فالقول الأول: أن المراد هو الكعبة وما حولها من المسجد وسائر بقاع الحرم.
والحجة على هذا قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى " }[الإسراء: 1]. والمعلوم أنه أسري به من بيت خديجة، وكل موضع أطلق عليه المسجد الحرام فالمراد به جميع الحرم المُحَرَّمِ وله أعلام منصوبة معلومة من كل جهة في مكة.
القول الثاني: أن المراد بالمسجد الحرام إنما هو الكعبة وما في الحجر من البيت لما روت عائشة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أصلي في البيت؟ فقال: ((صلي في الحجر فإنه من البيت " ))(1) .
فلو كان المسجد وسائر بقاع الحرم يساوي الكعبة في الفضل لم يكن لتخصيصها بالبيت معنى بالنذر ولأمرها رسول الله أن تصلي في سائر بقاع الحرم، وإذا تقرر أن البيت الحرام إنما هو الكعبة فهكذا الكعبة فهكذا المسجد الحرام، وهذان القولان محكيان عن الفقهاء.
القول الثالث: أن المسجد الحرام: الكعبة والحرم وما وراء ذلك إلى المواقيت، وهذا هو رأي أئمة العترة ذكروه في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:169].
__________
(1) أخرجه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي من حديث عائشة بلفظ: كنت أحب أن ادخل البيت أصلي فيه، فأخذ رسول الله بيدي فأدخلني الحِجر، فقال لي: ((صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت)) ا ه‍فتح الغفار 1/568. وفي الحديث روايات بألفاظ أخر عن عائشة وعن جابر. وقد اورده المؤلف هنا في سياق الحديث عن أماكن الصلاة بينما موضعه الحج على الأرجح، والله أعلم.

والمختار: أن المراد بالمسجد الحرام هو الكعبة لأنه الظاهر والأشهر عند الإطلاق لقوله تعالى: {جَعَلَ الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ " }[المائدة:97]. ولا فصل بين البيت الحرام والمسجد الحرام، فأما الآية(1)
فإنما سمي بيت خديجة المسجد الحرام على جهة المجاورة لما كان متصلاً به.
الحكم السادس: ويجب النهي عن البيع والشراء في المساجد وذلك مما لا يحفظ فيه الخلاف من زمن الرسول إلى يومنا هذا لقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهَُّ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ " }[النور:36]. والبيع والشراء ليسا من ذكر الله تعالى في شيء، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهَِّ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ " }[البقرة:114] وإذا شغلت بالبيع والشراء فقد منعت عن ذكر الله وذكر اسمه، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ " }[التوبة:18]. ولم يقل: إنما يعمر مساجد الله من باع فيها واشترى. وهكذا القول في سائر الأمور المباحة من الخياطة والنساجة والوراقة، ولما روي عن الرسول أنه قال لمن سأله عما يجوز فعله في المساجد فقال: ((إنما المساجد لذكر الله تعالى وللعبادة " ))(2)
__________
(1) يقصد الآية الأولى من سورة الإسراء.
(2) أسنده ابن بهران في (الجواهر) إلى (الانتصار)، ويستفاد من مجموع الأخبار الواردة في هذا الموضوع ومن أقوال واجتهادات الأئمة والفقهاء: أنه لا يجوز في المساجد إلاَّ الطاعات إجماعاً، واستثني بعض المباحات ذات الصلة بالطاعة أو بالضرورة كالتشاور في أمر يهم المسلمين ونوم عابر السبيل والأكل والشرب وما إليها. اه‍. المحقق.
ومنما ورد من الأخبار في معنى الحديث السالف ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله نهى عن البيع والشراء في المسجد، وأن تُنْشَد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن الحلق قبل صلاة يوم الجمعة، أخرجه أبو داؤد والترمذي. وفيه عن أبي هريرة: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك))، وعن ابن عمر عن النبي قال: ((خصال لا ينبغين في المسجد لا يتخذ طريقاً ولا يشهر فيه سلاح ولا ينتضل فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل، ولا يُمر فيه بلحم ني، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقاً)) رواه ابن ماجة. ا ه‍جواهر 1/221.

.
ولأن عمل المسلمين قد جرى على المنع من ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف وفي هذا دلالة على كراهته. فإن باع واشترى فلا خلاف في انعقاد البيع مع الكراهة(1) .
الحكم السابع: قال الإمام الناصر : ولا تغلق أبواب المساجد في أوقات الصلوات ليلاً ولا نهاراً لأنها إذا أغلقت في أوقات الصلوات ليلاً أو نهاراً كان منعاً للمسلمين عن الصلاة والذكر والعبادة فيها، وهذا هو الظلم الذي أراده الله تعالى بقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الَّلهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا " }[البقرة:114]. فقوله: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}: يحتمل أن يكون المراد به منعها عن الصلاة والعبادة والذكر لأن هذا هو عمارتها، ويحتمل أن يراد به هدمها وإزالة عمارتها. ولا بأس بإغلاق أبوابها لحفظ بسطها وحصرها وقناديلها وسرجها من اللصوص والسُّراق، ويعهد إلى السرادار في فتح أبوابها للصلاة ليلاً ونهاراً فإذا خرج المسلمون بفراغهم من الصلوات أغلق الأبواب وأطفأ القناديل إذا لم يكن هناك من يدرس عليها أو يطالع في العلوم، ويتعهدها بالكنس والتنظيف وإزالة العفونات عنها والإنكار على من في بدنه أو ثوبه نجاسة تؤدي إلى تنجيس المسجد، ويتعهدها بالروائح الطيبة من أموالها، ولا بأس بدخول الصبيان إذا كان لا يخشى منهم تنجيس المساجد، يشهدون الصلوات ويكون تمريناً لهم على المحافظة عليها عند دخولهم. ويُنهى الداخلون عن رفع الأصوات والأحاديث المباحة التي لا مصلحة فيها ولا يكون اشتغالهم إلا بما فيه طاعة الله تعالى، لما روي عن الرسول أنه قال: ((من دخل المسجد فحظه لما دخل " ))(2) .
الحكم الثامن: ويكره نقش المساجد بالذهب والفضة وألوان الصباغات، سقوفها ومحاريبها، وإنما كره لأمرين:
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: داؤد وطبقته قالوا: (لا ينعقد البيع) . فلا يكون إجماعاً.
(2) ورد معناه في الأحاديث السالفة الذكر.

أما أولاً: فلأن ما هذا حاله يشغل المصلي عن التفكُّر في الصلاة ويشوش قلبه عن الخشوع.
وأما ثانياً: فلأن هذا إضاعة للمال وسرف من غير فائدة تعود على المسلمين، والمساجد فلا حاجة إليه، فأما نقش الكعبة ومسجد الرسول فلم يكن بإذن من أحد من الأئمة ولا من أحد من العلماء وإنما فعله أهل الدول الجائرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء على ذلك من غير رضا، وكرهوا خراب ذلك لما فيه من التبذير بالخراب، وتكره الستور على جدرات المساجد لأنه لا مصلحة فيه لا للمسلمين ولا للمساجد ولأن فيه تشبيهاً بالبيوت في وضع الستور على جدراتها، فأما أستار الكعبة فهي مخصوصة بالإجماع على ذلك فلهذا كانت خارجة عن حكم المساجد؛ لأن ذلك كان مشروعاً في حقها في الأزمنة الماضية قبل الإسلام وأقرها الإسلام على ذلك. ويستحب بياضها، لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أُمِرْنا أن نبني مساجدنا بيضاء " ))(1) .
يعني من غير نقش وزينة.
وروي أن الأنصار جاؤا إلى الرسول فقالوا له: زيِّن مسجدك. فقال: ((إنما الزينة للكنائس والبِيَع بيضوا مساجدكم " )) (2) .
وعن علي أنه قال: من علامات القيامة، زخرفة المساجد، وتطويل المنارات، وإضاعة الجماعات.
__________
(1) جاء في الجواهر ما حكاه في الانتصار عن علي أنه قال: من علامات القيامة زخرفة المساجد...)) إلى آخره، ا ه‍1/222، وعن ابن عباس مرفوعاً: ((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، أخرجه أبو داؤد. قال في (نيل الأوطار): الحديث صححه ابن حبان ورجاله رجال الصحيح، إلى أن قال: وقد أخرج البخاري في صحيحه قول ابن عباس المذكور تعليقاً إلى آخره. ا ه‍ 2/149.
(2) سبق معناه في الحديث السالف؛ لأن زخرفة اليهود والنصارى كانت للكنائس والبيع.ا ه‍.

الحكم التاسع: في المنارات والصوامع. والمنارات: أبنية على شكل الصوامع وهي دونها في السمك والطول تُجعل على سطوح المساجد يصعد عليها المؤذنون تكون فوق القامة. وأما الصوامع فهي أعظم حالاً منها في السمك والإرتفاع للتأذين أيضاً، فالصوامع تكون في الجوامع العظيمة، والمنارات تكون في سائر المساجد. وهل تكره عمارتها ويؤمر بهدمها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها مكروهة ويؤمر بهدمها وهذا هو رأي أئمة العترة. وروي عن علي أنه قال: رفع المنارات من البدع، وذم من فعله على فعله.
وحكي عن الهادي: أنه أمر بهدم الصوامع المشرفة على دور المسلمين [لمنع] التطلع على عوراتهم لمن يرتقي عليها، وهكذا حكي عن الناصر أنه قال: لا ترفع المنارات فوق سطوح المساجد، وهكذا الصوامع لإشرافها على دور المسلمين.
والحجة على هذا: هي أن رفع هذه المنارات والصوامع إنما تعمر لمصالح المسلمين في التأذين فإذا كان لا يؤمن فيها الإشراف على عورات المسلمين والإطلاع على حُرمهم وجب هدمها لأنها من جملة المنكرات، ويخالف رفع الرواشن(1)
والأبنية للمالكين لها فإنه لا يجوز هدمها لأنها ملك لمن ملكها فلا يمنع عن رفعها وإشادتها ويؤمر الجيران بالستر عليهم إذا أضر عليهم ذلك بخلاف هذه الصوامع والمنارات فإنها عمرت لمصالح المسلمين، فإذا كانت فيها مفسدة بطلت لأن من حق المصلحة الدينية ألاَّ يعارضها شيء من المفاسد.
المذهب الثاني: أنه لا بأس بها ولا يؤمر بهدمها وهذا هو رأي الفقهاء.
والحجة على هذا: هي أن عمل المسلمين قد جرى بها وسكت العلماء في كل وقت على عملها وعمارتها وفي هذا دلالة على جوازها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كراهة العمارة للمنارات والصوامع.
والحجة لهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا حجتين:
__________
(1) في (لسان العرب) و(القاموس) الروشن: الكوة والرف. ا ه‍. مادة (رشن) .

الحجة الأولى: أنها لم تعمر في زمن الرسول ، فإحداثها يكون بدعة فلو كانت المنارات سنة لأمر بعمارتها كما أمر بعمارة المساجد ولفعلها لمسجدِهِ نفسه كما أمر برفع حيطانه وسقفه ومحرابه.
الحجة الثانية: هو أن المقصود منها إنما هو ظهور أصوات المؤذنين وارتفاعها وهذا حاصل بالأذان في سطوح المسجد وحجراته المرتفعة، وكيف لا وما يحصل في عمارتها من المفسدة بالإطلاع على عورات المسلمين وحرمهم كافٍ في هدم ما عمر منها والكف عما يعمر منها.
الانتصار: يكون بإبطال ما يوردونه حجة لهم.
قالوا: حرم مكة فيه أربع منارات وما علم من أحد من العلماء وأهل الفضل إنكارها وفي هذا دلالة على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنهم عمروها بغير إذن من جهة أهل العلم والفضل بالدول الجائرة، وسكت العلما بعد ذلك ولم يروا خرابها بعد عمارتها مصلحة.
وأما ثانياً: فلأن كلامنا إنما هو في الكراهة وطلب الأفضل دون التحريم وربما كانت هذه المنارات بحيث لا يطلع منها على عورات المسلمين بسد الطاقات التي فيها وعند هذا تسلم من المفسدة التي ذكرناها.
قالوا: هذه المنارات والصوامع فيها إشادة بذكر الله وذكر رسوله بالشهادتين، وجمال للمسلمين فيجوز عمارتها لهذه المصلحة كعمارة المساجد.
قلنا: هذا المقصود حاصل من دون عمارتها، وإشادة ذكر الله وذكر الرسول بالشهادتين حاصل من سطوح المساجد كما كان في زمن الرسول فإن جميع المؤذنين في زمانه ما كانوا يؤذنون إلا على السطوح المرتفعة كبلال وأبي محذورة وفي ذلك كفاية عن إحداث الصوامع والمنارات التي لا تؤمن منها المفسدة.
الحكم العاشر: في بيان ما يفعل في المساجد. فتارة تكون محظورة، ومرة تكون مكروهة وتارة تكون مستحبة. فهذه ضروب ثلاثة:

الضرب الأول: الأمور المحظورة، فلا يجوز البول في المسجد لما روي أن أعرابياً بال في المسجد فأمر رسول الله بأن يُصب عليه ذنوبٌ من الماء. فلولا أنه ينجس المسجد لما أمر بتطهيره عنه، ويحرم التغوط في المسجد لأنه أقذر من البول وأشد عفونة منه فإذا حرم البول فحرمة الغائط أولى وأحق. ويحرم الجماع في المسجد لأنه يؤدي إلى تنجيس المسجد بما ينفصل من المني ولأن الجنب ممنوع من دخول المسجد فكيف يجتنب فيه، ويحرم البقاص والمخاط في المسجد لما روي أن الرسول قال: ((إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار " ))(1) .
ويحرم غرس الأشجار المثمرة وغير المثمرة في داخل المسجد وفي عرصته لأن ما هذا حاله يبطل الغرض من المسجد لأن المسجد إنما عمر من أجل الصلاة والعبادة وهذا يبطلها ولأن عرصة المسجد منه فلا يجوز شيء من ذلك فيها. ويحرم أيضاً حفر الآبار في المسجد لأن ذلك يكون مانعاً للصلاة وسواء كانت تلك البئر للشرب والوضوء والغسل أو كانت للخلاء(2) أ
__________
(1) وعن أبي أمامة عن النبي قال: ((من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة)) أخرجه أحمد بإسناد حسن، وعن أنس: ((البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) أخرجاه. وعنه: أن النبي رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكها بيده، فقال: ((إن احدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدميه)) ثم أخذ طرف ردائه وبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض فقال: ((أو يفعل هكذا)) رواه البخاري، قال في (فتح الغفار): وهو له: أي للبخاري من حديث أبي سعيد مختصراً، وفيه: رأى نخامة في حائط المسجد. وفي لفظ: في قبلة المسجد. اه‍ 1/167.
(2) للحمامات.

و كانت بئراً يحفظ فيها الحب ويدفن. أما الشرب والوضوء فإنها تكون مانعة من الصلاة، وأما بئر الخلاء فلأنها تؤدي إلى تنجيس المسجد. أو كانت بئراً للحب يحفظ فيه لأن حفره لما ذكرناه يبطل الغرض به من الصلاة والعبادة.
وهل يحرم دخول المشركين وأهل الذمة وسائر أصناف الكفار المساجد أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: تحريم ذلك على جميع المشركين وأهل الكفر من أهل الذمة وغيرهم وهذا هو قول الإمامين الناصر والهادي ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ " فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}[التوبة:28].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى منعهم من أن يقربوا المسجد الحرام لنجاستهم وهذا المعنى موجود في سائر المساجد.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[البقرة:114]. وجميع أصناف الكفار يريدون قتالنا ويمنعوننا عن ذكر الله في مساجدنا فيجب أن يكونوا ممنوعين عن دخولها إلا خائفين أن نوقع بهم بالقتل والإهانة.
المذهب الثاني: جواز ذلك وإباحته، وهو رأي الإمام المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قدم إليه وفدُ ثقيف فأنزلهم المسجد وصرف لهم فيه خيمة

فقالوا له(1):يا رسول الله إنهم قوم مشركون أنجاس. فقال: ((إنما نجاستهم على أنفسهم " ))(2) .
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه اسرى سرية فوجدوا ثمامة بن أثال فأتوا به أسيراً فربطه الرسول إلى سارية من سواري المسجد وكان يمر عليه في أوقات الصلاة، ثم أسلم بعد ذلك(3) ففي هذا دلالة على جواز دخول أهل الشرك المسجد.
المذهب الثالث: أن الكفار يُمنعون عن دخول المسجد الحرام فأما سائر المساجد فإن عوهدوا على الإمتناع منه لم يدخلوه وإن لم يعاهدوا على الإمتناع منه جاز دخولهم، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على منعهم من دخول المسجد الحرام، ظاهر الآية فإنها صريحة في منعهم عن دخوله وأما سائر المساجد فهي موقوفة فإن وقع العهد على منعهم عنها وجب امتناعهم وإن لم يعاهدوا جاز دخولهم لما ذكرناه من وفد ثقيف ولما رويناه من قصة ثمامه فإنها دالة على جواز دخولهم، فهذا تفصيل المذاهب كما ترى.
__________
(1) أي: فقال له أصحابه أو المسلمون.
(2) هذا طرف من حديث يروي حكاية وفد ثقيف لما قدموا على النبي فضرب لهم قبة في المسجد، فقال المسلمون: يا رسول الله قوم أنجاس، فقال : ((إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم)) رواه في حاشية البحر، وهو في (أصول الأحكام)ا ه‍جواهر 1/14.
(3) ربط ثمامة بن أثال الحنفي في سارية مسجد رسول الله، تقدم في كتاب الطهارة.

والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والناصر ومن تابعهما، وتقرير حجتهم هو أن الآية صريحة في منع الكفار وأهل الشرك عن دخول المسجد الحرام فلا حاجة إلى تأويلها ومن جهة أنهم قوم أنجاس لا يتنزهون عن ملابسة النجاسات فيجب تنزيه المسجد عن دخولهم لأنه لا فرق بين تنجيس المسجد وبين إدخال من ينجسه، ويؤيد ذلك ويوضحه ما روي عن الرسول أنه قال: ((المؤمن والكافر تتراءى نيرانهما " )) والغرض من الخبر هو التباعد وقطع العلائق بين الكافر والمؤمن، وإذا كان الأمر هكذا فلا وجه لإيناسهم بدخولهم مساجدنا وتحكيمهم فيها، ومع ذلك فإنه لا حاجة لهم إليها لأنها إنما تدخل للعبادة والصلاة وليسوا من أهل الصلاة والعبادة فلهذا وجب القضاء بامتناعهم عنها.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
فأما ما روي عن الإمام المؤيد بالله من احتجاجه بوفد ثقيف وبما كان من قصة ثمامة بن أثال فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل مجملة لا يُدرى على أي وجه وقعت وهي مجملة فلا يصح الاحتجاج بها إلا بما يوضحها ويبينها.
وأما ثانياً: فلعلها واردة قبل وقوع النهي وإذا كان هذا محتملاً لم يصح الإعتراض به على ما استدللنا به من صريح الآية الدالة على المنع والتحريم.
وأما ما روي عن الشافعي فقد سلم منعهم عن دخول المسجد الحرام وقال: إن عوهدوا جاز وإن لم يعاهدوا لم يجز.
قلنا: ليس للإمام أن يعاهدهم على مخالفة نص الكتاب ولا يباح له ذلك.
الضرب الثاني: في بيان الأمور المكروهة، فقد قدمنا كراهة النقوش لها وكراهة الستور على جدرانها، وتكره النخامة في المسجد ويكره إنشاد الضالة في المسجد لما روي عن الرسول أنه سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فقال له: ((لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله " )) (1) .
ويكره النوم في المسجد إلا لمن كان معتكفاً، ليلاً ونهاراً لأمرين:
__________
(1) تقدم.

166 / 279
ع
En
A+
A-