ومن وجه آخر: وهو أن هذا نهاية الأمر فيه أن يكون مذهباً لأبي بكر وعمر واجتهاداً لهما فلا يلزمنا قبوله، ومذهب الصحابي ليس حجة وإنما الحجة فيما قاله صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الفرع الرابع: ومن أدخل تحت جلده دماً زائداً على مقدار ما يعفى عنه ونبت عليه اللحم فإنه لا يلزمه إخراجه ولا قلعه، كما ذكرناه في مسألة العظم لما في ذلك من الحرج والمشقة، وهما مرفوعان من جهة الشرع.
وحكي عن الشافعي أنه قال في (الأم): يجب عليه أن يخرجه ويقلعه من جلده ويعيد كل صلاة صلاها مع ذلك الدم.
والمختار:ما قررناه في حكم العظم؛ لأنهما مستويان في الحرج والمشقة.
والعجب من الشافعي رضي الله عنه في تهالكه في إيجاب إخراج العظم والدم اللذين انجبر عليهما اللحم وصارا من جملة الجسد ولم يغتفر نجاستهما مع الاتصال، مع علمه بقول الرسول : ((بعثت بالحنيفية السمحة)). وبالتساهل والمسامحة في شيء من النجاسات واغتفارها في صور متعددة كالعفو عن محل النجو بعد الاستجمار على رأيه في السبيلين جميعاً وبالعفو عن طين الشوارع وزبلها المتحقق نجاسته وبالعفو عن دم البراغيث والبق وبالمسامحة عن القيح والصديد في البثرات التي تبدو في الوجه، فكيف أصر على نزع العظم والدم مع الاتصال والإقدام على الحرج والمشقة، ولم يغتفره كما اغتفرها في هذه الصور.
الفرع الخامس: قال الإمام الهادي: ولا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر النساء.
اعلم أن الشعور في تحليلها وتحريمها تجري على ضروب أربعة:
الضرب الأول منها: شعر طاهر لا خلاف في طهارته، وهو شعر ما يؤكل لحمه بعد الذكاة أو الجز في حال الحياة فما هذا حاله فلا خلاف في طهارته إذا لم يتصل به شيء من النجاسات.
الضرب الثاني: شعر نجس ولا خلاف بين أئمة العترة في نجاسته إلا الناصر، وهذا [هو] شعر الكلب والخنزير فإنه [لا] يستثنى شيء منهما سواءً كان مما تحله الحياة أو لا تحله.
الضرب الثالث: شعر طاهر في حال الحياة والممات عند أئمة العترة وهذا هو شعور بني آدم سواءً أخذ في حال الحياة أو في حال الموت.
الضرب [الرابع]: شعر طاهر في حال الحياة والموت، وهذا نحو شعر ما لا يؤكل لحمه ونحو شعر الميتة والكافر.
فإذا عرفت هذا وأرادت المرأة أن تصل شعرها بشعر طاهر من أحد الشعور التي ذكرناها نظرت في حالها، فإن كانت غير ذات زوج ولا سيد في حق الأمة فهل يحرم أو يكره؟ فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أنه يحرم عليها الوصل بالشعور الطاهرة أو بالخرق.
والحجة على هذا: ما روت أسما بنت أبي بكر أن امرأة أتت الرسو فقالت: يا رسول الله إن ابنتي أصابتها حصبة فتمزق شعرها أوَ أَصله؟ فقال الرسول : ((لعن الله الواصلة والمستوصلة " والواشمة والمتشمة والنامصة والمنتمصة والمفلِّجة للحسن المغيرة خلق اللّه، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال))(1).
فأما الواصلة: فهي التي تصل شعرها بغيره، وأما المستوصلة: فهي التي يوصل لها الشعر، وقيل: إن الواصلة هي التي تصل بين الرجال والنساء لفعل الفاحشة، والأول أظهر، وأما الواشمة: فهي المرأة التي تجعل في وجه غيرها من النساء وكفيها ويديها خالاً للحسن بغرزه بالإبرة وبدفنه بالنؤور(2)
وهو الصدأ، والموشومة: هي الطالبة للوشم أن يفعل بها هكذا. هذا هو تفسير أئمة اللغة والمذكور في غريب الهروي(3) وغيره.
__________
(1) راجع لسان العرب ج11 ص 727، والحديث المروي عن عائشة.
(2) في هامش الأصل: النؤور: النيلح وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر. ا ه.…ر. ا ه.
(3) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني، أبو عبيد الهروي صاحب الغريبين، غريب القرآن وغريب الحديث، وقد سبقت ترجمته. أعلام الزركلي 1/210.
وأما في العرف في ديارنا هذه فالواشمة هي التي تغرز حنك المرأة بالأبرة وتدفنه بالنؤور، والمستوشمة هي الطالبة لأن يفعل بها هكذا، وكل هذا إنما يفعل لطلب الحسن، وأما النامصة من النساء فهي التي تزيل الشعر من وجه غيرها وتدقق حاجبها مأخوذ من المنماص وهو الملقاط الذي يزال به الشوك، وأما المنتمصة فهي [التي] يفعل بها ما ذكرنا، وأما الواشرة من النساء فهي التي تشر أسنانها وتدققها تفعل ذلك الكبار من النساء تشبهاً بالصغار، وأما الموشرة فهي التي يفعل بها ذلك، وأما المتفلجات في قوله : ((لعن الله المتفلجات من النساء " )). فهن اللواتي يفرقن بين الأسنان عن الإتصال. فهذا الخبر دال على التحريم لما فيه من الوعيد باللعن ومثل هذا إنما يكون على الأفعال المحرمة.
الاحتمال الثاني: أن يكون مكروهاً لأنها تغر غيرها بكثرة الشعر وبما ذكرناه من هذه الأفعال وقد نهى رسول الله عن الغرر والتدليس وفي الحديث: ((ليس منا من غش " )). ولا يحرم ذلك عليها لأنه من الزينة بالأمور الطاهرة.
والمختار: هو الأول لما دل عليه ظاهر الحديث وهو دال على التحريم، ولأنها إذا كانت لا زوج لها ولا سيد فالإشتغال بهذه الأفعال يوجب الريبة ويدعو إلى فعل الفاحشة فلهذا كان محرماً.
وإن كان للمرأة زوج أو سيد في حق الجارية فهل يجوز ولا يكره أو لا يجوز؟ فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أنه يجوز ولا يكره.
والحجة على هذا: هو أن لها أن تَزَّين وهذا من الزينة المباحة.
الاحتمال الثاني: أنه لا يجوز، والدليل عليه هو ظاهر الخبر الذي رويناه فإنه لم يفصل بين أن يكون لها زوج أو لم يكن.
والمختار: في ذوات الأزواج وفي الإماء الموطوءات بالملك: تفصيل نشير إليه وحاصله أنا نقول: المأخوذ على من ذكرناه هو استعمال الزينة في كل الأحوال لأجل الدعاء إلى الوطء والاستمتاع.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ}[النور:31]. فقدم البعولة على غيرهم، لما كان استعمال الزينة إنما هو لأجلهم، ولأن غيرهم من سائر الأرحام المحارم لا ثمرة للزينة في حقهن وإنما الغرض ذكر ما يباح من إظهار الزينة. وقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وفي هذا دلالة على استعمال الزينة وأنه لا يبدو فيها لغير الأزواج من الأرحام المحارم إلا ما ظهر وهو موضع الكحل والخاتم والخلخال. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها لبست فتخاً(1)
في أصابعها فرآها رسول الله فقال لها: ((ما هذا يا عائشة " )). قالت: هذه فُتُخ أتجمل بهن لك. فقال: ((أحسنت يا عائشة)).
ومن وجه آخر: وهو أن المأخوذ على ذوات البعول من النساء التجمل بالحلية واستعمال الطيب والتنظف، وكل ما كان داعياً إلى الوطء، وهذا معلوم لا يقع فيه نكير بين المسلمين في جميع ما ذكرناه. فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: الزينة في الوجه هي تحميره وتصفيف الطرة وترحيج(2)
الحواجب وتدقيقها وتفليج الأسنان(3)
ووشم الحنك بغرز الإبرة ودفنه بالنؤور ليكون أسود في مقابلة بياض الأسنان، وإزالة الشعر عن الوجه ليظهر رونقه وبهاؤه فإزالته من ملتقى الحاجبين وهو البلج. وثقب الأذن لتعليق الأخراس(4)
__________
(1) خاتم يكون بفص وبغير فص، اهلسان العرب ج3/40.
(2) في هامش الأصل: الرحج دقة في الحاجبين وطول، ورحجت المرأة حاجبها: دققته وطولته.
(3) في اللسان: وفلج الأسنان تباعد بينها، وثغر مفلج أفلج، ورجل أفلج إذا كان في أسنانه تفرق. اه2/346.
(4) يقصد الأخراص بالصاد المهملة. وفي لسان العرب: الخُرص والخِرص: القرط بحبة واحدة، والجمع: خرصة، وهي حلقة صغيرة من الحلي وهي من حلي الأذن. ا.ه.7/22.
ونقش الوجه بالحبر، والزينة في اليدين يكون بالخضاب بالحناء وتسويدهما بالحبر وهكذا الرِّجلان. فهذه الأمور كلها تكون مستحبة في حق ذوات البعول من النساء ومن كان لها سيد من الإماء، وهكذا القول في استحباب استعمال الطيب ولبس الثياب الغالية، وكل ما يكون داعياً إلى الوطء والإستمتاع فإنه يكون مستحباً لما ذكرناه. فأما الخبر الذي رويناه عن أسما بنت أبي بكر فإنه محمول على وجهين:
أحدهما: أن ذلك إنما ورد في حق من لا زوج لها لأن استعمال هذه الأمور في حق من لا زوج لها لا وجه يدعو إليه ولا ثمرة له فلهذا كان محرماً.
وثانيهما: أنه محمول على من تفعل ذلك لغير الأزواج وهذه عادة الزواني والمومسات، وعلى الجملة فإن هذه الأفعال جارية في حق نساء المسلمين من غير نكير، وفي هذا دلالة على إباحته وعلى كونه مستحباً لقوله : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " )). وبتمامه يتم الكلام على [ما] يتعلق بطهارة الأبدان والله الموفق للصواب
---
الفصل الرابع في بيان العورة ووجوب سترها للصلاة
ستر العورة واجب في غير الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميت ))(1)،
فإن اضطر إلى كشفها للمداواة جاز ذلك؛ لأنه موضع حاجة وضرورة، وهل يجب ستر العورة في حال الخلوة في غير الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك غير واجب لأنه ليس هناك من ينظر إليها، ولم يحرم إلا النظر إليها.
وثانيهما: أنه يجب لقوله : ((لا تبرز فخذك )). ولم يفصل بين أن يكون هناك من ينظر إليها أو لا يكون. وهذا هو المختار لقوله لما سأله رجل فقال: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال له: ((احفظ عورتك إلا على امرأتك أو ما ملكت يمينك)). فقال الرجل: أرأيت لو كان أحدنا في خلوة؟ قال: ((فالله أحق أن يستحيى منه))(2).
فدل ذلك على المنع في الخلوة.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان عورة الرجل وفيها مذهبان:
المذهب الأول: أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول الفريقين ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما بين السرة والركبة عورة ))(3).
المذهب الثاني: أن العورة من الرجل ليست إلا القبل والدبر، وهذا هو رأي داود وطبقته من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: قوله : ((احفظ عورتك إلا على امرأتك أو ما ملكت يمينك )).
__________
(1) أخرجه الترمذي عن ابن عباس.
(2) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وكانت له صحبة، قال: قلت: يا رسول الله...إلخ، أخرجه أبو داود والترمذي.
(3) لفظه في (المهذب) كما في (جواهر الأخبار): لما روى أبو سعيد الخدري عن النبي قال: ((عورة الرجل ما بين سرته وركبته)).
قال في(التلخيص): حديث أبي أيوب: ((عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته)) أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه، واسناده ضعيف، فيه عباد بن كثير، وهو متروك، ا ه1/226.
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أن السابق إلى الفهم من اسم العورة إنما هو القبل والدبر فلهذا وجب قصرها عليهما.
والمختار: ما قاله علماء العترة وفقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((الفخذ عورة ياعلي لاتنظر إلى فخذ حي ولا ميت))(1).
فأثبت بما ذكرناه أن غير القبل والدبر عورة وفي هذا دلالة على بطلان ما قالوه من قصر العورة على القبل والدبر.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: السابق إلى الفهم من العورة هو القبل والدبر فلهذا حملنا ما ورد من الأخبار عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أنه مقصور على إفادة القبل والدبر فما قلتموه لابد عليه من دلالة ولا دلالة على ما قالوه.
وأما ثانياً: فلو سلمنا ما ذكروه من أن السابق[إلى الفهم] عند الإطلاق من اسم العورة القبل والدبر لكنا نأخذ ما سوى القبل والدبر من دلالة ثانية فبطل ما قالوه.
الفرع الثاني: في السرة والركبة، هل تكونان عورة كلتاهما أو إحداهما؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الركبة عورة والسرة ليست بعورة، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وعطاء.
والحجة على هذا: ما نقرره، فأما الركبة فالذي يدل على كونها[عورة] قوله : ((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته فهو عورة " ))(2).
ووجه الحجة من هذا الخبر: وهو أن ظاهره دال على أن ما تحت السرة عورة ثم قال: ((إلى الركبة)). فدل ظاهره على أن ما دونهما ليس عورة فبقيت الركبة في الجملة التي هي عورة.
ومن وجه آخر: وهو أن الحد قد يدخل في المحدود وقد لا يدخل فهو موقوف على الدلالة الشرعية وكلا الأمرين محتمل، لكنا نُغَلِّب جانب الحظر على جانب الإباحة من جهة أن الحظر أحوط للدين خاصة فيما يتعلق بجانب العبادات فهو لا محالة أرجح من الإباحة.
__________
(1) أخرجه أبو داود عن علي.
(2) حكاه في(الشفاء).
وأما السرة فالذي يدل على أنها ليست من العورة، أمران:
أما أولاً: فقوله في هذا الخبر: ((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته فهو عورة " )) فعلق العورة على ما كان أسفل من السرة فبقيت السرة على حكم الأصل في أنها ليس عورة.
وأما ثانياً: فلما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للحسن بن علي: أرني الموضع الذي كان رسول الله يقبله منك: فكشف عن ثوبه فقبل أبو هريرة سرته، فدل ذلك على أنها ليست عورة.
المذهب الثاني: أن السرة والركبة جميعاً ليستا من العورة، وهذا هو الأصح من أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته " ))(1).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه جعل عورة الرجل ما بين السرة والركبة ولفظ البين يستعمل في الوسط بين الشيئين، فيقال: فلان بيني وبينك. فإذن العورة ما بينهما وهما غير داخلين في العورة.
المذهب الثالث: أنهما جميعاً من العورة وهذا هو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: أما عورة الركبة فقد ذكرنا دليله وأما عورة السرة فالحجة عليه ما روى أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله أنه قال: ((ما فوق الركبتين عورة " )). وأجمعنا على أن ما فوق السرة ليس بعورة فبقيت السرة تحت العموم في كونها عورة.
المذهب الرابع: أن السرة عورة والركبة ليست بعورة وهذا هو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((ما بين السرة إلى الركبة عورة )).
ووجه الدلالة من هذا: هو أنه جعل الركبة غاية للتحريم وحداً له فيجب ألا يدخل الحد في المحدود لأن غاية الشيء حده ومنقطعه.
__________
(1) رواه] الحارث بن أسامة في مسنده من حديث أبي سعيد وفيه شيخ الحارث داود بن المحبر، رواه عن عباد بن كثير، عن أبي عبد الله الشامي، عن عطاء عنه، وهي سلسلة ضعف إلى عطاء. اهبلفظه من الجواهر 1/226.
والحجة على أن السرة عورة: ما ذكرناه من حديث أبي أيوب الأنصاري وهو قوله : ((ما فوق الركبة عورة )). ولم يفصل فدل على دخوله في العورة. فهذه هي المذاهب في بيان عورة الرجل قد ذكرنا وجوهها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة من كون الركبة عورة والسرة غير عورة.
والحجة: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن علي أنه قال: سمعت رسول الله يقول: ((الركبة عورة))(1).
وهذا نص في كونها عورة لا يحتمل التأويل.
فأما الدلالة على أن السرة غير عورة فهي أن الأدلة إنما تناولت الركبة في التحريم فبقي ما عداها على أصل الإباحة إلا ما دلت عليه دلالة شرعية.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
واعلم أن معتمدنا فيما ذهبنا إليه إنما هو سنن منقولة عن الرسول ، وما ذكروه أقيسة ضعيفة والأقيسة لا تعارض الأخبار خاصة في باب العبادات في الطهارة وستر العورة فإنه لا مجرى للأقيسة فيها.
قالوا: روي عن رسول الله أنه قال: ((ما بين السرة إلى الركبة عورة " )).فجعل الركبة غاية للتحريم وقد تدخل الغاية كقوله [تعالى]: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ }[المائدة:6]. وقد لا تدخل كقوله[تعالى]: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }[البقرة:187]. وإذا كان الأمر هكذا بطل الاحتجاج لأجل ما ذكرناه من الاحتمال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أجمعنا على تحريم الفخذ وأنه من العورة. والفخذ: عبارة عن العظم من عند الورك إلى ملتقى الساق، وقد علمنا أن بعضه داخل في الركبة، وبعض الساق أيضاً داخل فيه من جهة أن المفصل يجمعهما فلهذا وجب دخولها؛ لأنه لا يتم تحريم الفخذ إلا بدخول جزء من الركبة، ومن قال بتحريم البعض قال بتحريم الكل فلهذا وجب دخولها في التحريم.
__________
(1) حكاه في (الشفاء).
وأما ثانياً: فلو سلمنا أن الركبة حدٌ وأن الحد ربما دخل في المحدود وربما لم يدخل، لكن الدلالة التي ذكرناها وروينا فيها الأخبار دالة على دخولها فوجب القضاء بدخولها للدلالة وبطل الاحتمال لما ذكرناه.
قالوا: روى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((ما فوق الركبتين عورة )). وفي هذا دلالة على خروج الركبة من العورة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قوله: ((ما فوق الركبتين )). أن الفوق إنما ذكر على جهة الصلة والتأكيد. والغرض: الركبتان فما فوقهما عورة كما قال تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ }[الأنفال:14]. أي: الأعناق.
وأما ثانياً: فهب أنه محتمل هاهنا، لكن الأخبار التي رويناها ترفع هذا الاحتمال لكونها صريحة في المقصود فلهذا حمل هذا عليها وفيه حصول الغرض.
الفرع الثالث: في بيان عورة المرأة، وفيها مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، وهذا هو رأي الهادي في (الأحكام) والذي حصله السيدان الأخوان للمذهب، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وقيل في تفسيرها: إنه موضع الكحل والخاتم. وهو الذي اختاره القاسم في رواية النيروسي وهو أن القدمين من المرأة عورة كرأي الهادي وما عدا ذلك من شعرها وبشرها فهو عورة لقوله : ((النساء عيٌّ وعورات ))(1).
ولم يخرج عن هذا إلا ما قام الدليل على كونه [غير] عورة ولم يقم إلا على ما ذكرناه، فبقي ما عدا الوجه والكفين على المنع والتحريم.
__________
(1) حكاه في (الشفاء)، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود أن النبي قال: ((المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) ا ه. واستشرف الرجل الشيء: إذا نظر إليه نظر متطلع متحقق، كما فسره في (الجواهر).