانيهما: أنها لا تجب عليها الإعادة لأنها معذورة بالجهل وقد قال : ((لا ظهران في يوم)).
والمختار في مثل هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف: أن الوقت إذا كان باقياً وجب عليها الإعادة لأن الخطاب مع بقاء الوقت متوجه إليها، وإن كان الوقت فائتاً لم يجب عليها القضاء، وقد قررناه من قبل فلا وجه للإعادة.
الحكم الرابع: وإذا اجتمع جماعة عراة رجال ونساء فإن النساء لا يصلين مع الرجال لأنا إن قلنا: يقفن مع الرجال في صف خلفهم فإنهن يبصرن عورات الرجال لأنهن لا يمكنهن غض أبصارهن، وإن كان هناك حائل بينهن وبين الرجال وقفن فيه وصلى الرجال وحدهم وصلى النساء وحدهن وكان أحق لما فيه من غض البصر عن العورات. وإن لم يكن هناك حائل فهل يصلي الرجال جماعة أو فرادى؟ فيه طريقان نذكرهما:
الطريق الأول: التخيير بين أن يصلوا جماعة أو فرادى، ووجهه أنه قد تقابل هاهنا أمران فضيلة الجماعة وترك نظر بعضهم إلى عورة بعض فلهذا حصل التخيير، والأولى إحراز فضيلة الجماعة لأنه لا مندوحة عنها، وترك نظر بعضهم إلى عورة بعض يمكن إحرازه بغض البصر عن ذلك.
الطريق الثاني: استحباب الإنفراد، ووجهه أن الجماعة فضيلة وترك النظر إلى العورة واجب، فلا جرم قدمنا الواجب على ما هو فضيلة.
__________
(1) في الأصل: أفعال، ولعله خطأ من الناسخ.

171 / 279
ع
En
A+
A-