المذهب الأول: أنه يكون مفسداً للصلاة، وهذا هو المحكي عن محمد بن يحيى، ورأي السيدين أبي طالب وأبي العباس إذا لم يخش حراً أو برداً فإن خشي ذلك جاز له ولم يكن مفسداً.
والحجة على ذلك: ما روى رفاعة عن الرسول أنه قال لمن علمه الصلاة: ((ثم تستقبل القبلة ثم تكبر)) إلى أن قال: ((ثم تسجد فتمكن جبهتك من الأرض))(1) .
وإذا كان على الأرض شيء مبسوط فهو مخصوص بالدلالة وليس كلامنا في هذا وإنما كلامنا في كور العمامة.
الحجة الثانية: قياسية: وهي أن هذا فرض يتعلق بالجبهة فوجب مباشرة الجبهة له من غير عذر. دليله: الطهارة عن الحدث.
المذهب الثاني: جوازه مع العذر وكراهته من غير عذر، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه سجد على كور العمامة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة القاسم والهادي والناصر ومحمد بن يحيى وأبو طالب وأبو العباس وهو رأي الشافعي.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا: وهو ما روى خباب بن الأرت(2)
قال شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا وأكفِّنا فلم يُشْكِنَا(3)
فدل ذلك على وجوب السجود على الجبة من غير حائل.
الانتصار: يكون بالجواب عما قالوه.
__________
(1) تقدم.
(2) أبو عبد الله خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد التميمي، صحابي معروف شهد بدراً، وكان قيناً في الجاهلية، روى عن النبي ، وروى عنه أبو أمامة الباهلي وابنه عبد الله وقيس بن أبي حازم وغيرهم. وفي (تهذيب التهذيب) 3/115: قال ابن سعد: أصابه سبأ فبيع بمكة، ثم حالف بني زهرة وأسلم قبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يعذبون بمكة، وحكى الباودردي: أنه أسلم سادس ستة، وحكى ابن عبد البر في (الإستيعاب) أنه شهد صفين مع علي، مات بالكوفة سنة 37هوهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وصلى عليه علي بن أبي طالب، وقيل غير ذلك.
(3) في حاشية الأصل: تمامه: وأمرنا أن نصلي إذا زالت الشمس.
قالوا: روي عن الرسول أنه سجد على كور العمامة.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الخبر محمول على أن هناك عذراً من حرٍ أو بردٍ ولا خلاف بيننا إذا كان مع العذر.
وأما ثانياً: فلعله سجد على كور العمامة وبعض الجبهة، ومثل هذا فهو مجزٍ فإنه ليس الواجب السجود على كل الجبهة.
وأما ثالثاً: فلأن ما أوردناه من الأخبار أظهر من هذا الخبر فلهذا كان ما قلناه أرجح لأن الرواية فيه أشهر وأظهر.
قالوا: إن الرسول أمر الأعرابي بالسجود، وهذا فقد سجد على الكور وهو يسمى ساجداً.
قلنا: أمره بالسجود الشرعي لأنه إنما يتكلم بشرعه، والظاهر أن السجود الشرعي إنما هو بكشف الجبهة كما قال لمن علمه: ((مكن جبهتك من الأرض )) .
قالوا: إذا جاز السجود مع الحائل المنفصل جاز مع الحائل المتصل والكور متصل والبساط والحصير منفصلان.
قلنا: ولاسواء فإن الحصير والبساط مما لا خلاف في السجود عليهما مع الإنفصال بخلاف كور العمامة فإن فيه النزاع، وهي مسألة الخلاف فافترقا بدليل خبر خباب بن الأرت.
الضرب الثالث: في بيان ما يستحب، ويستحب خلاف ما يكره.
قال الإمامان القاسم والهادي: ويستحب السجود على حضيض الأرض وهو التراب لما روى زيد بن علي عن علي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا )) . فتبين بهذا الحديث أن الله خص رسول الله بأن جعل له الأرض موضعاً للسجود. وفي هذا دلالة على الترغيب في السجود عليها، ويستحب السجود على الرمل والحصى والرضراض(1)
__________
(1) الرضراض: ما دق من الحصى. ا هلسان، وفي القاموس: الحصى أو صغارها. ا ه.
لما روي عن الرسول أنه رأى أصحابه يدخلون [إلىالمسجد] شيئاً من الرمل والحصى والرضراض فقال: ((ما أحسن هذا))(1) .
فدل ذلك على استحبابه. ويستحب لكل مُصَلٍ تعفير الوجه بالسجود لله تعالى وأن يضع جبهته على التراب والحضيض لما روي عن الرسول أنه قال لأعرابي: ((عفر جبينك بالتراب " ))(2) .
وروي عن علي بن الحسين أنه كان يقوم على البساط ويسجد على التربة، وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان لا يسجد إلى على التراب. فإذا كان يصلي على حصير في المسجد أو في غيره أُدخل له تراب يسجد عليه. ويستحب أن يسجد على ما أنبتت الأرض من حصير أو قطن أو كتان، لقوله : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) . وهذا من الأرض فلهذا كان مستحباً.
وروى ابن عباس عن رسول الله أنه كان يسجد على الحصير، وروي عن الهادي أنه كان يقوم على الحصير ويسجد على التراب. وتستحب الصلاة في البساتين لما روى معاذ بن جبل أن النبي كان يستحب الصلاة في البساتين. حكاه الترمذي.
وتجوز الصلاة على الثلج والجليد إذا كانا ملبدين؛ لأنهما عين طاهرة صالحة للسجود ولا يعرف فيه خلاف.
قال الإمام المؤيد بالله: وتجوز الصلاة على الفرش المرتفعة إذا كانت جبهة المصلي مستقرة على موضع سجوده لأنها عين طاهرة تصلح للسجود فأشبه الصلاة على الحصير والبساط.
وهل تكره الصلاة على الشعر والوبر والصوف والمسوح واللبود؟ فالصوف من الغنم والشعر من المعز والوبر من الإبل واللبد: هو الصوف الملبد، والمسح: هو ثوب من شعر، فيه مذهبان:
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن ابن عمر 1/145 بلفظ: عن أبي الوليد قال: سألت ابن عمر عن الحصى الذي كان في المسجد فقال: إنا مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة فجعل الرجل يجيء بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته فلما قضى رسول الله صلاته قال: ((ما أحسن هذا)) .
(2) أخرج الترمذي عن أم سلمة قالت: رأى النبي غلاماً لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ، فقال : ((يا أفلح ترب وجهك)) .
المذهب الأول: أن ذلك يكره، وهذا هو المحكي عن الإمامين القاسم والهادي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) . وما روي عن الرسول أنه صلى على حصير.
ووجه الدلالة من هذين الخبرين: هو أنهما دالان على السجود على الأرض وعلى ما أنبتته الأرض، والتعفير بالأرض فيه نهاية الخضوع فيجب أن يكون مستحباً وما عدا ذلك يجب أن يكون خارجاً عن حكم الاستحباب. ولا نعني بالكراهة إلا ذلك فهذا معنى قولنا: أنه مكروه. فإن صلى على ما ذكرناه كان مجزياً لأنه صلى على موضع طاهر فصار كما لو صلى على ما أنبتت الأرض، وحكى بعض أصحاب الشافعي عن الرافضة: أنه لا يجزئ، وهذا قول خارق للإجماع فلا يلتفت إليه، فإن الإجماع منعقد على أن الصلاة [على ما ذكرناه] مجزية ومسقطة للفرض.
المذهب الثاني: أن الصلاة غير مكروهة على الصوف والوبر والشعر والمسوح واللبود، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله وهو قول كافة العلماء.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يصلي على نمرة، والنمرة: كساء من صوف فيه خطوط. وهذا هو المختار، ويدل عليه ما روى ابن عباس أن الرسول كان يصلي على الخُمرة، والخمرة: ثوب من صوف. وحكى الترمذي في صحيحه أن أكثر أهل العلم من الصحابة رضي الله عنهم لم يروا بالصلاة على البسط والطنافس(1) بأساً.
__________
(1) الطنفسة: مثلثة الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء والعكس، واحدة الطنافس للبُسُط والثياب والحصير من سعف، عرضه ذراع. ا ه. قاموس.
ويؤيد ذلك ما روي عن الرسول أنه كان له كساء يصلي عليه من صوف وكان فيه خطوط فشغلته تلك الخطوط في الصلاة فقال: ((أرسلوا به إلى أبي جهم (1)
وائتوني بانبجانية))(2) .
والإنبجاني: كساء أبيض ليس فيه خطوط.
ومن وجه آخر: وهو أن لباس الصوف فيه خشوع وتذلل وهو لباس الصالحين وأهل الدين والنسك فإذا جاز لباسه جازت الصلاة عليه من غير كراهة، ولأنه ثوب حلال طاهر فجازت الصلاة عليه كالحصير وما أنبتت الأرض.
والمصلي إذا صلى على حصير غليظ وكانت النجاسة متصلة به أو صلى على ثوبين قد خيط أحدهما إلى الآخر وكان ما يلي الأرض نجساً فهل تجوز الصلاة في الحصير وفي الثوبين أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن الصلاة غير مجزية فيما ذكرناه وهو اختيار السيد المؤيد بالله ورأي الحنفية؛ لأن الحصير وإن غلظ فهو كالشي [الواحد] والثوبان قد صارا بالخياط كالثوب الواحد فلهذا لم تجز الصلاة لأجل الإتصال.
وثانيهما: أن الصلاة جائزة، وهذا هو رأي الإمام المنصور بالله والحقيني(3)
__________
(1) أبو جهم بن حذيفة بن غانم، ينتهي نسبه إلى عدي كعب القرشي العدوي. قيل اسمه: عامر، أسلم عام الفتح وصحب النبي ، وكان مقدماً في قريش وأحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ منهم علم النسب، قيل: إنه شهد بنيان الكعبة في الجاهلية، وشهد بنيانها في أيام ابن الزبير، وتوفي في ذلك العهد، وقيل: بعده.
(2) أخرجه البخاري عن عائشة. ج1 ص 146.
(3) علي بن جعفر بن الحسن بن عبيد الله بن علي بن الحسين المعروف بالحقيني، نسبة إلى قرية سكن بها يقال لها: حقينة بالقرب من المدينة. ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب" قال في تراجم رجال الأزهار 3/24: أبو الحسن الإمام الهادي المعروف بالحقيني الصغير والكبير والده.
قال حميد الشهيد: أجمع أهل عصره على أن سبع علمه [كاف] للإمامة، قام في أرض الديلم سنة 472ه، وكان فقيهاً متكلماً، قائماً بأمر الله إلى أن وثب عليه رجل حبشي في المسجد فقتله في يوم الاثنين في رجب سنة 490ه. ا هله مؤلفات وآراء واجتهادات كثيراً ما ترد في مؤلفات رجال المذهب.
ومحكي عن الشافعي؛ لأن غلظ الحصير يبعده عن مباشرة النجاسة كما لو ردمت الأرض بالتراب لم يضر المصلي ما في باطنها من النجاسة، وهكذا حال الثوبين ولو خيطا وكان أحدهما نجساً فإنه ينزل منزلة ما لو بسط ثوباً على بساط نجس فكما أن هذا يصح فهكذا ما ذكرناه وهذا هو المختار، لأن المقصود أن يكون ما يلاقي المصلي طاهراً وهذا حاصل في الحصير الغليظ وفي الثوبين المخيط أحدهما إلى الآخر فإنه يلاقي الطاهر فلهذا كانت صلاته مجزية. فهذا ما أردنا ذكره فيما يتعلق بطهارة الأثواب
---
الفصل الثالث في بيان ما يتعلق بطهارة الأبدان
اعلم أن الأثواب كما يجب تطهيرها للصلاة فهكذا حال الأبدان. ويتعلق بالبدن طهارتان، طهارة الحدث، وطهارة النجاسة.
فأما طهارة الحدث: فقد مضى الكلام عليها.
وأما طهارة البدن من النجاسة: فهي واجبة على كل مصلٍ لقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }[المدثر:5]. ولم يفصل، ولأنه إذا وجب تطهير البقعة والثوب عن النجاسة للصلاة فتطهير البدن أولى وأحق لأن طهارته أخص بالصلاة وأكثر ملابسة لها من الثوب والبقعة ولأنا قد دللنا على وجوب إزالة النجاسة من البول والغائط من البدن فهكذا سائر النجاسات يجب إزالتها من الأبدان، هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: وإذا كان على بدن المصلي نجاسة غير معفو عنها نظرت، فإن وجد ما يغسلها به وجب عليه غسلها لأنه ممكن فلهذا لم يسقط وجوبه، وإن لم يجد ما يغسلها به صلى على حالته كمن لم يجد ماء ولا تراباً، وهل يعيد الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر فلا يعتد به فصار كأنه ترك الصلاة من غير عذر.
وثانيهما: لا تلزمه الإعادة، وهذا هو المختار لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)).
فإن كان على جرحه دم يخاف من غسله تلف النفس أو تلف عضو من أعضائه أو خشي زيادة في علته أو حدوث علة أخرى أو خشي إبطاء العلة، فإنه يغسل ما أمكنه غسله ويتيمم لأجل الجراحة إن كان جنباً. وإن كان محدثاً والجراحة في أعضاء الوضوء. فهل تلزمه الإعادة إذا قدر على الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الإعادة غير لازمة وهذا هو قول أبي حنيفة واختيار المزني من أصحاب الشافعي؛ لأنه صلى على حسب حاله وعلى ما أوجب عليه الشرع فلا إعادة عليه كما لو كان صحيحاً.
وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه من الخبر في قوله: ((لا ظهران في يوم)).
الفرع الثاني: في من انكسر عظمه أو سقطت ثنيته فأراد أن يبدلهما عظماً آخر نظرت، فإن كان المبدل [به] عظماً طاهراً كعظم الحيوان المأكول بعد الذكاة جاز ذلك لأن فيه منفعة ولم يمنع منه مانع، وإن كان عظماً نجساً نحو عظم الكلب والخنزير والميتة إذا قلنا بأنها تحلها الحياة فهي نجسة، فإن ما هذا حاله لا يجوز له فعله لأجل النجاسة فإن فعل جرأة على الله تعالى في استعمال النجاسة أو كان لا ينفعه غيره فهل يجب عليه كسره وإخراجه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يلزمه إخراجه، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله ليس بأكثر من نجاسة الدم الذي في باطنه لأنه صار في اتصاله واندمال اللحم عليه بمنزلة الدم الحاصل في العروق.
المذهب الثاني: وهو رأي الشافعي، أنه يلزمه قلعه إذا لم يخش التلف فإن امتنع أجبره السلطان على قلعه فإن مات قبل قلعه لم يلزم قلعه لأن الجميع قد صار نجساً بالموت والله تعالى حسبه فيما فعل من الصلاة مع النجاسة في حال حياته. فإن خيف من قلعه التلف فقد اختلف فيه أصحابه، فمنهم من قال: لا يقلع لأن حكم النجاسة قد سقط لأجل الضرورة كما يقول في دم المستحاضة وسلس البول، ومنهم من قال: يقلع فإن مات بالقلع فالحق قتله كما يقول فيمن قطعت يده بالسرقة ثم مات.
والحجة للشافعي فيما ذهب إليه، ما حكيناه عنه، وهو قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ " }[المدثر:5]. والعظم النجس من جملة الرجز فوجب هجرانه.
والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله.
والحجة عليه: ما أسلفناه ونزيد هاهنا، وهو أن هذه النجاسة لا يمكن إزالتها إلا بحرج ومشقة واحتمال ألم فلهذا سقط حكمها في الإزالة لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وقوله تعالى: {يُرِيدُ الَّلهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]. ولا حرج ولا عسر أعظم من تقطيع الجسم لإزالة هذه النجاسة، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: هو أن النجاسة في الفرجين سقط غسلهما عند الفقهاء وما ذاك إلا من أجل عموم البلوى فإذا كان غسلهما ساقطاً لعموم البلوى فكيف لا يسقط ما هذا حاله لأجل ما فيه من الحرج والمشقة بالتقطيع للجسم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن الله تعالى يقول: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}[المدثر:5] فيجب القضاء بهجرانه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه ليس في الآية ما يقتضي العموم لأن الإسم المفرد لا دلالة فيه على العموم إلا بقرينة ولا قرينة هاهنا تقتضي عمومه.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونه دالاً على العموم فهو مخصوص بالدلالة بصور كثيرة وما ذكرناه من الأدلة يعارض عمومه ويقضي بخلافه.
قالوا: العروق لا تنفك عن اتصال الدم بها فسقط حكمه فلا يلزم إخراجها منها للضرورة وليس كذلك في مسألتنا فإنه لا ضرورة تدعو إلى ترك العظم النجس في بدنه.
قلنا: إذا انجبر العظم ونبت اللحم عليه كانت الضرورة داعية إلى تركه من حيث يخشى الضرورة والتلف بتقطيع جسده.
ومن وجه آخر: وهو أنها نجاسة حاصلة في باطن بدنه فلم يجب إخراجها كما لو شرب الخمر وتناول الميتة فإنه لا يلزمه إخراجها بالتقيء.
قالوا: نجاسة وصلت إلى موضع لا يحتملها فوجب أن يلزمه قلعها عند عدم الضرورة كما لو ألصقها بظاهر البدن.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل: هو أن النجاسة لم تحصل في باطن البدن بخلاف مسألتنا.
وأما ثانياً: فلأن مقصود المسألة والذي عليه التعويل هو ما يلزم من الحرج والمشقة بتقطيع الجسم وإتلافه بإخراج العظم وهو خلافٌ لمقصود الشرع في رفع المشاق والآلام عن الخلق بالتيسير والتسهيل المعروفين من قصد صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الفرع الثالث: فإن شرب خمراً أو أكل ميتة من غير ضرورة فهل يلزمه التقيؤ أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه التقيؤ، وهو المنصوص للشافعي.
وحجته على هذا: ما ذكرناه في العظم فإنه أوجب نزعه بكل حال.
وثانيهما: أنه لا يلزمه التقيؤ لأن المعدة معدن النجاسات وقد صار متصلاً بها فلا يلزم إخراجه منها، وهذا هو المختار على المذهب لأن المعلوم من حال الشَّرَبة للخمر وأَكَلَة الأموال الحرامية من الربا وسائر المظالم، أنهم لم يؤمروا بالتقيؤ لما شربوه وأكلوه بل تجري عليهم الحدود في شرب الخمر ولا يؤمرون بإخراجها من بطونهم، وهذا معلوم من حال السلف والخلف فوجب التعويل عليه.
قالوا: أكل الميتة وشرب الخمر محرمان، واستدامتهما في المعدة محرم أيضاً؛ فلهذا أوجبنا التقيؤ لإزالتهما عن المعدة.
قلنا: إن الله تعالى يريد من الخلق اليسر في جميع الأحوال، والتقيؤ فيه حرج ومشقة؛ فلهذا كان مرفوعاً برحمة الله ولطفه؛ ولهذا فإن من كسر رجله وجنى عليها فإنه لا يكلف أن يصلي قائماً؛ فهكذا ما نحن فيه من شرب الخمر وأكل السحت فإنه لا يلزمه التقيؤ لها.
قالوا: روي أن أبا بكر رضي الله عنه أكل من أجرة غلام له رقى عليه برقى الجاهلية، فلما أخبره بذلك أدخل يده في فيه وتقيأه ثم قال بعد ذلك: اللهم لا تؤاخذني بما في العروق. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه شرب لبناً فقيل له: إنه من إبل الصدقة فتقيأه. وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من إخراجه من المعدة.
قلنا: إن كلامنا في فتوى الشرع وما هو المتوجه من جهة أوامر الشرع ونواهيه وليس كلامنا في أبواب الورع فإن له طريقةً تخالف فتوى الشرع.