المذهب الثاني: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين، وهذا هو رأي الإمام القاسم الذي حكاه عنه أبو العباس، وهو محكي عن الثوري ورواية ثانية عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وقد قيل في تفسيره: موضع الكحل والخاتم والخلخال.
المذهب الثالث: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه، وهو الذي حصله السيدان الأخوان لمذهب الهادي، وهو محكي عن أحمد بن حنبل وداود من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن الشرع قد دل على أن جميع بدنها عورة إلا ما استثني ولم يقع الإستثناء بالشرع إلا وجهها من جهة أن الإجماع منعقد على كشفه للإحرام وعلى كشفه للنظر عند تحمل الشهادة، فبقي ما عدا الوجه على الحظر الشرعي.
المذهب الرابع: أن جميع بدنها عورة حتى ظفرها، وهذا شيء يحكى عن بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((النساء عيٌّ وعورات )). فظاهره دال على أن جميعها عورة ولم يفصل بين عضو وعضو ولا بين شعر وبشر، وفي هذا دلالة على ما قلناه من عموم العورة في كلها.
والمختار: ما قاله الإمامان القاسم والهادي في (الأحكام) و(النيروسي) واختاره السيدان الأخوان من [أن جميع بدنها](1)
عورة ما خلا الكحل والخاتم.
__________
(1) ما بين القوسين غير موجود في الأصل، وهو كما يفهم من السياق بهذا المعنى إن لم يكن باللفظ نفسه.
والحجة لهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا تفصيلاً نشير إليه. وحاصله أن الله تعالى أعظم الأمر وشدد في حفظ العورات فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59]. وقال تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }[النور:31]. وقال تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ }[النور:31]. وقال تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وقال تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ}[النور:31]..إلى آخر الآية. وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ((أغروا النساء يلزمن الحجال )).
وقوله : ((صلاة المرأة في مخدعها أفضل من الصلاة في حجرتها ))(1).
وظواهر الكتاب والسنة دالة على حفظ عورات النساء والتأكيد في ذلك والمبالغة في البعد عن الإطلاع عليها، فإذا عرفت هذا فالظاهر أن جميع بدن المرأة عورة إلا ما أباحه الشرع ولم نجد الإباحة إلا في هذين العضوين وجهها وكفيها فيجب الإقتصار عليه والباقي داخل تحت الحظر كما قررناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: القدمان لاحقان بالوجه والكفين في كونهما ليسا من العورة لما ذكرناه من تفسير الآية بموضع الكحل والخاتم والخلخال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالتفسير المشهور عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. إنما عنى الكحل والخاتم ولم يزد عليه ولا شك أن تفسير الصحابي أرجح من تفسير غيره فلهذا كان التعويل عليه.
__________
(1) أخرجه أبو داود عن ابن مسعود بلفظ: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)).
وأما ثانياً: فلأنه مُعَارَضٌ بالأحاديث الدالة على كونهما من العورة وإذا تعارض جانب الحظر وجانب الإباحة كان الميل إلى جانب الحظر أحق لما فيه من الحيطة للدين لقوله : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).
قالوا: روي عن ابن مسعود أنه فَسَّرَ قوله[تعالى]: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. بالثياب والقرط والدملج والخلخال والقلادة، فذكر الخلخال والمقصود موضعه، وفي هذا دلالة على أنه ليس عورة.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فنهاية الأمر أن هذا مذهب لابن مسعود ولا يلزمنا قبوله لأن قول الصحابي ليس حجة وإنما الحجة كلام صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
وأما ثانياً: فلأنه أراد هذه الحلية ولم يرد مواضعها ليكون أدخل في النهي وأبعد عن الريبة لأنه إذا كان النهي متناولاً لهذه الحلية فكيف حال محالّها يكون أبعد لا محالة.
وأما ثالثاً: فلأنه لو أراد بذكر الخلخال موضعه للزم مثله في القلادة والقرط فيجوز الإطلاع عليه ولا قائل به.
والذي يدل على كونهما عورة ما روت أم سلمة قالت سألت رسول الله : هل تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: ((نعم إذا خمرت الذراعين والقدمين)). وفي حديث آخر: ((إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها))(1).
وفي هذا دلالة على كونهما من العورة، ولأنه عضو سقط في التيمم فوجب أن يكون عورة من المرأة كالرأس.
قالوا: جميع بدنها عورة إلا الوجه.
__________
(1) لفظه في (الجامع): عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة زوج النبي ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيب ظهور قدميها، أخرجه الموطأ وأبو داود، وفي رواية أخرى لأبي داود عن أم سلمة أنها سألت النبي أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال : ((إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها)) قال أبو داود: رواه جماعة موقوفاً على أم سلمة، ولم يذكروا النبي .
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلقوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. وأراد الكحل والخاتم هكذا جاء في التفسير.
وأما ثانياً: فلقوله : ((إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها ))(1).
وفي هذا دلالة على أنهما ليسا عورة كما قلناه.
قالوا: جميع بدنها عورة حتى ظفرها محتجين بقوله : ((النساء عيٌّ وعورات )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا نقول بموجبه وهو أن النساء كلهن عورات إلا ما خرج عن كونه عورة بدليل شرعي.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة المبيحة لما تناولته فيجب العمل بموجب الأخبار فيما تناولته حذراً من تناقضها وتدافعها، وهذه طريقة مرضية أعني الجمع بين الأدلة الشرعية.
الفرع الرابع: في الأمَة.
قال الإمام القاسم: ولها أن تصلي بغير قناع لما روي أن عمر رضي الله عنه رأى أمة لآل أنس بن مالك قد قنعت رأسها فجذب قناعها وضربها بالدرة وقال: يالكاع اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر. فإذا عرفت هذا فما حد العورة من الأمة؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن عورتها ما بين السرة والركبة وهذا هو رأي أئمة العترة وهو الأصح من أقوال الشافعي.
قال الإمام أبو طالب: والأمة كالرجل في العورة.
والحجة على ذلك: ما روي أن أبا موسى الأشعري تكلم على المنبر وقال: لا أعرف أحداً أراد أن يشتري أمة فينظر ما بين السرة والركبة لا يفعل ذلك أحد إلا عاقبته. ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع على حكم المسَلَّمة لسكوتهم عن النكير عليه وفي هذا دلالة على كونه حجة.
__________
(1) وأخرج أبو داود عن جابر أن رسول الله قال: ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)) قال: فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها.
المذهب الثاني: أن جميع بدنها عورة إلا مواضع التقليب عند شرائها وهو ما يبدو عند مباشرة الخدمة مثل الكفين والذراعين والساقين والرأس، لأن ذلك تدعو الحاجة إليه وتمس إلى كشفه وما سواه لا تدعو الحاجة إليه ولا إلى كشفه فهو ممنوع منه، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
المذهب الثالث: أن عورتها كعورة الحرة خلا أنها تكشف رأسها لحديث عمر وهذا أيضاً يحكى عن الطبري من أصحاب الشافعي.
والمختار: ما قاله علماء العترة لما ذكرناه من حديث عمر وحديث أبي موسى وسكوت الصحابة رضي الله عنهم عليه وفي هذا دلالة على صحته.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: جميع بدنها عورة إلا مواضع التقليب.
قلنا: قد قررنا أن عورتها ما بين السرة إلى الركبة فإن كان مواضع التقليب تدخل فيما بين السرة إلى الركبة فلا وجه له لحديث أبي موسى، وإن كان مواضع التقليب ما وراء ما بين السرة والركبة فهذا مسلم ولا ننكره وهو موضع اتفاق.
قالوا: إن عورتها عورة الحرة خلا أنه لابد من كشف رأسها.
قلنا: هذا فاسد فإن المعلوم من حال الخلف والسلف من المسلمين بل الإجماع منعقد على أن حال الإماء مخالف لحال الحرائر من النساء في العورة وأن أحداً من العلماء لم ينكر تقليب الأمة في حال شرائها لما ذكرناه من أعضائها، وفي هذا دلالة على جواز الإطلاع على ما ذكرناه من الإماء بخلاف عورة الحرائر فافترقا.
الفرع الخامس: الأمة المدبرة والمكاتبة وأم الولد. فنذكر ما يتعلق بهن ثم نذكر ما يتعلق بعورة الخناثى ثم نردفه بعورة غير البالغين، فهذه أحكام ثلاثة نذكر ما فيها بمعونة الله:
الحكم الأول: في المدبرة والمكاتبة. وحكمهما حكم المملوكة في العورة لأن كل واحدة من هاتين بصدد الرق على تقدير العجز في المكاتبة وتقدير إفلاس السيد في حق المدبرة.
فأما أم الولد فهل تكون لاحقة بالمملوكة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها لاحقة بالمملوكة في حق العورة وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة.
ووجهه: أنها مضمونة بالقيمة فأشبهت المملوكة.
وثانيهما: أنه يجب عليها التقنع، وهذا محكي عن مالك وابن سيرين.
ووجهه: أنها قد ثبت فيها سبب الحرية بمطلق الإستيلاد على رأي من يمنع من بيعها، وإما بموت السيد على رأي من جوَّز بيعها.
والمختار: هو الأول: لأنها بصدد الرق ولهذا يجوز بيعها كما سنوضحه في التدبير بمعونة الله تعالى.
الحكم الثاني: في الخناثى الذين التبس حالهم في الذكورة والأنوثة. فينظر في حاله فإن كان رقيقاً كانت عورته كعورة الأمة من السرة إلى الركبة، وإن كان حراً فإنا نأمره بستر جميع بدنه إلا الوجه والكفين لجواز أن يكون امرأة فإن خالف وستر ما بين السرة والركبة ثم صلى فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها غير لازمة لاحتمال أن يكون رجلاً.
وثانيهما: أنها لازمة له الإعادة لأن ذمته قد اشتغلت بفرض الصلاة وهو شاك في إسقاطها والأصل بقاؤها في ذمته.
والمختار: هو الأول لقوله : ((لا ظهران في يوم)).
الحكم الثالث: في عورة الصبي والصبية. فينظر في حالهما فإن كانا في حال التربية جاز الإطلاع على عورتهما؛ لأنهما غير مستقلين بأنفسهما ومحتاجان إلى المعالجة لأحوالهما والتعهد لمصالحهما، وفي الستر مشقة وحرج فلهذا سقط، وإن كانا قبل التسع وجب الستر للقبل والدبر لأن ذلك ممكن في حقهما فلهذا لم يكن ساقطاً، وإن كانا بعد التسع كانت عورتهما عورة البالغين من الرجال والنساء لأن ذلك زمان البلوغ فلهذا وجب الستر كالبالغين.
الفرع السادس: اعلم أنا قد ذكرنا وجوب ستر العورة في غير الصلاة، وأوضحنا أحوال العورة في الرجال والنساء والمماليك واللبَّس والأطفال، ونحن الآن نذكر وجوب ستر العورة في الصلاة وما يتعلق بها، ويتم المقصود بذكر أحكام:
الحكم الأول: هل يجب ستر العورة في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن سترها واجب في الصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي عن الفريقين.
والحجة على ذلك قوله تعالى:{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف:31]. وظاهر الأمر للوجوب وأدنا الزينة: ستر العورة في الصلاة، وليس يتعلق بالمساجد إلا الصلاة والعبادة فلهذا كانت واجبة.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ }[المدثر:4]. وإذا وجب تطهيرها للصلاة وجب لبسها لستر العورة لأنه لا فائدة في تطهيره للصلاة إلا بلباسه.
الحجة الثالثة: ما روت عائشة عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ))(1).
ومعناه: التي بلغت المحيض، وإذا وجب ذلك في حق النساء وجب في حق الرجال إذ لا قائل بالفصل.
المذهب الثاني: أنه لا يجب ستر العورة في الصلاة. وهذا هو المحكي عن مالك وعنه في ذلك ثلاث روايات:
الرواية الأولى منها: حكي عنه أنه من صلى مكشوف العورة لم تجب عليه الإعادة وفي هذا دلالة على أن الستر للعورة غير واجب.
الرواية الثانية: أنه إن قصد أن يصلي مكشوف العورة بطلت صلاته.
الرواية الثالثة: أن ستر العورة غير واجب في الصلاة وإنما هو مستحب.
والحجة على هذا: هو أن شروط الصلاة إنما تجب بأمر شرعي فما ورد من الأدلة على اشتراط الستر في الصلاة بلفظ الأمر فإنه محمول على الاستحباب وما رود من ذلك بغير لفظ الأمر فليس فيه دلالة على الوجوب فلما كان الأمر هكذا قضينا بامتناع اشتراط ستر العورة في الصلاة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من وجوب اشتراط ستر العورة.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا، وهو ما رواه القاسم عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت بغير خمار ))(2).
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة، والحائض هنا: التي بلغت الحيض، أي المكلفة سواء كانت من ذوات الحيض أم لا.
(2) سبق معناه في الحديث السابق، ولعلهما حديث واحد مع اختلاف في اللفظ.
وما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فليستتر بثوبه )). فهذه الأخبار كلها دالة على وجوب سترة العورة في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره مالك.
قوله: إن شروط الصلاة إنما تجب بأمر شرعي، ولا دلالة شرعية على وجوب ستر العورة في الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن نهاية الأمر في هذه الحجة هو عدم الدلالة على هذا الشرط ولسنا ننكر ذلك فإنا لا نوجب شرطاً في الصلاة من غير دلالة، فإذن النزاع بيننا وبين مالك مرتفع فهو يسلم إذا كانت هناك دلالة شرعية وجب قبولها ونحن نسلم أنه إذا لم يكن هناك دلالة شرعية فلا معنى لإيجابه، فقد ارتفع النزاع على هذه الصورة.
وأما ثانياً: فلأنا قد دللنا على وجوبه بما أوردنا من الآيات والأخبار الدالة على وجوب اشتراطه في الصلاة بما لا مدفع له إلا بالمكابرة والجحود.
ومن وجه آخر: قياسي، وهو أن الصلاة عبادة لها تعلق بالكعبة فوجب اشتراط ستر العورة فيها كالطواف.
الحكم الثاني: إذا انكشفت عورة المصلي في الصلاة فهل تبطل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إذا انكشف شيء من العورة مع القدرة على الستر بطلت الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن هذا حكم يتعلق بالعورة فاستوى فيه القليل والكثير كالنظر.
المذهب الثاني: أنه إن انكشف من العورة المغلظة قدر الدرهم لم تفسد صلاته، وإن انكشف أكثر من ذلك بطلت صلاته، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: قولهم: كلما صحت الصلاة مع كثيره حال العذر فرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر كالمشي والعمل.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن رسول الله قال: ((لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت )).
ووجه الدلالة من هذا: هو أنه نهى عن كشف الفخذ والنظر إليها ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها ولا بين قليل العورة وكثيرها والنهي يقتضي الفساد خاصة في العبادات.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: كلما صحت الصلاة مع كثيره للعذر فرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر كالمشي والعمل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما: من جهة الفرق. وحاصله: أن العمل اليسير إنما لم يكن مبطلاً للصلاة لأنه لا يمكن الإحتراز منه وتلحق به المشقة بخلاف ستر القليل من العورة فإنه يمكن التحرز منه ولا يلحق به مشقة، فلهذا لم يعف عنه فافترقا.
وثانيهما: من جهة المعارضة، وهو أن ما ذكروه يبطل بترك غسل أعضاء الطهارة فإنه يجوز ترك جميعها حال العذر عند عدم الماء ثم لا يفرق بين ترك القليل والكثير في غير حال العذر.
الحكم الثالث: اعلم أن الذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية، أن العورات كلها مستوية من الرجال والنساء في أنه إذا انكشف شيء منها مقدور على ستره في ركن من أركان الصلاة بطلت عليه صلاته ووجب عليه استئنافها. وهو رأي الشافعي، ولا ينفعه أن يعيد بعد ذلك سترها لأنها قد بطلت كما لو ابتدأها مكشوفة أو انتقض وضوءه فإنه يجب استئنافها.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: العورة ضربان: مغلظة ومخففة، فإذا انكشف من المغلظة وهي السوءتان القبل والدبر من الرجال والنساء وما بين السرة والركبة من النساء، أكثر من قدر الدرهم بطلت الصلاة فأما مقدار الدرهم فما دونه فمعفو عنه لا يبطلها. وأما المخففة منها كالفخذ من الرجال وكالرأس والشعر والبطن والظهر والعضد والشعر من الحرائر، فإذا انكشف شيء منها فإنه لا يبطلها عند أبي حنيفة ومحمد إلا أن يكون المنكشف ربع العضو أو أكثر فإنه يبطلها. وقال: ولا يبطلها إلا أن يكون المنكشف من كل عضو كله أو نصفه، ذكره في (الجامع الصغير)(1).
__________
(1) لعله جامع الأصول لابن الأثير المتوفى سنة 606ه.
وحكي عنه أيضاً: أنها لا تبطل الصلاة إلا أن يظهر العضو الكامل أو أكثر من نصفه، وهذا كله إذا [لم] يسارع إلى سترها وصلى عارياً، فإن سترها على الفور صحت صلاته ومضى عليها ولهم على ما زعموه حجتان:
الحجة الأولى: قولهم: إن كشف العورة جارٍ مجرى النجاسة، وقد تقرر أن النجاسة يختلف قليلها وكثيرها فيعفا عن قليلها دون كثيرها فهكذا حال العورة والجامع بينهما هو: أن كل واحدة منهما شرط في صحة الصلاة.
الحجة الثانية: قالوا: العورة لا يتعدى حكمها عن محلها وموضع كشفها فصارت كالنجاسة في أنها لا يتعدى حكمها عن محلها إلى غيره، وثمرة هذا: أن النجاسة يجب غسلها عن محلها ولا تجب فيها إعادة الوضوء فهكذا حال العورة يجب سترها ولا يجب لأجلها إعادة الصلاة.
والمختار: ما قاله علماء العترة ومن وافقهم.
والحجة على ما قالوه: قوله : ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )). ولم يفصل بين يسير الرأس وكثيره، وقال للذي رآه مكشوف الفخذ: ((غط فخذك))(1)
ولم يخص موضعاً دون موضع، وإذا ثبت أن تغطية الجميع واحدة فمن ترك تغطية شيءٍ منها مع القدرة على ستره بطلت صلاته كما لو ترك أكثر من قدر الدرهم أو ترك أكثر من النصف والربع.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: كشف العورة جار مجرى النجاسة فيجب أن يفترق الحال بين قليلها وكثيرها فهكذا حال العورة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) نقل في (الاعتصام)1/350 عن (أصول الأحكام) و(الشفاء)، أن رسول الله مر بخزيمة وهو كاشف فخذه، فقال: ((غطها فإن الفخذ عورة)).