أما أولاً: فلأنه من الأعمال المباحة والمساجد إنما عمرت للصلاة والعبادة وذكر الله تعالى.
وأما ثانياً: فلأنه لا يؤمن أن يتنجس المسجد بالاحتلام، فإن وقع اضطرار إلى ذلك ارتفعت الكراهة إما لخوف أو مطر أو مسلم لا يجد أين يأوي لغربته، ويكره دخول المجانين والصبيان وسل الأسلحة وارتفاع الأصوات في الخصومات، والبيع والشراء لما روى واثلة بن الأسقع عن الرسول أنه قال: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانيكم وشرائكم وبيعكم " وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، وجمروها في الجمع واعدوا على أبوابها المطاهر)) .
الضرب الثالث: في بيان الأمور المستحبة. فيستحب خلاف ما يكره، ويستحب إذا رأى نخامة أن يحكها ويجعل مكانها شيئاً من الطيب لما روي عن الرسول أنه رأى نخامة في جدار المسجد فقال لمن كان حوله: ((أروني عبيراً " ))(1) .
__________
(1) عن جابر قال: أتى رسول الله مسجدنا هذا وفي يده عرجون أبن طاب، فرآى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون ثم أقبل علينا فقال: ((أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ فخشعنا، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ فقلنا: لا أينا يا رسول الله، فقال: فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبصق عن يساره أو تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا)) ثم لوى ثوبه على بعض وقال: ((أروني عبيراً)) فثار فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته فأخذ رسول الله الخلوق فجعله على رأس العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم، أخرجه أبو داؤد كما جاء في الجواهر 1/224، وهو طرف من حديث طويل أخرجه مسلم.
…الخلوق بالخاء المعجمة والقاف: نوع من الطيب يتخذ من الزعفران وغيره، وابن طاب: نوع مخصوص من النخل، والعرجون: العود الأصفر المنحني الذي يكون فيه شماريخ الرطب.
والعبير: أخلاط الطيب من الزعفران وغيره، وكان في يده عرجون من النخل فحكها به وحضر العبير فلطخها به، ويستحب أن يجعل في المحاريب شيء من الطيب لأن عمل المسلمين قد جرى عليه وعمدتهم في ذلك هو هذا الحديث الذي حكيناه، ويستحب عقد الأنكحة في المساجد، ويستحب إذا جرت على الإمام والمسلمين نائبة أن يجتمعوا للإشتوار في المسجد؛ لأن ما هذا حاله من الأمور المرضية لله تعالى والمقربة إليه فجرت مجرى سائر النوافل، ويستحب التدريس في المساجد وأخذ العلم وإعطائه لأنه لا يخلو إما أن يكون واجباً فهو كالواجبات من الصلوات، وإما أن يكون مندوباً فهو كالنوافل من العبادات فلهذا استحب فعله في المساجد لما قررناه، وتستحب المناظرة في العلوم في المساجد لطلب الصواب سواء كانت المناظرة في العلوم العقلية أو في العلوم الشرعية إذا كان فيها إنصاف بالوصول إلى الحق من غير أن يكون هناك طول أصوات ولغط وعدم إنصاف فربما يكره ذلك لما فيه من إيغار الصدور وجرح القلوب لعدم الإنصاف، ويستحب للمسلمين إذا لم يكن في بقعتهم مسجد أن يشتروا عرصة ويعمروها؛ لأن الرسول لما دخل المدينة اشترى مسجده وكان مربداً(1)
لابني أخ لأبي أيوب فباعاه منه وشراه وجعله مسجداً له(2)،
__________
(1) المربد: موضع يجفف فيه التمر. ا هلسان. مادة ربد.
(2) جاء في سيرة النبي لابن هشام ج1 ص 141، قصة هجرة رسول الله إلى المدينة وأنه نزل على أبي أيوب الأنصاري وكانت ناقته قد بركت على باب مسجده وهو يومئذٍ مربد فسأل النبي عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي (كانا في حجره يعولهما) وسأرضيهما منه فاتخذه مسجداً، قال: فأمره به رسول الله أن يبنى مسجداً. ا ه. بتصرف.
ويستحب إذا كان ضيقاً أن يوسعه المسلمون فيكون فسيحاً للصلاة وإجتماع المسلمين فيه، ويستحب إذا كان في أمواله سعة أن يتخذ منه بركة أو يحفر بئر للوضوء(1)
لما في ذلك من تمهيد قاعدة الوضوء للصلاة وتسهيل أحوالها، ويستحب إيضاً إذا كان في أمواله فضلة أن ينفق على من يشتغل بالقراءة والذكر والصلاة في المسجد، والتدريس لأن ذلك من أعظم القرب عند الله وأزكى الأعمال، وإن أُوصي للمسجد بعمارة، كانت العمارة بالذكر واجتماع المسلمين من أعظم العمارات لقوله [تعالى]: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الّلهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ " وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الَّلهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}[التوبة:18]. ولنقتصر على هذا القدر مما يتعلق بالمساجد ففيه كفاية لمقدار غرضنا ونرجع إلى التفريع.
الفرع الحادي عشر: والمصلي في السفينة إذا كان لا يمكنه القيام لشدة جريها، صلى قاعداً وأجزأه لقوله : ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً " ))(2) .
وإذا أمكنه(3) فصلى قاعداً فهل تلزمه الإعادة في الوقت أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الإعادة لازمة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومالك ومحكي عن أبي يوسف ومحمد.
__________
(1) خارج المسجد كما سلف.
(2) تقدم.
(3) أن يصلي على السفينة قائماً.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول بعث جعفر(1)
__________
(1) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله ، صحابي مشهور من الأوائل، ترجم له أصحاب كتب الحديث والتراجم باستقصاء واسترسال في معظمها، جاء في مجملها: جعفر بن أبي طالب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو عبد الله الطيار، ابن عم رسول الله، أخو علي وعقيل وأم هاني، أسلم قديماً وهاجر الهجرتين، واستعمله رسول الله على غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة، واستشهد بها وهي بأرض البلقاء، كان ثالث من أسلم من الرجال، لم يشهد بدراً مع من معه من المهاجرين في الحبشة إذ تأخر قدومهم إلى ما بعدها، ولكن النبي ضرب لجعفر بسهمه وأجره، روى عن النبي وعنه ابنه عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن مسعود وعمرو بن العاص، وأم سلمة، وبعض أهل بيته، وهو وعلي وعقيل بنو أبي طالب، أمهم: فاطمة بنت أسد بن هاشم. ا ه(تهذيب الكمال) 5/50-63، وقد عرف بالطيار؛ لأنه عندما استلم الراية في مؤتة بعد استشهاد زيد بن حارثة تكاثر عليه جيش الروم، فاقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى بُتر ساعده الأيمن، فتلقى الراية بالأيسر، وظل يقاتل حتى بُتر فانكفأ على الراية حتى قُتل.
قال في (الإصابة) 1/485: وقال ابن إسحاق: هو أول من عقر في الإسلام، وروى الطبراني من حديث نافع عن ابن عمر قال: كنت معه في تلك الغزوة فالتمسنا جعفراً فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعاً وتسعين بين طعنة ورمية، وفيه قال النبي : ((رأيت جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة)) و((ملكاً ذا جناحين مضرجاً بالدماء)) رواه الطبراني من حديث ابن عباس، وكان يحب المساكين ويخدمهم، فكان رسول الله يكنيه أبا المساكين، وقال له النبي : ((أشبهت خلقي وخُلقي)) رواه البخاري ومسلم، وكانت غزوة مؤتة في جمادى من سنة 8 للهجرة وكان عمر جعفر حينها 41 سنة.
إلى الحبشة فقال له: ((صل في السفينة قائماً إلا أن تخشى الغرق " ))(1) .
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر أن الرسول سئل عن الصلاة في السفينة فقال للسائل: ((صل قائماً إلا أن تخشى الغرق " )) .
المذهب الثاني: جواز ذلك(2) وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: ما روى ابن سيرين(3)
قال: صلى بنا أنس بن مالك في السفينة قاعداً على شاطئ السفينة وإنها لتخر بنا خرَّاً من شدة جريها.
الحجة الثانية: قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السفر فإن فرض القيام يسقط فيها كالصلاة على الراحلة.
__________
(1) هذا الحديث رواه الدارقطني، والحاكم في المستدرك، عن ابن عمر قال: سئل النبي كيف أصلي في السفينة؟ قال: ((صل فيها قائماً إلا أن تخشى الغرق)) قال في فتح الغفار: قال في المستدرك: وهو على شرط مسلم، وفي المنتقى على شرط الصحيحين، ويشهد له قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وحديث: ((إذا أمرتم بأمر فاتوا منه ما استطعتم)) وقد تقدم. ا ه1/163.
(2) يقصد: جواز الصلاة في السفينة من قعود، وعدم لزوم الإعادة في الوقت.
(3) محمد بن الحسن بن سيرين. ترجم له في (سير أعلام النبلاء) 4/606-622 فقال: الإمام شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، إلى أن قال: سمع أبا هريرة وعمران بن حصين، وابن عباس وعدي بن حاتم، وابن عمر وغيرهم، روى عنه: قتادة وأيوب ويونس بن عبيد وغيرهم. روي عن أخيه أنس أنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، توفي عن نيف وثمانين سنة، وقيل: ثمان وسبعين، وكان يوصف بالعلم والحفظ، يأتي بالحديث على حروفه كما روي عن ابن عون، وعن عون بن عمارة حدثنا هشام: أصدق من أدركت محمد بن سيرين، كما اشتهر بسعة العلم في الفرائض والقضاء والحساب، راجع (تقريب التهذيب) و(تاريخ بغداد) 5/331.
والمختار: ما اعتمده علماء العترة من منع ذلك(1) .
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو قوله لعمران بن حصين: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً " )) . وروي عن علي أنه قال: يصلي صاحب السفينة قائماً إلا أن لا يستطيع ذلك صلى قاعداً وإن توجهت به السفينة كل جهة(2) .
وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: صل في المركب قائماً. ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي فلا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله من جملة العبادات فلا يعرف من طريق الاجتهاد والمقاييس النظرية وإنما بابها التوقيف من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روي عن أنس بن مالك أنه صلى في سفينة قاعداً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا نهاية الأمر فيه أن يكون مذهباً لأنس فلا يلزمنا اجتهاده.
وأما ثانياً: فلعله محمول على عدم القدرة على القيام لشدة جريها وسعيها.
قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السفر فإن فرض القيام يسقط كالصلاة على الراحلة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن القيام على الراحلة وظهر الدابة مما يتعذر ويشق فلهذا قلنا بأنه لا يلزمه، بخلاف مسألتنا فإنه مستطيع للقيام من غير مشقة فلهذا لزمه فرضه.
وأما ثانياً: فلأن الراحلة لو كانت واقفة لا يلزمه القيام فهكذا إذا كانت سائرة بخلاف مسألتنا فإن القيام لازم في الحالين جميعاً فافترقا.
__________
(1) القصد المنع من الصلاة قاعداً في السفينة للمتمكن من القيام، ولزوم الإعادة في الوقت.
(2) تقدم معناه في الحديث السالف.
الفرع الثاني عشر: قال الإمام الهادي في (الأحكام): ولا تجزي الصلاة في البيع والكنائس التي لأهل الكتابين، فالبيع للنصارى والكنائس لليهود. وإنما لم تكن الصلاة مجزية في هذه الأماكن لما يظهر فيها من النجاسات بأقذارهم وخمورهم وما يتعلق بها من العفونات برطوباتهم فلأجل ذلك كانت الصلاة غير مجزية، فإذا طهرت عما ذكرناه جازت الصلاة كسائر المواضع التي تطهر عن النجاسة بعد وقوعها فيها، ولا تجوز الصلاة في الحشوش لأنها موضع الأقذار والنجاسات وملتقاها فلهذا لم تكن الصلاة فيها مجزية كسائر المواضع النجسة وإذا كانت بالوعة وقد ردمت جازت الصلاة عليها لأنها بإلقاء الطين الطاهر عليها قد تغيرت عن النجاسة وصار ما يلاقي المصلي طاهراً، وما تحتها فلا يضر المصلي ولو كان نجساً لملاقاته الطاهر.
قال الهادي في (الأحكام): والمصلي إذا كان مضطراً إلى الوقوف في الماء نظرت فإن كان الماء ذا كدر يستر عورته فإنه يصلي قائماً لأن القيام فرض فلا يجوز سقوطه مع إمكان الإتيان به ويؤمي للركوع والسجود ويكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه إذا لم يستطع خلاف ذلك، وإن كان الماء صافياً لا يستر عورته في حال قيامه فإنه يصلي قاعداً إلا أن يكون الماء غمراً فلا يتمكن من القعود لكثرته فإنه يومي لركوعه وسجوده لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )) . ومن هذه حاله فلا يستطيع إلا ما ذكرناه ويُنَزَّلُ منزلة العليل في الإتيان بالممكن من حاله.
الفرع الثالث عشر: نجعله خاتمة لما يصلَّى عليه يشتمل على ما يحرم وما يكره وما يستحب، فهذه ضروب ثلاثة:
الضرب الأول: في بيان ما تحرم الصلاة فيه.
قال الإمام المؤيد بالله: ومن صلى على سطحٍ جذوعه مغصوبة أو فراديجه(1)
__________
(1) الفردج: الأخاسي، ويقال: خاساه: لاعبه بالجوز. ا ه. قاموس.
والطين غير مغصوب، فالأقرب أن لا تجوز صلاته. وإن كان البيت على قواعد مغصوبة لا يمتنع أن تصح الصلاة، والتفرقة بينهما هو: أن القواعد قد بعدت عن الغصب، والسقوف والجلال(1)
مستقلة حائلة من دونها بخلاف الخشب فإن الفراديج غير مستقلة فلهذا جازت الصلاة في مسألة القواعد ولم تجز في مسألة الفراديج لما ذكرناه.
قاعدة: اعلم أن المصلي إذا لاقى الغصب في حال صلاته فصلاته غير مجزية سواء كانت الملاقاة في دار أو سرير أو عريش أو ثوب أو بساط أو غير ذلك من الآلات سواء كانت موضوعة على حلال أو غصب، لكونه ملاقياً لها، تقريراً على ما أصَّلنا من بطلان الصلاة في الدار المغصوبة وعلى الثوب المغصوب والثوب المسروق، فأما إذا لم يكن الغصب ملاصقاً للمصلي فإن المسائل النظرية والمضطربات الاجتهادية تختلف فيه، وعلى هذا لو صلى على سرير مباح في دار مغصوبة، أو صلى على عريش في سفينة مغصوبة فما هذا حاله يقع فيه التردد والنظر في الصحة والفساد.
وإن أراد المصلي أن يصلي في بيتين وكان أحدهما نجساً واشتبها عليه نظرت فإن كان هناك بيت ثالث طاهر صلى فيه لأن طهارته متيقنة وإن لم يكن هناك بيت ثالث فهل يتحرى ويعمل على غالب ظنه أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا وجه لتحريه لأن الحظر والإباحة قد تعارضا فوجب التعويل على جانب الحظر والإمتناع عن التحري لما ذكرناه.
__________
(1) الطين الموضوع على الخشب في السقوف.
الضرب الثاني: في بيان ما تكره الصلاة إليه، وتكره الصلاة إلى الأقذار لأن المأخوذ على المصلي أن يكون خالصاً في حال صلاته على أحسن هيئة في الثياب النقية والبقعة الطاهرة، وإذا كان الأمر كما قلناه من كراهة استقبال الأقذار نظرت، فإن كان بين المصلي وبين القذر مثل ما بين الإمام والمأموم كره ذلك، وإن كان فوق ذلك لم تكره، ومن صلى على نشز من الأرض وتحته قذر كره له استقباله إذا كان بينه وبين النجاسة مثل ما بين الإمام والمأموم، فإن كانت النجاسة في موضع مرتفع نظرت، فإن كانت فوق قدر القامة فلا كراهة لعدم المواجهة لها، وإن كانت دونها كره ذلك ولا يفترق الحال بين أن تكون النجاسة في الموضع المنخفض أو المستوي في زوال الكراهة إن كان بينها وبين المصلي أكثر مما بين الإمام والمأموم، وإن كان دون ذلك كره، وإن كانت النجاسة في موضع مرتفع اعتبر في زوال الكراهة أن تكون فوق قدر القامة، فإن كان دونها كره. [والمصلي إذا كان مضطراً إلى الوقوف في الماء نظرت فإن كان الماء كدراً يستر عورته فإنه يصلي قائماً ويؤمي للركوع والسجود إنما يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه إذا لم يكن مستطيعاً لأكثر من ذلك، وإن كان الماء صافياً لا يستر عورته فإنه يصلي قاعداً إلا أن يكون الماء غمراً فلا يتمكن من القعود فيه لكثرته فإنه يؤمي للركوع والسجود. والوجه في ذلك: قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما ستطعتم )) . ومن هذه حاله فلا يستطيع إلا ما ذكرناه وينزل منزلة العليل في الإتيان بالصلاة بالممكن من حاله](1) .
وهل تكره الصلاة في السرير المعلق بالحبال إلى السقف أو تكون باطلة؟ فيه تردد.
والمختار: بطلانها لأنه غير مستقر على الأرض كما لو صلى على الأرجوحة، ولا تشبه السفينة لأن قرارها على الماء فافترقا.
__________
(1) ما بين القوسين مكرر في الأصل. وقد سبق في الفرع الثاني عشر قبل هذا.
قال الإمام القاسم في الطهارات: ومن شاق الله تعالى بكبيرة فواجب ألا يُتَّخَذ سترة ولا قبلة في الصلاة(1)
وواجب إعادتها.
قال الإمام أبو طالب: وهذا محمول على الاستحباب يعني في وجوب الإعادة، فأما وجوب العدول عن إتخاذه سترة فهو على ظاهره لأن التبرؤ من أصحاب الكبائر الكفرية والفسقية والبعد عنهم واجب على المسلمين، ولله در هذا الإمام ما أقومه بأمر الله وأشد شكيمته على أعداء الله بالبعد عنهم والطرد لهم والإيحاش حتى آل أمره إلى أن من ارتكب كبيرة من الكفر والفسق فواجب أن يُتَجنب ولا يخالط المسلمين في مساجدهم ولا يكون قبلة لأحد في المساجد، ومصداق ما قاله القاسم قوله تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الَّلهَ وَرَسُولَهُ " وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ}[المجادلة:22]. إلى آخر الآية، فهذه الآية أعظم آية في كتاب الله تعالى، في انقطاع الموالاة والمودة والمحبة، لمن حاد الله ورسوله بارتكاب الكبائر الفسقية والكفرية.
قال القاسم: وأحب ألا أُصلى إلا في موضع مستوٍ. وأراد: أنه يكره ما خالف ذلك لأن المكان إذا كان منحدراً فإن المصلي ينكس رأسه ويرفع عجيزته وإرتفاعها مكروه، وإن كان المصلي متصعداً فإن المصلي يرفع رأسه وفيه نقص لهيئة السجود فلهذا كره.
قال الهادي: ولا تسجد على كور العمامة، واعلم أن الكُور بضم الكاف: هو كور الناقة وهو سرجها، والكَور بفتحها: طاقات العمامة، ويطلق على الزيادة أيضاً ومنه الحديث: ((أعوذ بك من الحور بعد الكور " ))(2) .
أراد النقصان بعد الزيادة. وهل يكون السجود على العمامة مفسداً للصلاة أو يكون مكروهاً؟ فيه مذهبان:
__________
(1) في الأصل: في صلاته.
(2) أخرجه الترمذي عن عبد الله بن سرخس. 5/250.